القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مستقبل الجنوب الليبي: بين صراع الكبار  وتهافت الوكلاء

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-05-06 11:56:00 | 838 مشاهدة

ملخّص:
كشفت عمليّة مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي مؤخرا النقاب عن حرب حقيقية دائرة في الجنوب الليبي بالوكالة، بين لاعبين كبار وآخرين صغار مجرّد أدوات لهم، حيث تسجل فرنسا حضورها بقوة في تشاد وبقيّة دول الساحل والصحراء من خلال قواعد عسكرية، بينما تحاول روسيا استغلال الوضع في ليبيا والسودان للتغلغل في إفريقيا انطلاقا من قواعدها في مناطق نفوذ حفتر شمال ليبيا وجنوبها، أما تركيا فتحاول من جانبها استغلال صورة فرنسا السيئة لدى شعوب المنطقة من خلال تفعيل اتفاقياتها العسكرية مع عدد من الدول، خاصة النيجر وتشاد المحاذيتين لليبيا التي بدورها لها مع المنطقة الغربية اتفاقية أمنية وبحرية وتعاون وتدريب عسكري، ناهيك عن دول القرن الإفريقي وغرب القارة، عبر مزيد دعم التعاون الاقتصادي ثم الترويج للصناعة العسكرية التركية، لكن انفجار الوضع الأمني في تشاد سيجعل الجنوب الليبي محورا لتقاطعات كبرى بين تركيا وروسيا وفرنسا، التي تعتبر إقليم فزّان بالتحديد، تركة شرعية لها ضمن نزعة استعمارية، لكن كل ذلك يبقى رهين تطور الأوضاع في الساحة التشادية مع تقلد المجلس العسكري زمام السلطة بدعم فرنسي معلن، بينما تعارض ذلك الأوساط الشعبية التشادية وقوى المعارضة النشطة في الجنوب الليبي، وبالتالي ستتحوّل المنطقة إلى ساحة صراعات تغذيها مصر والإمارات الداعمتان للواء الليبي المتمرد خليفة حفتر، وبالتالي قد تنفتح المنطقة على أزمات أشد قساوة مع رفض المعارضة التشادية الانتقال العسكري في البلاد وعودة القتال بشكل أكثر ضراوة خاصة بإقليم كانم شمال تشاد على الحدود مع ليبيا والنيجير،،وهو الممر الآمن الذي وفرته روسيا من المياه المتوسطية الدافئة إلى قلب القارة السمراء عبر بوابة ليبيا.

مقدّمة:
تأثرت تشاد عبر تاريخها، ودول جنوب الصحراء تأثرا مباشرا بمجريات الأمور في ليبيا، وقد وصل الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي إلى السلطة في أنجامينا قبل ثلاثة عقود قادما إليها من الأراضي الليبية بدعم كبير من العقيد الراحل معمر القذافي، ليلقى ديبي حتفه كذلك من الداخل الليبي بدعم من الجنيرال المتمرد خليفة حفتر الذي زوّد المعارضة التشادية بترسانة أسلحة متطورة خلال العدوان على طرابلس صيف 2019، العدوان المدعوم منذ بداياته في بنغازي من قوى عالمية على رأسها فرنسا وبتمويل إقليمي عربي، فرنسا التي تنظر إلى الجنوب الليبي كتركة شرعية لها منذ استعمارها لإقليم فزان حتى منتصف القرن الماضي، وبالتالي ستسعى إلى مزيد ترسيخ قدمها ليس في ليبيا فقط بل في كامل مدن الساحل والصحراء والبحث عن إعادة تموضع في ظل دخول منافسين جدد مثل روسيا وتركيا والصين، لذلك سارعت إلى مباركة السلطة التشادية الجديدة في خرق لمبادئ الدستور التشادي ولقيم الديمقراطية.

1- - اللاّعبون الكبار:

أ- التدخّل الفرنسي المباشر:
تمتلك فرنسا عشرات القواعد العسكرية في إفريقيا وأقدمها في تشاد، قرابة خمس قواعد تعود إلى أكثر من أربعين عاما منذ فترة الحرب التشادية الليبية وهي قواعد لا زالت موجودة الى الآن، و أخرى في جيبوتي وساحل العاج وعدة قواعد في مالي والنيجر وموريطانيا، لتأمين مصالحها في الساحل وشمال أفريقيا عبر قواعدها العسكرية في الساحل كشريط استراتيجي يربط الدول الحدودية الساحلية (النيجر وتشاد) بليبيا وذلك لتأمين نقاط النفط واليورانيوم في النيجر، والذهب بمالي، وبقية الثروات، خاصة حقول النفط والغاز الليبية التابعة لتوتال بالجفرة وتأمينه إلى المتوسط ومنه إلى أوروبا
وترى فرنسا نفسها وصيّة على القارة السمراء منذ احتلالها لأغلب دولها وتتصرف اليوم على أساس حق التدخل المباشر في أغلب مستعمراتها السابقة.
ولم ينقطع ذلك التدخل، ففي الجنوب الليبي دعمت فرنسا قوات حفتر، فبعد فشل عدوانه على طرابلس حدثت ارتدادات كبرى منها حالة انكفاء وفوضى وسط المعارضة التشادية التي تسببت في مقتل الرئيس إدريس ديبي في العشرين من أفريل الحالي، متأثرا بجراحه بعد إصابته في معارك بمدينة ماو مع جبهة الوفاق التشادية المعارضة المنطلقة من جنوب ليبيا.
وقد تدخل ليلة الثالث والعشرين من أفريل الطيران الحربي الفرنسي مباشرة وقام بقصف موقع لحركة جبهة الوفاق من أجل التغيير التشادية (Fact) شمال إقليم كانم مما نتج عنه سقوط قتلى وجرحي في قوات محمد مهدي علي، والتي كانت قد دعت إلى مواصلة الزخف نحو العاصمة أنجامينا واقتحامها.
كذلك كان الرئيس إيمانويل ماكرون أوّل المشيعين لجثمان ادريس ديبي، الذي اعترف بدور فرنسا في إفريقيا، وسبق أن قال بتصريح تلفزيوني إنه منذ 2002 كان يودّ مغادرة الحكم لأنه جندي ولأنه أقسم على ذلك لكن فرنسا أجبرته على البقاء وأرسلت إليه خبير دستوري ليساعده على تغيير الدستور حتى يبقى أطول مدة في الحكم. فهل تخلت عنه؟
يرجح البعض أن ما جرى في تشاد هو انقلاب على ديبي من طرف المقربين منه وهو مايفسره سرعة تشكيل مجلس عسكري بمجرد مقتله، خاصة أن الدستور التشادي المادة 81 منه ينص على أنه في حالة شغور السلطة يحل رئيس الجمعية الوطنية محل الرئيس بشكل مؤقت، وتجرى انتخابات رئاسية جديدة خلال 45 يوما على الأقل، و90 على الأكثر.
لكن بناء على التقارير الإعلامية، فقد تم تعليق العمل بالدستور وتولى الجنيرال محمد دبيي "كاكا"، نجل إدريس زمام رئاسة المجلس العسكري، بينما باركت فرنسا ذلك ضاربة عرض الحائط بقيم الديمقراطية، في الوقت الذي كان بامكانها منع تجاوز الدستور أو التنديد بذلك، بل رأى كثيرون أن الطيران الفرنسي والاستخبارات كانت تتابع وترصد كل التحركات لكنها تغاضت عن ذلك، بل إن إدريس ديبي نفسه وصل إلى قناعة عدم قدرته بمواجهة الحركات المسلحة بمفرده لذلك خيّر الخروج إليها حيث قُتل، وهو يعلم أنها لن توقفها إلا القوات الفرنسية!
كما ثمة من أكد تلقي نجل إدريس دبيي دعما مباشرا من ولي عهد أبو ظبي وجنيرال ليبيا حفتر، للقفز على المسار الدستوري.
بالتالي فإن المخطط الفرنسي والدول التي تتحالف معها قد تبدو متورطة في ما جرى  باستخدام المعارضة انطلاقا من دولة مجاورة وهي ليبيا التي باتت فرنسا تروج للفوضى فيها وذلك لتحقيق اختراق كبير لتوفر ذرائع التدخل لحماية الثروات، وزيارة موسى الكوني نائب رئيس المجلس الرئاسي إلى باريس مارس الماضي، قد تصب ضمن هذا الإطار، وهي إعراب باريس عن استعدادها لحماية إقليم فزان عسكريا انطلاقا من القواعد الفرنسية الجوية الجاثمة على تراب النيجر وتشاد الحدودية معها، وبالتالي فإن فرنسا ما تزال مندفعة وبقوة، إلى درجة محاولة طرد ومحاربة كل منافس أو متدخل في الشأن الليبي، لو استطاعت إلى ذلك سبيلا.
وقد أشارت الأسبوع الماضي صحيفة، "ميدل آيست مونتير" إلى أن فرنسا اختارت لسنوات التغاضي عن القمع الوحشي والفساد، مشيرة إلى أن ماكرون مستعد للجلوس مع أي مارق وطاغ من أجل متابعة طموحات فرنسا الاستعمارية في إفريقيا.

ب- اللاعب الروسي: احتلال قاعدة الجفرة
تسعى روسيا لتكريس سياستها في سوريا إلى واقع في ليبيا من خلال احتلال القواعد العسكرية.
وإنطلاقا من الجنوب الذي بدأ يشكل قاعدة ومنصة للتوسع الروسي بدء، من قاعدة القرضابية وراس لانوف شمالا كنقاط دعم إلى قاعدة  الجفرة جنوبا، المحتلة من مرتزقة "فاغنر" وجهاز الاستخبارات الروسي، يمكن القول إنّ ما حصل ويحصل في دولة تشاد تقف خلفه أيادٍ روسية واضحة ومخطط له بعناية منذ سنة 2019 عندما عقدت روسيا قمة إفريقية في سوتشي، وبحسب المعلومات المُسرّبة حينها فقد تم استخدام الحدود الليبية لإدخال قوات تابعة لروسيا إلى تشاد لدعم المتمردين على سياسة الراحل إدريس دبيي، فضلا عن طرح روسيا فكرة إقامة قاعدة عسكرية لها بالسودان تطل على البحر الأحمر وتكون بوابة إلى الدواخل الإفريقية.
إذاً، الموضوع هنا يتداخل فيه الصراع الفرنسي بالروسي على الأرض الليبية نحو مزيد التوغل الروسي في إفريقيا مستفيدة من تواجدها من قبل في إفريقيا الوسطى وإقليم دارفور، معتمدة سياسة الابتزاز والأوراق المختلطة في الجنوب الليبي، حتّى أن فرنسا أخيرا لم تمانع في التخليّ عن ديبي وإحالته على التقاعد قبل استهدافه، فتحالفت مع المعارضة التشادية وسلحتها في ليبيا واستعملتها مع حفتر، لكن عندما دخلت روسيا على الخط الليبي شاركت فرنسا ولاء المعارضة التشادية، وقد تكون بذلك تشاد ورقة روسية مقابل إخراج فرنسا من أوكرانيا.
وسبق لناطق رسمي باسم إحدى الفصائل التشادية المسلحة المعارضة أن أكد وجود دعم روسي نسبي لجبهة الوفاق من أجل التغيير التي يقودها مهدي علي وهو أحد القادة البارزين في المعارضة التشادية، وهذا الدعم الروسي الفرنسي، مسنود بدرجة أقل من الحليف المصري والإماراتي.

2- - الوكلاء: حفتر ومصر والإمارات:
يمكن الإشارة إلى أن الجنوب الليبي مستباح منذ الثمانينات، وظل معظم أهالي الجنوب مغلوبين على أمرهم، رغم وجود أكبر الحقول النفطية مثل الفيل وأوباري، بأوامر فرنسية منذ الإستقلال في 1951، تمنع عنهم التنمية و تنشر وتدعم الفتن القبلية والعرقية بين المكوّنات العربية والتبو والتوارق، فتفشى الفقر والجهل عن قصد لتحقيق مطامع امبراطورية استعمارية.
ثم نظرا لتجنب أهالي الجنوب الصّدام وعدم تحرك قوات الوفاق الوطني قبل عدوان حفتر على طرابلس، لتركيزها على حياض العاصمة والمدن المجاورة، خضعت معظم مدن الجنوب لقوات حفتر .
ولم تكن التحركات العسكرية في الجنوب الليبي الأيام الماضية، من طرف المعارضة التشادية فحسب، بل كانت تحركات منسَّقة بين المعارضة التشادية وقوات حفتر ومرتزقة "فاغنر" الروسية.
وممّا يدل على أنّ المغامرة الفاشلة التي قامت بها المعارضة التشادية التي كانت تهدّد حتّى آخر لحظة بالزحف على عاصمة تشاد أنجامينا، كانت بتنسيق بين كل هذه الأطراف بالإضافة إلى مصر التي أرسلت طائرتي شحن لمطار سبها جنوب ليبيا، محملة بدعم عسكري لهذه العملية ربما يكون بدعم من الإمارات العربية المتحدة أيضا، ونعرف أن الإمارات التي موّلت حفتر بسلاح نوعي وهو ما غنمت منه المعارضة التشادية لتنفيذ هجومها داخل تشاد بعد خسارة حرب طرابس، وقد نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤل سابق في وزارة الخارجية الأمريكية قوله عن عناصر المعارضة التشادية، إنّهم يهاجمون في سيارات تشابه تلك التي يتلقاها حفتر من الإمارات، ويستعملون أسلحة مثل التي تستعملها قواته، وكانوا يتجمعون ويتدربون فى الجفرة حيث "فاغنر".
ذلك أيضا ما أكدته صحيفة "لوبنيون" الفرنسية الأسبوع الماضي، حيث قالت إنّ حفتر قدّم أسلحة وصواريخ فرنسية الصنع للمعارضة في تشاد.
يتم ذلك أمام تغاض فرنسي، فمن المستبعد أن لا يكون الطيران الفرنسي في الجنوب الليبي على غير علم بذلك، لكن ما هو الهدف من هذا التحرك ؟
الهدف بالنسبة للروس هو التوغل في القارة السمراء عبر تشاد في إطار المراوحة بين المنافسة أو تبادل الأدوار مع فرنسا، مما سيشكل خطرا على الجنوب أكبر من كل المخاطر السابقة، بما أن عملية مقتل دبيي انطلقت من الجنوب الليبي عبر قاعدتي "تمنهنت" و"الويغ" كنقاط تعبئة وتزويد بإشراف فرنسي، وبالتالي توظيف المعارضة التشادية للتدخل في مجريات الأمور في أنجامينا وقلب نظام حكمها.
 أما بالنسبة لحفتر ومصر، فالهدف هو محاولة المحافظة على التحالف مع روسيا، التي بدأت تتلقى عروضا سخيّة من حكومة الوحدة الوطنية بعد زيارة رئيسها عبد الحميد الدبيبة، ما قد تجعلها تفكر في الانسحاب من تحالفها مع حفتر وداعميه وتخفيف الضغط على الجنوب.
وعليه، يمكن الإشارة إلى الأوامر الصادرة عن حكومة الوحدة للوحدات العسكرية في الجنوب برفع أقصى درجات الاستعداد والحذر وحماية الحدود الليبية والتعامل مع أي أهداف معادية في إشارة إلى الأحداث الأخيرة في تشاد، العبئ الجديد على ليبيا مع تزايد التهديدات الأمنية القادمة من تشاد للجنوب والواقع المعيشي المتأزم منذ سنوات للجنوب الليبي.
كذلك الإمارات التي تسير في ركاب فرنسا أعلنت صراحة مساندة وزارة دفاعها لجهود فرنسا في الساحل الإفريقي بحيث لا يمكن قراءة ذلك خارج العلاقات المتوترة مع تركيا، وتعادي  أبوظبي الحضور التركي المتعاظم في منطقة الساحل الأفريقي.

3-  مستقبل المشهد السياسي في الجنوب الليبي:

أ- على الحدود الليبية التشادية:
لا يبدو المشهد جنوب ليبيا وشمال تشاد على الأقل في هذه المنطقة المتحركة بإقليم كانم خاصة، وعلى المدى المنظور، باعثا على الاستقرار، بل بالعكس هناك مخاوف جدية من انفلات أمني مع إمكانية استمرار وتيرة المواجهات بين المعارضة ونجل ديبي وخروج الأمور عن السطيرة وحدوث موجات نزوح باتجاه جنوب ليبيا، نتيجة غياب حد أدنى من الاستقرار كان موجودا.
ويجب الاعتراف به لإدريس دبيي الذي نجح في تحقيقه خاصة في مواجهة جماعة بوكو حرام، لكن الخطر المحدق هو سيناريو مستقبلي خطير، وقائم سينعكس على ليبيا، وتتدخل فيه فرنسا بقوة من القواعد العسكرية في أقصى الجنوب الليبي بتوظيف المعارضين لأنجامينا، وبالتالي خلق مساحة جديدة شمال تشاد وجنوب ليبيا للعب تكون فيه الثروات الضخمة تحت الأعين الفرنسية، بينما ضمنت روسيا ممرا آمنا من مياه المتوسط الدافئة وموانئ راس لانوف وقاعدة القرضابية حتى الجفرة جنوبا، فالموضوع التشادي لم ينته بعد، ولم نرَ منه إلاّ بدايته.
وربما سيكون مقتل دبيي بمثابة إعلان صريح لتدخل فرنسي في تشاد لإيجاد ذريعة في التوغل داخل الجنوب الليبي وإقامة قواعد عسكرية فيه، كما تركزت من قبل على الحدود الليبية شمال النيجر بقاعدة "مداما" حيث يتواجد أكثر من ألف جندي فرنسي بتجيهزاتهم وطائراتهم، قرابة تسعين كلم فقط عن الحد الجنوبي الليبي على مشرفة من خطوط تهريب المهاجرين و الدواعش النشطين في جبال الهروج فضلا عن استمرار عمل شبكات تهريب المخدرات.
كل ذلك يبقى إلى حدّ ماّ مرتبطا بمدى إثارة المعارضة التشادية لقلاقل للنظام التشادي خاصة إذا لم يقتنع نجل ديبي بحلول سياسيّة بمشاركة حقيقية للمعارضة.
وقد نُقل مؤخرا عن زعيم المعارضة محمد المهدي قوله، إنه قبِل الحوار السياسي ووقف إطلاق النار في عموم تشاد، بعد اتصالات ووساطات من رئيسي موريتانيا والنيجر بشأن الوضع الحالي تزامنا مع الحديث عن مباحثات سلمية مرتقبة.
هذا إذا لم تتدخل الإمارات وفرنسا لتقويض ذلك، على غرار ما سبق وأن اعترف به الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند بدفع أبو ظبي تمويلات لقمع الحراك الشعبي في مالي، بهدف تقويض الثورة التي يقودها السكان المحليون في إقليم أزواد ضد سياسيات الحكومة المركزية في مالي.
وبناء عليه، لن تنشغل فرنسا على شعوب المنطقة طالما هي راضية بالقمع والخنوع وطالما مصالحها محميّة، فإن مسألة الاستبداد هي مسألة داخلية للدول لا تهمها في شيئ.

ب- على المستوى الاقتصادي:
وسط مناخات عدم الاستقرار السياسي وضبابية الرؤية الجديدة للسلطات التشادية ومدى استيعاب المعارضة في المشهد الجديد، في ظل احتجاجات للمعارضة والمجتمع المدني تتمسك بالعودة إلى النظام الدستوري ورفض تدخل فرنسا بحرق علمها في ساحات وشوارع أنجامينا، ستسعى روسيا لمزيد التمدد بينما ستستغل تركيا الوضع من الجانب الاقتصادي بمزيد دعمه، وقد سبق لها أن وقعت اتفاقيات عديدة مع تشاد  في 2017، لزيادة التعاون التجاري المبني على المصلحة السياسية من خلال ليبيا كدولة عبور على خلاف طبيعة التعاون التشاد الفرنسي كتعاون استعماري تقليدي قديم بات مرفوضا شعبيا.
كذلك تفعيل الاتفاق المبرم مع تشاد في 2019 بشأن صناعة المعدات العسكرية وتطويرها، بالإضافة إلى التبادل المعلوماتي في الإنتاج وبيع معدات لوزارة الدفاع التشادية.
وهو ما تسعى تركيا إلى تطبيقه حتى مع النيجر للعب دور أكبر في ملف ليبيا، وبالتالي التمدّد إلى النيجر التي لها معها أيضا اتفاقا للتعاون العسكري لتعزيز سيطرتها في المنطقة، أوّلا للفوائد الاقتصادية الكبرى، ثم لتعزيز العلاقة مع دول الساحل والصحراء، ثم للاستفادة من تصاعد الرفض الشعبي للتواجد الفرنسي في المنطقة.
إلى ذلك فإن تركيا كما تفاوضت مع روسيا لوقف إطلاق النار في ناغورنو كاراباخ، وبتدخلها في ليبيا وسوريا، تريد إثبات أنها حليف الأوقات الحاسمة، وستوظف تلك المكانة لجلب حلفاء جدد في أثيوبيا ومالي والسنغال.
وبتلك التفاهمات ستقوم أنقرة بدعم الدول الأفريقية والمنظمات في القارة السمراء وستحجم دور فرنسا في القارة وهو بفعل الاتفاقية العسكرية مع النيجر والأمنية البحرية مع ليبيا اللتان ستقللان فرص التهديدات العسكرية الفرنسية.

خاتمة:

لايبدو المشهد التشادي والليبي واضحا قبل معرفة السلطة الجديدة في تشاد ومدى نجاح السلطات الليبية الحالية في التوصل إلى استقرار نسبي ناجز يستطيع السيطرة على الحدود مترامية الأطراف، خاصة في الجنوب، مسرح العمليات النشطة لتنظيمات الهجرة غير الشرعية وتنظيمات إرهابية، وأخرى للحركات المعارضة لأنجامينا، والتي تستغلها حركة التمرد في الشرق الليبي على السلطة الشرعية المركزية، مما سمح باعادة خلطة الأوراق في منطقة مهمة تتحكم في حاضر ومستقبل دول الساحل والصحراء الإفريقية التي ستسقطب اهتمام اللاعبين الدوليين وتُسيل لُعاب اللاعب الفرنسي القديم أكثر، فضلا عن تحسّس روسيا وتركيا الفراغات المستقبلية التي يمكن اللعب فيها جيوسياسيا واقتصاديا، إلى جانب لعب قوى كالصين والولايات المتحدة.
مختار غميض (صحفي وباحث في الشأن الليبي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك