القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

تحلية مياه الشرب في تونس: الواقع والتحدّيات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-02-19 13:05:00 | 2282 مشاهدة

ملخص:
في هذا المقال نسلط الضوء على الفصل 64 من مشروع مجلة المياه الذي يتوجه الى منع تجارة المياه المحلاة المعدة للشرب في مدن الجنوب خاصة، في انتظار أن  ينصف مجلس نواب الشعب المواطن البسيط في مسألة معيشيّة حارقة لا تقبل التسويف أو الانتظار.

مقدمة:

يسأل المواطنون في مدن الجنوب، ونخصّ قابس ومدنين... وهي المدن التي توجد بها محطات تحلية مياه: هل إن مياه الحنفية، فعلا، محلاة؟ والحقيقة العلمية هي أنّ المياه المحلاة يقع خلطها وتوزيعها بملوحة تقارب 1,5 غ/ل وقد تصل الى 2 غ/ل في فصل الصيف، وهو مدار الملوحة العالية نسبيا في مياه الشرب لتلك المناطق المهددة بالعطش.

 

1/ تحلية المياه بين ارتفاع التكلفة وعدم الجودة:

وعادة ما يتبع ذلك سؤال ثان: لماذا يقع رفع الملوحة الى درجة تصبح فيها غير صالحة للشرب (رغم إنها مطابقة للمواصفات التونسيةNT09.14)؛ بعد عملية تحلية المياه المكلفة وهنا يصعب إقناع المشتكي من جودة المياه بأن تكلفة المياه المحلاة تتراوح بين ضعفين (عند تحلية المياه المالحة)[1]الى 5 أضعاف (عند تحلية مياه البحر) مقارنة بمعدل كلفة المعالجة التقليدية للمياه الطبيعة. ونظرا للموازنة السلبية للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لأسباب لا تتحملها الشركة لوحدها، فتوزيع مياه بملوحة أقل من 1 غ/ل يعتبر أمرا مستحيلا في العشرية المقبلة، خصوصا إذا علمنا أن النسبة الافتراضية للماء الذي يمكن أن يستهلك للشرب وللطعام أيضا من طرف الشخص الواحد لا يتجاوز 2 %(باعتبار حصة المياه الصالحة للشراب للشخص الواحد تقدر بحوالي 112 ل/يوم[2], وبذلك فإنّ حوالي 98% من المياه الصالحة للشراب تذهب في استعمالات غير غذائية بحسب مفهوم الاستعمال النبيل للمياه الذي ظهر مع انتشار منظومة تحلية المياه في تسعينيات القرن الماضي.

وهنا يفترض إظهار قيمة مفهوم الاستعمال النبيل للمياه (أو ما يشابه الماء الغذائي) حيث تمثل نسبته أقل من 2 % من الكمية المستهلكة للمياه الصالحة للشراب. والسؤال المطروح: هل الدولة، ومن ورائها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لها الإمكانيات اللازمة لتحسين جودة المياه الصالحة للشراب إلى مستوى المواصفات الدولية أو إلى مستوى يمكن معه شربها من طرف عموم التونسيين مع الضغط على الكلفة والثمن والبيع؟ طبعا الجواب : إن هذه العملية مستحيل على الاقل في العشرية المقبلة. علما وأن الثمن الحالي (حوالي 0,6 د./م3  ثمنا متوسطا وهو أقل من ثمن التكلفة) ويعتبر أدنى الأثمان في العالم مقارنة بعديد الدول مثل المغرب (حوالي 2 د./م3)والبلدان الأوروبية (بين 11 و15 د./م3)[2].

2/ هدر المياه ومشكلة الحوكمة الرشيدة:

إن استهلاك التونسي للمياه المعلبة وأغلبها طبيعي يعتبرالأعلى في العالم حيث تحتل تونس سنة 2019 المرتبة الرابعة عالميا حسب تصريح ر.م.ع. للديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه لجريدة الصباح في غرة جويلية 2020، حيث وصل معدل الاستهلاك الى 2,2 مليار لتر سنويا، أي ما يعادل 200 لتر سنويا للفرد الواحد. هذا دون احتساب تجارة المياه غير المنظمة والتي تطورت كثيرا في تونس في السنوات الأخيرة.

ومنذ أكثر من عقدين بدأ المواطن يستنكف عن شرب مياه الحنفية الى حدّ هجرتها الأغلبية الساحقة من الطبقة المتوسطة وميسوري الحال من الشعب التونسي واتجهوا إلى شرب المياه المعدنية (نسبة الاستهلاك تضاعفت 25 مرة في العقود الثلاثةالأخيرة [3]) ونحو المياه الموازية (مياه العيون والمياه المحلاة) لضعاف الحال حيث أصبحت هذه الظاهرة منتشرة من الشمال الى الجنوب. فمع تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع أسعار المياه المعلبة لم يعد للطبقة المتوسطة القدرة على تحمل رفاهية المياه المعدنية[4]. وإذا اعتبرنا أن عائلة متكونة من 5 أفراد مع استهلاك فردي 1,5 ل/اليوم ومعدل ثمن اللتر 0,4 د.، فإن التكلفة الشهرية للعائلة في استهلاك المياه المعلبة تقدر بحوالي 90 د., وهذا يمثل بين 18 و9 %من قيمة جرايات بين 500 و1000 د./شهريا تناسبيا.

إن هذه العملية الحسابية البسيطة تؤكد أن المياه المعدنية تعتبر ترفا غير مقدور عليه لأكثر من نصف الشعب التونسي.

ونظرا لغلاء المياه المعلبة من ناحية وتردّي جودة مياه الحنفية كمياه شرب (وإن كانت مطابقة للمواصفات التونسية في بعض الأقاليم مثل تونس الكبرى والشمال الغربي) من ناحية أخرى، وغياب المراقبة للمياه الصالحة للشراب في حوالي 50 % من الأوساط الريفية والتي تسهر عليها المجمعات المائية الفاقدة لأبسط قواعد الحوكمة في المياه من ناحية ثالثة, انتشرت ظاهرة بيع مياه العيون مجهولة المصدر منذ أكثر من عقدين تلاها في العشرية الأخيرة بيع مياه الحنفية المحلاة في محلات مجهزة بتقنية "التناضح العكسي" (Osmoseinverse)ويتراوح ثمن اللتر بين 60 و120 مليم. ورغم صدور منشور في شهر سبتمبر 2015 ممضى من طرف 4 وزراء يقضي بمنع بيع هذه المياه إلا ان الظاهرة زادت انتشارا خصوصا بعد صدور حكم استعجالي يقضي بمنع تطبيق هذا المنشور[4].

 كما ظهرت منذ أكثر من عقدين تكنولوجيات بحجم صغير لتحلية مياه الحنفية في المنازل بعد ما بدأ يندرج مفهوم الاستعمال النبيل للمياه في عديد الاستراتيجيات الوطنية للمياه في عديد الدول. هذه الوحدات المنزلية دخلت السوق التونسية في بداية سنوات 2000, وبثمن يتراوح بين 500 و300 د. وتنتج حوالي 10 لتر في الساعةبكلفة تتراوح بين 20 و30 مليم للتر الواحد حيث يمكن، بمجرد خلطه مع حوالي 5/1 من مياه الحنفية، الحصول على ماءبمواصفات مياه الطاولة بملوحة بين 0,2 و0,5 غ/ل وبدون أي أثر للتلوث، كما جاء في مقال علمي نشرته سنة 2007 في إحدىأهم المجلات العلميةالمختصة "Desalination"[5].

وتعتبر تونس متأخرة في مجال تجارة القرب للمياه المحلاة مقارنة بعديد الدول العربية،فتجارة المياه المحلاة عبر محطات تحلية معدة للغرض منتشرة في عديد الأحياء والمدن ومنظمة في عديد الدول خصوصا العربية التي تفتقد إلى مياه بجودة عالية للشرب البشري مثل الأردن ولبنان والإمارات والسعودية ومصر. فالمملكة الأردنية مثلا، نظمت هذا القطاع منذ عقدين تقريبا حيت بعث المشروع  في المجال يخضع لكراس شروط منشور في الجريدة الرسمية الأردنية[6].

3/ الفصل 64 من مشروع مجلة المياه في تونس:
إنّ إصرار القائمين على منظومات مياه الشرب على منع ووضع تجارة تحلية مياه الحنفية، باستعمال تكنولوجيات عالية أصبحت في متناول ضعاف الحال، أصبح، أمرا مستغربا وغير مدروس من الناحية العلمية والاجتماعية،في نفس مستوى تجارة مياه العيون (المصنفة ضمن الملك العمومي للمياه) عبر وسائل نقل يصعب مراقبتها، كما وقع توجيه مشروع مجلة المياه في فصله 64 الذي يحجر توزيع المياه المعدة للشرب وبيعها من الذوات الخاصة ما لم تتحصل على ترخيص من الوزير المكلف بالمياه بعد أخذ رأي الوزير المكلف بالصحة، وهذا مخالف لفلسفة تركيز السلطة المحلية والحدّ من المركزية المعطلة[7]. وبذلك يكون كل مخالف معرض لعقوبة بالسجن (16 يوم الى 3 أشهر) وبخطية مالية (بين 10 و20 ألف دينار) بينما لم ينص المشروع على أي عقوبة في حالة مخالفة مياه الحنفية للمواصفات التونسية للمياه الصالحة للشراب والتي لا ترتقي في أغلبها إلى مستوى مياه الشرب التي تحترم الكائن البشري خصوصا في جانب الملوحة بما أن هذه المواصفات تسمح بتوزيع مياه بملوحة تصل 2 غ/ل وهي تعتبر مياها مالحة في أغلب دول العالم.

ومن الأسباب المقدمة لمنع بيع المياه المحلاة بطريقة التناضح العكسي (أو ما يسمى لدى الهياكل الرسمية بالمياه المعبّأة غير المراقبة)، حسب ما صرح به مدير عام إدارة حفظ صحة الوسط وحماية المحيط لجريدة الصحافة[8]،أن المضار متعلقة أساسا بالتركيبة الفيزيوكميائية للماء الذي يفتقر إلى بعض المعادن والأملاح المعدنية التي يحتاجها الجسم وبالتالي يمكن أن يتسبب شرب هذه المياه في إحداث خلل على مستوى حاجيات الجسم لهذه المكونات إلى جانب وجود إمكانية تلوث جرثومي. فمثل هذا التبرير كلمة حق يراد بها باطل، حيث إن كل محطات التحلية في العالم تنتج مياها شبه خالية من الاملاح المعدنية، وهي مصحوبة بوحدة معالجة بعدية متكونة أساسا، بالنسبة لمياه الشرب، من:

- نظام خلط للمياه المحلاة  (شبه خالية من الاملاح) مع مياه طبيعية ذات ملوحة مرتفعة نسبيا او مياه الخام (مياه الحنفية مثلا) بعد المعالجة الأولية بنسب محددة تسمح بالحصول على الملوحة المرغوبة والحموضة المطلوبة، كما هو معمول به في محطات التحلية التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه وفي المحطات الخاصة ببعض انواع المياه المعلبة.

-نظام تعقيم يتكون من مصابيح الأشعة ما فوق البنفسجية يعقم المياه المنتجة بفاعلية كاملة قبل خزنها وهو أفضل من استعمال مادة الكلور.
فتنظيم منظومة تحلية مياه الحنفية لإنتاج وبيع مياه معدة للشرب وتطويرها ضمن منوال محلي للتنمية وضمن منظومة تحلية المياه في تونس [9] له امتيازات متعددة وهي كالتالي:

- تقديم خدمات القرب للمواطن في أهم عنصر الحياة بجودة عالية مقارنة بمياه الحنفية وكلفة رخيصة مقارنة بالمياه المعلبة،

- توفير مياه صالحة للشرب وبأثمان مقدور عليها في المناطق الريفية خصوصا المعزولة منها،

- خلق فرص لبعث مشاريع تنمية محلية لأصحاب الشهائد العليا وتوفير مواطن شغل خصوصا على مستوى الاحياء الشعبية والأريافوالقرى.

- الحد من معضلة تعرض المياه المعلبةالبلاستيكية لأشعة الشمس أثناء نقلها أو خزنها العشوائي وما ينجر عنها من تحلل الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في المياه المعلبة. علما وأن دراستين في الولايات المتحدة وفي ألمانيا اكدت وجود ميكرو بلاستيك في المياه المعلبة وذلك رغم برودة الطقس وصرامة الرقابة في مجال صحة المواطن وقوة تطبيق القانون في بلد مثل ألمانيا [10].

- تقليص هيمنة لوبيات المياه المعلبة وتوسعها واستحواذها على الموائد المائية ذات الجودة العالية مع حفظ حق أجيال المستقبل، خاصة إذا علمنا أن عديد المياه المعلبة مخالفة للمواصفات التونسية في ظل غياب رقابة فعالة من قبل أجهزة الدولة .

- تقليص الضغط على الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه لتحسين جودة المياه المكلفة جدا، وهي تمر بموازنة سلبية منذ سنوات 2000، خصوصا وأن 98 % من المياه الموزعة تذهب في استعمالات غير غذائية وذلك بمفهوم الاستعمال النبيل للمياه.

خاتمة:

إن تحلية مياه الحنفية عبر تكنولوجيات الأغشية تقضي أيضا على احتمال التلوث للمياه الصالحة للشراب الذي أقره  تقرير دائرة المحاسبات لسنة 2014 (وادي مجردة الذي يمثل أحد أهم المصادر لتزويد عدد من السدود الموفرة للماء الصالح للشراب الذي أصبح عرضة للتلوث جراء سكب مياه المعالجة غير مطابقة للمواصفات) وعلى النسب العالية من بقايا الكلور في الماء، وهي  نسبة مرتفعة (»90%) من العناصر التي يفترض أن تكون بكميات ضئيلة (بمعدل أقل من 1في المليون)مثل:الفلوريد الموجود بجهة قفصه والذي أثر سلبا على صحة المواطنين ويظهر ذلك جليا على الأسنان. وبصفة عامة فإن تحلية الماء في اَخر الشبكة المائية فيه اقتصاد للماء وللكلفة بما أنه يقتصر على كمية مياه الشرب التي تمثل أقل من 2 %من كمية الماء الصالح للشراب.

وحتى يكرس الحق الدستوري في ماء بجودة مياه الشرب وبأثمان مقدور عليها من قبل الفئات الضعيفة والمتوسطة، يفترض تعديل الفصل 64 المتعلق بحجر توزيع وبيع مياه العيون المعدة للشرب من الذوات الخاصة.وفي ما يلي اقتراح تعديل:

"مع مراعاة أحكام الفصول الواردة في هذه المجلة يحجر توزيع وبيع مياه العيون المعدة للشرب من الذوات الخاصة ما لم تتحصل على ترخيص من الوزير المكلف بالمياه بعد أخذ رأي الوزير المكلف بالصحة. ويخضع إنتاج وتجارة المياه المحلاة المعدة للشرب من الذوات الخاصة الى كراس شروط يصادق عليها الوزير المكلف بالمياه بعد أخذ رأي الوزير المكلف بالصحة"

د. حمزة الفيل (باحث في مجال تحلية المياه ورئيس مخبر بمركز بحوث وتكنولوجيات المياه)

المراجع

1-حمزة الفيل، تطور منظومة تحلية المياه بتونس، نشر بالتيار نيوز(24/05/2018)وبمركز الدراسات الإستراتيجية(13/05/2018)؛https://www.csds-center.com/article/_%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85__%D8%AA%D9%8E%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87_%D9%81%D9%8A_%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3

2-Elaboration de la vision et de la stratégie du secteur de l’eau à l’horizon 2050 pour la Tunisie«Eau2050» ;

Etape 3  :Réalisation des Etudes Prospectives Multithématiques et Etablissement de Modèles Prévisionnels Offre-Demande ;Volume2: Modèles Prévisionnels Offre-Demande (Bilans).

3-استهلاك التونسي المياه المعدنية تضاعف 25 مرة في أقل من 30 سنة. الشارع المغاربي، 3 أفريل 2019

4-ناجح بوقرة، قراءة في المنشور القاضي بمنع بيع مياه العيون ومياه الحنفية المصفات,الصباح، 27 مارس 2017

5- Elfil H., Technical evaluation of small-scale RO desalination for domestic water, Desalination, 203 (2007) 319-326; DOI:10.1016/j.desal.2006.03.530.

6-الجريدة الرسمية الأردنية2015, الشروط الواجب توفرها في ممارسة حرفة المحطات الخاصة بمياه الشرب المحلاة لسنة2015

7- ناجح بوقرة، مشروع مجلة المياه ... ما بين السطور. نواة، في 7 أكتوبر 2019

8- صبرة الطرابلسي، مياه مجهولة المصدر خارج سيطرة الرقابة، جريدة الصحافةwww.essahafa.tn/index.php?id=62&tx_ttnews[pointer]=15&tx_ttnews[tt_news]=2193&tx_ttnews[backPid]=7&cHash=a55de91802

9- Le dessalement de l'eau: Enjeu pour un développement durable, article de veille publié dans le N°1 du TBC Veille ; Mars 2019 Technopole de Borj-Cédria.

10- Des microplastiques retrouvés dans la majorité des bouteilles plastiques d’eau minérale contaminées, Actualités scientifiques ;3 Avril 2018

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك