القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

المغرب والصحراء الغربية: عندما يتوارى القانون وتهيمن السياسة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-12-10 09:55:00 | 2089 مشاهدة

ملخص

أعادت أحداث "الكركرات" الأخيرة إلى الأضواء قضية الصحراء الغربية التي تأبى النسيان. وتتميز هذه المنطقة المتنازع عليها بين المغرب والبوليساريو بثرائها الطبيعي (الفوسفات، مياه الصيد..) وبموقعها الجغرافي الفريد إذ توفر الطريق الوحيد الذي يصل المغرب بباقي إفريقيا بعد غلق الحدود الجزائرية. وتطرح هذه الأحداث من جديد سؤال العدالة الممكنة والمستعصية لسكان الصحراء الغربية.  

مقدمة

أكد الجيش المغربي إنه تمكن من إقامة حزام أمني حول معبر/ثغرة "الكركرات" ليلة الخميس/الجمعة 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 وذلك لتامين تدفق البضائع والأفراد عبر المنطقة العازلة التي تربط المغرب بموريتانيا. وقد اعتبرت الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ("البوليساريو") التي تستهدف الاستقلال عن المغرب تلك الخطوة "نسفا" لوقف إطلاق النار و "بداية للحرب".

وتؤشر الأحداث الجارية في "الكركرات" في جانب منها إلى ما يمكن أن نصفه بتواري القانون (الدولي) لصالح محددات السياسة والجيو- استراتيجيا.

فلماذا يتوارى القانون؟  وكيف تهيمن السياسة في حالة الصحراء الغربية؟

وللجواب على هذا السؤال المعقد، نحاول في قسم أول الإجابة على سؤال يتعلق بأسباب تواري القانون. ونخلص في قسم ثان إلى تفسير هيمنة السياسة على ملف بحجم الصحراء الغربية؟

1ـ المغرب والصحراء الغربية: لماذا يتوارى القانون؟

لا يمكن للأحداث الجارية آو المستقبلية التي (س) تعرفها ثغرة "الكركرات" أن تحجب عن الدارس كما عن الرأي العام الدولي قضية الصحراء الغربية التي تعد من أقدم النزاعات في إفريقيا التي لم تعرف الحل بسبب تواطئ المجتمع الدولي (فقرة أولى) وصلف المستعمر الاسباني (فقرة ثانية)  إلى جانب تعنّت المغرب وسوء تقدير "البوليساريو".

أ – تواطؤ المجتمع الدولي:

تعتبر الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ("بوليساريو") أن معبر "الكركارات" ثغرة غير شرعية أقامها المغرب في الأراضي الصحراوية من أجل تصدير ثروات الصحراء ومنتجاتها إلى إفريقيا. وتقدّر أن العملية العسكرية التي أعلنتها السلطات المغربية، والتي تجاوزت الجدار قرب الثغرة من أجل الالتفاف على المنطقة وتطويقها، خرقا ينسف نهائيا وقف إطلاق النار المعلن في العام 1991.

أما المغرب فيؤسّس تدخّله على ميثاق منظمة الأمم المتحدة الذي يسمح للدول باللجوء إلى استخدام القوة المسلحة من أجل الدفاع "الشرعي الوقائي" المتمثل في عرقلة مرور البضائع والأشخاص.

ويكشف هذا الفصل الجديد من النزاع المغربي الصحراوي عن قضيّة تعود جذورها إلى سنة 1975 عندما فك المستعمر الاسباني رباطه الفعلي بالصحراء الغربية وما نجم عنه من غزو مغربي موريتاني للصحراء.

 إن هذا الفصل الجديد، كما كل الآليات الأممية السابقة التي استهدفت حل الصراع في الصحراء الغربية وكل صنوف التوظيف من قبل أوروبيا وأمريكيا وخليجيا للقضية، لا ينفي عن الأخيرة أمرين:

- مسؤولية الأمم المتحدة:

أسّس مجلس الأمن بقراره عدد 690 خلال شهر افريل/ ابريل 1991 بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية تكون مهمتها الرئيسية تنظيم استفتاء في منطقة الصحراء الغربية لتقرير مصير سكانها وحفظ السلام ومراقبة تحركات القوات المتواجدة في الصحراء الغربية (من الجيش المغربي أو من قوات "البوليساريو"). وتتوفر البعثة على مقر رئيسي في مدينة العيون وعلى أحد عشر مركزا مكملا في الصحراء وفي مخيمات اللاجئين الصحراويين قرب "تندوف" الجزائرية. ومنذ 1988 قدمت الأمم المتحدة بعض الحلول التي يمكن أن تساهم في حل القضية الصحراوية ارتكزت على محورين رئيسيين:

1 – الاستفتاء: أرست الأمم المتحدة لهذا الغرض وقفا لإطلاق النار بين أطراف الصراع العام 1991 . وقدمت البعثة المذكورة بعد ثمان سنوات من العمل اقتراحاتها بخصوص من يحق لهم الاستفتاء في صورة إجرائه، ومنها خاصة أن من سيشملهم هم الصحراويون الذين أحصتهم الإدارة الاستعمارية الإسبانية عام 1974. وهذا هو الحل الذي يتناغم مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. ولكن هذا الحل اصطدم برفض مغربي قاطع تجسد من خلال الإسراف في تقديم ما يفوق مائة وثلاثين طعنا تفرغ الاستفتاء – عمليا - من كل جدوى.    

إن الاستفتاء الذي من أجله أنشئت "المينورسو" كان سيقرر مصير الصحراويين إما بالاستقلال أو بالانضمام إلى المغرب.

و تتعلل "المينورسو" طيلة أكثر من ثلاثة عقود بعجزها عن إجراء الاستفتاء (و تمكين سكان الصحراء الغربية من تقرير مصيرهم) بسبب الخلافات الحادة بين الطرفين و خاصة لجهة من يحق لهم التصويت.

2 – الحل التفاوضي: شكلت المبادرة الفرنسية الأمريكية (موضوع أحد قرارات مجلس الأمن سنة 2000 ) منعرجا في أسلوب التعاطي الدولي مع ملف الصحراء الغربية. فقد دعا "جيمس بيكر" ممثل الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بنزاع الصحراء الغربية (1997 – 2004 ) طرفي الصراع إلى حل تفاوضي يستبعد الاستفتاء. ويتضمن اتفاق الإطار هذا نوعا من الحكم الذاتي المعزز الذي سيمنح للأقاليم الصحراوية خلال خمس سنوات يمكن بعدها إجراء الاستفتاء.

وقد خلصت الأمم المتحدة بعد تقييم أعمالها سنة 2000 إلى فشل كل جهود التسوية والتوفيق بين الطرفين.

ويجدر التذكير بخيار التقسيم الذي طرحه الأمين العام الأممي السابق "كوفي عنان" سنة 2002 الذي رفضه المغرب والذي يمكنه من ثلثي الصحراء. كما نشير أيضا إلى خطة المغرب (2007 ) التي تقترح على الصحراويين قدرا من الحكم الذاتي مع الاحتفاظ برموز السيادة المغربية كالعلم والنشيد الوطني والعملة المغربية.

يكشف التعاطي الاممي والدولي مع قضية الصحراء الغربية ما يلي:

1 – من حيث الجوهر:

ا - نلاحظ جنوح المجتمع الدولي إلى التفاوض الثنائي المستعصي (إلى حد الآن) والتمادي في تمييع آلية الاستفتاء المؤسسة لتقرير المصير.

ب - إن منعرجا كهذا لا يلغي الحاجة إلى التذكير بأن الأمم المتحدة تصنف الصحراء الغربية في قائمة "الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي" ومدرجة بالتالي كقضية تصفية استعمار.

ج – تواري مهمة "المينورسو" الرئيسية (تنظيم استفتاء الصحراء) واقتصارها على مراقبة جوية وبرية لوقف إطلاق النار المعلن 1991. ويكفي الإشارة هنا إلى أن المغرب هدد بوقف عمل "المينورسو" بعد أن استخدم "انطونيو غوتيرش" أثناء زيارته مدينة "تندوف" الجزائرية عبارة "احتلال" في إشارته إلى ضم المغرب لمنطقة الصحراء الغربية عقب انسحاب المستعمر الاسباني سنة 1975 .

2 – من حيث الإجراءات:

ا – عجزت الأمم المتحدة حتى الآن في تعيين مبعوث أممي جديد مكلف بالصحراء الغربية بعد استقالة "هورست كولر" منذ ماي/أيار 2019 .

ب – يستحيل عمل مجلس الأمن الدولي إلى إقرار تمديد متواصل لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء بإقليم الصحراء كان آخرها في 30/10/2020 عندما قرر التمديد لمدة عام حتى 31/10/2021 .

ثانيا - أصلها القانوني:  

يعتمد الصحراويون على الأصدقاء والأحرار في العالم لمشاركتهم الترويج لنضالهم بوصفه كفاحا من اجل تقرير المصير. بينما يراهن المغرب على عامل الزمن ومعايير القوة ومنطق المصالح لتمييع القضية الصحراوية.

ولا يخفى على الجميع أن خطاب الأمم المتحدة لم يتجاوز، رغم اكراهات السياسة والجيو- استراتيجيا، المبادئ المحددة التالية:

1 – الصحراء الغربية قضية تصفية استعمار: صنفت منظمة الأمم المتحدة (العام 1963) الصحراء الغربية في ظل الاستعمار الاسباني باعتبارها إقليما غير محكوم ذاتيا ما يخول للشعب الصحراوي قانونا التمتع بحقهم غير القابل للتصرف في تقرير مصيرهم بحرية ودون ضغوط. [1]

2 – شكل الغزو الثنائي المغربي الموريتاني سنة 1975 واحتلال الصحراء الغربية (بعد فك ارتباط الأسبان بها فعليا العام 1975 ) شرارة النزاع المسلح في الصحراء. و يمثل هذا الغزو و ما ترتب عنه من احتلال خرقا جسيما للقانون الدولي و للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (1975 ) الذي انتهى إلى أنه لا توجد روابط سيادة بين المغرب وموريتانيا من ناحية و الصحراء الغربية من ناحية أخرى. وأن حق الصحراوي في تقرير المصير يمكن تنفيذه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1514 الصادر في 14 ديسمبر 1960 والمتضمن بيان حول ضمان الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.

3 – يترتب عمّا تقدم أن كفاح الشعب الصحراوي لتقرير مصيره يندرج في إطار المقاومة الشرعية وفق قواعد القانون الدولي.

4 – يتفرع عن المبادئ التالية انه يمكن الاحتجاج بمبدأ تقرير المصير فيما يتعلق باستغلال الموارد الطبيعية في الأقاليم الواقعة تحت الاحتلال، ولاسيما في حالة الأقاليم التي لا تشكل جزءا من أي دولة قائمة. فقد صنف الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الوجود المغربي باعتباره قوة احتلال وأكدت على حق الشعب الصحراوي في التصرف في ثرواته الطبيعية من خلال منع أي نشاط تجاري أو اقتصادي بالإقليم لا يتم بموافقة جبهة "البوليساريو" باعتباره الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي المعترف به من الأمم المتحدة.

ونتيجة ما تقدم، تتحمل منظمة الأمم المتحدة وأجهزتها الرئيسة (مجلس الأمن، الجمعية العامة) وآلياتها المساندة (حقوق الإنسان، اللاجئين..)، بمقتضى قواعد القانون الدولي، مسؤولية أخلاقية في ماسي الشعب الصحراوي. كما تتحمل الإدارة الاستعمارية الاسبانية لا شك المسؤولية الأصلية عن مجمل الوضع في الصحراء الغربية.

– صلف المستعمر الاسباني:

صنفت الأمم المتحدة منذ بداية تعاملها مع ملف الصحراء الغربية (مطلع الستينات) أن الإقليم غير مسير ذاتيا ويجب أن تستكمل فيه عملية تصفية الاستعمار وفق قواعد القانون الدولي، ومنها القرار 1514 بتاريخ 14/12/1960 الذي يقضي بمنح الاستقلال للأقاليم والشعوب المستعمرة.

وقد استجابت اسبانيا بوصفها سلطة استعمارية لطلب الأمم المتحدة تطبيق مبدأ تقرير المصير لسكان الصحراء وذلك بتاريخ 7/12/1965 وأمدتها بتقارير سنوية عن حال مستعمرتها.

وطالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من القوة المديرة للإقليم (اسبانيا) اتخاذ الإجراءات المناسبة للانتهاء من تصفية الاستعمار في الصحراء الغربية بمقتضى قرارات متكررة صادرة عنها [2]. وتؤكد هذه القرارات على الالتزامات المحمولة على اسبانيا، ومنها:

1 - دعوتها لتوفير الشروط اللازمة لضمان ممارسة سكان الصحراء الغربية لحقهم في تقرير المصير والاستقلال.
 2 – تهيئة المناخ السياسي الملائم لكي يتم الاستفتاء على أسس تضمن الحرية والديمقراطية والنزاهة.

3 – الامتناع عن أي عمل من شانه تأخير عملية تصفية الاستعمار وتقديم التسهيلات اللازمة لبعثة الأمم المتحدة لكي تتمكن من المشاركة في تنظيم الاستفتاء.

و رغم قبول طلبات الأمم المتحدة شكلا ( 1963)، فان اسبانيا (القوة المديرة للإقليم) رمت عرض الحائط بكل تلك القرارات و لم تنفذ التزاماتها القانونية وواجبها الأخلاقي إزاء الشعب الصحراوي و الصحراء الغربية كما فعلت غيرها من القوى الاستعمارية. بل إنها تنكرت لتلك الحقوق عندما أبرمت اتفاقية مدريد سنة 1975 وقسمت بموجبها الصحراء بين المغرب وموريتانيا مقابل انتفاعها بحصة هامة من ثرواتها الطبيعية.

وتعقيبا على ما تقدم، يتجه التأكيد إلى فكرتين:

1 - تبقى إسبانيا، وفقا لقواعد القانون الدولي، المسؤول الإداري عن الإقليم لأن هذه الاتفاقية المذكورة أعلاه لا تلغي سلطتها الإدارية عليه،

2 – لا تمنح تلك الاتفاقية، وفق نفس القواعد، السيادة لأي من الأطراف الموقعة عليها ولا تمنحها صفة القوة المديرة للإقليم.

3 - الشعب الصحراوي وحده من يمتلك الحق على الثروات المتعلقة بالإقليم، وحق استغلال هذه الثروات الطبيعية هو جزء من السيادة وليس مشروطا بتأثير التحكم الذي يمارسه كيان ذو سيادة على الثروات محل النزاع. [3]

4 - لا يحق للمغرب استغلال ثروات الصحراء الغربية لأنه ليس القوة الإدارية، بل هو قوة احتلال وهذه الوضعية لا تمنحه الحق في استغلال الموارد الطبيعية التي يسيطر عليها فعليا.

وبدوره واصل المغرب، بوصفه قوة احتلال للأراضي الصحراوية التي فك المستعمر الاسباني صلته الفعلية بها، تعنّته وتملّصه من إنفاذ قواعد القانون الدولي. وتمادى في تعطيل مسار التسوية في الصحراء الغربية ما أدى إلى جمود شبه كامل للجهود الأممية لحل النزاع وسيطرة منطق المصالح ولغة السياسة والاستراتيجيا بما زاد في حرف القضية عن طبيعتها بوصفها قضية تصفية استعمار.   

II– المغرب و الصحراء الغربية: عندما تهيمن السياسة؟

أنعشت حادثة "الكركرات" ذاكرة المجتمع الدولي لوجود قضية صحراوية يحاول فاعلون إقليميون ودوليون كبار تمييعها وتسطيحها.  كما أكدت بالمقابل أن المغرب أحسن توظيف عامل الزمن و المعطيات الجيو- إستراتيجية للترويج لمقاربته السياسية التي تقوم، في أحسن صياغاتها، على تمكين الصحراويين قدرا من الحكم الذاتي مع الاحتفاظ برموز السيادة المغربية كالعلم والنشيد الوطني والعملة المغربية. ويمكن إيجاز المواقف الدولية في المستويين العربي الإفريقي (فقرة أولى) والأوروبي والدولي (فقرة ثانية).

– المواقف العربية الإفريقية:

يمكن تصنيف طبيعة المواقف السياسية للدول العربية والإفريقية إلى قسمين رئيسيين:

أولا – الإسناد السياسي: استفاد المغرب خلال حادثة "الكركرات" من دعم خليجي وعربي واضحين تجاوز مجرد التنديد بالأعمال الاستفزازية للب"بوليساريو" إلى الاعتراف بسيادة المغرب على "أقاليمه الجنوبية" أو الصحراء الغربية. فقد تتالت بيانات الخارجية لكل من السعودية والكويت وسلطنة عمان، والبحرين وقطر والإمارات والاردن.

وتضمّن الخطاب الرسمي العربي الداعم للطرف المغربي على حساب الشعب الصحراوي مجموعة من المفردات أثثت تلك البيانات:

* رفض هذه الدول لأي أعمال أو ممارسات من شأنها التأثير على حركة المرور بالمنطقة،

* دعم الإجراءات المغربية لضمان انسياب البضائع والأفراد بشكل طبيعي ودون عوائق،

* دعم سيادة المغرب ووحدة ترابه،

* ضبط النفس والالتزام بالحوار والحلول السلمية وفقا لما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

 وعلى الطرف الآخر، أدانت الجزائر بشدة العملية العسكرية في ثغرة "الكركرات" ودعت الطرفين إلى التحلي ب"المسؤولية وضبط النفس". أما موريتانيا التي تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية فقد واصلت سياسة الحياد.

وفي حين أطبق الصمت على السودان ولبنان وتونس وليبيا والعراق، لم تبد دول وازنة مثل مصر وسوريا موقفا محددا وإن كانا يميلان تقليديا إلى الموقف الجزائري. بينما اضطرت الحكومة الفلسطينية لإعلان تأييدها لجهود الأمم المتحدة في الصحراء الغربية تفاديا لتناقض تصريحات سفيريها في المغرب والجزائر.

ثانيا – الحراك الدبلوماسي: شهدت الصحراء الغربية حركة دبلوماسية استثنائية قبل حادثة "الكركرات" توجتها الدول المعنية بإحداث قنصليات في المدن الرئيسية للصحراء الغربية و منها خاصة العيون و الداخلة.

فقد دأبت المملكة المغربية على تشجيع الدول الصديقة والشقيقة على إحداث ممثليات قنصلية في أكبر مدن الصحراء ترسيخا لما تعتبره "مغربية" الصحراء. وتفاعلت بعض الدول مع الخطة المغربية و افتتحت فعليا قنصليات كما حال جزر القمر وإفريقيا الوسطى و ساحل العاج والغابون وبورندي وساوتومي وبرنسيب. بينما قررت دول أخرى مثل جيبوتي وغامبيا وبوركينافاسو إحداث قنصليات في مدينة الداخلة.

ويعزى هذا الحراك القنصلي في اتجاه مدن الصحراء الغربية وتشجيع المغرب على مثل هذه التصرفات (القانونية) إلى الأسباب التالية:

1 – مبرر سياسي: اعتراف دبلوماسي كامل بسيادة المغرب على ما يعتبرها "أقاليمه الجنوبية" لتعزيز "مغربية" الصحراء.

2 – مبرر وقائي/ أمني: توفير حماية أفضل لمصالحها ومصالح ومواطنيها في "الأقاليم الجنوبية" للمغرب.

3 – حافز اقتصادي: لا يشكل افتتاح قنصليات في مدينتي الداخلة والعيون هدفا في حد ذاته رغم رمزيته السياسية والدبلوماسية. ولكنه يؤشر لاستعداد الدول المعنية لمشاركة المغرب مشروعه الكبير القائم على تحويل مدن الصحراء الغربية إلى واجهة مغربية كبرى للاقتصاد والاستثمار والتعاون الخارجي...

– المواقف الأوروبية والدولية:

على عكس دول شمال أوروبا المعروفة تقليديا بتضامنها مع الشعب الصحراوي ودعمها لقضيته، فإن حسابات الجيو- استراتيجيا هي التي تطغى على مواقف دول جنوب القارة (خاصة فرنسا واسبانيا) إذ يشكل الأمن والاقتصاد المحورين المحددين لسياساتها تجاه هذا الصراع. فالأوروبيون جنوب القارة (خاصة) يقايضون المغرب حول حقوق الشعب الصحراوي (والقانون الدولي) بالاستثمارات وممارسة دور شرطي القارة لمكافحة الهجرة السرية والإرهاب والمخدرات، وهي أوراق الضغط التي تدير المملكة بواسطتها علاقاتها مع دول الاتحاد مع دعم شريكيه المفضلين اسبانيا وفرنسا.

لذلك تتعامل اسبانيا، المسؤولة بداية عن مأساة الصحراء، بحساسية مفرطة مع الملف. ويقوم موقفها الذي هجر فكرة الاستفتاء (وكان قبلها سابقا) على فكرتين رئيسيتين تتعلق أولاهما بالدعوة إلى استئناف التفاوض للوصول إلى حل دائم "مقبول للطرفين". وتتصل الأخرى بدعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة لضمان احترام وقف إطلاق النار.

أما فرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن (ويملك حق الفيتو) فقد دأبت على إسناد الموقف المغربي في الأمم المتحدة لاعتبارات أمنية واقتصادية رغم دعوتها الأخيرة لحماية وقف إطلاق النار واستئناف الحوار للوصول إلى حل "متفاوض" بشأنه للنزاع.

وتأكد التمشي الأوروبي الانتهازي مع قضية الصحراء الغربية عندما وافقت كل هيئات الاتحاد على الانتقال إلى الخطة الثانية واعتماد مقاربة جديدة بشأن القضية الصحراوية تقوم على تغليب المصالح الاقتصادية على الشرعية الدولية وحتى القانون الأوروبي نفسه، وذلك خلال الاجتماع الرابع عشر لمجلس الشراكة بالاتحاد الأوروبي مع المغرب في 27 جوان 2019. ولم تصطدم هذه الإستراتيجية الأوروبية الجديدة إلا بموقف منعزل ولكنه ثابت لمحكمة العدل الأوروبية يتماشى مع القانون الدولي بخصوص المناطق غير المتمتعة بالاستقلال الذاتي. فقد تمسكت المحكمة بان الصحراء الغربية إقليم متمايز عن المغرب وغير خاضع لسيادته، وبالتالي فان إدراجها ضمن أي اتفاقية بين الاتحاد الأوروبي و المغرب (أو غيره من البلدان) يكون باطلا وغير شرعي بموجب القانون الدولي [4] إلا إذا وافقت على ذلك الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب، ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الصحراوي وفق منظمة الأمم المتحدة.    

ويمكن الإشارة في هذا الإطار إلى الأخبار المتواترة حول جهود مسؤولين كبار في الكيان الصهيوني لترتيب اتفاق مع إدارة "ترامب" تعترف الولايات المتحدة بموجبه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل التطبيع الكامل لعلاقاتها مع الكيان الغاصب. وللتذكير فان أمريكا تعتبر أن مشروع الحكم الذاتي الذي يعرضه المغرب على الصحراويين خطة "واقعية وذات مصداقية".

أما الروس فقد كان موقفهم أكثر توازنا إذ دعوا المغرب والبوليساريو إلى ضبط النفس والالتزام بوقف إطلاق النار. و رأت الخارجية أن " حلا دائما للنزاع في الصحراء الغربية لا يمكن أن يتم إلا عبر الوسائل الدبلوماسية بناءً على القانون الدولي، وأساساً على قرارات مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة ".

 خاتمة:

إذا كانت العملية العسكرية المغربية في ثغرة "الكركرات" تشكل حلقة جديدة في الصراع حول الصحراء، فقد ساهمت كذلك في إنعاش ذاكرة العالم بخصوص وجود وعدالة  قضية الصحراء الغربية.

فإذا كان ينسب للصحراويين سوء تقديرهم للأمور خاصة عندما تجاهلوا الفاعل الاسباني الأصلي باعتباره القوة المديرة للإقليم قانونيا، فان الأحداث الأخيرة كشفت كذلك عن مسار أممي وإقليمي غالب انحرف عن هدف تطبيق القانون الدولي (بمختلف مصادره) واستعاض عنه بمسلسل من المحادثات لا سقف زمني لها و لا غاية لها ما دام الأطراف ذوو المصلحة يجدون قدرة (و دعما) على فرض إجراءات أحادية تزيد من تعقيد الوضع.    

لقد أمكن من خلال السعي إلى طي صفحة الاستفتاء (الذي يمثل وحده كلمة السر في حل قضية الصحراء الغربية) وانتهاج أسلوب المفاوضات (التي استعصت إلى حد الآن) تحقيق مكاسب سياسية للطرف المغربي. ولكن هل يحقق هذا المسار العدالة للصحراويين؟ وهل يكون حل تلك القضية مقدمة لانجاز الاتحاد المغاربي؟

علي العبيدي (باحث تونسي)

 

[1] - Francesco Correale et Juan Carlos Gimeno Martìn, Sahara occidental : mémoires coloniales, regards postcoloniaux, https://doi.org/10.4000/emam.757

 2- من هذه القرارات المتشابهة شكلا و موضوعا يمكن أن نذكر: القرار 2229 بتاريخ 20/12/1966، القرار 2073 بتاريخ 16/12/1965 ، القرار 2621 بتاريخ 12/1/1970 ، القرار 2354 بتاريخ 19/12/1967 ، القرار 2983 بتاريخ 14/12/1972 ، ا لقرار 3162 بتاريخ 14/12/1973 ...

3- يصنف قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عدد 1803 الحق الدائم في السيادة على الثروة والمصادر الطبيعية بأنه "مكون أساسي من تركيبة حق تقرير المصير".

 - ينطبق الحكم مثلا على اتفاقية الزراعة في 21 ديسمبر 2016، واتفاقية الصيد البحري في 27 فبراير 2018 ...[4]

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك