القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الشعبوية الغامضة والفاشية البائدة والانقلابيون الجدد

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-04-27 12:14:00 | 1980 مشاهدة

ملخص:
مع تفشي الخطابات الشعبوية على حساب المقولات العقلانية. ومع بروز  قوى أصبحت تحن إلى الاستبداد وتستعل فضاء الحرية لممارسة العنف المادي والمعنوي عبر التبشير بفاشية جديدة تستعيد أمجاد الماضي البائد. ومع جنوح بعض النخب إلى تمجيد الانقلابات والتبشير بها في ظل نظام ديموقراطي فتي ما يزال يصارع من أجل نحت ذاته وتركيز مؤسساته الدستورية  رغم المكائد والعراقيل والتعطيل المتواصل، تظل الثورة التونسية صامدة في وجه الأعاصير التي تحاول الإطاحة بها وتعطيل مسار نهضتها  عبر التمسك بالمشترك التونسي الذي لا يلغي أحدا ويسعى إلى تحقيق التعايش بين أبناء الوطن الواحد والتفرغ إلى رفع التحديات الحقيقية للمواطن التونسي بعيدا عن الطوباوية والوهم وتزييف الواقع وتكريسا لحقه المشروع في حياة كريمة في وطن بطيب فيه العيش ويتحقق فيه الرخاء والرفاه و الانتصار في معركة التنمية ومعركة النهوض بالمقدرة الشرائية للمواطن من خلال تطوير القطاعات الاقتصادية وتحرير البلاد من هيمنة الشركات الأجنبية واعتماد ذلك عنواناوحيدا وموحدا لإعلان انتصار الثورة وقدرتها على تحرير الانسان وتحرير العقول من براثن الجهل والتزييف وتحصين البلاد من أي ردة إلى الماضي مهما كانت التكاليف ومهما تعاظمت التضحيات والاقتناع أن ليس من سبيل إلى استقرار تونس سوى بالإيمان بالثورة كخيار ثابت لا ريب فيه ولا جدال.

مقدمة:
أصبحت النقاشات السياسية في تونسقبل كل عملية انتخابية أو بعدها لا تخلو من مصطلحات خطيرة تهدد مسار الثورة في عمقها وتعيق مسار الانتقال الديموقراطي بوصفه السبيل الذي  بواسطته سننتقل بالثورة من مرحلة الشعارات والافكار إلى مرحلة الفعل وتحقيق الأهداف بالقطع مع مساوئ الماضي من أجل وطن جديد قادر على كسب الرهانات ورفع التحديات. ولعل حالة التمترس التي تمارسها الجماعات المناهضة للثورة ضمن أطر ضيقة لا مجال فيها للحوار أو النقاش لأنها تمثل واجهة لفكر كلياني شمولي متعصب حتى وإن تلبّس خطابه ببعض الليونة المخادعة.
فالشعبوية الغامضة التي لا هوية لها تنساب وتتمدد راكبة جواد محاربة الفقر و البطالة والفساد واللامساواة بين الفئات الاجتماعية في زمن تصاعدت فيه المشاعر الحزينة بلغة الفيلسوف الألماني باروخس بينوزاحيث الغضب و الخوف وهيجان الطوائف من كل نوع و الرغبة في الانتقام و الشعور المتنامي بالاختناق والرغبة في مغادرة البلاد إلى أي مكان.كما استعادتالفاشية البائدة عافيتها بفضل الديموقراطية وشيوع الحريات وأصبحت تكشر عن أنيابها وتبشر  علنا بالسعي للعودة إلى عهود سحقتها براثن الثورة ولم تبق لها من وسائل إلا ترذيل الواقع الجديد والتآمر عليه خدمة لمصالح المستفيدين من عودة  الاستبداد والمذعورين من امتداد الثورات داخليا وخارجيا. ولعل ثالث هؤلاء هم الانقلابيون الجدد  والمتربصون بأمن البلاد وهم أسوأ ممن سبقهم بآلاف المرات فهؤلاء  لا يخشون من إعلان عمالاتهم بل يتفاخرون بخدمة المستبدين والانقلابيين والتسويق لهم أكثر من الانقلابيين أنفسهم فتجدهم يهللون للانقلابات ويصطفون وراءها رافعين شعارات الديموقراطية الكاذبة والرفاهية المزيفة فهم مع الانقلابيين في مصر وتركيا والسودان والأردن وفي كل أصقاع الأرض كلما خانتهم القدرات وعجزوا عن كسب ثقة الشعب فتراهم يحاولون بالاستبداد ما عجزوا عن تحقيقه بواسطة صناديق الاقتراع. هذا الثالوث الخطير يتقاسم الأدوار في حرب معلنة على الثورة ومكتسباتها ويسعى إلى توطيد ارتباطاته مع طغاة العالم ومستبديه مستغلا هشاشة الوضع وعدم قدرة الثورة على تحصين نفسها من قوى الردة والعمالة والاستقواء بالأجانب في ظل التدفق المهول للأموال الملطخة بدماء الضحايا والمستضعفين. من أجل هذه الاسباب وخوفا على مسار الثورة  ليس ثمة من بد سوى تقوية مؤسسات الديمقراطية كالبرلمان والهيئات خاصة الدستورية منها  و ذلك من أجل كبح جماح أعداء للديمقراطية التونسيةذلك أن إرادة تدمير  مؤسسات الدولة الشرعية  من قبل هؤلاء جميعا  لا يمكن أن تفضي إلا إلى شمولية جديدة قد تقضي على الديمقراطية في تونس وهو ما حذر منه المفكّر الفرنسي المعاصر "جاك رنسيار"  في كتابه “كراهيّة الديمقراطيّة ” بدفاعة عن ديمقراطيّة المشترك واقتسام المحسوس والمساواة بين الجميع في زمن  لا يكره فيه الديمقراطيّة إلاّ من يكره الاشتراك في العيش مع كلّ النّاس الذين يتساوون معه في الانتماء إلى الوطن و الإنسانيّة.
-1- الشعبوية الغامضة ومداخل المجهول:
بقيت التحديات التي تواجه التونسيين بعد مرور عشر سنوات على الثورة على حالها مهددة بانفجار الأوضاع من جديد  ما لم يعالج قادة البلاد التفاوتات العميقة والمشاكل المستعصية  على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. وسيتواصل السخط الشعبي  ويتفاقم جراء السياسات الخاطئة التي تنحرف بالهموم الحقيقية للمواطنينوتعمق شعور هم بالظلم الاجتماعي الذي سيؤسس حتما لسيطرة الشعبويين وما يمثلونه من تهديد على الاستقرار  الاجتماعي والسياسي بجنوحهم إلى الغلو والتطرف في اتخاذ المواقف وبسط الحلول.وربما تكون  الخيارات الشعبوية أخطر على الديمقراطية التونسية الوليدة من كل الذي خاضته من معارك وما عاشته من صراعات.وأسوأ أنواع الشعبوية تلك التي تحاول تجميع الناس حول عدو وهمييكون في أغلب الأحيان غير معلوم المعالم ولا يكاد يتعرف عليه أحد. وهو ما يكرسه  المشهد السياسي اليوم من خلال بروز علاقات عدائية تجمع أطرافا عديدة  بعد أن عجزت العدالة الانتقالية على رأب الصدع بين الاسلاميين والدستوريين في جانب وبين من يعتقدون أنهم أوصياء على الثورة والممعنين في شيطنة من سواهم في الضفة الأخرى. ويتفاقم الوضع مع وصول الرئيس قيس سعيد إلى سدة الحكم ورئاسته للجمهورية وهو الذي يرفع شعارات العداء للأحزاب والقوانين والأعراف مناديا بتجاوزها من أجل تكريس نظام جديد شعاره من أستظل بجبة قرطاج فهو آمن.ويتحدث الرئيس في كل مرة بشكل عشوائي وارتجالي وكأنّه حاطب ليل ويخبط خبطًا عشواء مكررا نفس الشعارات التي جذب من خلالها قلوب جمهور الناخبين ناسيًا و متناسيًا موقعه الجديد في قلب السلطة التنفيذية التي هي مطالبة بالإنجاز والفعل وتقديم الحلول. كما تحالفت عديد القوى مع اللوبيات التي تراهن على عودة رموز النظام القديم وتُشجّع على تلطيخ صورة الثورة ومآلاتها تضاف إليهم غرف  تستخدم استطلاعات الرأي من أجل تضخيم صورة المارد الشعبوي وتضعه في مصاف المنقذ القادر على تخليص البلاد مما هي فيه في رحلة جديدة من التحيل السياسي وبيع الأوهام ومغالطة الرأي العام.وفي تونس كما هو الحال في البلدان الأخرى يمكن أن تكون الشعبوية أداة حشد مفيدة لبعض الشخصيات الفاقدة للشرعية والمشروعية لكنها نادرا ما تقدم استراتيجيات فعالة لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والصحية الصعبة. إن تصاعد الحديث عن  المؤامرات التي تعيش على وقعها الطبقة السياسية منذ أشهر هو انعكاس للكم الهائل من الصعوبات التي يعاني منها التونسيون. فتونس غارقة في أزمة اجتماعية مزمنة و تواجه تداعيات الأزمة الصحية مع حلول الموجة الثالثة لوباء الكورونا ومع تراجع المؤشرات الاقتصادية  وتضاعف الصراعات الاجتماعية حول الممكن الأساسي للحياةكالماء والحق في التشغيل ودفع الأجور في حين يعمق بعض السياسيين الخلافات ويختلقون الأزمات ويعطلون مرافق الدولة بتعلات واهية ولأسباب لا يبررها عقل ولا يقبلها منطق في حالة من الاستنزاف المتواصل لقوة الدولة بغاية إسقاطها فريسة سهلة ولقمة سائغة لأي ديكتاتور قادم من بعيد.
-2- الفاشية البائدة ومحاولة إسقاط الدولة:
الفاشية تجربة سياسية خاضتها عديد بلدان أوروبا في فترة ما بين الحربين العالميتين وتحولت بعد ذلك إلى حركة أيديولوجيةوتجربة تاريخية لحركات  سياسية ونظم باسرها تحكمت في الدول المستقلة حديثا خاصة في المنطقة العربية التي لم تعرف الاستقرار  والأمن وعاشت لعقود على وقع الانقلابات المتتالية في سوريا والعراق ومصر واليمن وغيرها. والحركة الفاشية تمثل النموذج أو المثال الذي تقاس به درجة الغطرسة وحكم الأقليات وسيطرت الأوليغارشيا على مفاصل الدول. ولم تكن تونس بمعزل عن هذه النظم فقد عاشت أحلك عهودها مع نظامي يورقيبة وبن علي وها أن الثورة بتسامحها واتساع أفق احتضانها لمختلف المشارب والافكار تكشف لنا الوجه الحقيقي لهذا السلوك الفاشي من خلال  ممارسات الحزب الدستوري الحر الدستوري  سليل النظام البائد ورئيسته عبير موسي الذي ينذر  بجر البلاد إلى مربع العنف والفوضى والاحتراب الأهلي بعد كل ما شهدناه منه من تعد عن القانون وضرب لكل مقومات الجرية بتكريس خطاب عدائي متطرف يستهدف جزءا هاما من التونسيين ولا يعترف بالديموقراطية ولا بما تفرزه الصناديق والانتخابات في ظلحالة من الهوان والتشتت والفوضى تعم الطيف السياسي المنعوت بالديمقراطي أو من يزعم أنه كذلك. فالخطر ظاهر للعيان ولكن بأسهم بينهم شديد فلا يجتمعون إلا لحماية مكاسبهم ومصالحهم الضيقة وهم من هللوا بالزغاريد فرحا لتقدم المشير خليفة حفتر الفاشي نحو طرابلس واستيلاء نظام عبد الفتاح السيسي على السلطة في مصر بالانقلاب على السلطة الشرعية المنتخبة.
إنكلّ تحالف عضوي أو موضوعي مع الأحزاب الفاشيّة المعادية للثورة وللدّستور خيانة للوطن ولدماء الشّهداء الأبرار ولتضحيات أجيال متعاقبة من نساء ورجال تونس من أجل الاستقلال والحرّية والمساواة والكرامة. فالعودة إلى الأنظمة الشمولية ستبشر حتما بقمع النقابات والأحزاب والفكر المخالف وسيكون المجتمع المدني خادما مدجنا للسلطة وأحد معاولها في محاربة المعارضين وأصحاب الرأي المخالفو سيتم انتهاج سبيل الكذبوالتلاعب بالحقائق ومدح الظلامواستدرار  تعاطف العامة وطمأنة أصحاب النفوذ والأموال لضمان ازدهاره هذه الأنظمة  في أرض يسودها الضيق والفقر والاحتياج.إن قدوم الفاشيين إلى السلطة جاء في أغلب الحالات وعبر التاريخ على إثر حدوث انهيار اقتصادي أو بعد هزيمة عسكرية أو كارثة أو أزمة سياسية أوصراع وصل إلى طريق مسدود. في هذه الظروف يكسب الحزب الفاشي تأييدًا شعبيًا لما يبذله من وعودٍ بأنه سينعش الاقتصادويسترد كرامة البلاد. وقد يستغل الفاشيون خوف هذه الشعوب من خطر ما أو عدو مفترض أو من تكرار التجارب السياسية الفاشلة. ونتيجةً لذلك قد يستحوذ الفاشيون على السلطة عن طريق انتخابات سلمية في غفلة من الجميع أو عن طريق القوة أو عن طريق انقلاب عسكري. ولايزال للتوجهات ذات النزعة الفاشية في عالمنا العربي جمهور كبير على الرغم من كل التجارب الكارثية التي مر بها الوطن العربيفهناك مناصرون دائمون للمستبدين والطغاة كعبد الناصر وحافظ الأسد وصدام حسين و معمّر القذافي وزين العابدين بن علي ومن جاء بعدهم ومن سيأتي.

-3- الانقلابيون الجدد ووجه الديمقراطيين المزيف:
بمجرد خسارة الانتخابات ينكشف الوجه الانقلابي لبعض النخب السياسية التي لا تؤمن بالديموقراطية الا التي  كانت نتائجها لصالحها.  وفي تونس تزعم نخب وأحزاب ممارسة السياسة وهي تعيش على أمنية يتيمة أن تستفيق على بلد ليس فيه خصومها ممن لا تميتهم الصناديق.إنهم انقلابيون يخرجون على الناس يلباس الديمقراطية ويضمرون في داخلهم عداء لكل سبيل حر.في بلادنا العربية تاريخ طويل من الانقلابات العسكرية بعضها جاء تحت مسميات ثوريةكانقلاب عبد الناصر ولكنها اشتركت في بعدها الدموي وكانت سببا في تذكية الانقسامات الإثنية والعرقية والجهوية وإهدار مقدرات الدولة.إن عقدة البيان الأول الذي يتعهد فيه قادة الانقلاب بإجراء انتخابات نزيهة يؤشر على حقيقة بالغة الأهمية وهي أن العسكر هم أنفسهم أكثر من يعرف حجم الجريمة التي ارتكبوها بانقضاضهم على الديمقراطية أو الديمقراطية الناشئةوفي محاولة أولى لتبرير تلك الجريمة يقوم كل انقلابي بالتعهد بإعادة الديمقراطية كما فعل  وزير الدفاع  المصري الفتاح السيسي عقب انقلابه عام 2013 على الرئيس المدني محمد مرسي إذ لم يكتف الرجل بالتعهد بإعادة الحكم للمدنيين عبر الانتخابات بل أقسم أن لا مطمع للجيش في السلطةوها هو الجنرال اليوم يستبد بالحكم والدولة ويدجن الإعلام ويخوض المعارك بالوكالة في ليبيا واليمن والسودان وغيرها. إن كل من انقلبوا على حكومات مدنية لم يجروا انتخابات نزيهة بل استولوا على السلطة واستبدوا بها وحكموا بالحديد والنار وأودعوا المعارضين السجون وعطلوا التنمية وتحولوا لوكلاء للخارج يسخرون لهم مقدرات بلادهم له في سبيل إبقائهم في السلطة.
إن فشل الانقلاب في تركيا ليلة 15 جويلية 2016 كان مناسبة لتبديد أحلام بعض الانقلابيين   في تونس  وهم مجموعات صغيرة من الانتهازيين من رموز النظام السابق الذين لفضتهم ماكينة الديمقراطية ولم يجدوا موقعا في مختلف الأحزاب السياسية الحالية تساندهم مجموعات تعتنق الديموقراطية الشكلية فقط من أجل التموقع في مؤسسات الدولة والمجتمع السياسي لكنها في حقيقتها سليلة أفكار تحن إلى الاستبداد بل هي من تمجده وتعلي من شأنه. هؤلاء لم يستوعبوا بعد الخطوات التي قطعتها تونس من أجل تكريس الحريّة وإعادة السلطة إلى الشعب الذي يقرّر من يحكمه عبر الصندوق والبرلمان وليس عبر الدبابات والثكنات.هؤلاء كانوا وإلى وقت قريب يسمون انقلاب بن علي على بورقيبة بالتحول المبارك ويسمون انقلاب القذافي بثورة الفاتح العظيم  وهم من كانوا يتهمون أعداءهم بالعمالة فكشفت الثورات العربية عوراتهم وأسقطت عنهم قناع الزيف واكتشفنا أنهم ليسوا إلا حفنة من المطبعين مع العمالة والاستبداد والارتهان للأجنبي. هم يحبون ديموقراطية على المقاس لا تنتج سواهم ولا تصطفي غيرهم وهم على غير ذلك مستعدون لحرق البلاد من أجل اللحظة الحاسمة التي يأتي فيها فارسهم لينقض على حلم الشعب في التحرر والانعتاق.  وفد شهدت تونس مع بداية شهر جوان 2020 محاولتان للانقلاب على المسار الديمقراطي واحدة يوم 1 جوان 2020 والثانية يوم 14 جوان 2020. هذه الأخيرة تم الحشد لها عبر الإعلام المصري والإماراتي والقنوات الموالية للإمارات والسعودية كالحدث والعربية وسكاي نيوز إعداد فرق كاملة عبر كل الشوارع استعدادا لهذا الحدث الذي ظنوه عظيما حتى يتمكنوا من نقل السقوط المدوي للإخوان مباشرة وعلى الهواء لتحتفل الرياض وأبو ظبي بهذا النصر العظيم بالقضاء على أخر معاقل الحرية في الوطن العربي وإعادة الديكتاتورية إليه ليصبح كبقية الأشقاء.
-4- الثورة التونسية والتحديات الحقيقية:
فتحت الثورة التونسية حقبة جديدة في التاريخ  الشعوب العربية. ومهما علت موجات الثورات المضادة فإنها لن تلغي التطلع إلى التحرر الذي كرسته ثورات الربيع العربي. لقدحافظت التجربة التونسية على أحد أهم مكتسبات الثورة المتمثل بجذوة الحرية سواء في مستواها الخاص أو العام وذلك على الرغم من وجود إرادة قوية تدفع في اتجاه التراجع عن المساحات التي تم اكتسابها بعد الثورة بدعوى استعادة الأمن والاستقرار واسترجاع هيبة الدولة المفقودة كما قدّمها الأكاديمي والسياسي التونسي الدكتور رفيق عبد السلام المدير العام لمركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية في ورقة  بعنوان "الثورة التونسية وتحديات الانتقال" أرجع فيها  النجاح النسبي للتجربة التونسية مقارنةً بتجارب الربيع العربي المتعثرةإلى خمسة عوامل رئيسة تتمثّل في حالة التجانس المجتمعي وغياب الانقسامات الإثنية والطائفية مع الانتشار الأفقي للتعليم وحيادية المؤسسة العسكرية وغياب التقاليد التدخلية فضلًا عن وجود مجتمع سياسي ومدني فاعل ونشيط صمد حتى خلال حقبة القمع وعقلانية الفاعلين السياسيين وميلهم إلى المساومة السياسية وتبادل التنازلات على الرغم من وجود قوى ظلّت تستثمر في لعبة الاستقطاب السياسي والأيديولوجي ووجود إرادة دولية ترغب في الحفاظ على ديمقراطية ناشئة ليس تعلقًا بالقيم الديمقراطية في حدّ ذاتها بل خشية التكلفة الثقيلة لانهيار الوضع في تونس مع حالة الفوضى التي كانت سائدة في ليبيا على جنوب أوروبا.وبناء على ما تقدم تكون المرحلة القادمة أكثر المراحل حساسية في عمر الثورة التونسية إذ يتراجع فيها المعطى السياسي والايديولوجي ليترك مكانه لصالح التحديات اليومية للمواطن وهي النقطة التي انطلقت لأجلها الثورة وطالبت بها. فليس الصراع في تونس مؤسسا على تحديات حزبية أو ايديولوجية كما توهم بذلك النخب التونسية بقدر ما هو قائم على صراع حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات والتفاوت الجهوي والتنمية بشكل عام .إن الانتصار في معركة التنمية ومعركة النهوض بالمقدرة الشرائية للمواطن عبر تطوير القطاعات الاقتصادية وتحرير البلاد من هيمنة الشركات الأجنبية يمثل العنوان الوحيد لإعلان انتصار الثورة وقدرتها على تحرير الانسان.وأمام هذه الظروف يستوجب على الأحزاب التي تسعى لتجنب تلك الخيارات الكبيرة أن تعمل على   تغيير نوعية خطابها السياسي من حيث الهيكلة والتنظيم والتوجّهات والرُؤى العامّة بما يُعطي للمواطن الذي صنع الثورة فُرصة لأن يجد مكانه في النظام السياسي الجديد. كما يجب الاهتمام بالتكوين والتدريب السياسي للشباب داخل الأحزاب، وتقديم برامج واقعية ومعقولة تمسّ كافّة شرائح الشعب والابتعاد عن الخطابات الشعبوية والمقولات التحريضية التي لن تزيد الوضع إلا تعكرا.
الخاتمة:
ستواصل تونس بفضل مناخ الحرية حصد المزيد من الانجازات بالرغم من وجود تعثر واخفاق اقتصادي واجتماعي في البلاد مرده  تقديم السياسي على الاقتصادي والاجتماعي.فالتونسيين كانوا منشغلين بنظام الدكتاتور البائد ولذلك اهتموا اكثر بالدستور وتوزيع السلطات وضمان الحقوق والحريات وإرساء المنظومة التي تؤمن المسار الديمقراطي رغم تنامي عجز بالاقتصاد وتطور نسب والبطالة والديون وغيرها من المشاكل الاخرى.لقد نجحت الثورة في تونس وحصنت نفسها من محاولات اجهاضها من الداخل والخارج. ولا بد للجميع من الاقتناع أن ليس من سبيل إلى استقرار تونس سوى بالإيمان بالثورة كخيار ثابت لا ريب فيه ولا جدال بعيدا عن خطابات الشعبوية المشبعة بالوهم وبعيدا عن انتهازية الفاشية البائدة المتربصة بالثورة وإنجازاتها ودحرا لكل آمال  الانقلابيين بكل أصنافهم ممن يرتدون قناع الديموقراطية وممن ينتسبون زورا وبهتانا إلى الفكر الحر  وهم من كشفتهم الثورة وسفهت أحلامهم بأن كان دستور 2014 منجزا للثورة وكما جاء في توطئته "تحقيقا لإرادة الشعب في أن يكون صانعا لتاريخه، مؤمنا بأن العلم والعمل والإبداع قيم إنسانية سامية، ساعيا إلى الريادة، متطلعا إلى الإضافة الحضارية، وذلك على أساس استقلال القرار الوطني، والسلم العالمية، والتضامن الإنسانيوانتصارا للمظلومين في كلّ مكان، ولحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، ولحركات التحرر العادلة وفي مقدمتها حركة التحرّر الفلسطيني، ومناهضة لكلّ أشكال الاحتلال والعنصرية، ووعيا بضرورة المساهمة في سلامة المناخ والحفاظ على البيئة سليمةً بما يضمن استدامة مواردنا الطبيعية واستمرارية الحياة الآمنة للأجيال القادمة".


عبد الباسط الشايب (باحث وإعلامي تونسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك