القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الشرعية والمشروعية: مسيرة 26 سبتمبر ونهاية سردية التفويض الشعبي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-09-27 18:04:00 | 563 مشاهدة

ملخص:

يعتقد قيس سعيد جازما  أن من يمتلك الشرعية لا يمتلك بالضرورة المشروعية، وأن "الشرعية القانونية والدستورية" التي كان يتمتع بها البرلمان والحكومة وبقية المؤسسات المنتخبة، غير كافية... وهو خلفّ في أذهان البعض أن المشروعية متنافرة مع الشرعية، وأن هناك تضارب وتضاد وتنافر بين الشرعية في تونس وبين المشروعية..

  1. الشرعيّة والمشروعيّة عند سعيّد:

 قال لنا أن الأهم هو "المشروعية الشعبية والانحياز إلى الشارع". قال لنا إن الوكالة التي أسندها الشعب إلى النواب يمكن له عمليا سحبها بما أنه يبقى صاحب السيادة الأولى..قال لنا إنه يملك المشروعية الشعبية وأن مشروعيته أقوى من الشرعية.. قال لنا إنه بمقتضى المشروعية الشعبية،له تفويض أقوى من البرلمان المنتخب وأقوى من الهيئات الدستورية وأقوى من كل مؤسسات الدولة المنتخبة.. قال لنا إن مشروعيته أقوى من الصندوق وأقوى من الانتخابات الحرّة وأقوى من الديمقراطية التمثيلية.. قال لنا إنه بمقتضى التفويض الشعبي لا سلطان على قراراته ولا رقيب، وإن له الحق في أن يكون الزعيم الملهم المنقذ الحاكم بأمره.. قال لنا إن التفويض الشعبي الذي أُسند له، يعطيه الحق في أن يتملك كل السلطات في البلاد، وأن يكون هو السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأن يكون هو الدولة..
خلفّ في أذهان البعض أن المشروعية متنافرة مع الشرعية، وأن هناك تضارب وتضاد وتنافر بين الشرعية في تونس وبين المشروعية..
قال لنا كل ذلك بغرور واستعلاء ونرجسية،مستندا إلى نتائج الانتخابات الرئاسية بما هي تفويض شعبي شامل له. باعتباره قد تحصل على 2.7 مليون صوتا في الدور الثاني في مواجهة منافسه نبيل القروي، رغم أنه لم يتحصل في الدور الأول سوى على 620 ألف صوت. فالتفسير المنطقي الوحيد إذا أن أكثر من مليوني تونسي لم يصوتوا لفائدة سعيّد بقدر ما صوتوا ضد منافسه القروي وسبب ذلك واضح. ومما ساهم بفعالية كبرى في صعود سعيّد هو التفاف مجموعة كبرى من الأحزاب، التي يهاجمها الرئيس اليوم، ومشاركتها الفعالة في حملته الانتخابية وفي عمليات المراقبة.

  1. مسيرة 26 سبتمبر ونهاية سردية التفويض الشعبي

26 سبتمبر أسقط سرديّة التفويض الشعبي للرئيس قيس سعيد ومشروعيته الشعبية المتنافرة مع الشرعية الانتخابية والدستورية.. خرجت الأفواج الشعبية من كل فج عميق في البلاد، وبمختلف أطيافهم وانتماءاتهم السياسية وأعمارهم، ليثبتوا زيف الصورة التي وقع الترويج لها وتسويقها في الإعلام والتي تفيد بأن الشعب التونسي مساند لقرارات سعيد..
خرج شعب "يريد ما لا يريد الرئيس" وكسّر سرديّه "الشعب يريد" التي برّر بها الرئيس انقلابه وتشبّثه بالحكم الشمولي المطلق للمجتمع الدولي،والتي قال لهم فيها أنه ينفذ إرادة الشعب، ليتبين للداخل والخارج أن أغلبيّة الشعب التونسي هي ضدّ إجراءاته ورجحت كفّة الميزان مع بعض شرائح الشعب التي خرجت بالفعل إلى الشارع ليلة 25 جويلية 2021 للتعبير عن مساندتها لإجراءات سعيّد.
الخروج المكثّف للشارع والتظاهر والاحتجاج والتعبير عن الرأي بكلّ الطرق السلميّة أعطى رسالة صحيحة للرأي العام الداخلي في تونس،وكذلك للرأي العام الدولي، بأنّه ليس كلّ الشعب التونسي يساند فعلا إجراءات الرئيس سعيّد كما يزعم هو ومن معه،وأنّ أغلب الشعب اليوم لم يعد يدعم انقلابه على الدستور ولا هو مستعدّ للسكوت على محاولته الانقلاب على دستور الثورة، ولا تغيير النظام السياسي بمفرده وأنه بتحرّكه واحتجاجه يؤكد أنه لن يقبل الخنوع لحكم الفرد الواحد وقيام كامل الدولة على شخص واحد.
جماهير شارع الثورة أثبتت للجميع أنّ الدعم الشعبي الذي حظي به قيس سعيد وبلغ ذروته ليلة 25 جويلية والأيام الموالية لها، بدأ في التآكل والتراجع فعليّا والانحدار بشكل متواصل.. وهو عكس ما تظهره استطلاعات الرأي المزيّفة والمنشورة "مجّانا" للعموم من قبل بعض المؤسّسات المعروفة بمغالطاتها وذلك بغرض التلاعب بالرأي العام وتوجيهه للتضخيم في شعبيّة قيس سعيّد والتقليل من شأن منافسيه ومعارضيه وتبخيس الإرادة الشعبيّة الحقيقيّة العميقة خدمة لأجندات سياسيّة معروفه.
إن الآلاف الذين نزلوا إلى الشارع أسقطوا "المشروعية الشعبية التي يتحرّك بموجبها الرئيس ويبرّر بها انقلابه في الداخل وفي الخارج، سقطت في أول اختبار ميداني بعد أن قال الشعب كلمته ونزل إلى الشارع.
في المحصلة المظاهرات التي انتظمت يوم 26 سبتمبر أثبتت أن اصطناع الشعبية والمشروعية خارج إطار الانتخابات وصناديق الاقتراع، بإلغاء الرأي المخالف واختطاف الشارع الذي لا يمكن أن يكون على رأي واحد.
ملحمة 26 سبتمبر أكدت أن كل شرعية أو مشروعية من خارج الصندوق هي مجرّد تخمينات غايتها الوحيد مغالطة الرأي العام الداخلي والخارجي، أكدت أن الشارع شوارع وأن محرار إرادة الشعب لا يقاس إلا بالصناديق، وما دون ذلك اغتصاب لإرادة الشعب، ومصادرة لآرائه.. أثبتت أن الممارسة الديمقراطية تستند إلى آليات تمكن من تحديد شعبية أي شخص أو مجموعة أو حزب إن كانت عالية أو منخفضة، وهي الاحتكام إلى صندوق الاقتراع والانتخابات وعندها فقط تتحدد نسبة الشعبية لكل طرف، من دون ذلك سيظل كل طرف يدّعي أن الشعب معه، وسينصب نفسه ناطقا باسم الشعب، ويستمد منه المشروعية والشرعية.
بل أكثر من ذلك تلك الملحمة الشعبية عرت من يدعي أنه مسنود بمشروعية شعبية،ويعتبر أنه يملك الأغلبية، المفروض أن لا يخشى الصناديق بل على العكس سيهرول نحوها لتثبيت هذا المشروعية قانونيا ودستوريا..
في الحقيقة كل من أحسن قراءه ملحمة 26 سبتمبر والتقط رسائلها، أهم خلاصة سيخرج بها، هي أنّ أهم ما حققته الثورة التونسية من أهداف،هو أنها نجحت إلى حد كبير في تحطيم صورة الزعيم الأوحد الذي لا مثيل له، في أذهان غالبية كبرى من الشعب التونسي، حطّمت صورة القائد المنقذ الملهم، الحاكم بأمره، وحطّمت صنم الدكتاتور الذي كرّس مفهوم الاستبداد والتفرّد بالسلطة،من خلال ترسيخ وهم الزعيم الكاريزمي الملهم، القادر بمفرده على حلّ كل المشاكل وتلبية كلّ الطموحات.. حتى أصبح الحزب الحاكم حينها لا يحده حق ولا قانون، لأنه ليس له منافس يعارضه ويكشف أخطاءه ومواقفه المتطرفة، لا يرد له قول ولا يناله نقص أو فشل، يهيمن على كافة المؤسسات)التنفيذية – التشريعية – القضائية – الجامعات – النقابات – منظمات مجتمع مدني إلى غيرها من المؤسسات والهيئات).
وقد تشكل إبان الثورة رأي عام واسع جدا يعي جيّدا خطورة هيمنة زعيم يجمع كل السلط، وما يمكن أن يترتب عن ذلك سواء كان هدف هذا الحزب القويّ تخليص الناس من انكسارات الوضع الراهن وتقلباته الاجتماعية وأزماته الاقتصادية مراهنا على قدراته الخارقة في تغيير وضعهم إلى ما هو أفضل..
لقد بات التونسيون يدركون جيّدا بعد تجارب الحكم الديكتاتورية التي ابتُلوا بها خلال القرن الماضي، أنّ حلمهم بالزعيم المخلّص لحياتهم كان وهما كبيرا كان لا بدّ أن يستفيقوا منه، وكان عليهم البدء من جديد بالبحث عن نظام سياسي لا يستند إلى الدكتاتورية أو إلى منطق الانفراد بالحكم..نظام لا يختزل السلطات والإمكانات الهائلة في شخص واحد يكرّس الدكتاتورية ويمنع ظهور خيارات الحلّ الأخرى، نظام لا يجد فيه الحاكم قوّته وسطوته في سيطرته على المشاعر والعقول، وفي توهّم المواطنين بأنه الخارق المخلّص من كلّ المشاكل، وفي اختزاله لكلّ السلطات وهيمنته على كل القرارات.
لقد فهم المواطن التونسي أنّه في الدول التي تطبق "الديمقراطية" بدرجات عالية تحلّ المشاكل الصغيرة والكبيرة باقتراح من مؤسسات الدولة والنقابات والاتحادات والأحزاب والهيئات، نعم زعيم الدولة من واجبه قانونيا ودستوريا أن يجد الحلول لمشاكل الناس، ويؤمّن حقوقهم ويسعى لتلبية انتظاراتهم وتطلعاتهم، ولكنه لن يكون الأب المخلّص، ولا البطل الخارق، ولا المنقذ الأوحد فريد عصره وزمانه، وبالنتيجة يجب أن لا يختزل بمفرده القدرة على إبداع الحلول أو تقرير مصير البلاد والعباد، وإلا فإنّنا لن ننتج سوى مشروع طاغية أو دكتاتور آخر بحجّة زعيمنا المنجّي من الهلاك..
إن كل انقلابات التاريخ، انطلقت من ادعاء المنقلب الانتصار إلى المشروعية من أجل إزاحة من كان شرعيا. وآخر ذلك ما وقع في مصر حين تم الانقلاب على أول رئيس يمتلك شرعية الصندوق في تاريخ مصر، فالمنقلب حينها لم يفعل سوى ادعاء امتلاك المشروعية، والتفويض الشعبي،ليتكشف بعد ذلك أن تلك المشروعية لم تكن سوى وليدة مؤامرات في غرف مظلمة تقودها غرفة عمليات، وبالنتيجة شهدت أم الدنيا أبشع مجازر التاريخ الحديث، وقد انتكست حتى على دكتاتورية مبارك اللينة..

  1. خاتمة:

ربما فهم الكثيرون اليوم أن الحديث عن إمكانية سحب الوكالة ممن جاءت به إرادة صاحب السيادة الوحيد هو دفع للبلاد الى أعتاب الفوضى والانهيار.. وأنه لا يوجد ما يمنع أن يكون سلاحا جاهزا في أيادي كل من لفظته إرادة الشعب الحرة عبر آلية الصندوق، من أجل قلب الموازين وفرض نظام حكم الأقلية (أوليغارشية) أو في أيادي من يترصدون فرص هبوب رياح خراب الوطن في الداخل أو في الخارج من أجل الإجهاز على أحلام الشعوب العربية في الالتحاق بقائمة الشعوب الحرة في العالم... ومن المهم الإشارة إلى أن من يحمل سلاح المشروعية اليوم ليسقط به شرعية الصندوق والقانون والدستور، ليس بالضرورة بمنأى من أن يكتوى بنارها غدا، بل قد يكون ذلك أكثر سلاسة وأقل كلفة عندما تغيب الشرعية..
يوم 26 سبتمبر خرج شعب لا يريد ما يريد الرئيس يقول له بصوت واحد، إحراق مريديك للدستور، هو إحراق لشرعيتك ومشروعيتك التي تتفاخر بها لأننا انتخبناك على قاعدة هذا الدستور الذي يعتبر أيضا رمزا من رموز الدولة مثله مثل العلم.. ليقول له الدستور الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي يوم 26 جانفي 2014 بدرجة توافق عالية بين أعضاء المجلس الذي يرمز إلى الإرادة المشتركة لطي صفحة النظام الاستبدادي والانخراط في عملية إرساء ديمقراطي يضبط جيدا معنى الشرعية والمشروعية..
ومن أجل هذه القناعات حرص الجميع بعد ثورة الحرية والكرامة من خلال صياغة الدستور على التأسيس لنظام سياسي يقطع كل السبل للاستفراد بالرأي واختزال كل السلط في شخص واحد، وينهي أسطورة الزعيم الأوحد المفوض خارج الصندوق الذي لا يحاسبه أحد بذريعة أنه الملهم والمنقذ والمخلص الذي لا يخطئ..

فائزة النّاصر (صحفيّة وباحثة تونسيّة)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك