القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

في الذكرى 65 للاستقلال، الثورة التونسية ومهمة استكمال الاستقلال

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-03-26 14:20:00 | 487 مشاهدة

تلخيص:

تمر على البلاد اليوم الذكرى الخامسة والستين على استقلالها. ولا تخلو الساحة السياسية من سؤال كبير عن حقيقة استقلال البلاد بوجود تيار يشكك في حقيقته ويبني سرديته على أن الثورة ستنجز الاستقلال الفعلي.

بعد عشر سنوات من الثورة، يبدو الموقف من الاستقلال، من هنا وهناك، يتجه نحو التنسيب والتعديل. وتبدو فكرة القبول بحدود ذلك الاستقلال قاسما مشتركا بين التيارين، تيار تمجيد الاستقلال ودولته الأولى تحت ضغط القوى الجديدة الصاعدة، وتيار إنكار الاستقلال تحت ضغط مقاومة القوى المنتسبة إلى القديم وضرورة التحلي بالواقعية السياسية وضرورة القبول بفكرة "تواصل الدولة".

ماذا حققت دولة الاستقلال؟

ماذا أنجزت الثورة؟

وما الذي بقي في انتظار الدولة لتنجزه في ظل الثورة؟

مقدمة

في ذكرى الاستقلال الخامسة والستين (2021)، وفي الذكرى العاشرة لهذا الاستقلال في عهد الثورة لا يمكن إلا التساؤل عن دلالات حدث بحجم "ثورة" في بلد لم يمض على استقلاله إلا ثلثا قرن فحسب. ونحن إذ نخوض في المسألة، فإنما نفعل ذلك من باب البحث عن مدخل إلى المستقبل من جهة العلاقة بين حدثين يعتبران بنفس الثقل: الاستقلال والثورة، الاستقلال باعتباره تتويجا لثورة شعب على الاستعمار، وثورة 2010-2011 باعتبارها في أحد أبعادها وشعاراتها عودة إلى مربع 56 في النظر إلى النظام القائم على أنه لم يذهب في تحقيق الاستقلال إلى منتهاه، وقدمت نفسها على أنها استئنافا لمسار لم يكتمل. ومن هنا تأتي الفكرة الجوهرية لهذا المقال: الثورة ومهمة استكمال الاستقلال، والتي حضرت بقوة في خطاب جزء من الشعب يقدم نفسه على أنه ممثل الثورة والناطق باسمها.

وإن هذا الطرح يتخذ شرعيته من الثورة ذاتها. ذلك أن قيام ثورة ليس إلا دليلا على فشل النموذج السائد في تلبية مطامح الثائرين. هكذا كانت نضالات الشعب التونسي وثورته ضد الاستعمار فكان الاستقلال سنة 1956 تتوجا لتلك النضالات. وهكذا كانت ثورة جانفي 2011 شهادة على أن مسار دولة الاستقلال انتهى إلى مأزق تاريخي هيكلي لا فكاك منه إلا باتخاذ مسار جديد يعيد للاستقلال معناه.

لكن العنوان الذي اخترناه يتضمن مفارقة بين إقرار وإنكار في نفس الوقت: إقرار بوجود استقلال ومكاسب، وإنكار لاستجابة تلك المكاسب لآمال شعب وطموحاته مما ضحى أسلافه من أجله. وتلك المفارقة هي في الحقيقة التي شرعت للثورة في ظل تنكر النظام لتلك الطموحات أو عجزه عن بلوغها. وهي التي تدعونا اليوم إلى البحث فيها استجابة لمطالب الثورة.

ولتقدير التحديات التي تنتظر من سلمتهم الثورة أحلامها لتحقيقها لا بد من تحديد ما ورثته هذه الثورة من مكاسب ونقائص في نفس الوقت حتى لا ندخل في معارك وهمية.

أولا: أي مكاسب بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال وأي حدود؟

  1. مكاسب استقلال 1955-1956.

هناك مؤشرات عديدة على أن ما حدث سنة 1955-1956 لا يمكن وصفه إلا بأنه استقلال:

  • اتفاقيات الاستقلال الذاتي في 1955 التي أنهت ازدواجية السلطة والإدارة في الداخل بعد أن دامت قرابة ¾ القرن منذ 1881.
  • مجلس تأسيسي منتخب بقرار من الباي نفسه (1955)لوضع النظام الجديد يفرز دستورا يقر بأن تونس بلد عربي مسلم وبذلك يقطع مع المشاريع الإدماجية الفرنسية.
  • تونسة رموز الدولة: الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضاء والعملة وإحداث بنك مركزي تونسي...
  • الجلاء العسكري النهائي في 1963.
  • الجلاء الزراعي في ذكرى توقيع معاهدة الحماية 12 ماي 1964.
  • إثبات السيادة بربط علاقات دبلوماسية والتمثيل في الأمم المتحدة...

كل هذه الإجراءات وغيرها تثبت أن ما حصل في منتصف الخمسينات هو فعلا استقلال بالاصطلاح السياسي. لكن من يتجاوزون الاصطلاح إلى الممارسة يقولون إن ما حصل ليس إلا شكليات الاستقلال بينما المضمون والجوهر هو تواصل الاستعمار تحت غطاء مؤسسات الدولة المستقلة. وهو ما ينقلنا للحديث عن نقائص الاستقلال:

  1. حدود الاستقلال:

يستدل أصحاب هذه الأطروحة بجملة معطيات نذكر منها:

  • في الجانب السياسي الأمني:
  • في مستوى علاقة الدولة الناشئة بشعبها:

يشير المشككون في جدية الاستقلال إلى تدخل السلطة الاستعمارية في حسم معركة الاستقلال بين أجنحة الحركة الوطنية وتغليب الجناح الذي تراهن عليه في الحفاظ على تبعية البلاد من خلال المؤشرات التالية:

  • تشريك بورقيبة في مفاوضات الاستقلال الذاتي وهو لا يزال معتقلا بينما كانت واجهة التفاوض هي حكومة الطاهر بن عمار.
  • إعادته في جوان 1955 إلى تونس في شكل الزعيم المظفر.
  • خلق الفراغ من حوله بتصفية الشق اليوسفي المنافس له بمساعدة حكومة الطاهر بن عمار.

ويشير أصحاب هذا الطرح إلى تنكر النظام الجديد إلى المشروع الوطني الجامع لكل أجنحة الحركة الوطنية في شقه السياسي متمثلا في نظام دستوري ديمقراطي من خلال:

  • تركيز السلطات بين يديه من خلال دستور 1959.
  • فرض نظام الحزب الواحد منذ 1964.
  • فرض الرئاسة مدى الحياة منذ 1975...

ويؤكد الداعمون لهذا التحليل أن نظام 7 نوفمبر ما هو إلا التلميذ النجيب لنظام 1956 إذ أعاد إنتاج نفس الآليات الاحتكارية للسلطة بخدع جديدة.

ما العلاقة بين ذلك والتشكيك في الاستقلال؟ يؤكد أصحاب هذه الأطروحة المشككة في جدية الاستقلال أن الطبقة السياسية المتفردة بالحكم من دون بقية مكونات الشعب –زيادة على تنكرها لنضالات بقية الوطنيين وإقصائهم – قد شهدت صراعا بين أجنحة النظام حول مسألة الهويةوكان الحسم لصالح الجناح الفرنكوفوني الذي تمكن في السلطة أكثر تحت نظام 7 نوفمبر بلبوس محاربة التطرف والإرهاب. ألا يعني ذلك بنظر هؤلاء سقوط الاستقلال وتواصل حضور ما قبل 1956 بلباس محلي؟

  • في مستوى العلاقات الخارجية للبلاد:

يشير المشككون في جدية الاستقلال إلى أن اتفاقات الاستقلال الذاتي (1955) أعطت امتيازات أمنية عسكرية لفرنسا (ربع قرن من الوجود في تونس، الاحتفاظ بقاعدة بنزرت...). ولئن قلصت اتفاقيات 20 مارس 1956 التبعات العسكرية والأمنية لاتفاقات جوان 1955 فإنها لم تلغها تماما.من ذلك مثلا ما يروج من حديث عن التدخل العسكري المخابراتي الفرنسي في البلاد، والعلاقات المميزة مع النظام الفرنسي، والانتماء للمنظمة الفرنكوفونية، وآخر تلك المؤشرات سلوك السلطة الفرنسية خلال الثورة ودعوة وزيرة فرنسية إلى دعم النظام بالخبرات الفرنسية لحفظ الأمن، وما يروج عن أدوار مؤثرة للسفارات الأجنبية في الحياة السياسية بعد الثورة.

في نفس السياق يؤكد هؤلاء على التوجهات الخارجية لنظام 1955-1956 في علاقاته بمحيطه:

  • فكيف يمكن فهم خياراته في التركيز على مفهوم الدولة الأمة القطرية في مواجهة الوحدة العربية التي تبناها الشق اليوسفي مثلا؟
  • هل يمكن التسليم بحججه في التملص من استحقاقات وحدة مصير المغرب العربي منذ اندلاع الثورة في الخمسينات ثم في تجربة 1974 مع ليبيا بدعوى عدم الجاهزية؟
  • كيف يمكن فهم التوجه التطبيعي للنظام والجرأة على إعلانه منذ 1964؟
  • أليس في كل ذلك إعادة إنتاج للتبعية من خلال تبني نمط الدولة الأمة على طريقة الدولة الاستعمارية ذاتها ومن ثمة رفض المحيط؟

وامتدادا لهذه الخيارات السياسية لم يكن ممكنا إلا السقوط في التبعية الاقتصادية والثقافية.

  • في الجانب الاقتصادي:

كيف يمكن أن نفهم أنه بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال لا تزال أربعة أخماس المبادلات التونسية ترتبط بالاتحاد الأوروبي مقابل ضعف المبادلات مع المجال العربي والإسلامي؟

كيف يمكن أن نفهم أن البلاد اضطرت لتفتح أبواب اقتصادها منذ الثمانينات أمام الغزو الاقتصادي الخارجي بفعل الإصلاح الهيكلي والإفلاس الذي وصلته الدولة بعد 30 سنة من التنمية الفاشلة؟

أليس كل ذلك علامة على فشل الاستقلال، وعودة للاستعمار من الباب الخلفي؟

  • في الجانب الثقافي

كان للنظام الجديد مشروع وصفه بالتحديثي لكنه كان مثارا لنقاط استفهام كثيرة عند منتقديه عن مدى تحقق الاستقلال عن المستعمر ومنها:

كيف يمكن بنظر هؤلاء فهم ما حصل في المجال التعليمي من إصلاح النظام التعليمي وتهميش التعليم الأصلي (الزيتوني) الذي وصف بالتقليدي وبخِّس وألغي لصالح تعليم سُمِّي بالعصريوالحديث ورُفِع من شأنه ومُجِّد؟

كيف يمكن بنظرهم فهم ما حصل في المجال القضائي من تشريعات من مثل إلغاء القضاء الشرعي بدعوى توحيد القضاء وسن تشريعات يشتبه في أنها تخالف الشرع الإسلامي وهو أساس هوية البلاد؟

كيف يمكن تفسير مكانة اللغة الفرنسية التي سميت اللغة الثانية للبلاد؟كيف يمكن تبرير الحفاظ على الازدواجية اللغوية في حين كان التعريب شعارا مركزيا في مطالب الحركة الوطنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ وكيف يمكن تفسير وضعيتها في التعليم وهي التي تنافس اللغة الأصلية للبلاد من حيث الضوارب وتدريس العلوم؟ وكيف يمكن فهم مكانة الفرنسية في الإدارة التونسية العربية الإسلامية (لغة المحاسبة المالية والبنوك مثلا)؟

أليس ذلك حفاظا على أخطر أنواع الاستعمار وهو الاستعمار الثقافي، مدخل استعمار العقول؟

هذه كلها تساؤلات تشرع لوجهة النظر القائلة بأن تونس لم تستقل فعليا عند المتشائمين أو أن الاستقلال كان منقوصا عند المتفائلين.وهو ما يشرِّع لدى هذا الشق من التونسيين استئناف المسار أو تقويمه بعد ما طرأ عليه من انحراف.

ثانيا: نحو استكمال الاستقلال:

  1. عن أي استقلال نتحدث؟

لا بد من التسليم بأن تضحيات الوطنيين أثمرت في 1956 دولة مستقلة بالمفهوم الاصطلاحي للكلمة استنادا إلى أركانها وهي السلطة والشعب والمجال، إلى جانب رموز السيادة التي أشرنا إليها ولعل أبرزها التمثيل في المحافل الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. نقول ذلك حتى لا نسقط في العدمية وإنكار نضالات أجيال من التونسيين منذ 1881 في مواجهة الاستعمار الفرنسي. لكن ما نؤكد عليه كذلك حتى لا نسقط في إنكار شرعية الثورة هو أن هذه الدولة بكل تأكيد وبساطة تابعة. لذلك فإن الاستقلال يصبح بمعنى استرداد الإرادة وتحريرها من الاستلاب للقوة الاستعمارية القديمة ولكل القوى الجديدة. ولا يمكن ذلك إلا بتملك قاعدته الاقتصادية والثقافية. لكن دون ذلك جملة عوائق.

  1. معطيات ضاغطة:

من البداية نقول إن الواقع الجغرافي والجغراسياسي للبلاد التونسية يفرض عليها جملة من الضغوط والتحديات يمكن أن نحددها فيما يلي:

تركة ثقيلة من الفساد والإفلاس والفوضى في النظام الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي... وبطالة وديون خارجية...

بلد محدود المجال الأمر الذي يجعله محدود الموارد الطبيعية التي قد تدر عليه موارد مالية.

ضعف الموارد المالية المحلية يجعله رهينا بالمساعدة الخارجية في مواجهة تحديات الوضع الموروث.

ضعف الرصيد البشري الضروري لأي استقلال اقتصادي من حيث عدد السكان (12 مليون)،مستوى العيش (دخل فردي يحوم حول 3000 دولار للفرد)،نقص مستوى التكوين إذ تشمل البطالة قرابة خمس النشيطين، وتضعف نسبة المسجلين في الاختصاصات العلمية من التعليم الجامعي...،

وبهذا يكون البلد مفتقدا للسوق الداخلية القادرة على استيعاب أي نمو للإنتاج المحلي ومن ثمة مرتهنا للسوق الخارجية، كما يفتقد لأحد شروط القدرة على التجديد التكنولوجي...

موقع استراتيجي لا يمكن إغفاله من أي قوة خارجية - سواء إقليمية أو دولية - يمتد أمنها إلى المجال التونسي،

"قابلية الاستعمار" من خلال الانهزام النفسي الشعبي أمام الخارج واستبطان تفوقه بشكل يكسر نوازع المقاومة لهيمنته. فهناك من لا يتصور بعد من التونسيين إمكانية تعليم العلوم بالعربية، وهناك من – إن قبل الأمر – استثقله واستغربه.

هذه كلها ضغوط محلية وخارجية تفرض علينا الوعي بحدود ما يمكن للثورة أن تحققه حتى لا نسقط في الوهم مرة أخرى.

  1. مهام الثورة في استكمال الاستقلال:
  • في المستوى السياسي:
  • ماذا أنجزت الثورة؟

تحررت الإرادة الشعبية إذ مكنت الثورة من هز النظام التابع وإسقاط رأسه. لكن الجسم لا زال يقاوم من خلال النخب التي ربطت مصالحها به، والإدارة، ورأس المال، والجهاز الأمني، والأحزاب، والمجتمع المدني، والإعلام... وكلها جيوب للنظام القديم تحاول تعطيل هذا التحرر.

أنجز دستور الثورة ونظمت الانتخابات في أكثر من مناسبة، وهو ما يعد خطوة متقدمة في هذا الاستقلال السياسي. فالنظام الجديد أصبح يستمد شرعيته من الشعب قبل القوى الخارجية كما كان في السابق وهذا أول شروط الاستقلال السياسي إذ سيعطيه ذلك القدرة على وضع سياساته بالعودة إلى الإرادة الشعبية وضرورة مراعاتها احتسابا للمواعيد الانتخابية.

  • ماذا بقي أمامها؟

المطلوب توفير الشروط الداخلية للاستقلال السياسي وهو تحرير الفاعلين السياسيين من قوى الضغط الداخلية المختلفة بدءا بلوبيات الفساد والارتهان للخارج.

المطلوب هو دعم أصحاب القرار بمزيد من الشرعية الانتخابية، وتمليك السلطة أكثر فأكثر للشعب. وفي هذا السياق نذكر بأن الفصل السابع المنظم للسلطة المحلية لم يفعل بعد وينتظر استكماله سواء عبر انتخاب المجالس الجهوية أو تمتيع البلديات بكامل صلاحياتها.

أما تجاه القوى الدولية فالمطلوب ليس القطيعة السياسية معها، بل رسم سياسات الدولة بناء على المصالح الوطنية في إطار المصالح المشتركة مع القوى الأخرى.في هذا السياق يقتضي دعم الاستقلال السياسي دعم الروابط الإقليمية للبلاد توفير العمق البشري والمجالي الضروريين لأي استقلال آخر (اقتصادي ثقافي...). وهو أمر بات ممكنا وجديا أكثر في ظل التحولات الجغراسياسية التي فرضتها الثورات العربية.

  • في المستوى الاقتصادي:
  • ماذا أنجزت الثورة؟

فتحت الثورة، عبر دعم استقلالية القضاء والهيئات الرقابية ونمو الدور الرقابي للمجتمع المدني، باب الأمل في ضرب منظومة الفساد التي تعتبر مطية التبعية الخارجية، وشريكة الاستبداد إن لم تكن قاعدته، وفتحت الباب أمام الأمل في الشفافية الاقتصادية وهو ما يعتبر من الشروط الضرورية لأي تنمية اقتصادية.

وهيأت عبر تثمين منظومة الانتخابات لوصول حكومات ذات مرجعية شعبية (مستمدة من البرلمان) وهو ما يفترض أن يعطيها القوة والقدرة على اتخاذ إجراءات مكملة لما بدأته الثورة في محاربة الفساد الذي يعطل التنمية.

  • ماذا بقي أمامها؟

بقي الصعب وهو التنمية الاقتصادية، وهو أحد الشروط الأساسية لأي استقلال في القرار السياسي. وهو أحد الشعارات الأساسية للثورة. ولا تزال قوى التعطيل ترفعه وتزايد به على الثورة وتتخذه مطية للارتكاس عن الثورة وترذبلها وتمجيد الماضي.

والمطلوب كذلك تنمية اقتصادية تراعي التوازن المجالي والاجتماعي الداخلي إلى جانب القدرة التنافسية الخارجية. وهذا ممكن إذا ما نشطت عملية الاندماج المجالي مع الإقليم.

أما في العلاقة بالخارج فليس المطلوب من الثورة القطيعة مع الاقتصاد العالمي، بل اقتصاد وطني منخرط في الاقتصاد العالمي يوازن بين المصالح الوطنية ومصالح الأطراف الأخرى. وهو ما سيجعل البلاد مفتوحة أمام الاستثمار الأجنبي مثلا دون أن تغفل مصالح الاستثمار المحلي والقوى العاملة الوطنية. وهذا ممكن إذا أخذ الاستثمار الإقليمي حظه في البلاد ولم يخضع للنزعات السياسية والمصلحية للنظام وأصبح الاستثمار الغربي أمام منافسة أخرى غير احتكاره للساحة الاستثمارية.

  • الاستقلال الثقافي أو معركة تحرير الوعي:
  • ماذا أنجزت الثورة؟

عاد الالتزام بالهوية، ولو في مستوى الخطاب،من قبل القوى السياسية إلى واجهة المشهد في البلاد وحسمه دستور 2014 بعد أن كان التزاما وهميا وكلاميا.

كما أن تحول الشعب إلى مرجعية للسلطة سيفرض مراعاة هويته في الخيارات الثقافية المقبلة.

  • ماذا بقي أمامها؟

ليس مطلوبا العزلة عن الثقافة العالمية، ولا القطيعة مع إنجازات الحضارة الإنسانية، بل:

تحرر ثقافي يعيد الاعتزاز بالثقافة الوطنية من خلال تحرير الوعي من الانكسار والهزيمة أمام ثقافة الغالب، ويهيئ للانخراط في الفعل الثقافي والعلمي العالمي.

إصلاح التعليم بما يضمن:

  • إعادة كتابة تاريخ البلاد بشكل يؤكد على هوية البلاد الشرقية منذ القديم (قرطاج شرقية وليست غربية ولا يجب أن تكون نقيضا للهوية العربية الإسلامية).
  • التأكيد على الوطنية اللغوية من خلال تعريب التعليم تمهيدا لتعريب الإدارة، وإنهاء الازدواجية اللغوية المكبلة.
  • دعم مكانة التعليم التقني والعلمي باعتباره المدخل للتجديد التكنولوجي الضروري للحد من التبعية التكنولوجية بتبعاتها الاقتصادية والثقافية والنفسية.

خاتمة:

بعد عشر سنوات من الثورة تبدو مختلف القوى السياسية متحلقة أكثر فأكثر حول القبول بفكرة الاستقلال. ففي أول جلسة نيابية في ذكرى الاستقلال (انعقدت في 23 مارس 2021) وقفت جميع الكتل النيابية وبدون استثناء تقرأ الفاتحة على شهداء الحركة الوطنية الذين مهدوا للاستقلال. لكن المسافة بين هذه القوى متأتية من تقييم الفترة السابقة للثورة في التعاطي مع ذلك الاستقلال. فلئن نذرت بعض تلك القوى نفسها لتمجيد الماضي والتمسك به واعتبار الثورة خطيئة والدستور خطأ، فإن التيار المقابل، بعد أن سلم، من منطلق الواقعية السياسية أو حسبة سياسية عقلانية، بفكرة الاستقلال يبيح لنفسه تنسيبها بناء على تقييم يعتبر أن الاستقلال لم يكتمل، وأن الثورة تشرع لاستئناف المسار واستكماله.

وقد يكون إطلاق أول قمر صناعي في تاريخ البلاد (يوم 22 مارس 2021) بمناسبة هذه الذكرى، مؤشرا فارقا على أهمية أثر تحرر الإرادة في تحرر العقول. ويكفي الثورة شرفا أن يكون خروج التونسيين للفضاء بأيديهم في عهدها.

د. عبد الرحمان الهذلي (باحث من تونس)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك