القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ماذا يجري في تشاد وإلى أين تتجه الأحداث بعد مقتل الرئيس إدريس دبي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-04-30 09:21:00 | 1728 مشاهدة

تلخيص:
التطورات في خامس أكبر دولة افريقية من حيث المساحة، كبيرة وغير مسبوقة بل وألقت بظلالها على كل الإقليم خاصة وأن التشاد هو بلد تغلب على فعله السياسي والاجتماعي مؤثرات التاريخ والجغرافيا وهو ما توضح في الاحداث الأخيرة، ولكن ما هي السيناريوهات الأربع في التطور الدراماتيكي للأحداث؟ وكيف تم منطق التأثير والتأثر بين الإقليمي والمحلي وهل ان الاحداث الأخيرة والجارية منذ أكثر من أسبوعين هي بالأساس ذات أبعد إقليمية؟

 تمهيد
اندلعت  احتجاجات في العاصمة التشادية"نجامينا" ومناطق أخرى، حيث خرج المحتجون إلى الشوارع للمطالبة بالعودة إلى الحكم المدني، وألقت الاحتجاجات الضوء على الأجواء المشحونة في تشاد بعد وفاة "ديبي"(19 أفريل)،حيث يجد الانتقال العسكري صعوبة في كسب تأييد شعب ضاق ذرعا بانفراد "ديبي" بالسلطة على مدى 30 عاما، وعمليا اعتبر بعض السياسيين المعارضين تولي الجيش للسلطة انقلابا، وطلبوا من أنصارهم تنظيم الاحتجاجات تلو الأخرى، ولم تفلح خطوة تعيين سياسي مدني هو "ألبرت باهيمي باداك" رئيسا لحكومة انتقالية الاثنين 26 أفريل الجاري حيث تواصلت الاحتجاجات في كل ربوع البلاد تقريبا...

-1- التشاد والمؤثرات الكبرى للتاريخ والجغرافيا في الأحداث الأخيرة 
تقع "التشاد" في شرق الصحراء الكبرى وسط أفريقيا، وتحدها ليبيا من الشمال، والسودان من الشرق، وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب، والكاميرون ونيجيريا من الجنوب الغربي، والنيجر من الغرب. وتنقسم البلاد جغرافياً إلى قسمين؛ شمالي صحراوي قاحل، وجنوبي استوائي خصب، وهذا الانقسام الجغرافي سبب في نزاع بين سكان الشمال الجاف، وسكان الجنوب الخصيب.

تاريخياً، يقال إن التجمّعات السكنية بدأت تستوطن حول "بحيرة تشاد" في الألفية السابعة قبل الميلاد، وكان موقع البلاد على طريق التجارة عبر الصحراء الكبرى سبباً في كثير من الهجرات التي أدت إلى اختلاط الأجناس والأعراق، فباتت "تشاد" مُلتقى للحضارات والهجرات والتبادل الثقافي بين شمال القارة السمراء وجنوبها..
خضعت "تشاد" للاحتلال الفرنسي عام 1920 وهو ما يفسّر كون اللغة الرسمية هي اللغة الرسمية في الدوائر الحكومية للبلاد، إلى جانب اللغة العربية التي أصبحت لغة رسمية عام 1985، إلا أن السكان الذين يقدر عددهم بـ 16 مليون نسمة، وفقاً لإحصائيات البنك الدولي، يتكلمون نحو 100 لغة ولهجة محلية، وهي لهجات يصعب فهمها بين قبيلة وأخرى، وإن كان بعضها مشتقاً من لغة واحدة، وطبيعي بالتالي، أن يعكس تنوع اللغات واللهجات تنوعاً في الأجناس والأعراق، والأديان.

يشكل المسلمون نحو 55 في المائة من السكان، ويسكن معظمهم شمال البلاد، في حين يشكل المسيحيون نحو 40 في المائة، ويسكنون في الجنوب، ووفق الإحصائيات، تضم تشاد أكثر من 260 قبيلة، منها 25 قبيلة عربية.
ويمكن تصنيف المجموعات العرقية في تشاد إلى 3 مجموعات أساسية:

  • مجموعة"السارا"وتسكن المنطقة الجنوبية الرطبة الخصيبة، ويتكلم أفرادها لهجات تنتمي إلى عائلة اللغات النيلية الصحراوية، ومعظمهم من العرق الزنجي، وتجاورهم قبائل "اللاكا"و"المبوم"و"الغولا"و"التوماك"و"التانغال".
  • أما المجموعة الثانية فتسكن الإقليم المداري شبه الجاف، وتضم "الباما" من "الباغِرمي" (مؤسسي مملكة "باغرمي")، وقبائل "الكانوري"، والعرب(ومعظمهم ممتدون خارج تشاد، وتتزايد أعدادهم باتجاه الشمال والشمال الشرقي في منطقتي "وداي"و"كانم"
  • المجموعة الثالثة هي مجموعة "التبو"، التي يسكن أفرادها جبال "تيبستي" وهضاب "إيندي-بوركو" في شمال "تشاد" وأفرادها من أصول نيلية...

نالت "تشاد" استقلالها عام 1960 ويومها تولى رئاستها "فرنسوا تومبالباي"، ولكنها عانت حالة من الاضطراب السياسي، إذ اندلعت حرب أهلية عام 1965 حيث غزا المتمردون العاصمة "نجامينا" ("فور لامي" سابقاً) وتواصل الاضطراب السياسي حتى بداية الثمانينات حيث سيطر حسين حبري على الحكم عام 1982 منهياً سنوات الحرب الأهلية، غير أن حكم حبري (من قبيلة القرعان أي من مكون "التبو")لم يدم طويلاً، إذ أطيح به سنة 1990 بعد وصول قوات "إدريس ديبي" التي انطلقت من السودان، وهذا الأخير تولى حكم البلاد 31 سنة وسط عدة محاولات فاشلة للانقلاب على حكمه في أكثر من مناسبة وتزوج خلالها 13 مرة...
يرجع المراقبون حالة الاضطراب والحروب المتواصلة في تشاد إلى الولاءات الإثنية والقبلية التي تحكم عقلية السكان، في محاولاتهم السيطرة على الحكم، في ظل ضعف الأحزاب السياسية،ودخلت تشاد وفقا لذاك في حلقة مفرغة من الصراع بين الشمال والجنوب، بين العرب وقبائل التبو، بل حتى بين فروع القبيلة الواحدة (على غرار ما حدث بين الرئيسين السابقين "غوكوني عويدي" و"حسين حبري" وهما من "التبو")
تبرز التحالفات والانتماءات القبلية في الصراعات خارج حدود تشاد، ويعد نزاع دارفور نموذجاً على ذلك. إذ إن الروابط العائلية والقبلية التي تربط بين عائلة الرئيس "ديبي"، وقادة «حركة العدل والمساواة» في دارفور، وانتماء "ديبي" لقبيلة الزغاوة، دفعته لدعم ثوار دارفور، وكشف الصراع في دارفور أيضاً النزاعات داخل الإثنية الواحدة، فدعم "ديبي" لقبائل الزغاوة في دارفور، أدى إلى نزاعات داخل "الزغاوة"، بين مؤيد لديبي ومعارض له، ليؤسس "تيمانإرديمي" مثلا «اتحاد قوة المقاومة»، وهو أحد الحركات المعارضة لديبي، وقاد محاولة انقلاب فاشلة ضده...

-2- السيناريوهات الأربع الممكنة لما جري ويجري منذ 11 أفريل:
أسئلة عديدة تم طرحها بخصوص حقيقة ما وقع في التشاد منذ 11 افريل الحالي خاصة وان "ديبي" استقبل "نتنياهو" نهاية 2018 كما أن علاقاته بباريس قوية واستراتيجية بل هو يقود بدلا عنها حربا ضد الإرهاب في بحيرة التشاد، وهو أيضا من أمضى اتفاقيات مع "بكين" و"أنقرة" و"موسكو"، ويمكن عمليا تفسير ما حدث وفقا لأربع سيناريوهات لما جرى ويجري وستبين التطورات خلال الاسبيع القادمة أيها أقرب للواقع:

  • السيناريو الأول:  ويتمثل في أن دعم ومساندة وتحشيد المعارضة ضد نظام "ديبي" قامت به أطراف اقليمية وظيفيا لصالح أطراف دولية بعينها، بينما كان المُبيَّت هو تغيير نظام "ديبي" من داخله والذي ليس غريبا انه تم التخلص منه من قبل مقربين ومن الوارد أن يكون ابنه - وهو أمر تم سابقا في أكثر من بلد افريقي- ، ويعتقد مراقبون أن باريس فعلت ذلك عبر غطاء وفره حلفائها الإقليميين المساندين للجنرال "حفتر" وربما بتحالف تكتيكي مع الروس أو الإسرائيليين أو كلاهما  وهنا قد نحصل على إجابة سر ذلك التحشيد العسكري الذي كان يتم في الجنوب وفي "سرت" و"الجفرة" في وقت كانت فيه الأطراف الليبية جالسة على طاولة الحوار...
  • السيناريو الثاني: ويتمثل في وقوف أطراف دولية واقليمية وراء دعمالمعارضة التشاديةلتغيير السلطة في "نجامينا" كُلّيا وانه لم يعد مقبولا وفق تلك الرؤية انه كان مطلوبا رحيل نظام بقي أكثر من ثلاث عقود وأن بقاءه سيعرقل مصالحها ويعطلها،كما أن طبيعة ما يجري في الإقليم ووفقا لصراع النفوذ دوليا وبناء على ما جرى في ليبيا وفي كل المنطقة، فانه لابد من ان تكون المعارضة شريكا في الحكم في أفق السنتين القادمتين، وهو ما يفسر تغيير الموقف الفرنسي منذ أول أمس الثلاثاء 27 أفريل الجاري...
  • السيناريو الثالث: ويتمثل في خطة أمريكيةمتكاملة استطاعت ان تستوعب طبيعة التدخلات الدولية وأن تحتويها وأن تتجاوزها تخطيطا وتنفيذا (بما في ذلك الحضور الفرنسي القوي في التشاد وفي دول الساحل والصحراء)، وتتحكم فيها والطبيعة الفسيفسائية للمعارضة التشادية وطبيعة محيط "ديبي" والذي أربك أطرافا دولية بعلاقاته المتعددة افريقيا ودوليا، ولا يعني كل ذلك أن الامريكيين والبريطانيين لم يكونوا واقعيين في التكيف مع الوقائع والسياسات المنزلة من طرف منافسيهم الدوليين في كل ما جرى وهو ما يفسر ربما لقاء السفير الأمريكي مع أحد زعماء "التبو" الليبيين ساعات قليلة بعد مقتل "ديبي"  ...             
  • السيناريو الرابع: ويتمثل في أن تكون التطورات في التشاد قد أدت إلى ما أدت إليه بغض النظر عن الطريقة التي تم بها دعم أو تحشيد المعارضة (وهي معارضة منقسمة على نفسها وتتكون من فسيفساء فصائل وهي خمس بالنسبة لتلك الناشطة انطلاقا من الأراضي الليبية مضاف إليها مكونات أخرى في الشمال التشادي وانطلاقا من دارفور في السودان)، وان الأطراف الدولية على تداخل مع أطراف عدة ولكن طبيعة الصراع النفوذ بينها لم يمكن أي منها من فرض خياراته وانتظر التطورات فسبقتها جميعا وهو ما يفسر ارتباك وتحركات أطراف دولية عدة في المنطقة ...

-3-  هل الاحداث والتطورات هي ذات أبعاد إقليمية بالأساس؟
اهتز كل الإقليم يوم 11 أفريل الجاري وخاصة دول الساحل الخمس عقب مقتل رئيس تشاد"إدريس ديبي، ورجح بعض المتابعين أن صراع النفوذ على العمق الافريقي بناء على تعدد الثروات الهائلة والنادرة، بل وعمق الصراعات في شمال القارة وغربها...
أخطاء الفرنسيين الفادحة والاستراتيجية في الجارة الأهم للتشاد أي ليبيا، أدت إلى اغتيال أكبر حلفائها في إفريقيا وهو بحدسه وطول تجربته في الحكم قد استشرف مصيره منذ نهاية فيفري الماضي (مباشرة إثر توقيع وقف إطلاق النار بين قوت الوفاق وقوات حفتر)، وخاصة أنه قال للفرنسيين "ان نهاية الحرب في ليبيا يعني بدايتها في التشاد"، وهو ما حدث فعلا بعد المصادقة على حكومة "دبيبة" وبداية اتصالاتها الخارجية وملامستها المباشرة للملفات العسكرية والأمنية بالأساس...
إن مساعدة "حفتر"  في الانقلاب على الشرعية وقرارات الأمم المتحدة لم يكن الخطأ الوحيد الذي مارسه الفرنسيون وبعض دول إقليمية على غرار "الامارات" ووسط صمت مصري، ذلك أن باريس تغاضت عن دخول الأسلحة بشكل كبير إلى الجنوب الليبي في البداية دعما للجنرال المتقاعد (وهو المهووس بالحرب وبالسلطة)، وهو ما مكن لاحقا قوى في المعارضة التشادية وبعض مليشيات قاتلت مع "حفتر" تحديدامن ترسانة عسكرية هائلة (حيث امتلكت مثلا مروحيات وأكثر من 54 عربة عسكرية وتجهيزات عسكرية كبيرة وبالغة الخطورة)، وحتى حينما جنح الليبيون للحوار لم تبادر الدول التي دعمت الثورة المضادة والتي رعتها ومولتها إلى سحب السلاح الذي وزعته بكثافة...
إن مقتل"ديبي" يعني أمرين لا ثالث لهما، الأول هو أن الساسة الفرنسيين إما أنهم قيموا سريعا ترتبات توقف المعارك في ليبيا وما يجري في مالي منذ أشهر، وبالتالي كانوا طرفا في الأحداث الأخيرة وفي توجيهها وترتيب الأمور مستقبليا حفاظا على مصالحهم الاستراتيجية، والثاني هو أن الوقائع قد تكون تسارعت عليهم فتعاطوا معها وفقا لما هو ممكن ودراسة التطورات أولا بأول، وحينئذ سيضطرون لاحقا ان لم يكن الآن لتقييم كل سياساتهم في شمال وغرب القارة، ذلك أن باريس وحليفها الإقليميالأبرز -أي الامارات- سيجنيان من تدخلهما في ليبيا، مسألتين أو بالأحرى خيبتين:

  • الأولى، أنهما أظهرا عجزا عن لعب الدور المنوط بالفرنسيين سابقا باعتبارهم قوة متحكمة في القرار السياسي لعدد من الدول الإفريقية، وهو ما يعني ان الليبيين تحديدا قد بعثوا رسالة بليغة للإماراتيين والفرنسيين وكل من دعم الثورة المضادة بل وقالوا للفرنسيين على لسان كل الأفارقة أن "عهد التحكم في إفريقيا بشكل مفتوح مباشر ولى وانتهى..."
  • الثانية،  (الفرنسيون والاماراتيون) “بدلا من أن يخلقوا حليفا آخر في ليبيا فقدوا أبرز حليف لهم في الساحل الإفريقي، أي "إدريس ديبي”، وذلك لا يعني تغييب احتمال عرضناها في أحد السيناريوهات أعلاه ان الفرنسيين وشركائهم قد يكونوا بحثوا عن ابعاد "ديبي" واحتواء معارضيه خاصة بعد قول ماكرون اول أمس انه "لا بد من حكم مدني..."

 قد لا تسحب "نجامينا" كل جنودها من مالي، ولكنالثابت أن "تشاد لن تبقي على قواتها بشكل كامل في مالي" (معلوم أن الجنود التشاديين يشاركون  في العمليات العسكرية ضد الجماعات المتطرفة- التنظيمات الإرهابية القريبة من القاعدة وداعش- في مالي إلى جانب القوات الفرنسية)، ويمكن الجزم أن سحب تلك القوات بكاملها خطر وإبقاؤها أيضا خطر، ويُمكن القول أن إبقاء القوات في مالي يعني أن الحكومة التشادية لن تتمكن من صد مقاتليالمعارضة - الذين هددوا باقتحام نجامينا-  وفي نفس الوقت فإن إعادة قوات خسرت الكثير من أفرادها وعتادها في "مالي" و"النيجر" إلى ساحة القتال هو أيضا رسالة خطيرة على الحكام الجدد في نجامينا..."ذلك أن “أولئك الضباط الذين كانوا في المعارك والذين يمتلكون شرعية القتال ويمتلكون قوات مسلحة كبيرة لم يكونوا جزءا من المشهد العسكري الذي تشكل بعد مقتل ديبي وبالتالي لديهم هم أيضا طموحاتهم..."
أبرز الدول التي ستتضرر مما يجري في ليبيا بعد تشاد هي النيجر، فهذه الأخيرة قد تكون الوجهة القادمة للمسلحين القادمين من ليبيا، وربما تكون أيضا مالي وبالنسبة لمالي إذا ما قرر الفرنسيون الانسحاب فلن تصمد مالي أكثر من بضعة أيام أمام مقاتلي تنظيم القاعدة وباقي التنظيمات الجهادية، وهو أمر سيُهدد ولا شك كل المنطقة والاقليم وخاصة دول الساحل والصحراء
تبين لكل المتابعين أن كل ما حدث في التشاد سببه الرئيسي هو توسع صراع النفوذ بين الأمريكيين والفرنسيين من جهة وبين الأمريكيين والروس والصينيين من جهة ثانية، إضافة لحضور قوي للأتراك والإيرانيين والإسرائيليين والاماراتيين وآخرين خلال الفترة الماضية ...

علي عبداللطيف اللافي ( كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك