القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

هل تفرض "عاصفة السلام" السلام في ليبيا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-04-14 13:32:00 | 1065 مشاهدة

ملخّص

بعد نجاحها في تحييد سلاح الجوّ الأشهر الأخيرة، يبدو أن قوات الوفاق الوطني في الغرب الليبي بدأت عمليًّا في التمهيد لامتلاك سماء المنطقة الغربية من خلال اكتساب عوامل التفوّق، جوًّا وبرًّا مع حلول العام الأوّل لإعلان اللواء المتقاعد خليفة حفتر هجومه على العاصمة طرابلس في عمليّة أطلق عليها اسم "الفتح المبين"، كانت حصيلتها آلاف القتلى، عشرات الآلاف من النازحين، ودمار أملاك عامةٍ وخاصةٍ، بحجّة القضاء على الإرهاب، قبيل أيام فقط على مؤتمر أممي جامع بغدامس لحل الأزمة، لكن "الجهاد" أو "الزحف المقدس" بهدف "فتح" العاصمة أخفق على جميع المستويات، كما أخفقت وساطة الأمم المتحدة في مسارها السياسي والعسكري والاقتصادي، ما أطاح بالوسيط الدولي نفسه، فبقي الحوار للسّلاح، ولردّ العدوان عكست قوات الوفاق الهجوم في عمليّة سمّتها "عاصفة السلام"، منفّذة غارات جويّة على القواعد العسكرية الموالية لحفتر بالمنطقة الغربية، وهجمات بريّة على محاور جنوب طرابلس وشرق مصراته بغاية قطع إمدادات قوات حفتر لمقاتليها بالسلاح، مما شكّل تغيّرا كبيرا في قواعد الاشتباك منذ أن كشّر مشروع العسكرة عن أنيابه غربًا مستهدفا ثوّار فبراير، المتمسّكين بشرعيّة القانون في صد أيّ معتدٍ، وبقانون الشرعية الوحيدة المعترف بها دوليا.

 

مقدّمة
نسف الجنرال المتقاعد خليفة حفتر  الجهود الدولية لحل الأزمة فلا ربح المعركة ولا قبِل بالسّلام، بعدما كان يعتقد أن ضمّ طرابلس لن يتجاوز يومين اثنين حسب وعوده لحليفه الفرنسي، لكن قواته أخفقت حتى الآن في الدخول إلى طرابلس من جميع المحاور، رغم الدعم الخارجي تمويلا من السعودية، وتسليحا من مصر والإمارات وفق التقرير الأخير للجنة الخبراء بالأمم المتحدة، ورغم تجنيدها المرتزقة من تشاد والسودان وروسيا لاستخدامهم في الحرب بعقود من شركات أمنية إماراتية وروسية بهدف تعزيز مختلف نقاط الارتكاز التابعة لقوات حفتر في الوسط والغرب، ورغم كل ذلك لم تكسب قوات الكرامة المعركة وظل قائدها أمير الحرب مذبذبا، لا مع وقف إطلاق النار على الأرض، ولا مع رفض وقف إطلاق النار في تصريحاته الرسمية، فبقيت الجبهات مفتوحة على المجهول، وفتح وباء كورونا جبهة جديدة دفعت الأمين العام للأمم المتحدة إلى المطالبة بوقف الحرب والإشارة في سابقة لمسؤول أممي، إلى أن حفتر هو من بدأ الصراع.

- 1 - المعارك الدبلوماسية

 - أ - تذبذب مواقف حفتر
فشلت كل المساعي الدولية والمؤتمرات في وضع حل لأزمة ليبيا، كما فشلت الصراعات الداخلية بين جنرال الحرب خليفة حفتر  ورئيس قوات الوفاق في طرابلس فايز السراج في إجبارهما على إنهاء الحرب، وإبرام مبادرة سياسية لإنهاء الأزمة، فترواحت المعارك بين التصعيد والتهدئة دون هدنة واضحة زمنيا ومكانيا، نظرا لعدم التزام حفتر  بها رغم تعهداته. ففي ال11 من جانفي/ يناير الماضي أعلن حفتر القبول بوقف لإطلاق النار، لكن الأمر اللافت أنّه  رفض قبلها بثلاثة أيام فقط التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أقرّه كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في تركيا في الثامن من نفس الشهر، بينما وافق رئيس حكومة الوفاق على المبادرة.
ثم في الرابع عشر من الشهر المذكور، ومن العاصمة الروسية موسكو رفض حفتر توقيع اتفاق لوقف إطلاق  طالبا مزيدا من الوقت، بينما وقع غريمه فايز السراج، للمرة الثانية، وذلك قبيل مؤتمر برلين للحوار الذي أكد فيه أردوغان وبوتين على ضرورة تنفيذ الطرفين للهدنة.
وفي التاسع عشر من فيفري/ فبراير وتزامنا مع زيارة حفتر لموسكو ولقائه بوزير دفاعها، أعلن الناطق باسم حفتر، أحمد المسماري تعليق الهدنة وأنه لا حل إلا عسكريا، بينما قال حفتر لوسائل الإعلام الروسية إن وقف إطلاق النار مشترط بوقف إمدادات السلاح التركي لطرابلس.
وتظهر هذه المواقف المتذبذبة لحفتر أن كلما صعّدت قوات الوفاق وتيرة عملياتها كلّما أعرب حفتر عن إمكانية إيجاد حل سياسي للأزمة وهو الذي قال ناطقه الرسمي صراحة بأنه لا حل إلا من خلال صندوق الذخيرة وفوهات المدافع، ويمكن فهم تلاعب حفتر بالهدنة، بالنظر إلى غياب طريقة إجرائية وفعلية لمحاسبته، لاسيما أنه في حِلّ من أية معاهدات تلزمه، فضلا عن غياب مراقبين محايدين لوقف إطلاق النار، وهي في النهاية مخترق لكل المواثيق ومعتمد على القوّة فقط.
- ب - ثورة البركان
مرّة أخرى وفي التاسع من مارس قام حفتر بزيارة للعاصمة الفرنسية باريس، وبعد اجتماعه برئيسها إيمانويل ماكرون أعلن استعداده لتوقيع وثيقة وقف إطلاق النار شرط موافقة السراج، دون تقديم أية رسالة حسن نية تعرب عن التزامه بالهدنة المقترحة.
وواصلت قواته قصف الأحياء الجنوبية للعاصمة بشكل جنوني وكان يوم ال17 من مارس يوم "ملحمة" كما وصفتها قوات الوفاق، حيث قُتل عديد كبير من عناصرها، مقابل أسرها العشرات من المرتزقة السودانيين وقوات حفتر، حتى صرّح الناطق باسمه أحمد المسماري في ال21 من مارس قبوله بهدنة إنسانية لمقاومة وباء كورونا، نزولا عند دعوة أممية، أمريكية وأوروبية، إلا أنّ تصريح المسماري تزامن مع تجديد خرقه للهدنة بقصفه مجددا أحياء عين زاره، لكن هذه المرة أعلنت إثرها قوات بركان الغضب نفاذ صبرها مع خسارة عدد كبير من مقاتليها، وخشيتها من تدهور الأوضاع بشكل أكبر خاصة مع ظهور إصابات لوباء كورونا في أكبر المدن كثافة، مصراتة وطرابلس، مما بات يثير المخاوف من تضعضع مجهود الدولة أمام طول أمد المعارك وبالتالي التفكير في سرعة الحسم.
 كما لقي صمت حكومة السراج ومستشاريه مما يجري امتعاضا كبيرا من نشطاء المجتمع المدني الذين وجهوا انتقادات كبرى، لعدم دعم الرئاسي للجبهات أو إدانة الجاني وطالبوا بقطع العلاقات مع الدول الداعمة لحفتر كمصر والإمارات، لتعلن إثرها قوات بركان الغضب رسميا بداية عملية عسكرية شاملة تعتمد الهجوم بدل الدفاع.
 - 2 - المعارك العسكرية:

 -أ - الهجمات الجويّة:
بعد تحييد طيران حفتر عن سماء الغرب الليبي في ديسمبر/كانون أول الماضي بفضل امتلاك دفاعات جوية متطوّرة، بدأت قوات "بركان الغضب"، عمليا، التحضير لتغيير معادلة امتلاك السماء منذ بداية النصف الثاني لشهر جانفي/يناير الماضي، رغم أن موضوع الطائرات المسيرة الإماراتية والطائرات النفاثة الأجنبية (رافال الفرنسية) ظلّت تؤرّق قوات الوفاق منذ بداية العدوان خاصة وأنها كانت في أمسّ الحاجة لدفاعات جوية لرد طيران حفتر الذي كان يملأ سماء العاصمة، إلا أن إبرام الاتفاقية الأمنية والبحرية مع تركيا قلب المعادلة.
وتحديدا، في ال25 من مارس المنقضي فجرا  تم إعلان بدء عملية مرحلة الهجوم بدل الدفاع لمطاردة قوات حفتر حتى تمركزات ما قبل عدوانها، في إطار عملية متفرّعة عن عملية "بركان الغضب"، سمّتها "عاصفة السلام" وهي التي أعلنها الناطق باسم جيش الوفاق محمد قنونو  بهدف ضرب أماكن ومنصات خروج القذائف المدفعية لقوات حفتر.
كذلك في نفس اليوم أكّد قائد المنطقة الغربية التابع لحكومة الوفاق أسامة الجويلي قصف قاعدة الوطية الجوية وأسر عناصر من قوات حفتر، وتميزت العملية بدقّة مُحكمة من حيث توقيتها ومكانها حاكت عملية استرجاع مدينة غريان الإستراتيجية لولا اختلاف طبيعة المكانين، فالوطية (جنوب غرب العاصمة) محاطة بحاضنة شعبية موالية لحفتر، إضافة لعزلتها وطبيعتها الجغرافية المكشوفة بحيث لا يمكن المجازفة بأي عملية برية حاليا .
ومن أهم ميزات العملية أنها كانت مباغتة وخاطفة معا، وهو عامل جديد يضاف إلى قوات الوفاق جويّا لم تستوعبها القوات المقابلة،  وتحوم التقارير حول عملية محكمة التنسيق والتوقيت أكدت منعرجا حاسما في سلاح الجو الوفاقي الذي استفاد من عناصره من حيث التمارين والتدريبات الأخيرة التي جرت بالتزامن مع تدريبات على استخدام دفاعات جوية أثبتت جدارتها منذ أسر الطيار عامر الجغم بعد استهداف طائرته، بفضل الامتيازات التي لم تكن لتحصل لولا مذكرة التفاهم المبرمة مع تركيا، وكشف خبراء أتراك عن نجاعة الطائرات المسيرة التركية خاصة "بيرقدار" والتي أثبتت نجاحها العالي في شمال سوريا قبل استعمالها في غرب ليبيا.
ومما يؤكد أن هجوم الوطية ليس بالعملية المعزولة وإنما في إطار استمرارية مرحلة الهجوم والبناء على فعاليتها، أنه بعد نحو أسبوعين قصفت طائرة تابعة للوفاق طائرة شحن إماراتية (نوع انتينوف) قادمة من دولة الإمارات باتجاه الغرب الليبي وفق أطقم الترصد والتتبع لمسارها، وبمجرد نزولها بمدينة ترهونة، شرق طرابلس يوم الخامس من أفريل تم استهدافها بدقة، ونقل شهود عيان سماعهم لأصوات انفجارات الذخائر.
وأكدت قوات الوفاق أن تلك الذخائر والمعدات كانت بهدف دعم قوات حفتر  وعناصر اللواء التاسع (الكانيات) الموالية لقوات الكرامة في منطقة المشروع بين منطقتي ترهونة وسوق الخميس، حيث عمدت الإمارات في ديسمبر الماضي لإنشاء مهبط للطائرات في المنطقة يتم منه التزوّد بالذخيرة للإنطلاق منه لضرب القوات المعادية.
والكشف عن هذه المعلومات، إنّما يعكس كذلك تحوّلا نوعيّا في جهاز الاستخبارات الذي راقب توقيت خروج الطائرة وحدّد الزمن الكافي لنزولها ثم ترصدها واستهدفها قبل إفراغ الحمولة والمغادرة، وهذه التطورات لا تزال محاطة بالغموض، ربما هو تكتيك عسكري خاصة وأن الناطق باسم الوفاق محمد قنونو سبق وأن نبّه إلى خطورة نشر أي أسرار عسكرية قد تضر بالجبهات وسير العمليات مما قد يفسر التكتم على عديد المسائل، لكن لا شك أن الاستخبارات التركية كانت شريكا في العمليات مع نظيرتها الليبية. أما عن التعاون البحري وجديّة التدخل التركي عبر البوارج، فهو وارد ولا يتعارض مع إطلاق الاتحاد الأوروبي عملية ضد حظر توريد السلاح إلى ليبيا، فالعملية عبارة عن مجرد رصد أو مراقبة لحركة البحار ولا تستطيع التدخل عسكريا ضد أي طرف ليبي أو تركي لعدم وجود أي اتفاقيات تلزم الأوروبيين بالتدخل. كما أن مجلس الأمن الدولي أصدر قراره بحظر التسليح ولم يكلف الاتحاد الأوروبي بالعمل على تنفيده، هذا دون الإشارة إلى قرار الاتحاد الأوروبي المتهافت بحيث لا يشمل الرقابة على البر والجو، والمتحيّز مما لا يضمن منع تدفق السلاح لمعسكر حفتر ليستمر في عمليته ضد مدن الغرب، وعليه فان العملية الأوروبية عديمة الجدوى، وعكست موقفا أكثر من أن تكون لها فاعلية، باعتبار أن عملية "صوفيا" السابقة لم تنجح حتى في إيقاف قوارب المهاجرين الصغيرة، رغم تشدد أوروبا في منع الهجرة إليها أكثر من تشددها في أمور أخرى.
إلى ذلك، فقد تجاوزت تركيا مرحلة الإعلان عن تطبيق مذكرتها البحرية مع السرّاج إلى مرحلة التطبيق العملي وتأثيراته المباشرة، والدليل على ذلك ما أكدته وسائل إعلام فرنسية رسمية من أن حفتر استنجد بالجيش المصري لإبعاد بوارج تركية قبالة سواحل ليبيا، بينما تحدث الناطق باسم حفتر عن قصف بوارج تركية لأهداف بمدينة العجيلات غرب طرابلس، وتضاربت الأنباء عن استهداف البوارج لقاعدة الوطية فاعترضتها الدفاعات الجوية لقوات حفتر في العجيلات، ومهما يكن من أمر فان خبر البوارج التركية وهي في مياه المتوسط أصبحت من التحصيل الحاصل بحكم الاتفاقية البحرية الأمنية.
 - ب - الهجمات البرية:
مثّل النصف الثاني من شهر  مارس (يوم 17 تحديدا) أعنف هجوم نفذته قوات اللواء الليبي المتقاعد على عين زاره جنوب طرابلس، لتبدأ قوات الوفاق في اليوم الموالي عمليات صدّ الهجوم على المحور، ثم بعدها بأسبوع وكما أشرنا سابقا، تم إعلان الدخول في مرحلة الهجوم بدل الدفاع تحت اسم "عاصفة السلام"، وهي عملية داخل عملية "بركان الغضب" التي تدشّن بها مرحلة جديدة من الصراع في ذكرى العام الأول على العدوان، فجاء هجوم قوات البركان من ثلاثة محاور، عين زارة (جنوب العاصمة) ثم الوطية (جنوب غرب العاصمة) ثم محور أبوقرين الوشكة (شرق العاصمة). ففي ردّ فعل على قصف قوات حفتر المتواصل لأحياء العاصمة طرابلس بعد منتصف شهر مارس، وعلى نقضهم المتكرر لوقف إطلاق النار، أعلنت قوات البركان حربا على المحاور الجنوبية بالعاصمة، عين زارة والمشروع والهضبة حيث حافظت على تمركزاتها وفرضت هدوءا، كما فرضت على قوات الكرامة التراجع في محاور المشروع، لتشن قوات الوفاق هجوما موسعا بالمحاور الغربية، الرمة والطويشة ومحيطهما وحققت تقدما كبيرا.
أما جبهة ترهونة، جنوب شرق العاصمة، فبقيت جامدة نسبيا ومعزولة، وفيها تتمركز عناصر اللواء التاسع التي أعلنت ولاءها لقوات حفتر إضافة إلى مرتزقة فاغنر الروس وآخرين من السودان ومصر وتشاد، وتطالب حاليا أصوات داخل طرابلس بقطع طرق الإمداد العسكري عن ترهونة، كما يدور حديث عن حصار كامل للمنطقة، وبالتالي يرجح أن تكون مسرحا للعمليات قادم الأيام، وهو ما يبدو أن قوات الوفاق تحضر له من مدة وسط تكتم شديد، خاصة مع إشارتها منذ أشهر إلى عدم رغبتها في قصف المدينة خوفا من الضرر بالسكان.
ولم يتوقف استهداف التي تزود مناطق شرق طرابلس وجنوبها بالذخيرة والوقود آخرها ضرب شاحنات الوقود جنوب مدينة بني وليد القاصدة جنوب طرابلس لتزويد قوات حفتر، ومما يعزز ذهاب طيران الوفاق بعيدا في قصفه لمسالك التزويد والإمداد هو تداول خطط بين معسكر حفتر عن كيفية إيجاد حلول بديلة لطرق التزويد والإمداد.
أما جبهة أبوقرين/الوشكة بمحور سرت/الجفرة شرق مدينة مصراته فشهدت كذلك عمليات كبرى خاضتها قوات الوفاق كبدت فيها قوات حفتر خسائر فادحة في عناصرها بمقتل قادة كتائب، أحدهم مسؤول عن تجنيد المرتزقة الأفارقة بالإضافة لأكثر من 20شخص ومائتي جريح في ضربة موجعة أربكت قوات حفتر هناك التي تمكنت قبل أشهر من استرجاع مدينة سرت من يد قوات الوفاق. أما قاعدة الجفرة، جنوب شرق طرابلس، على أهميتها كقاعدة عسكرية متقدمة يأتيها الدعم من مصر والإمارات ثم تنقل جوا منها إلى الوطية وبني وليد، كذلك تنقل برا إلى الشويريف وصولا إلى ترهونة وقصر بن غشير وبقية محاور جنوب العاصمة، يبدو أنها ليست في بنك أهداف الوفاق حاليا رغم شائعات استهدافها مؤخرا، واقتصر قصف طيران قوات الوفاق على صهاريج الوقود والعتاد العسكري الخارجة من قاعدة الجفرة باتجاه جبهات القتال حول طرابلس.
- 3 - حظوظ السلام
أ - فرص الحسم
باتت قوات الوفاق تستهدف قوات حفتر  برّا وجوّا لضرب خطوط إمداداته بالذخيرة والوقود، الأمر الذي قد يبرّره تعجيل الإتحاد الأوروبي بخطته التي ترمي لمنع دخول الأسلحة إلى ليبيا والتي أعلن تطبيقها بداية من آخر يوم من مارس المنصرم، حيث أطلق عملية "إيريني" في ما بدا محاولة أوروبية للتأثير على "عاصفة السلام".
كما تبدو هذه الخطوة الأوروبية مساندة لحفتر بعد أن انهار أمام "ثوار طرابلس"، بل إن تأكيدات بعض الدوائر الاستخباراتية تفيد بأن السّفير الإماراتي بواشنطن يوسف العتيبة طالب الولايات المتحدة بالتدخّل لفرض هدنة في ليبيا ووقف إطلاق النار، وهذا الطلب غير المسبوق لم يكن ليحدث لولا استشعار تأثيرات التفوق الجوي للوفاق، هذا إن لم يكن الطلب من حفتر نفسه.
لكن رغم العملية التي تستهدف بالأساس التدخل التركي مع الوفاق مقابل التغاضي عن دعم حفتر برا من خلال الحدود الواسعة مع مصر، وجوا بينه والإمارات، كما تبقى العملية مجرّدة من كل جديّة ما لم يعطيها مجلس الأمن الدولي الضوء الأخضر  أو تحظى بالدعم الأمريكي.
وبناء على ذلك فان كثافة الاستهداف الجوي للقواعد العسكرية ودخول القطع التركية للمياه الليبية مع حداثة الدفاعات الجوية للوفاق، كلها ظروف مواتية لفرض السيطرة والتحكم عبر تسيّد السماء والميدان، وبقطع خطوط الإمداد العسكري بالعتاد والمقاتلين، تصبح قوات حفتر في تقهقر مستمر خاصة مع تأثيرات وباء كورونا على مناطق نفوذه من حيث المصاريف الموجهة إليه لاسيما مع عدم صرف رواتب الموظفين الذين احتجوا مؤخرا أمام المصارف.
كذلك انعكاس الوباء على الدول الداعمة لحفتر فالسعودية الأولى عربيا من حيث الإصابات، تليها الإمارات، فلا شك أن المُصاب الجلل سيرهق ميزانياتها ويعطّل اقتصادها الريعي، أما مصر فوضعها الصحي لا تحسد عليه، فهي الأكثر كارثية ، بينما تُعد فرنسا وأوروبا عامة أكبر بؤرة للوباء العالمي ومنشغلة بنفسها حتى يأتي ما يخالف ذلك.
هذه الظروف الموضوعية جعلت قوات الوفاق تتحيّن الفرص وتسابق الزمن لاسترجاع نفوذها كاملا على منطقتها الغربية وهذا المصرح به حاليا، ودرءا لأي تطورات لداء كورونا في الداخل الليبي، وهو الداء الذي سيؤثر حتما على خارطة العالم من حيث ترتيب قواه الحيّة، خاصّة وأنّه حاليا تبدو كل القوى الغربية غير معنية بليبيا كما كانت من قبل، مما سيسهم في إزاحة تعقيدات المشهد الليبي كلما تخلى عنها اللاعبون الدوليون، فتصريح الأمين العام للأمم المتحدة حول مسؤولية حفتر عن قصف العاصمة قد يفسّر ثقل الحمل الذي كان مسلّطا من الدول الكبرى على الأمم المتحدة وحقيقة تكتمها على كثير من الحقائق تواطئا منها مع مصالح القوى المتصارعة على الثروة الليبية، وبالتالي فان تخفيض مستوى الاهتمام بالملف الليبي عند كثير من الدول المتدخلة بشكل مباشر فيه، سيمنح الأطراف الليبية القدرة على الحسم، وهذا ما نادت به قوى ليبية المجلس الرئاسي.
- ب - "أغصان الزيتون" من جديد:
بناء على ما سبق، وباستهداف منصّات الانطلاق في الوطية  وترهونة وطرق الإمداد شرق بني وليد حتى الجفرة تكون محاور الوسط وجنوب العاصمة وشرق مصراته، أرضية لتلقي ضربات جوية ومدفعية دقيقة وغارات جوية مركزة  ستسبب في انهيارات في محاور خط الدفاع داخل معسكر حفتر المعتمد أكثر على مقاتلين أجانب، وبذلك تعود لغة الهدنة ونحن مستعدين للحوار ومد يد السلام، للظهور من جديد !فبعد يوم على عملية الطيران المسير في ترهونة وبني وليد النوعيتان، جاء كلام المتحدث باسم حفتر، أحمد المسمارى، أن أيديهم لا تزال تمتد بأغصان الزيتون وأنهم يؤيدون السلام، بينما لاتزال قواته تقصف أحياء العاصمة وتستهدف المستشفيات، كلام لا يخلو من لهجة استعطاف ورجاء بعد الضربات الجوية لتي منيت بها قواته وهو الذي عرف خطاب التهديد والوعيد، ووصف ضربات الوفاق ب"الهجوم الشامل" أما قوله مجددا بأنه مازال يحافظ على الهدنة، فهو كلام للاستهلاك موجّه أساسا للخارج.
ومما يثبت كذلك غياب الجدية والمسؤولية في طلب السبام هو عدم الالتزام بضبط النفس وحماية المدنيين وكالعادة يبدو كذلك طلب الهدنة لربح الوقت لاستقدام مزيد من العتاد وتحقيق توازن لسلاح الطيران بعد أن فاجأتهم القدرات الجوية للوفاق، وإلا كيف لراغب في هدنة أن يواصل في شحن الذخائر بأنواعها إلى أرض المعركة ؟ وكيف يستنكرون هذه الهجمات وهم الذين مارسوا أنواع القصف لإحدى عشر شهرا بينما نظيرهم حديث عهد باستعمال سلاح الجو !
وبالاعتماد على ما سبق يمكن القول إن تحوّل خطاب المسماري من سياسة الترهيب وصندوق الذخيرة إلى توسّل السلام ومدّ غصن الزيتون ينبئ عن تخبّط في سياسات حفتر قد ترتبط بحالة مقاتليه وتأثرهم بقوّة الردع التي أجبرتهم على الانكسار ممّا كان وراء ظهور دعوات في معسكر الوفاق تنادي بمواصلة التصعيد العسكري وعدم الخضوع لطلب وقف إطلاق النار، بل واعتبرت الاستجابة لذلك خيانة صريحة، وانتقاد ذلك خيانة أيضا.
وعليه، بات من المؤكد أن السّواد الأعظم من مناصري قوات الوفاق هم مع الاستمرار وبقوة في تسديد ضربات لتحصينات القوات المعتدية حتى إبعادها عن طرابلس ثم النظر في جدية رغبتهم في السلام، ويرون أنّه فلا عهد ولا وعد لخاسر، يريد حاليا الانتقام بمزيد قصف العاصمة لترفيع فاتورة الخسائر المدنية حتى يتدخل داعموه بالضغط لفرض هدنة ووقف إطلاق النار ولو بثمن غال هو دماء الناس وأملاكهم، في سلسلة عقاب جماعي، وبضرب المستشفيات ومنازل المواطنين، فكيف يريد لطرابلس أن تكون ونموذج سرت الذي يبشر به ليس ببعيد، مع معاناة الأهالي من تردي الخدمات، وهو مالا يمكن مقارنته بمدينة غريان حاليا التي عاشت نفس الوضعية.
ما بدأت نخبة من الليبيين في الضغط منذ شهر على حكومة فائز السراج لاستبدال مستشاريه وتشكيل حكومة حرب بوزير دفاع لعكس الهجوم وعدم التراجع ، وتنقية صفوفه من المتواطئين وصفوف القوى المساندة  من الذين يقدّمون الإحداثيات والمواقع للمناوئين بهدف قصفها، فضلا عن البدء في مشروع دمج الثوار وإعطائهم أرقاما عسكرية،  واستغلال التعاون التركي ومزيد العناية بهيكلية الضبّاط المنحدرين من مناطق فيها تعقيدات قبلية كالزنتان.
 ومن أولائك المناصرين من دعا إلى ضرب العمق الاستراتيجي لعصابات المرتزقة ومواليهم في مدن الشرق، معتبرين أن قائد الكرامة ليس له من غاية سوى الوصول للسلطة مع عائلته مهما كلفه الأمر، ويرون أنه لا خيار غير مطاردته إلى قواعده فلا فائدة في تجربة المجرّب الذي لم يقبل يوما بالسلام بدل السلاح، حتى أن الأمم المتحدة لم تعد تتستر على جرائمه بعد إستقالة غسان سلامة، والتصريح الأخير للأمين العام أنتونيو غوتيريش بشأن حفتر الذي حمّله مسؤولية بدأ الصراع وواصفا قصف المستشفيات بجرائم الحرب، ولو أن الاعتراف جاء متأخرا وهو الذي كان في طرابلس عندما بدأ حفتر عمليته، لذلك تعتبر دعوة غوتيريش لوقف الحرب أقرب إلى مصلحة حفتر من الوفاق الذي بدأ لتوّه مرحلة الهجوم.
أما حلفاء حفتر  فلم تعد تحركهم كثيرا الاتفاقية التركية مع طرابلس التي حرّكت سابقا كل المياه الراكدة وأرعبت كل الحلفاء من اليونان إلى فرنسا وإيطاليا والسعودية فقد أصبحت مذكرة التفاهم أمرا واقعا تخيف حفتر أكثر من أي وقت مضى، فقد يتخلى عن سلاحه الجوي نهائيا خشية من مبدإ المعاملة بالمثل واستهدافه في عقر داره، لذلك لم تعد قواته ترى الطريق إلا بمسالك أخرى، تتوخّى خطة بديلة وهي إطالة عمر المعركة رغم مطالبات غربية بوقفها مع تفشي وباء كورونا الذي لا يفرّق بين طرفي النزاع.

خاتمة:
لم تجن العاصمة الليبية منذ سنة غير تشريد عشرات آلاف الأطفال وتهجير آلاف العائلات، من الشرق والغرب، ودمار أحياء ومطارات وجامعات وموانئ ومستشفيات، ثمن غال يزيد ارتفاعه زمنيا، ما حدا بقوات الوفاق إلى إعلان مرحلة الهجوم متكئة على عامل جديد، وهو سلاح الجوّ  بعد تعزيز قدراتها بدفاعات جوية، في مسعى للسيطرة البريّة والجويّة لإبعاد الخطر على "مدينة كل الليبين"، وفي الأذهان يُعدّ استرجاع غريان  الإستراتيجية (مفتاح طرابلس)، هدية نفيسة لقوات حفتر بالتقاط أنفاسها مجدّدا، فجلبت المرتزقة الروس (فاغنر) والسودانيين (بلاك شيلد الإماراتية) وهذا لم يكن ليحدث لولا اكتفاء قوات بركان الغضب بالدفاع، وتصميمها حاليا على كسب المعركة الجوية وربما فرض حظر جوي على المنطقة الغربية لمنع عبور كل أنواع الإمدادات طالما أن عملية "إيريني" الأوروبية غير مجدية دون مراقبة الأجواء والحدود البرية للمنطقة الشرقية، التي ما تزال تأتيها مخصصاتها المالية من طرابلس، بينما تخصّص حكومة البيضاء كل الأموال الخاصة والعامة للمجهود الحربي، ومع أزمتيْ إغلاق موانئ النفط وكورونا ستزداد حتما الأعباء على المجلس الرئاسي والمصرف المركزي وتلك معركة أخرى، ما لم يتم حلّها، فستُلقي بظلالها على الاقتصاد الليبي، وخاصة على الحرب على طرابلس.

مختار غميض (صحفي تونسي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك