القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تطور المواقف من حقوق الإنسان في تونس منذ القرن 19، بين تدخل الخارج (الغرب) وتناقضات الداخل

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-12-11 10:53:00 | 4196 مشاهدة

الملخص:

تباينت مواقف الأطراف المعنية بحقوق الإنسان والتي حددناها في أربعة: الخارج (الغرب)، السلطة، النخب، الشعب. من المسألة على امتداد قرابة قرنين منذ طرحها. ولئن تميزت مواقف الأطراف الثلاثة الأخرى بنوع من الثبات والارتباط بالمصلحة، فإن النخبة لم تتوصل إلى صياغة موقف متجانس من تلك الحقوق. فتباينت مواقفها تبعا لتباين مواقعها. وهو الأمر الذي جعلها مطية لانتهاك تلك الحقوق أحيانا، وجعل ضريبة النضال من أجلها باهظة من ناحية أخرى. وبدل أن تكون الثورة فرصة لمراجعة مختلف تلك الأطراف نظرتها لحقوق الإنسان وتعاطيها معها من أجل مستقبل أفضل لتلك الحقوق، يبدو أن الأطراف المختلفة وعلى رأسها النخب لم تستطع مغادرة مربعاتها إلى الآن وبقيت محكومة بثوابتها القديمة.

مقدمة:

تباينت المواقف من حقوق الإنسان (بالتصور الغربي الحديث) منذ اقتحامها الفضاء التونسي مع الاختراق الغربي للبلاد والذي تجسم في عهد الأمان. ذلك أن الأطراف المعنية بها تعاملت معها من منطلق تباين مواقعها وانعكاسات تلك الحقوق على مصالحها قبل مبادئها.

نعتزم في هذا المقال التطرق إلى تطور مواقف الأطراف المعنية بحقوق الإنسان في تونس منذ القرن 19 وأساسا منذ إصدار محمد باي الحسيني عهد الأمان في 9/9/1857 إلى العشريتين الأوليين من القرن الحالي.

وهناك في اعتقادنا 4 أطراف معنية بهذه المسألة: الخارج، صائغ التصور المعاصر لحقوق الإنسان ومصدِّره إلى بقية العالم؛ السلطة، متقبلة هذه الحقوق من موقع الاضطرار لا الاختيار؛ النخبة التي تعتبر نفسها واعية بالحقوق ومعبرة عنها قبل غيرها لكنها المليئة بالتناقضات التي انعكست سلبا على وضعية تلك الحقوق؛ والشعب، موضوع تلك الحقوق وصاحبها، والميال إلى إعطاء الأولوية لحقوقه الاقتصادية والاجتماعية قبل الحقوق السياسية والفكرية.

فكيف تطورت مواقف هذه الأطراف الأربعة؟ وأي أفق لهذا التطور؟

أولا: مواقف الغرب من حقوق الإنسان: بين إنكار حق الآخر فيها والنظرة الانتقائية لها.

  1. ازدواجية خطاب الغرب في مسألة الحقوق:

تعتبر فكرة حقوق الإنسان باعتبارها مطلبا صريحا، مصاغا في نص متخصص بها، من ثمار فكر النهضة والتنوير الغربي المتأثر بطموحات البورجوازية في السلطة مواكبة لصعودها في الثروة. وقد ورد في مواقع مختلفة، من إعلان الحقوق (Bill of rights) في 1648 إلى إعلان استقلال الولايات المتحدة لتكتمل بوضوح في ما أرسته الثورة الفرنسية من "إعلان حقوق الإنسان والمواطن"([1]).

ولقد رأت تلك البورجواية الهاجمة على العالم في سياق توسعها الاستعماري والإمبريالي في تلك الحقوق غطاء لسلوكها المنافي للحقوق، السالب لحرية شعوب بأكملها فغلفته بمهمة حضارية تمدينية لمخلوقات أدنى من درجة الإنسان. وهو ما عبر عنه جوزيف تشمبرلاين، وزير المستعمرات الإنجليزية بين 1895-1903 بالقول:  "إن الأمة مثل الفرد، لها واجبات، فلا يمكننا أن نتخلى عن واجباتنا تجاه شعوب عديدة وضعت تحت وصايتنا. إن بإمكان سيطرتنا وحدها أن تضمن السلم والأمن والرفاهية لأولئك التعساء، الذين لم يسبق لهم أبدا أن عرفوا تلك النعم. فبأدائنا لرسالة التمدين هذه نكون قد أوفينا برسالتنا الوطنية لصالح الشعوب..."([2]).

ولم يشذ عن هذه الرؤية التبريرية للاستعمار – المنافي لكونية الحقوق مثل الحرية - معظم الفكر الغربي.

وإذا ما أخذنا فرنسا نموذجا لموقف الغرب المزدوج من حقوق الإنسان بين الداخل والخارج باعتبارها الدولة التي تعاظم تأثيرها في تونس منذ القرن 19، فإن ذلك الموقف لم يتغير من جول فيري إلى عهد ساركوزي قبيل سقوط أكبر نظام انتهك الحقوق في تاريخ تونس.

ففي خطابه أمام البرلمان الفرنسي سنة 1885 (جلسة 28 جويلية) يصرح جول فيري  (1832-1893): "يجب القول بصراحة... إن إعلان حقوق الإنسان لم يكتب لصالح السود في إفريقيا الاستوائية..." (ولا طبعا لصالح سكان إفريقيا الشمالية).

أما جاك شيراك فهو يبرر اعتداء النظام السابق على الإنسان في تونس بالقول إن هناك حقوقا أخرى لا يجب التغاضي عنها وهي الحقوق الاجتماعية... معنى ذلك أن التونسي ليس أهلا لحقوق أخرى أرقى مثل حرية التفكير والتعبير والرأي... ويمكنه الاكتفاء بحقوق المواشي في الأكل والملجإ فذلك ما هو أهل له([3]). ولم تتوان وزيرة الخارجية الفرنسية ميشال أليو ماري في الأيام الأخيرة من حياة النظام السابق عن إعلان استعداد بلادها لدعم السلطة في حفظ الأمن، ويجب أن نفهم من ذلك في إفشال ثورة الشعب من أجل حقوقه. إلا أن هذه النظرة المزدوجة والاستعلائية، لم تمنع من اتخاذ تلك الحقوق مركبا لاختراق البلاد بدءا بعهد الأمان (1857) وصولا إلى الاتفاقيات الاقتصادية منذ 1995.

  1. ممارسة متقلبة أقرب إلى المصلحة منها إلى المبدأ:

منذ بداية الاهتمام الأوروبي بالبلاد التونسية في القرن 19 وإلى اليوم، كان الموقف الغربي يدور حيثما دارت مصلحته. فقد ضغط على البايات لإصدار عهد الأمان (9/9/1857) الذي يحمي اليهود وغير المسلمين ويزيل التفريق على أساس ديني، ودفعوا إلى الالتزام بإصدار الدستور (29/1/1861) الذي يفصل بين السلط ويحد من سلطات الباي. لكنهم تخلوا عن ذلك عندما ثارت القبائل على مضاعفة المجبى (1864) وحموا الباي وقبلوا بإيقاف الدستور واضطهاد القبائل بعد الثورة. ومثل الاستعمار (1881 – 1956) أوج التنكر لكونية الحقوق. فقد كان يتنكر لمطالب الوطنيين الحقوقية مثل الدستور، حرية التعبير والتفكير والنشر (كانت الصحافة مثلا تخضع للرقابة وتنقطع عن الصدور بين الفينة والأخرى، مصادرة كتاب تونس الشهيدة ومنعه من دخول تونس بعد صدوره في باريس سنة 1920 ومحاكمة الثعالبي من أجله، اضطهاد الوطنيين المطالبين بالحرية...)، الحق في مجانية التعليم وإجباريته وتعميمه، حق انتخاب المؤسسات البلدية والتمثيلية... وبذلك يكرس نظرته المزدوجة للحقوق.

بعد الاستقلال وفي ظل الحرب الباردة مثلت حقوق الإنسان أفضل أدوات إحراج الكتلة الاشتراكية. ومنذ أواسط الثمانينات ومع برنامج الإصلاح الهيكلي الذي وضعه صندوق النقد الدولي فرض على الدول النامية الانفتاح الاقتصادي. لكن ضغط المنظمات الحقوقية ومصالح الغرب دفعته إلى أن يقرن ذلك الانفتاح الاقتصادي بانفتاح سياسي على النخب التي تمثل امتدادا لفكره. وهو تناسق مع ازدواجية نظرته إلى الحقوق. ومن هنا جاء وضع البنود الحقوقية ضمن اتفاق الشراكة مع البلاد التونسية دون أن تلتزم بتبعاتها إلى الآخر([4]).

فقد تبني الغرب في الواقع أولوية المصالح الاقتصادية على كونية الحقوق. ومن هنا كان التذرع بالأخطار المختلفة الأصولية مرة، والإرهاب مرة أخرى والاكتفاء بإبقاء الضغوط في مستوى إعلامي علني دعائي، وتبني طرح النظام حول رؤيته لأولوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ففي مداولات مجلس الشيوخ البلجيكي حول اتفاقية 1997 مع تونس لتشجيع الاستثمار المتبادل واجه نائب رئيس الوزير تساؤلات أحد الأعضاء حول عدم مراعاة الاتفاقية لوضع حقوق الإنسان بتونس مستندا على حجج السلطة التونسية حول المخاطر التي تهدد البلاد والنجاحات التي حققتها في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتميزها عن عديد البلدان الإفريقية([5]).

ومع ذلك فإن ازدواجية الخطاب الغربي امتدت إلى التفريق بين فئات الشعب التونسي نفسه بين مجموعة أهل للمساندة في مطالبها الحقوقية وأخرى دون ذلك. وتعتبر زيارة شيراك إلى تونس في ديسمبر 2003 وما رافقها من مواقف وتصريحات خير مجسم لهذا السلوك الانتقائي. فقد صرحت الناطقة الرئاسية، بما يلي:  "إن شيراك يحرص ... على تشجيع تونس على الاستمرار في إصلاحاتها الاقتصادية والاجتماعية باعتبار ذلك «أفضل طريق لمحاربة التطرف» ولبناء «دولة القانون» ... [و]لا يحرج فرنسا أن تتناول «المسائل الحساسة» مثل حالة المحامية التونسية راضية النصراوي المضربة عن الطعام منذ الخامس عشر من شهر اكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وقالت كولونا ان فرنسا «تتمنى مخرجا ايجابيا» لهذه المسألة التي «تتابعها باهتمام»، والتي تثير «بعض التأثر في فرنسا». وبحسب مصدر رئاسي فرنسي، فان الرئيس شيراك سوف يتناول هذه المسألة مع الرئيس زين العابدين بن علي.([6])

ولا تخفى هنا ازدواجية الخطاب والسلوك الفرنسيين تجاه الشعب التونسي والتفريق بين مجموعة يتأثر لمعاناتها الفرنسيون، مقابل التحريض على جزء آخر من الشعب تحت طائلة محاربة التطرف.

بماذا يمكن أن نخرج من هذا الجرد التاريخي لمواقف الغرب وعلى رأسه فرنسا؟

لقد تعامل الغرب مع مسألة حقوق الإنسان في تونس - كما في كل البلدان الأخرى غير الغربية - على أنها أداة اختراق للمنظومات الفكرية والاقتصادية والسياسية الأخرى. وبذلك فقد كانت مطية للعولمة الاقتصادية الرأسمالية التي أشرف عليها الاستعمار العسكري منذ القرن 19، وتحولت تلك الحقوق بعد الحرب العالمية الثانية وفي مواجهة موجة استقلال المستعمرات إلى مطية العولمة التي تشرف عليها الشركات عبر القطرية منذ الثمانينات وخاصة التسعينات بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وحينئذ لا يمكن الحديث عن موقف مبدئي من قضية الحقوق بالنسبة إلى الغرب بل عن موقف مصلحي.

كما أن الغرب وعلى رأسه فرنسا ينظر إلى الشعب التونسي نظرة مجهرية تميز بين مكونات يعتبرها امتدادا له (وهي نخبة في كل الأحوال) ومن ثمة لها الحق في التمتع بالحقوق ويتأثر الفرنسيون لمعاناتها، لذا يلتزم الدفاع عنها، مقابل مجموعة أخرى (وهي الأغلبية) لا تزال في مرحلة الحقوق البدائية للإنسان ومن ثمة تصبح مطالبتها بالحقوق الراقية كالحرية تهديدا لدولة القانون فوجبت محاربتها باسم التطرف.

ونعتقد أن هذه النظرة لا تزال تشتغل إلى الآن وتتحكم في الموقف الغربي عامة والفرنسي خاصة تجاه التحولات التي تشهدها البلاد منذ 2011، بدءا بالموقف الرافض للثورة (عرضناه سابقا)، مرورا بكل المناورات التي رافقت الانتقال الديمقراطي وسعت إلى التحكم في مخرجاته. وهذا بذاته يحتاج إلى دراسة مستقلة.

ثانيا: موقف السلطة: بين القبول بالحقوق تحت الضغط الخارجي والمناورة من أجل إفراغها من المحتوى

في عهد البايات الحسينيين كما في عهد دولة "الاستقلال" كان القبول بفكرة حقوق الإنسان تحت الضغط والإكراه الخارجي. فقد تضمنت ديباجة عهد الأمان ما يعبر عن هذا القبول المكره. من ذلك مثلا: "والله يرى أني آثرت في قبول هذا الأمر على خطره مصلحة الوطن على ذاتي... ورأينا غالب أهل القطر لم تحصل لهم الأمنية بإجراء ما عقدنا عليه النية". ويحتمي من المعارضة الداخلية بالاستشهاد بالمثال العثماني: "وقد رأينا سلطنة الإسلام والدول العظام الذين على سياستهم الدنيوية إعمال الأعلام في النقض والإبرام يؤكدون الأمان في أنفسهم للرعية ويرونه من الحقوق المرعية".

وفي كلتا الحالتين، كانت السلطة تبحث عن أي مبرر لتعطيل العمل بها، مثلما حصل بعد ثورة 1864 وتعطيل العمل بالدستور. وطيلة الفترة الاستعمارية لم تساند العائلة الحسينية المطالب الوطنية الحقوقية إلا لماما في بعض الفترات المحدودة وهي آخر حكم الناصر باي (1920-1922) وزمن المنصف باي (1942 – 1943) أو تحت ضغط تنامي العمل الوطني والحرص على كسب ود الشعب حفاظا على العرش مثلما حدث مع الأمين باي (في 1951-بداية 1952 ثم بعد 1954). أما في عهد دولة الاستقلال فقد تطورت حقوق الدولة والزعيم والحزب على حساب حقوق الإنسان تحت ذريعة بناء الدولة والتنمية. لذلك وقع إنكار حرية التعبير والتفكير (تصفية الصحف المعارضة) والتعدد المدني (قانون الجمعيات في 7/11/1959 القائم على الترخيص) والحزبي (نظام الحزب الواحد منذ 1964).

بعد 7 نوفمبر تطور الأمر إلى ابتداع عراقيل جديدة لتعطيل تلك الحقوق بل والدوس عليها. وكان أفضل غطاء لخرق تلك الحقوق وضع استراتيجية تقوم على محورين: محور أول مفهومي روج لتصور خاص به يتمسك بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية "البدائية" مقابل تأجيل – بدرجة الإنكار والتنكر - الحقوق الأساسية الأخرى وعلى رأسها الحرية إلى أجل غير مسمى؛ ومحور ثان إجرائي حين طور شبكة أمان داخلية وخارجية من الساسة والإعلاميين الذين يزينون صورته ويروجون لمعجزة تونسية يبررون بها انتهاك الحقوق الذي ارتقى في عديد الحالات إلى جرائم ضد الإنسانية. وهو ما رأيناه مجسما في مواقف الساسة الفرنسيين سابقا مثالا ساطعا على نجاح تلك السياسة. وكان من نتيجة ذلك اضطهاد مختلف التيارات المعارضة للنظام وإن بدرجات متباينة إلى حد القتل تحت التعذيب وسلب الحرية لعشرات السنين، وظروف اعتقال تنتهك آدمية المعتقلين (مثال معتقلي غار الملح من الحركة اليوسفية). ولم تسلم المرأة ذاتها التي يفاخر النظام بتحريرها من تلك الانتهاكات الجسدية والنفسية والتي وصلت حد الاغتصاب فضلا عن التعذيب الجسدي والجنسي. وشملت الانتهاكات حقوق الطفال والعائلات بالهرسلة في مصادر حياتها وتعليمها. وكلها انتهاكات يفترض لتقرير العدالة الانتقالية أن يكشفها.

لقد انحنت السلطة في مختلف المراحل أمام الضغوط الخارجية وقبلت بفكرة الحقوق حفاظا على موقعها لكنها طورت آليات لتعطيل تلك الحقوق تبدأ من التحايل عليها إلى تعطيلها عند الضرورة تحت ذرائع مختلفة.

ثالثا: النخبة، بين الاستنجاد بالخارج والانقسام على الذات.

  1. في القرن 19:

تبنت النخبة الإصلاحية مثل ابن أبي الضياف وخير الدين وفي إطار الانبهار بالنظم الغربية أفكار التنوير لمواجهة نظام الإطلاق. وتظهر من لغة ابن أبي الضياف في وصفه لخضوع الباي للضغوط الخارجية لغة التشفي التي تعكس نقمة على سلطان يحتقر شعبه ويمنعه حقوقه لكنه يخضع للخارج ويعطيه حقوقا ولو على حساب رعيته. وقد تكفل بصياغة عهد الأمان على ما هو رائج ومعلوم والراجح أنه ضمن في تلك الصياغة رؤيته لحقوق الإنسان من شاكلة الحديث عن النظرة للآخرين بصفتهم الإنسانية لا بغيرها من الأوصاف([7]).

لكن المرجعية الأساسية لتلك النخبة تبقى مرجعية دينية زيتونية. لذلك كان مسعاها إلى تبني فكرة الحقوق ضمن التوفيق بينها وبين الشرع الإسلامي([8]). إلا أن نقطة ضعف هذه النخبة هي أنها كانت جزءا من السلطة بل وجزءا تائها في وسطها. لم تكن تملك أثرا داخل الجمهور فلم تكن لها أي وسيلة تأثير على قرارات السلطة. لذلك فشلت حتى عندما استلمت السلطة مع خير الدين بين 1873-1877 في تحقيق مشروعها لأن النظام لم يكن مهيأ لذلك الإصلاح.

  1. في العهد الاستعماري:

اتخذت مسألة حقوق الإنسان بعدا وطنيا تركز حول مسألة التحرر، إذ كان المنتهك الأساسي لها هو الاستعمار بينما كانت سلطة الباي مجرد أداة في يده لانتهاك تلك الحقوق بغطاء منها. لذلك فإن النخبة الوطنية بمختلف مشاربها كانت مجمعة على الربط بين التحرر والتمتع بالحقوق.

وإذا ما كان الوطنيون قد أجمعوا تقريبا منذ بداية القرن العشرين على المطالب الاقتصادية والاجتماعية (مثل نشر التعليم ومقاومة الفقر) وهو ما جعلها ثابتة في مختلف برامج الحركة الوطنية عبر أجيالها المختلفة... فإن المطلب السياسي تطور وفق موازين القوى بين الحالة الوطنية بما هي وعي شعبي وطني وحركة وطنية تبث ذلك الوعي وتؤطره من ناحية وسياسات المستعمر ووضعه المتأثر بالتطورات الدولية خلال النصف الأول من القرن العشرين من ناحية أخرى. لذلك تطور طموح النخبة الوطنية من التشريك قبل الحرب العالمية الأولى إلى الاستقلال بعدها، ومن الاستقلال الذاتي بين الحربين إلى الاستقلال التام بعد الثانية.

ولقد جسم النقابيون من الحامي إلى حشاد في حركتهم بوضوح التلازم داخل وعي النخبة الوطنية بين اكتساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية (وهي هدف العمل النقابي) والتحرر من الاستعمار (وهو هدف العمل الوطني السياسي). ذلك أن الاستغلال (أي سلب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية) هو جوهر الاستعمار (الذي هو نقيض الحرية) والذي لا يمكنه التنازل للشعوب عن حريتها لأن ذلك يعني نهاية مصالحه.

إلا أن تطورا مهما حدث في صفوف النخبة الوطنية بحكم الاختراق الثقافي الذي أحدثه الاستعمار نفسه من خلال النظام التعليمي المزدوج والذي انعكس على تصور تلك النخبة لمضمون تلك الحقوق. وهو ما هيأ لخلاف سيظهر فيما بعد بين مجموعتين من النخبة الوطنية: نخبة تغلب عليها الثقافة الغربية مكونة في أغلبها من الذين تعلموا في المدارس (المدرسيون) وواصلوا تعليمهم في الخارج، وربما كانت الخطورة هنا أنهم تشربوا الثقافة الفرنسية بالذات والتي تتحسس من كل ما يحمل الصبغة الدينية، وفي المقابل كانت النخبة المتشربة في الغالب بالثقافة العربية الإسلامية سليلة التعليم الزيتوني تمثل تكتلا نخبويا آخر.

وإذا كان النضال ضد الاستعمار من أجل التحرر – وهو رأس الحقوق الوطنية - جمع شقي النخبة فإن مستقبل ذلك النضال ومصيره كان يثير الهواجس بينهما. وهو ما تجلى في توتر العلاقة بين الديوان السياسي ولجنة صوت الطالب الزيتوني مثلا. وقد ألقت تلك الصراعات الجنينية بظلالها على فترة ما بعد الاستقلال.

  1. في دولة الاستقلال:

انفجرت تناقضات النخب الوطنية - الكامنة منها والمعلنة – بصفة مؤلمة مع إعلان مضامين الاستقلال الذاتي. وكان لها علاقة وثيقة بمسألة الحقوق – منطلقا ومآلا - خاصة من خلال الوسائل والطرق التي اعتمدتها الدولة الناشئة. وقد فتح انسحاب الاستعمار أمام تلك النخب باب التنافس على إدارة الدولة الوطنية الناشئة لكنه لم يكن بعيدا عن ذلك التنافس لضمان تواصل مصالحه فساهم في تغليب طرف على آخر منذ مفاوضات الاستقلال. وهو ما أحدث فرزا جديدا رئيسيا داخل النخبة على أساس الموقع من الدولة الجديدة. ويمكن أن نميز بين:

  • نخبة الدولة والحكم:

أدى قيام تحالف الجبهة القومية الملتفة حول الديوان السياسي بمناسبة الانتخابات التأسيسية إلى بداية مسيرة من تحريف العملية التنافسية على السلطة والتأسيس لمرحلة من النظام الشمولي مما سيمس بوضع الحقوق. كما أن العناصر المؤثرة في هذه النخبة وعلى رأسها بورقيبة بما عرف عنه من ميولاته الثقافية الفرنكوفونية أثر بدوره في وضع تلك الحقوق. وربما كان أخطر ما في هذه النخبة هي استقواؤها بأدوات الدولة في حسم الخلاف مع بقية النخبة الوطنية والشعب حول مسألة الحقوق.

ورغم تنوع مشارب النخبة التي تولت السلطة بعد 1955 (مدرسية وزيتونية) فقد كان التأثير الأكبر للنخبة المتأثرة بالرؤية الفرنسية في فرض تصوراتها للحقوق على توجهات الدولة الجديدة. وراحت تعمل من خلال كل المؤسسات وخاصة التشريعية والتعليمية على فرض تلك التصورات. ولم تخل توجهاتها من نظرة ازدواجية لتلك الحقوق سليلة الفكر الفرنسي. هذه السياسة فرخت نخبة لا ترى الحقوق في بعدها الإنساني العام (الكوني) ولكن تشرطها بانتماء فكري إلى الحقل الثقافي الغربي على الطريقة الفرنكوفونية المتحسسة مما هو عروبي إسلامي. وبذلك أسست للإقصاء والاستثناء بدل استحقاق تلك الحقوق "بوصف الإنسانية لا بغيره من الأوصاف" على حد تعبير ابن أبي الضياف.

من الناحية الواقعية، تقوقعت النخبة المحيطة بالزعيم ضمن فكرة "أولوية مصلحة الدولة" على مبدأ "أولوية حقوق الإنسان". وضمن هذا الأفق أعطيت الأولوية للزعيم باعتباره لِحَام تلك الدولة، والحزب المحرر باعتباره جهاز إدارة تلك الدولة. وكان مصير الحركة اليوسفية – التي كانت في بدايتها احتجاجا على مضامين الاستقلال الذاتي لتتطور إلى احتجاج على الاستئثار بالسلطة - بداية طريق طويلة من دهس الحقوق فداء للزعيم والحزب. وباسم المصلحة الوطنية وقع تبرير إلغاء التعددية الحزبية في منتصف الستينات، وتحول الحزب الحاكم إلى حزب الدولة، ثم تكرس الزعيم رئيسا مدى الحياة... وباسم أولية الحزب المحرر والزعيم المجاهد الأكبر في قيادة الدولة الوطنية سيقت أجيال من التونسيين من اليمين واليسار نحو سجون الدولة التونسية في أكبر انتهاك لحقوق الإنسان في تاريخ البلاد التونسية (بشكل تجاوز انتهاكات الاستعمار الفرنسي ذاته حسب شهادة المناضل علي المعاوي).

لم يفرخ هذا السلوك إلا مزيدا من الانشقاق داخل النخبة التي التفت حول الزعيم بانسحاب جزء من تلك النخبة من السلطة إلى المعارضة لتتوسع دائرة النخبة الثانية وهي النخبة المعارضة.

  • نخبة المعارضة:

تنوعت مشاربها بدورها. وبحسب هذه المشارب يمكن تقسيمها إلى ثلاثة تيارات كبرى: النخبة الليبرالية، النخبة اليسارية، النخبة الإسلامية،

  • النخبة الليبرالية:

أهم ما ميزها هو سلوكها البراغماتي في السياسة. وقد مثلت جريدة الرأي أبرز علم لهذه المجموعة. ويحسب لها أنها لعبت دورا بارزا في بعث منظمة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وهو ما يجسم مكانة المشغل الحقوقي في اهتماماتها. إلا أن تحولها إلى التمظهر الحزبي جعلها تبقى محصورة في بعض الأحزاب ذات الامتداد الجماهيري المحدود وإن استفادت في انتخابات 1981 من حالة الغضب على سياسات الدولة.

  • النخبة اليسارية:

ويمثل اليسار بتفريعاته المتعددة – خارج الحزب الشيوعي - أهم مكون لها. وقد دفعه انتهاك حقوقه السياسية في نهاية الستينات في محاكمات "حركة آفاق" إلى تغيير استراتيجيته في النضال من أجل تلك الحقوق نحو الانبثاث في منظمات المجتمع المدني الطلابي والعمالي والحقوقي.

ولقد تعرضت هاتان النخبتان إلى اختبار حقيقي في مدى التزامهما المبدئي بمسألة الحقوق بظهور تيار جديد ينتسب إلى الحقل الديني خاصة عندما تشكل في تيار سياسي وهو الاتجاه الإسلامي واقتحم الفضاء الجامعي، فضاء النخبة، ثم فضاء السياسة.

اندفع جزء من النخبتين تحت ضغط الخوف من التيار الجديد إلى تبني تصور انتقائي للحقوق يقوم على استثناء من يصنفهم أعداء الحقوق من التمتع بها. ودفعهم اختلال ميزان القوى الجماهيري إلى اعتبار التناقض مع السلطة ثانويا أمام التناقض مع الخطر الجديد. فاندفع بعض تلك النخبة بشقيها الليبرالي واليساري إلى الانخراط في السلطة خاصة بعد 1987 تحت غطاء المشروع الحداثي. وأنتج هذا الالتقاء أكبر انتهاك لحقوق الإنسان في تاريخ البلاد تحت غطاء خطة عرفت بـ"تجفيف المنابع". لكن تلك النخبة أدركت بعد فوات الأوان أنها أكلت يوم أكل الثور الأبيض فعاد بعضها إلى النضال الحقوقي من جديد بينما اختار البعض البقاء في موقعه حتى فاجأته الثورة.

أما بقية النخبة اليسارية والليبرالية التي نأت بنفسها عن هذا المشروع فقد بقي صوتها خافتا إن لم تتعرض بدورها إلى التهميش والاضطهاد.

  • النخبة المنتسبة إلى الحقل الإسلامي:

برزت هذه النخبة منذ أواخر الستينات لكن اقترابها من الحقل السياسي فرض عليها الخروج من التعميمات إلى تقديم إجابات عن أسئلة حقوقية حارقة من مثل حرية المعتقد وحقوق المرأة وحقوق غير المتدينين في ممارسة السياسة والسلطة في بلد مسلم.

لقد انقسمت هذه النخبة بحسب مواقفها من تلك الحقوق إلى تيارين رئيسيين:

تيار رئيسي، قوامه حركة النهضة إلى جانب جماعات مثل اليسار الإسلامي في وقت ما وبعض الشخصيات المستقلة. سعى هذا التيار إلى تطوير مواقفه من تلك الحقوق باجتهادات تقربه من مكتسبات الحداثة في مجال الحقوق. وانتهى به الأمر إلى اعتبار نفسه امتدادا لتيار الإصلاح منذ القرن 19. ويمكن القول إن ما تعرض له هذا التيار من ضغوط إعلامية وأمنية أعطته فرصة هذا التطور الفكري ووضع إجابات توفق بين الحداثة والهوية. وبرزت ثمار هذه المراجعات في التفاعل مع ضغوط مرحلة التأسيس بعد 2011 ووضع الدستور مثل تضمينه حرية الضمير والحقوق السياسية والمدنية المختلفة.

إلا أن هذا التوجه الحداثي المستند إلى مرجعية إسلامية أصبح يواجه اليوم تحديا من داخل الحقل الإسلامي ذاته. فبعض قواعد هذا التيار تجد صعوبة في استيعاب هذا الاجتهادات. وإذا كان جزء منها يقبل بها من باب الانضباط الحزبي فإن جزءا آخر بدأ يتسرب إما نحو الانكفاء على نفسه أو نحو التفلت من ذلك الانضباط والجرأة على اتخاذ موقف مساند لأفراد أو جماعات يراها أكثر تعبيرا عن قناعاته. ويمكن الإشارة هنا إلى خروج خمس قواعد النهضة عن قرار حزبها وعدم التصويت لمرشحها الرئاسي لصالح الرئيس الحالي الذي كان حاسما في موقفه من مسألة الميراث مثلا، واستقطاب شخصيات وتكتلات أخرى لجزء من الناخبين المحافظين بفضل خطابها الرافض لتلك الاجتهادات وهو ما يحيلنا على التيار الثاني.

تيار إسلامي ثان يعلن عداءه للحقوق على الطريقة الغربية، أهم مكوناته التيار السلفي أفرادا وجماعات وحزب التحرير. وهو يستعيد الشائع من الاجتهادات الفقهية ويتمسك بالفهم الحرفي للنصوص والأحكام مثل قتل المرتد وغيرها من الأحكام: فما بات يعرف اليوم بالتيار السلفي المستند إلى الفكر الوهابي، والذي يتركب أساسا من فئات محدودة التعليم، ولا ترى غالبا من العلم إلا "العلوم الشرعية" يذكرنا بقوة بمواقف شيوخ عادَوْا أي تطوير للمنظومة الفقهية لتستجيب إلى التحديات الطارئة، والاستفادة من مكتسبات الحضارة الإنسانية. وما نأمله اليوم بفضل الثورة هو أن مناخ الحرية والحوار سيكون كفيلا بإثبات حدود هذا الخطاب، وستكون مواجهته من داخل الحقل الإسلامي بخطاب عقلاني يستند إلى النص الديني ذاته، بدل الأسلوب الأمني القديم، أفضل مدخل لاحتوائه وتنضيجه وتونسته بدل ارتهانه لأصوله الخارجية.

وأما حزب التحرير الذي ينكر بعض تلك الحقوق مثل الديمقراطية والتعددية فهو يسقط في ازدواجية الخطاب والممارسة. فهو من ناحية يرفض تلك النظم والحقوق نظريا لكنه يسعى للعمل من داخلها. كما أن خطابه السياسي المتعالي عن القطرية من أجل خلافة طوباوية يجعله خارج التأثير الجماهيري، ومنفصما عن واقعه القطري. وهو يهمل في خطابه عددا من الحقوق الأخرى ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية ويناهض الطرق النضالية التي طورها المجتمع التونسي منذ نضاله ضد الاستعمار مثل النضال النقابي. ولعل رغبته في الانخراط ضمن اللعبة الحزبية القانونية ستدفعه إلى الانغماس في واقعه القطري وربما واجه وقتها المشاكل الجزئية للواقع وأدرك تعقيداته، وربما حينها سينزل من طوباويته إلى الاعتراف بتلك الحقوق التي يهملها إن لم ينكرها.

رابعا: الشعب: أولوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على الحقوق السياسية.

يمكن استنتاج هذه الثابتة من خلال متابعة تطور علاقة الشعب بسياسات السلطة على امتداد المراحل الثلاثة الأساسية لتاريخ الدولة التونسية للفترة التي حددناها. فقبل الاستعمار (قبل 1881) كانت مطالب الشعب بالأساس اجتماعية تجلت في الثورة (1864) ضد الترفيع في المجبى. لكن تلك الثورة لم تخل من قلق سياسي وثقافي متجه ضد تنامي التسرب الأوروبي الصليبي وتدخل القناصل الأوروبيين في سياسة الدولة والإصلاحات الدستورية التي رفعت من شأن أهل الذمة لتسويهم بالمسلمين.

وخلال المرحلة الاستعمارية أصبحت الحقوق الوطنية هي المعبئة لمختلف الفئات الشعبية ورابطتها بالنخبة الوطنية. فباستثناء مرحلة المقاومة المسلحة الأولى تصدرت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية واجهة الاهتمام الشعبي. وبقدر انتهاك تلك الحقوق كانت مشاركتها في النضال الوطني السياسي. وقد سمح نمو هياكل العمل الوطني وانتشار التعليم في مزيد تشريك هذه الفئات في النضال من أجل الحقوق ووعيها بعلاقة التحرر بتحقيقها. وجسم انخراط عدد من المقاومين في العمل المسلح من أجل القضية الوطنية والدعم الذي وجدوه من الفئات الشعبية التي احتضنتهم قمة ارتقاء الوعي الشعبي إلى ذلك المستوى.

بعد الاستقلال، أدى استلام النخبة الوطنية للسلطة إلى انتكاسة في وعي الفئات الشعبية بحقوقها السياسية وعلى رأسها الحرية لتنكفئ ثانية إلى التقوقع حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وقد كان حضور هذه الفئات في الانتفاضات الكبرى التي شهدتها البلاد ذا طابع اقتصادي - اجتماعي بالأساس (جانفي 1978 / جانفي 1984 / ديسمبر 2010-جانفي 2011). بينما غابت الجماهير عن النضالات من أجل الحقوق السياسية التي بقيت مطالب النخبة غالبا.

هل يعني ذلك غياب الوعي لدى هذه الفئات الشعبية بالحقوق السياسية؟

إن الحضور الكثيف لهذه الفئات في المناسبات السياسية الحاسمة (انتخابات نوفمبر 1981 / انتخابات أفريل 1989 / انتخابات 23 أكتوبر 2011) يدعونا إلى إعادة التأمل في طريقة تعبير هذه الفئات عن مواقفها من حقوقها السياسية. لقد انتفضت هذه الفئات من أجل حقوقها الاقتصادية والاجتماعية. لكنها فضلت الأسلوب السلمي في التعبير عن رغباتها السياسية. وهي بذلك تعبر مرة أخرى عن أولوية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في واجهة اهتماماتها. وهي تعتبر أن الحقوق السياسية يجب أن تحصل خدمة للحقوق الأخرى. وإذا ما تناقضت المجموعتان تكون الأولوية للأولى (الاقتصادية والاجتماعية). فقد كان قرار العودة عن رفع سعر الخبز في جانفي 1984 كافيا لإخماد "انتفاضة الخبز". وواجهت النخب من مختلف المشارب مصيرها في مواجهة السلطة من أجل الحقوق السياسية منفردة معزولة تحت مرأى ومسمع من تلك الفئات الشعبية التي عبرت عن تعاطفها معها في أحسن الحالات خفية خوفا من بطش السلطة. وتراثنا الشعبي حافل بالأمثال التي تعبر عن هذا التهرب من مواجهة السلطة لأسباب سياسية مقابل الاستماتة في الدفاع عن الرزق (الله ينصر من صبح / قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق).

ختاما: أي دروس من أجل المستقبل

يمكن القول بأن الأطراف المعنية بحقوق الإنسان تنقسم إلى مجموعتين:

مجموعة ثابتة الخيارات والمواقف: وهي الخارج والسلطة والفئات الشعبية، إذ ينظر كل منها للحقوق من زاوية مصلحته الاقتصادية والاجتماعية مع مراعاة فارق النوع والحجم بينها في تلك المصالح.

مجموعة متنوعة المواقف من الحقوق بسبب تنوع تركيبتها وتغير مواقعها وهي النخبة متنوعة المشارب الفكرية بما ينعكس على تصوراتها للحقوق. وينعكس هذا التباين بدوره على سلوك السلطة تجاه الحقوق بمجرد وصول أي مجموعة من النخبة إليها.

ولقد تبين لنا عبر جرد تاريخي أن تناقضات النخب الوطنية هي التي فتحت الباب لكل مآسي حقوق الإنسان في تونس. إذ أنها سمحت للخارج بأن يتدخل لتغليب طرف على آخر وتمكينه من السلطة ويساعده على انتهاك حقوق المغلوب ومن ورائه انتهاك حقوق الشعب الاقتصادية والاجتماعية.

وإن الثورة التي سمحت بإسقاط رأس النخبة الفاسدة المنتهكة لكل الحقوق بدون استثناء لتمثل فرصة لإعادة نخبنا قراءة الماضي من أجل مستقبل تحترم فيه الحقوق وكرامة الإنسان التونسي. وإن مدخل هذا المستقبل هو القبول بحسم التناقضات عبر المرجعية الشعبية من خلال العودة إلى صاحب الحقوق وهو الشعب وتصبح الدولة راعية للحقوق لا منتهكة لها. وإن تكريس العودة الدورية لصاحب الحقوق وهو الشعب بنخبه وجماهيره لقادر على أن يوفر ضمانا لاحترام الحقوق وتنميتها: حقوق الأفراد والجماعات والجهات.

الدكتور عبد الرحمان الهذلي (أكاديمي وباحث تونسي)

 

 

[1] - كوثراني (وجيه)، من التنظيمات إلى الدستور: حقوق الإنسان في نصوص كتاب النهضة، في حقوق الإنسان في الفكر العربي، دراسات في النصوص، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، أفريل 2002، 417-459.

[2] - أورده كروزي، سياسات التوسع الإمبريالي، PUF، ص 245.

[3] - Le Nouvel Observateur, Des politiques français à l'index sur le "Ben Ali Wall of shame"

http://tempsreel.nouvelobs.com/monde/20110117.OBS6358/des-politiques-francais-a-l-index-sur-le-ben-ali-wall-of-shame.html

"le premier des droits de l'homme c'est manger, être soigné, recevoir une éducation et avoir un habitat, de ce point de vue, il faut bien reconnaître que la Tunisie est très en avance sur beaucoup de pays. Il faut le souligner, nous avons chacun nos critères d'appréciation"…

 (Jacques Chirac à Tunis en 2003),

وقد أوردت صحيفة Le Nouvel Observateur في المقال المشار إليه قائمة بشخصيات فرنسية من اليمين واليسار مجدت الرئيس السابق وأعربت عن التفاخر بصداقته ومجدت منوال التنمية التونسي ومن تلك الشخصيات بريس هورتفو (Brice Hortefeux) وكريستين لاغارد (Christine Lagarde) وإيريك راوول (Eric Raoult) وجاك شيراك الذي نقلنا تعليقه عن حقوق الإنسان سابقا. أما ستروس كان مدير صندوق النقد الدولي فقد مجد نموذج التنمية التونسي ووصفه بالنظافة خلال زيارته إلى قرطاج في 18/11/2008 أي في فترة فاحت فيها رائحة فساده وانتهاكاته لحقوق الإنسان والشعب:

"Je m'attends à une forte croissance en Tunisie cette année, la politique économique adoptée ici est une politique saine et constitue le meilleur modèle à suivre pour de nombreux pays émergents".

[4] - طارق الكحلاوي، مقال صادر في جريدة الموقف، عدد 551، بتاريخ 18 جوان 2010.

[5]-  وفيما يلي مقتطفات من تقرير مداولات مجلس الشيوخ البلجيكي في دورة 1999-2000 حول مسألة حقوق الإنسان بتونس من موقع مجلس الشيوخ البلجيكي (Document législatif n° 2-252/2)

…Un membre demande au ministre des Affaires étrangères une évaluation de la situation des droits de l'homme en Tunisie. Selon le membre, des rapports d'Amnesty International et de Human Rights Watch font état de violations des droits de l'homme, d'arrestations arbitraires de syndicalistes, d'avocats et d'intellectuels.

Or, le membre estime que le respect des droits de l'homme est une condition de la ratification de l'accord à l'examen.

Le ministre des Affaires étrangères remet aux commissaires une fiche relative à la situation des droits de l'homme en Tunisie.

Le ministre souligne que la situation n'est pas idéale en matière de droits de l'homme en Tunisie, mais que ce pays a fait des efforts en ce qui concerne le respect des droits des femmes et des enfants. Une certaine opposition politique et des mouvements œuvrant en faveur des droits de l'homme ont été autorisés, mais dans un cadre limité.

Les autorités tunisiennes mettent surtout l'accent sur la mise en œuvre des droits économiques et sociaux. C'est dans ce cadre qu'a été conclu l'accord à l’examen.

http://www.senate.be/www/?MIval=/index_senate&LANG=fr

[6] - الشرق الأوسط، الاربعـاء، 3 ديسمبر 2003 العدد 9136، http://www.aawsat.com/details.asp?article=205871&issueno=9136

[7] - المادة الثالثة من عهد الأمان: التسوية بين المسلم وغيره من سكان الإيالة في استحقاق الإنصاف لأن استحقاقه لذلك بوصف الإنسانية لا بغيره من الأوصاف

[8] - المادة السادسة مثلا: إن مجلس النظر في الجنايات إذا كان الحكم فيه بعقوبة على أحد من أهل الذمة يلزم أن يحضره من نعينه من كبرائهم تأنيسا لنفوسهم ودفاعا لما يتوقعونه من الحيف والشريعة توصي بهم خيرا.

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك