القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

جدلية العولمة والدولة والمجتمع في سياق الثورة بتونس من خلال ثورتي 1864 و2011

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-02-16 08:59:00 | 729 مشاهدة

ملخص:
تمثل الثورة ذروة التوتر في العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد شهدت الفترة الحديثة والمعاصرة من تاريخ تونس ثورتين كبيرتين في كل من سنتي 1864 و2010. وتنبع المشتركات بينهما من تشابه سياقاتهما التاريخية المرتبطة بظاهرة العولمة الغربية الحديثة (الأوروبية) والمعاصرة (الأمريكية) حيث وجدت البلاد التونسية نفسها منذ بداية القرن 19 في مواجهة مفاعيل العولمة الزاحفة تحت ضغط فوائض الإنتاج والرأسمال الصناعيين. وقد جعلت تلك العولمة من القوى الخارجية الغازية معطى ثابتا في واقع البلاد ومؤثرا في علاقة السلطة بالمجتمع بعد أن عرفت الانسجام في عهد حمودة باشا الحسيني (1782-1814) وتجاوز مخلفات الفتنة الباشية-الحسينية وانقسام المجتمع والدولة.
دخلت الدولة منذ وفاة حمودة باشا (1814) مسارا من الاغتراب عن المجتمع نتيجة عجزها عن مواجهة الغزو الغربي، وخياراتها للتعاطي مع ذلك الضغط، وتسلطها على المجتمع. وقد أفقدها كل ذلك شرعياتها المختلفة في نظر مجتمعها الذي رد على هذا الواقع الجديد في اتجاهين: الأول اتجاه الدولة ذاتها بأشكال عديدة من الاحتجاج توجت في ثورتين عارمتين (1864 و2010) بنسب متفاوتة من النجاح. أما الثاني فكان تجاه الخارج ذاته بتحمل مهمة رئيسية من مهام الدولة وهي التصدي للغزو الخارجي ومقاومته من أجل استرداد السيادة بما يشكل نوعا من انبعاث النزعة الجهادية لكن هذه المرة خارج أطر الدولة العاجزة عن ذلك. ولم تقف تلك النزعة داخل حدود القطر بل امتدت إلى الإقليم في حركة تضامنية تشير إلى وحدة العدو. والسؤال المفتوح بعد نجاح الثورة الأخيرة (2010-2011) ولو نسبيا في إعادة ترميم العلاقة بين المجتمع والدولة (عبر الانتخابات)، هو مستقبل العلاقة بينهما في ظل ضغط رهيب عليها من طرفي المعادلة المتصادمين: العولمة الساعية إلى استرداد دولة ما قبل الثورة (المستبدة والمنفصلة عن شعبها)، والشعب المطالب بالحقوق دون ضوابط غير منتبه إلى أنه ينسف بذلك شروط حماية سيادته الوطنية.

المقدمة:
يمتلئ تاريخ البلاد التونسية بالثورات منذ القديم. لكن ما يميز ثورتي 1864 و2011 أنهما تشتركان في السياق الإقليمي والدولي المرتبط بالتحدي الغربي الوافد ضمن العولمة الغربية التي انطلقت إثر الاكتشافات الجغرافية الكبرى (القرن 15 +16) وما فتئت تتوسع وتعيد ترتيب العالم حول المركزية الغربية، الأوروبية حتى الحرب العالمية الثانية والأمريكية منذئذ. وقد كان لتلك الهجمة العولمية أثرها في علاقة الدولة بالمجتمع حين غرقت في مسار طويل من الاغتراب المتنامي عنه، بما يفسر الثورتين في أحد أبعادهما.
فما هو مسار اغتراب الدولة عن المجتمع تحت الضغط الخارجي؟
وكيف رد المجتمع على هذا المسار؟
وما هو مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع في ظل الضغط المتواصل للعولمة بعد ثورة 2011؟

أولا: نحو اغتراب الدولة عن المجتمع تحت ضغط العولمة:
تعد ظاهرة العولمة الغربية منذ القرن 19 بما هي الانفتاح (المفروض أو الاختياري) على مختلف الأدفاق المادية واللامادية في ظل فوائض الإنتاج ورؤوس الأموال الباحثة عن أسواق وضرورة فتحها بالقوة من خلال اختراق المجتمعات غير الرأسمالية مثل البلاد التونسية وتحويلها إلى مجتمعات استهلاكية تابعة. وهي فوائض ناتجة عن الثورات الصناعية بمختلف حلقاتها. وتعتبر الحربان العالميتان الأولى والثانية حدثا فارقا في تحول مركز العولمة من أوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة. ورغم هذا التحول المجالي فإن استراتيجية الاختراق من أجل الهيمنة وتدجين الدولة التونسية تواصلت وتشابهت تقريبا في وسائلها ومناهجها مع الاختلافات الطفيفة الناجمة عن التطور التاريخي.

  1. الغزو العسكري يستضعف الدولة:

اعتمدت أوروبا في القرن 19 ما اصطلح عليه المؤرخون بـالسياسة المدفعجية (la politique canonnière) أي الحملات العسكرية المتبوعة باتفاقات غير متكافئة. وشهدت الفترة الممتدة بين 1816 و1830 أربع حملات عسكرية (1816/1819/1824/1830) لإخضاع البلاد التونسية. وظهرت الدولة الحسينية عاجزة في مواجهة الغزو الأوروبي المسيحي "الصليبي" وغير قادرة على حماية "بيضة الإسلام" في حين أنها تستمد أحد أسس شرعيتها من وظيفة الجهاد بغزو "دار الحرب "وحماية "دار الإسلام". وظهر أثر اختلال موازين القوى العسكرية في كثافة الحضور الغربي من خلال القناصل وتدخلاتهم وإملاء القرارات على البايات. وبذلك سقطت صورة الأمير المجاهد الحامي لتعوضها صورة الأمير العاجز الخاضع.
أما في القرن 20 فلم تعد المسألة العسكرية مطروحة بالشكل الذي ظهرت به في القرن 19 بعدما استقرت المستعمرات المستقلة في وضعية أطراف النظام الدولي بحكم تركة المرحلة الاستعمارية من ناحية وما تضمنته اتفاقيات الاستقلال من شروط إلحاق من ناحية ثانية. لكن تبخر حلم الاستقلال واستيعاب فورة الثورة وأحلام السيادة لدى تلك الشعوب اقتضى فسحة من الوقت لتدرك أن قبضة العولمة والتبعية أقوى من الحلم، وأن مفهوم السيادة يحتاج إلى تعديل.
وقد استكملت الاتفاقيات غير المتكافئة الناجمة عن اختلال موازين القوى الهيمنة على الدولة.

  1. الاتفاقات غير المتكافئة تفقد الدولة شرعية الدولة الحامية لمجتمعها:
  • اتفاقات القرن 19

كان أبرز شروط حملة إكسماوث (1816) إنهاء القرصنة تنفيذا لمقررات مؤتمر فيانا. وكان من ثمار ذلك تخلي الدولة التونسية عن أحد مصادر دخلها وشرعيتها في نفس الوقت. فقد كانت القرصنة مصدر دخل بطريقة مباشرة من خلال الغنائم التي تروج في الأسواق لاحقا أو تفتدى (الأسرى) أو غير مباشرة من خلال الإتاوات التي تدفعها بعض الدول الغربية طلبا للحماية. لكن هذا النشاط كان بدوره مصدر شرعية باعتباره "جهادا بحريا". ومن هنا بدأ تخلي الدولة عن وظيفة أساسية في نظر المجتمع وهي "الجهاد" كما أشرنا سابقا.
أما الاتفاقية المعقودة على إثر حملة 1824 فقد حصلت منها فرنسا على وضع الدولة الأكثر امتيازا وحقها في حماية من يتعامل معها وإخضاع الفرنسيين إلى سلطة القنصل الفرنسي القضائية وحل المشاكل التجارية عن طريق محكمة مختلطة متناصفة. وتدعم هذا التوجه باتفاقية 1830 التي تضمنت شروطا خطيرة على البلاد وبالتالي علاقة الدولة بالمجتمع. ويمكن إجمال هذه الشروط في محورين: محور اقتصادي يتركز على إلغاء احتكار الدولة التونسية للتجارة الخارجية مقابل احتكار فرنسا صيد المرجان، ومحور حضاري ديني من خلال تضمين شرط سري يقضي ببناء كنيسة للقديس لويس وهو في الحقيقة الملك الفرنسي لويس التاسع قائد الحملة الصليبية التاسعة على تونس، وهي كنيسة قرطاج. وكان من آثار ذلك كثافة حضور القناصل الأوروبيين لدى السلطة وتدخلهم في قراراتها. وتعمق الأمر بالمادة 11 من عهد الأمان التي فتحت الباب أمام تملك الأجانب للعقارات.
أضرت هذه الاتفاقيات بمصالح النخبة الاقتصادية التي كانت تهيمن على قطاعات الاقتصاد عن طريق نظام اللزمة. كما أضرت بالتجار التونسيين بسبب نظام الامتيازات وأصبحوا يعانون من المنافسة الأجنبية. وبذلك فقدت الدولة جزءا آخر من شرعيتها القائم على حماية مصالح النخبة.
أما العامة فقد طالتها تأثيرات هذه الاتفاقات من خلال الضغط الجبائي المتنامي لتعويض نقص المداخيل الناتج عن تراجع المداخيل الخارجية (القرصنة + الضرائب الجمركية + الإتاوات الخارجية + الصادرات) بعد تلك الاتفاقات. فخلال النصف الأول من القرن 19 فقط هناك على الأقل عشر ضرائب (ثلاثة قديمة استبدلت بأخرى أرفع وأكثر ثباتا مثل القانون (على الغراسات وخاصة الزيتون) بدل العشر، وسبع جديدة محدثة أبرزها المجبى أو الإعانة (1856) ووقع الترفيع في بعضها (مضاعفة المجبى وتعميمه سنة 1863).
وبذلك اهتزت صورة الدولة أمام المجتمع وفقدت جزءا آخر من شرعيتها بسبب عجزها عن حماية نخبتها وعامة شعبها أمام المنافسة الخارجية.

  • اتفاقات الاستقلال والطعن في الولاء الوطني لدولة الاستقلال (الحركة اليوسفية)

منذ الإعلان عن اتفاقات الاستقلال الذاتي (جوان 1955)، انقسم الحزب الرئيسي في الحركة الوطنية بين من يباركها (خطوة إلى الأمام) برئاسة عرابها الحبيب بورقيبة، وشق آخر يعارضها يعتبرها انتكاسة (خطوة إلى الوراء) بقيادة أمين عام الحزب صالح بن يوسف. وبغض النظر عن مآلات الصراع فقد شككت الحركة اليوسفية التي امتدت لقرابة ثماني سنوات كاملة (1955 – 1963) في مدى التزام الدولة الوطنية الجديدة بنضال التونسيين خلال مرحلة التحرر من أجل سيادة كاملة غير منقوصة مدعومة بتضامن إقليمي مغاربي. وبدت اتفاقات الاستقلال مدخلا لإعادة رسكلة التبعية الاستعمارية من خلال الحفاظ على مصالح الدولة الحامية بما قدمته لها من امتيازات أمنية (الحضور العسكري والأمني) وثقافية (إرساء الازدواجية اللغوية + الحفاظ على النظام التعليمي الفرنسي)

  • اتفاقات الانفتاح الاقتصادي والعودة إلى مسار التبعية:

اندفعت الدولة تحت وطأة فشل الخيار الاشتراكي (في ستينات القرن العشرين) نحو خيار الانفتاح على الاستثمار الأجنبي المباشر (قانون أفريل 1972). وعاد الغربيون الذين خالهم الشعب غادروا بالاستقلال إلى غزو المشهد العام، وتشغيل التونسيين واستغلالهم مرة أخرى في صورة أشبه بغزو التجار الأوروبيين للبلاد في القرن 19. وبذلك توفرت أرضية لاتهام الدولة من قبل المجتمع بفقدان أحد مصادر شرعيتها، تحرير البلاد وجلاء المستوطنين.
ولم يشفع هذا الخيار للدولة إذ كانت حصيلته محدودة قدرته على استيعاب أفواج العاطلين الوافدين ومتواضعة على سوق الشغل وإيقاف جحافل النازحين في ظل نمو ديموغرافي سريع. بل إن حصيلته ذاتها دفعت بالدولة إلى مزيد الغرق في الارتهان للخارج ومزيد التنازل عن السيادة. فقد سجلت بداية الثمانينات تدهورا في المؤشرات الاقتصادية الأساسية. وفشلت كل محاولات إيقاف التدهور مثل الحد من أعباء الدولة عبر إلغاء الدعم للمواد الأساسية ومزيد الخوصصة وتحرير الأسعار. وانتهى عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية الخارجية إلى الخضوع لاشتراطات صندوق النقد الدولي والقبول ببرنامج الإصلاح الهيكلي (أواسط الثمانينات) ثم اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (أواسط التسعينات).
بدا هذا المسار استعادة لمسار آخر شهده القرن التاسع عشر، مسار الانفتاح القهري تحت ضغط الرأسمال الغربي الفائض، عبر الاتفاقات غير المتكافئة والجهاز البنكي المتحكم في الأدفاق المالية (بنك مصرف الإسقاط الفرنسي [Le comptoir d’Escompte] مثلا في القرن 19 وصندوق النقد الدولي في النصف الثاني من القرن 20) والشركات الرأسمالية (شركة الباتينيول [la société des Batignoles] وفرعها بون-قالمة [la compagnie Bône - Guelma] في السكك الحديدية مثلا في القرن 19 والشركات عبر القطرية في النصف الثاني من القرن 20). وتماما مثلما في القرن 19 كانت شرعية الدولة تهترئ في نظر المجتمع سواء نخبته التي تضيق أمامها السوق الوطنية بالمنافسة الأجنبية أو العامة التي تغرق في البطالة وغلاء الأسعار والاستغلال فضلا عن الجباية المتصاعدة.

  1. الإصلاحات القسرية تكرس فكرة الدولة المغتربة:
  • في القرن 19:

كان الهدف الأصلي من سياسة الإصلاح اكتساب وسائل القوة والتصدي للاختراق الأجنبي. لكن مساراتها جعلت مآلاتها عكس منطلقاتها ومن ثمة ساهمت في تعميق الشرخ بين الدولة والمجتمع. ويمكن الإشارة إلى بعض تلك الخيارات وما انتهت إليه في ذلك:

  • سياسة الإصلاح العسكري: اختار أحمد باي (1837 – 1855) بناء جيش نظامي قار عصري أمام الخطرين الفرنسي (احتلال الجزائر في 1830) والعثماني (استرداد طرابلس في 1835). وقد مثل عبئا على خزينة الدولة المرهقة بتراجع مداخيلها الخارجية وهو ما سيدفعها إلى الضغط الجبائي على الداخل (كما أسلفنا). لكن هذا الإصلاح أثار بدوره العامة لأنه أدخل إجراء جديدا يتمثل في التجنيد القار لأبناء العامة بما له من تبعات على وضعها الاقتصادي الاجتماعي (فقدان العائل أو القوة العاملة في بلد فلاحي). ومن هنا ظهرت الدولة متعسفة على المجتمع.
  • سياسة الإصلاح الاجتماعي: بادر أحمد باي إلى تحرير العبيد بين 1841 – 1846. وهو ما أدخل اضطرابا على المنظومة الاجتماعية التي تعتمد العبيد قوة عاملة وكرس مرة أخرى صورة الدولة المتعسفة على المجتمع.
  • سياسة الإصلاح الدستوري: صدر عهد الأمان في 1857. ومن أهم النقاط التي نؤكد عليها في سياق هذا التحليل تغيير مرجع التصنيف الاجتماعي من الانتماء الديني (مسلمون / أهل ذمة) إلى الانتماء الإنساني (المادة الثالثة من عهد الأمان: التسوية بين المسلم وغيره من سكان الإيالة في استحقاق الإنصاف لأن استحقاقه لذلك بوصف الإنسانية لا بغيره من الأوصاف). وهو ما يؤكد مرة أخرى خضوع الدولة للضغط الخارجي وفقدانها لمرجعيتها الجهادية في مواجهته وعجزها عن الحفاظ على تميز قاعدتها البشرية الأساسية (المسلمون). وأما الدستور الذي وعد به عهد الأمان وأنجز في 1861 فقد زعزع المنظومة السياسية الاجتماعية بإحداث منظومة مستوردة (السلط الثلاثة وتحديد سلطة الباي) بشكل هز مسلمات المجتمع وتقاليده في علاقته المباشرة بالدولة.

في حصيلة هذا التطور نلاحظ أن ضغط العولمة الأوروبية منذ بداية القرن 19 ولد قلقا مركبا:

  • قلق اقتصادي لدى نخب المال والاقتصاد التي ضاقت مواردها بالمنافسة الأوروبية المتزايدة.
  • قلق اجتماعي لدى العامة نتيجة ازدياد الضغط الجبائي المتنامي بموازاة تراجع مصادر الدولة الخارجية.
  • قلق حضاري مرتبط بتنامي كثافة الحضور الغربي المسيحي مجسما في التجار الأوروبيين والقناصل واستقواء اليهود على الدولة التونسية بالدول الأوروبية.
  • الإصلاحات القسرية بعد الاستقلال التي طعنت في ولاء الدولة لهوية الشعب:

مثل التحديث مشروعا ومصدرا للشرعية لدى القيادة الجديدة بعد الاستقلال والتي تبنت رؤية صادمة لوعي الشعب في ذلك من خلال المس بمسلماته الثقافية-الاجتماعية. بدا التحديث أمام منتقديه "تغريبا" من خلال سياسة "التوحيد" التي قامت فعليا على تفضيل القطاع العصري على القطاع التقليدي في كل وضع مزدوج مثل القضاء والتعليم والأحوال الشخصية بدل عصرنة الموروث التقليدي. وألغي على ذلك الأساس التعليم الزيتوني والأوقاف والقضاء الشرعي مثلا بما لها جميعا من مكانة في الوعي الجمعي للتونسيين. بينما لم يلتزم مشروع إصلاح التعليم بمطلب جوهري من نضالات الحركة الوطنية في تعريب التعليم وإلغاء ازدواجية اللغة. بل إن اللغة الفرنسية حافظت على أسبقيتها فضلا عن حضورها من خلال جعلها لغة العلوم. ولم يقتصر الأمر على التعليم بل كانت ترافق لغة الشعب في مختلف مرافق حياتهم المرتبطة بالإدارة. ولم يكن خيار المس بالوضع الأسري من خلال مجلة الأحوال الشخصية أقل استفزازا لعامة المجتمع.
عولت الدولة الجديدة على كاريزما الزعيم وقوة الدولة في تمرير هذه الإصلاحات. لكن ذلك كان ينتقص من شرعيتها وأدخلها في مسار جديد من الاغتراب الذي كان يتعمق بمرور الزمن مع فقدان شرعية التنمية. فتماما مثل التحديث القسري استنجدت الدولة بقوتها لتفرض على المجتمع الخيار الاشتراكي في الستينات من خلال تجربة التعاضد. واستقر في الوعي الجمعي للتونسيين أن الدولة كانت تصادر ممتلكاتهم قسرا ودون خيار. واحتدت هذه الصورة في آخر التجربة عندما اصطدمت بالفشل وأرادت حسم الأمر بالقوة بعد أن حاولت في السنوات الأولى أسلوب الإقناع بالتجربة والإغراء بالنجاح الذي لم يأت. وأظهر المجتمع نزعة رفض ومقاومة لهذا التمشي القسري. وانتهى الأمر بعد إقرار الدولة بالفشل ووقفة تأمل من الزعيم، لكن بعد أن تلطخت صورة الدولة وازدادت غربتها عن مجتمعها. وسيتسع الفتق لاحقا بقصور البرامج التنموية المنفتحة.
وفي كل هذه الحالات ظهرت الدولة بمظهر العاجز عن حماية مجتمعها وقيمه ونظامه الاجتماعي والاقتصادي بما يعني فقدان الثقة فيها وتباعد المسافات بينها وبين مجتمعها.

  • الاستبداد يعمق اغتراب الدولة عن مجتمعها:

يصف أحمد بن أبي الضياف حكم البايات بحكم الإطلاق. وهو بالتأكيد ينطلق في ذلك من قناعاته الإصلاحية التي تتبنى فكرة النظم الغربية (الدستور والمؤسسات). وبسبب تسلط الدولة على المجتمع، أغرى ضعفها أمام الغزو الخارجي وتفاقم الحضور الأوروبي وتدخل القناصل في شؤونها، بظاهرة جديدة وهي ظاهرة اللجوء السياسي. بدأت الظاهرة بالاحتماء بالقناصل (منذ عهد أحمد باي) هربا من ظاهرة التتريك ومصادرة الثروات وتطورت إلى الهروب نحو الدول الأوروبية لمن استطاع (مثال ابن عياد والقائد نسيم شمامة).
وفي ظل الحماية، برزت ظاهرة أخرى وهي التجنيس. انطلقت قبل الحرب العالمية الأولى باليهود التونسيين لتنفتح بعدها (1923) على المسلمين أنفسهم. ورغم أن الأمر يبدو اختياريا، وأنه اقتصر على فئة قليلة انتهازية ولم يتجاوز نسبة محدودة من السكان بفعل المقاومة الوطنية، فإنه مثل في أحد أبعاده نوعا من هروب الرعايا من دولتهم إلى دولة أخرى.
بعد الاستقلال، اختارت النخبة الحاكمة الجديدة التفرد بالسلطة من دون مخالفيها. فرأت في كل معارضة خطرا واجهته بالقمع والأحكام القضائية الجائرة. وتماما مثل القرن 19، وجد المعارضون أنفسهم مجبرين على اللجوء إلى الخارج، نفس الخارج الذي يرهن الدولة ويناضلون من أجل تحريرها منه. وبذلك فقدت الدولة مرة أخرى من شرعيتها أمام مجتمعها ودفعت أولادها باستبدادها إلى الارتهان له بدورهم. فبخلاف لاجئي القرن 19 الهاربين بحثا عن خلاصهم الفردي، كان لاجئو النصف الثاني من القرن العشرين أصحاب مشاريع حكم بديلة. ومن ثمة فقد أصبحوا تماما كما النخبة الحاكمة رهائن لدى الغرب، بجميله عليهم بعد إيوائهم وحمايتهم من استبداد دولتهم، وبتحوله (تماما مثلما لدى مفكري الإصلاح في القرن 19) إلى نموذج الدولة البديلة بنظمه وتقدمه عن دولتهم التي انحرفت عما ناضل آباؤهم من أجله، وعجزت عن الخروج من وضع التبعية والتخلف.
أمام كل هذه المداخل التي فقدت الدولة عبرها أجزاء من شرعيتها واغتربت بأقدار عن مجتمعها، وجد هذا الأخير نفسه أمام مسؤولية المبادرة إلى تولي بعض مهام تلك الدولة والاعتراض عليها حد الثورة.

ثانيا: مبادرة المجتمع إلى تعويض الدولة واستردادها:

اتخذ رد فعل المجتمع على فقدان الدولة لسيادتها أمام القوى الخارجية منحيين أساسا: الأول تجاه الدولة ذاتها والثاني تجاه الخارج.

  1. تجاه الدولة، من القلق والاحتجاج إلى الثورة:

خلال القرن 19، تراكمت مشاعر الغضب والقلق لدى المجتمع من مختلف مظاهر الاختراق الخارجي وما ولده من ضغوط السلطة على الداخل وتحولها إلى وكيل للخارج قبل أن تكون ممثلة لشعبها ومطامحه في السيادة. وقد انفجر هذا الغضب خلال القرن 19 في شكل ثورة عارمة سنة 1864. وكان من مطالبها مثلا التخلي عن تحرير العبيد مما يدل على القلق من المس بالمنظومة الاجتماعية من قبل الإصلاحات. لكن القمع الشديد زاد في اغتراب الدولة عن مجتمعها ودفع بها إلى الارتماء أكثر في أحضان القناصل ورهنها إلى التدخل الخارجي (الكوميسيون المالي) الذي سينتهي إلى السقوط تحت الاحتلال.
تحت الحماية، مثلت الدولة موضوع صراع بين سلطة الاحتلال والحركة الوطنية (ممثلة الشعب)، باعتبارها (أي الدولة) مصدر الشرعية أمام القوى الخارجية وبحكم اتفاقية الحماية. ورغم تجنب الحركة الوطنية التصادم معها، فإن العلاقة بها راوحت بين التقارب حينا بل وحتى التحالف في فترات قصيرة (مثل محمد الناصر باي في آخر حكمه والمنصف باي في فترة حكمه القصيرة والأمين باي لفترات متفرقة بداية الخمسينات وأوسطها) مقابل التصادم حينا آخر خاصة بعد الحرب العالمية الثانية مثل حكومات مصطفى الكعاك (1947-1950) ومحمد الصالح مزالي (1954) والأمين باي نفسه بعد القبول بخلافة المنصف باي (1943) ثم رضوخه إلى ضغوط الحماية بعد عزل حكومة شنيق (1952). لكن الثابت هو أن مكانة الباي لدى الشعب كانت تتأثر صعودا وهبوطا بمدى قربه من الحركة الوطنية. وهو ما جعل المؤرخين يتحدثون عن مصالحة بين العرش والشعب في عهد محمد المنصف باي. خلا ذلك، فقد كانت سمعة البايات سيئة. لكن رد الفعل الوطني اتجه غالبا نحو سلطة الحماية بنزعة براغماتية أساسا، رغبة في تحييد الباي إن لم يكن ممكنا كسبه.
أما في النصف الثاني من القرن العشرين فقد تعددت أشكال الاحتجاج والاعتراض على الدولة من المجتمع. وتراوحت من الأشكال المدنية السلمية (إعلام المعارضة خاصة والتظاهر مثل تحركات جانفي 1978 و1984 والتحركات الطلابية) إلى الأعمال المسلحة (1962 و1980). ولم تدخر الدولة مرة أخرى من قمعها في مواجهة تلك الاحتجاجات والاحتماء بالدعم الخارجي ضد شعبها (الدعم الفرنسي مثلا ضد أحداث قفصة 1980) والاستنجاد به لتلبية طلبات المجتمع (الديون والاستثمارات) والسقوط تحت رحمة المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي).
وفي حين أطرت القبائل أكبر رد فعل مجتمعي (ثورة 1864) على اغتراب الدولة في تاريخ البلاد الحديث، فإن منظمات المجتمع المدني والأحزاب كانت هي حاضن تحركات المجتمع بعد الاستقلال. لكن رد فعل المجتمع لم يقتصر على الدولة بل امتد كذلك إلى الخارج غازيها وحاميها.

  1. تجاه الخارج، "الجهاد":

نزع اختلال موازين القوى مع الخارج عن الدولة دورها الأساسي في حماية مجالها. وأصبحت عاجزة في نظر مجتمعها عن القيام بمهمتها المقدسة، جهاد العدو. فانزاحت هذه المهمة نحو المجتمع الذي أخذ على عاتقه مهمة استرجاع السيادة عبر النزعة الجهادية، إلى جانب مهمة استرداد الدولة عبر الاحتجاج والثورة.
وهكذا، وأمام عجز جيش الباي عن دفع جيوش الاحتلال الفرنسي (1881)، بادرت القبائل إلى المقاومة ولم تلتزم بقرار الاستسلام من الباي. ولئن حسم اختلال موازين القوى المعركة الأولى لصالح قوى الاحتلال، فإن نزعة المقاومة لم تختف ولكنها خفتت لوقت استيعاب الصدمة وتحولت وتطورت بحسب الظرف وطاقات المجتمع فيما عرف بالحركة الوطنية. وأمام أسر الدولة من قبل الاحتلال، تزعمت الحركة الوطنية مهمة استرداد السيادة الوطنية. وبمرور الزمن واشتداد عودها، أصبحت المعبر الضروري في أي مفاوضات أمام سلطة الحماية لضمان صدقية أي إصلاحات أو اتفاقات أمام التونسيين. كانت الحماية تفرق بين "البلد الشرعي" (le pays légal) ممثلا في الباي وجهاز دولته، و"البلد الفعلي" (le pays réel) ممثلا في الحركة الوطنية وعمقها الشعبي. وسعت دائما إلى منع الالتقاء بينهما بكل الوسائل. وقد دفع المنصف باي ثمنا باهظا عندما خرج على هذه القاعدة لفترة قصيرة (وهي فترة حكمه بين جوان 1942 وماي 1943)، مستفيدا من ضعف سلطة الحماية خلال الحرب العالمية الثانية. وقبله خضع والده محمد الناصر (1906 – 1922) في آخر سنتين من حكمه لضغوط هائلة من الحماية لمجرد التقائه بالقيادات الوطنية (وفد الأربعين في جوان 1920) وتبنيه مطلب الدستور، ورفضه إدانة الحركة الوطنية قبيل زيارة الرئيس الفرنسي (1922). ووصل الأمر بسلطة الحماية إلى تهديده عسكريا عندما هدد بالاستقالة. وبعده تعرض الأمين باي (1943 – 1957) إلى نفس الضغوط خلال الخمسينات عندما رفض التخلي عن حكومة محمد شنيق (1950-1952) وساند مطالب الحركة الوطنية، وبدا أن مصيره للحظة سيكون مصير نظيره المغربي محمد الخامس (العزل والنفي). بل لقد راجت محاولة تسميمه من قبل الحماية وعملائها داخل القصر. (علي البلهوان، تونس الثائرة، مؤسسة هنداوي، 2018، ص 305-306).
وحين رضخت سلطة الاحتلال إلى القبول بفكرة التفاوض من أجل مطالب التونسيين، ناورت من أجل أن يكون التفاوض ظاهريا مع الشرعية بتشكيل حكومات تفاوضية تتزعمها شخصيات غير حزبية (محمد شنيق (1950-1952) والطاهر بن عمار (1954-1955)). لكنه لم تستطع تجاهل السلطة الحقيقية القادرة على ضمان أي اتفاق وهي الحركة الوطنية. لذلك ضمت الحكومتان بعض الرموز الوطنية (صالح بن يوسف ومحمود الماطري في حكومة شنيق الثانية، والمنجي سليم والصادق المقدم ومحمد المصمودي والهادي نويرة في حكومة الطاهر بن عمار). وكان المفاوضون، خاصة في المرحلة الأخيرة التي أفضت إلى اتفاقيات الاستقلال، يرجعون في كل مرة إلى قائد الحزب الحر الدستوري الجديد، الحبيب بورقيبة الذي نقلته سلطة الاحتلال إلى فرنسا ليكون قريبا من المفاوضات.
لكن من المهم الإشارة مرة أخرى إلى انبعاث النزعة الجهادية المسلحة في الخمسينات بعد أن قمعت في بداية ثمانينات القرن 19. لقد جسمت حركة المقاومة المسلحة (التي وصمتها فرنسا بالفلاقة) بين 1952 - 1954هذه النزعة الكامنة. ورغم أن عدد المشاركين فيها قدر بحوالي 3000 مجاهد، فإن احتضانها من المجتمع (بالإيواء والتموين)، مع الظرفية التاريخية الإقليمية والدولية، هو الذي جعلها موجعة وألجأ الاحتلال إلى التفاوض من جديد. وبهذا يمكن القول إن الدولة بعد أن فشلت في مهمة الحفاظ على السيادة، فقدت مهمة استرجاعها لصالح المجتمع.
بعد الاستقلال، ربطت حركات الاحتجاج على الدولة الجديدة في شعاراتها بين الصعوبات الناجمة عن سياساتها وارتباطاتها الخارجية. بدأ ذلك بوضوح جلي مع الحركة اليوسفية الرافضة لاتفاقات الاستقلال الذاتي على اعتبار أن السيادة الناجمة عنها منقوصة. بينما اعتبرت المعارضة اليسارية الدولة وكيلا للرأسمال الأجنبي، وركزت المعارضة القومية على خذلانها للقضية القومية بانكفائها إلى القطرية وتحويل الشعب إلى أمة، بينما ركزت المعارضة الإسلامية على خياراته التغريبية ونزعته العلمانية المعادية للهوية العربية الإسلامية وولائه للغرب الاستعماري على حساب المحيط العربي الإسلامي، وأخيرا نبهت المعارضة الخارجة من رحم الحزب الحاكم إلى انتكاسة الديمقراطية داخله وفي البلاد. وتطور الأمر إلى وضع أخطر بالحديث عن دور وظيفي لرئيس الدولة نفسه (بعد 1987) داخل أجهزة المخابرات الأجنبية (المقتل الغامض للشاب مروان بن زينب الذي اكتشف هذه الحقيقة).
لم تنكفئ النزعة الجهادية لدى المجتمع التونسي في البعد القطري. ذلك أن الحس الشعبي كان يدرك بالفطرة أن المعركة كانت معولمة من خلال تجربة تاريخية متراكمة. ورغم ضعف الخلافة العثمانية، فقد انتظرت القبائل نجدتها في حربها ضد فرنسا. ولم يتردد التونسيون في التفاعل مع "إخوانهم" في كل بلد عربي ومسلم تعرض إلى الاحتلال وبشاعاته. فكانت أحداث الزلاج (1911) والترامواي (1912) مثلا في علاقة بتعرض ليبيا إلى الاحتلال الإيطالي (1911). ونسقت قبائل البلدين مع بعضها ضد الاحتلال الفرنسي لتونس قبل ذلك. وشكلت القضية الفلسطينية محرارا آخر لذلك التحفز الجهادي للتونسيين ضد "الغزو الغربي الصليبي". فقد بدأ التعاطف مع فلسطين ضد مؤامرات المشروع الصهيوني والاحتلال البريطاني بين الحربين. وتنوعت أشكال التحرك من المدنية (الصحافة والتظاهرات والعرائض...) إلى التطوع للقتال في صفوف المقاومة العربية (1948).

لم تتوقف هذه النزعة الجهادية في ظل دولة الاستقلال رغم النزعة القطرية لقيادتها. فقد اندفع شباب تونس إلى الانخراط في حركات المقاومة العربية للمشروع الصهيوني على اختلافها (قومية ويسارية وإسلامية). بل إن بعض حركات المعارضة اتخذت من البعد فوق القطري مرجعية لها. وبرزت أسماء تونسية في تلك المقاومة آخرها محمد الزواري الذي اغتيل لدوره في تطوير وسائل المقاومة الفلسطينية. ولم يقف ذلك الاندفاع عند المنطقة العربية بل تجاوزها إلى كل بؤر التوتر. فقد اندفع الشباب التونسي إلى الساحة الأفغانية لمقاومة الاحتلال السوفياتي. وتشير الدراسات إلى كثافة حضور الشباب التونسي في الحركات الجهادية في العالم اليوم وفي مختلف بؤر التوتر من آسيا إلى أوروبا وإفريقيا، وتحمله أدوارا قيادية في تلك التنظيمات من القاعدة إلى داعش.
نحن إذن في مستوى أول أمام عولمتين: عولمة غازية، وفي مقابلها نزعة مقاومة معولمة نابعة من المجتمع ردا على تخاذل الدولة عن دورها في حماية السيادة. ونحن في مستوى ثان أمام وجهتي نظر للسيادة: وجهة نظر أولى رسمية، وحتى لدى النخبة المعارضة للدولة، معقلنة، ترى السيادة الوطنية قرينة للقطرية، تقر بتأثير موازين القوى المختلة في تحديد مدى التداخل بين مجالي السيادة الوطنية من ناحية وحضور العولمة فيها، وترى المناورة مع العولمة والقبول ولو الجزئي بضغوطها مدخلا للحفاظ على استقرار البلاد وأداء الدولة لالتزاماتها تجاه الشعب وتوفير حاجاته وتحقيق التنمية. قبالتها، تنتصب رؤية أخرى يطغى عليها الوجدان، ترى السيادة الوطنية حلقة ضمن انتماء مجالي حضاري متعدد الحلقات، حلقات متضامنة في مواجهة حلقات انتماء مجالي حضاري غاز، تعيد إنتاج التقسيم التقليدي الوافد من أعماق التاريخ بين شرق وغرب، ولا ترى السيادة إلا انفصالا عن الآخر وندية له.
كانت الثورة إذن في أحد أبعادها من أجل استرداد الدولة التي اغتربت عن مجتمعها ووقعت في أسر الخارج الغازي، بينما كانت النزعة الجهادية تجاه الخارج سواء محليا أو بالانخراط في المعارك الإقليمية مدخلا آخر لاسترداد السيادة بالتضامن بين أجزاء السيادة الأكبر، في سياق معركة معولمة.

ثالثا: الثورة ومستقبل العلاقة بين الثالوث (الخارج والدولة والمجتمع):

لئن نجحت ثورة 2010 في وصول ما لم تصله ثورة 1864، من المس بالنظام والإطاحة برأسه وزعزعته، فإنها لا تزال تحت ضغط نفس الجدلية الثلاثية، العولمة الضاغطة والساعية إلى استيعاب الوضع الجديد وأقلمته مع مقتضياتها، الشعب الطامح إلى امتلاك سيادته، الدولة الواقعة بينهما.
وفي ظل وضع ثوري هش ومتقلب، تجد الدولة نفسها تحت ضغط حلقة جهنمية من طرفين يسعيان إلى تحقيق أعلى المكاسب باستغلال هشاشتها. فالمجتمع يشرع لنفسه المطالبة بلا حدود انطلاقا من شرعية الثورة ذاتها. والدولة التي تعاني تراجع الموارد بسبب تلك التحركات الاجتماعية من ناحية وضغط الأزمة الدولية من ناحية أخرى تجد نفسها مجبرة على الالتفات إلى الخارج تستنجد به لمساعدتها على تلبية حاجات مجتمعها. والخارج الذي يطرق بابها منذ عشرات السنين لتنفتح وتسلم آخر قلاعها للخوصصة، يمد لها في "غيها" فيغرقها بالديون وهو يشحذ سكاكينه ليستكمل ما لم ينجزه سابقا. والشعب الذي يرفع صوته عاليا ليطلب، يلومها، على لسان بعض القوى المعارضة، لأنها باعت السيادة الوطنية لصندوق النقد الدولي ويبادر في بعض المواقع إلى مزيد من خلق موارد الدولة (الكامور والفسفاط...)، ويستنزف ما هو موجود منها عبر التوظيف العشوائي (الانتدابات). وعندما يجف ضرع الدولة تزداد ارتماء في أحضان الخارج الذي يكشف بعض رغباته الأخرى. فيلح على الدولة بتوسيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (الأليكا)، ويطلب غض الطرف عن الاتفاقات القديمة التي أصبح المجتمع ضاغطا من أجل مراجعتها (البترول والملح...).
يزيد الخارج من تغذية الفرقة بين المجتمع ودولته التي ثار لأجل استردادها بتصعيد التناقضات الداخلية. وخير وسائله وأحبها إلى قلبه هي حقوق الأقليات التي يستفز بها أغلبية المجتمع. خلال القرن 19، مثل اليهود (رعايا الدولة الحسينية) والتجار المسيحيون أفضل مدخل لاستباحة الدولة وإضعافها أمام المجتمع. بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت حقوق الإنسان السياسية بالأساس منفذ التدخل الخارجي. بعد الثورة تحولت الأقليات الاجتماعية والفكرية إلى محميات الخارج الضاغط من أجل حرية الضمير، والجندرية، وحقوق الشواذ... بشكل يستفز الأغلبية.
ويمتد التقسيم نحو الإقليم بتصعيد الانقسامات الإيديولوجية داخل المجتمع فيقرِّب البعض ويستعدي البعض الآخر، ويحرض من قرَّبه على من استبعد، فيقتل في المجتمع نزعته إلى التضامن الداخلي والإقليمي ضد العولمة الغازية من خلال تحويل ذلك الانقسام من محلي إلى إقليمي. ويحول أقدس قضية تجسم وحدة الإقليم إلى موضوع صراع بإغراقها في ذلك الانقسام اللعين. تتحول فلسطين من موضوع وحدة تجاه الخارج الغازي إلى مجرد أزمة. يسارع الشق الخائف من الثورة إلى الارتماء في أحضان الغرب باحثا عن الحماية من شعبه، وسائرا عكس إرادته حد التطبيع مع مغتصب فلسطين، متوهما أن في ذلك شرطا لوجوده بالخروج من دائرة التهديد الخارجي بالتصنيف ضمن المغضوب عليهم والوقوع تحت سيف العقوبات المسلط على المارقين عن العولمة، والحرمان من المساعدات الخارجية والاستثمارات والفرص.
وهكذا ينفجر صراع جديد داخل المجتمع بين "أنصار الثورة" وأنصار "الثورة المضادة"، بين "الأوفياء للقضية الفلسطينية" و"الخونة". وبذلك نجح الخارج في نقل الشرخ بين الدولة والمجتمع إلى داخل المجتمع نفسه. فتنفتح أمامه قلاع الدولة والمجتمع بشكل لم يبلغه قبل الثورة.

خاتمة:
كيف الخروج من هذا المأزق؟ كيف يمكن كسر هذه الحلقة الجهنمية؟
نعتقد أن الوعي بهذه التناقضات والاستعداد للتضحية من الجميع هو الكفيل بالحد منها على الأقل. وفي هذا السياق تقع المسؤولية الأولى على عاتق النخبة التي تقود المجتمع. وهي المطالبة بعقلنة حركة المجتمع والموازنة بين الحقوق والواجبات. ومن أجل ذلك هي مطالبة بالتحكم في تناقضاتها ووضع أجندة وطنية تتصارع ضمنها، أجندة تجعل من حفظ السيادة الوطنية سقفا لا يجوز التفويت فيه. ومن أجل ذلك تعقلن المطالب، وتحدد ضمن قدرة الدولة على الاستجابة، وتحرر الموارد من الأسر، والعمل من العرقلة، والقدرة على الإبداع من الانتظارية، انتظار ما تجود به الدولة والاستسلام للسكونية والعجز، وتزرع التفاؤل والأمل والإيمان بالقدرة على الفعل والمستقبل.
لن تتوقف العولمة عن الضغط لأجل مزيد من العولمة. وليس مطلوبا من الدولة أن تنغلق على نفسها حتى تستجيب إلى مطلب السيادة الوطنية. وليس مطلوبا من الشعب أن يتناسى حقوقه وعلى رأسها حقه في السيادة والحرية والتضامن مع من يشترك معهم في الهوية والحقوق.
لكن المطلوب هو البحث عن صيغة توفق بين رغبات الشعب وقدرات الدولة حتى تنخرط في العولمة بشروط الأقوياء، من موقع المساهم لا من موقع المتسول.

د. عبد الرحمن الهذلي ( باحث تونسي)

* ملاحظة: قدمت هذه المداخلة في ندوة مشتركة بين مركزي CAREP + CSDS انتظمت يوم 12 جانفي 2021 بنزل الشيراتون احتفاء بذكرى الثورة التونسية تحت عنوان "الثورة التونسية: أي علاقة بين الدولة والمجتمع".

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك