القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

السياسة الخارجية التركية في إفريقيا: تونس نموذجا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-06-25 12:35:00 | 615 مشاهدة

ملخص:
لا وجود في الساحة العربية و الإسلامية، لمنافس جدّي لدور تركيا في عموم العالم الإسلامي. وهي التي تبنت دورا ظل يبحث عمّن يمثله، خاصة مع فشل مصر والسعودية والعراق كقوى عربية كبرى في لعب هذا الدور عندما توفرت لها الفرصة، وربما تبقى تجربة هذه البلدان الثلاثة في إدارة ملفات جمهورية اليمن وإدارة الجامعة العربية ومصادر الطاقة النفطية والقضية الفلسطينية ذات الأهمية الاستراتيجية الفيصل في الموضوع.

مقدمة
لقد تم التعامل مع كل هذه الملفات بعقلية عسكرية واستحواذيه أبانت عن عدم القدرة على التجميع والقيادة وتمثيل مصالح الدول الإسلامية. وأعتبر ان هذه الأمثلة الكثيرة الصارخة كانت مكمن فشل هذه البلدان المتقدمة إمكانا وافتراضا لقيادة العالم الإسلامي في امتحان تمثيليته[1]. لذلك من المهم التساؤل: أي بلد غير تركيا يمكنه الحديث باسم مصالح المسلمين؟ عالميا تسعى تركيا اليوم إلى القيام بدور رئيسي وطموح في زعامة العالم الإسلامي، وهو في رأيي مدخل مهم لاستمداد الطاقة المعنوية لنفوذها في العالم. وهو ما يتماهى مع التاريخ التركي العثماني على مدى سبعة قرون خلت. بشكل طبيعي وسلس ودون مقاومة شعورية من مواطني العالم الإسلامي.
وهذا الدور الطموح للفعل الاستراتيجي لتركيا الجديدة يجد صداه في الرؤية الجيوسياسية الكبرى الفاعلة وهي رؤية تنسب إلى وزير الخارجية التركي ورئيس الوزراء الأسبق داوود اوغلو ويمكن تلخيصها [2]في فرض الاعتراف بتركيا كقوة أوروبية، وقوة في البلقان وقوة متوسطية وقوة شرق أوسطية وقوة شمال أفريقية وحتى أفريقية محدودة، وقوة أوروبية –آسيوية، وقوة قوقازية، وقوة في آسيا الوسط، وخصوصا، قوة إسلامية، ولكل هذه الطموحات مبررات تاريخية فاعلة.
يقول أحمد داود أوغلو:" على تركيا في القرن الحادي والعشرين أن تكتسب وبسرعة وضعيتها كدولة لا تصرف جهودها فقط من أجل حماية استمرارها، بل توظف امكاناتها لحماية نظامها من خلال الاضطلاع بدور يحمي استقرار الدول المجاورة ونظمها." [3] لان الدول إنما تقاس قوتها في هذا العالم الجديد بناء على ثقلها النوعي في الفعل والتأثير الدولي؛ ولذلك تبرز قيمة الدولة الحقيقية ليس في قوتها الداخلية بل في تأثيرها الاقتصادي والثقافي والدبلوماسي في المناطق المختلفة، ومدى بزوغ شمسها في أصقاع كثيرة من العالم. وفي ذات السياق يقول رئيس الوزراء التركي علي يلدرم:" يتعين علينا زيادة صداقاتنا مع الدول المطلة على البحر الأسود والبحر المتوسط وضرورة أن نقلل من أعدائنا " [4] نلاحظ أخيرا وبشكل لافت رغبة تركيا الواضحة لقيادة العالم الإسلامي بداية من خلال الاهتمام بمختلف قضايا العالم الإسلامي وخاصة مناصرة القضية الفلسطينية [5]

  1. الانفتاح التركي الجديد على إفريقيا واستعادة أطراف المركز

يشرح أردوغان العلاقات التاريخية بين تركيا وإفريقيا في إطار تفعيل نظرية العمق الاستراتيجي Strategic Depth المؤسسة للرؤية الاستراتيجية للسياسة التركية منذ العام 2002، التي تقوم فلسفتها الرئيسية على أنّ تركيا دولة متعددّة الأحواض القارية ما يمنحها عمقًا استراتيجيا في عديد القارات ومنها القارة الأفريقية.[6] يقول: "يرجع تاريخ العلاقات التركية-الإفريقية إلى القرن التاسع الميلادي؛ وكان الأتراك ينظرون على مرِّ السنين إلى الأفارقة كإخوانهم وأخواتهم، وأقاموا جسور التواصل معهم على أساس الاحترام والتقدير المتبادل"، مضيفًا: "وعلى عكس القوى الاستعمارية، تمتلك تركيا تاريخًا مشرفًا في القارة الإفريقية، ليس به فصول سوداء؛ فنحن ربما نتحدث لغات مختلفة، وننحدر من أصول عِرقية متنوعة ومظهرنا مختلف؛ إلا أن الشعب الإفريقي كان دائمًا شريكًا وحليفًا لنا... وقد لعب هذا الإرث الكبير من التعاون والتضامن دورًا مفتاحيًّا في نجاح سياسة الشراكة التركية مع إفريقيا". ومن أسرار نجاح الجهد التركي في تطوير العلاقات التركية الافريقية إسهام منظمات المجتمع المدني كلها في دعم هذه الخطوات، وخاصة العمل الجبار الذي بذلته السلطات التركية الجديدة داخل المجتمع التركي من أجل تغيير الصورة النمطية السابقة عن إفريقيا والافريقيين.
لقد شكَّلت سنة 2005 الانطلاقة لتفعيل الرؤية الاستراتيجية لتركيا الجديدة في إفريقيا، بالإعلان عن الانفتاح على القارة السمراء ليُتبع بعد ذلك بالإعلان عن تركيا حليفًا استراتيجيا للاتحاد الإفريقي سنة 2008. وخلال فترة قصيرة جدًّا نجحت الرؤية التركية والانعطافة الجديدة نحو إفريقيا، وسرعان ما آتت هذه السياسة الخارجية الجديدة ثمارها الإيجابية على المستوى المؤسسي، فقد تولَّت تركيا، في الثاني عشر من أفريل 2005، موقع المراقب في الاتحاد الإفريقي، وشارك أردوغان في ديسمبر 2007، في قمة الاتحاد الإفريقي-الأوروبي التي انعقدت في مدريد وأصبحت تركيا بذلك عنصرا فاعلًا في علاقات الاتحاد الإفريقي الأوروبي. وفي خطوة عملاقة أعلن الاتحاد الإفريقي، في شهر جانفي 2008، تركيا شريكا استراتيجيا للاتحاد.
وانضمت إلى البنك الإفريقي للتنمية، وعملت على تقوية علاقاتها بهيئة المنظمات الحكومية الدولية للتنمية في شرق إفريقيا، وأعلن وزير الخارجية التركي آنذاك على باباجان أن إفريقيا ستتبوّأ بعد الآن مكانة خاصة في السياسة الخارجية التركية،
في ذات العام 2008 استضافت إسطنبول أول قمة في تاريخ العلاقات بين تركيا وإفريقيا، جرت فعاليتها تحت اسم "التضامن والشراكة من أجل مستقبلنا". بمشاركة 49 دولة إفريقية وممثلي 11 منظمة إقليمية ودولية من ضمنها الاتحاد الإفريقي، وحصلت تركيا بعدها على دعم كامل من كافة الدول الإفريقية خلال انتخابات أكتوبر 2008 لمقعد العضو غير الدائم بمجلس الأمن في الأمم المتحدة.  
وتوطيدا لهذا المسار الجديد تم تحديد معالم سياسة الانفتاح التركية الجديدة على القارة الافريقية من خلال اعتماد وثيقتين مهمتين هما "إعلان إسطنبول للتعاون التركي الإفريقي: التعاون والتضامن من أجل مستقبل مشترك"، و"إطار التعاون للشراكة التركية الإفريقية".

 

  1. الدبلوماسية الناعمة في الولوج إلى إفريقيا

بلغت اليوم التمثيلية الدبلوماسية التركية في القارة الإفريقية 47 سفارة تركية. وبالمقابل، توجد 32 سفارة لدول إفريقية في أنقرة. فقد أصبحت تركيا جزءًا مهمًّا من إفريقيا، يقوم الآلاف من رجال الأعمال والطلبة والعائلات بالسياحة إلى العالم الجديد القديم، وتقوم الشركات التركية بخلق فرص استثمار وتعاون فني واقتصادي وتوفير عمل ودراسة لشعوب الدول الإفريقية. وكأنه عالم الاكتشافات الجديدة لعوالم القارة العجوز ذات الأبعاد الحضارية والتاريخية وذات الألوان الثقافية المتنوعة الزاهية وتعدد تراثها الساحر ونقاء البيئية وجمال الطبيعة.

  1. مقاربة التبادل التجاري

ارتفعت واردات تركيا من إفريقيا من 3.3 مليار دولار عام 2003 إلى 9.6 مليار دولار، وشملت الواردات مواد كثيرة، منها: زيوت التشحيم واللؤلؤ والأحجار الكريمة والمواد الكيميائية غير العضوية والكاكاو. وقد وصل حجم التبادلات التجارية بين الجانبين عام 2013 إلى نحو 23.4 مليار دولار، وقارَبَ 25 مليار دولار عام 2015. [7]لقد اختارت تركيا المدخل الاقتصادي والتجاري إلى شعوب هذه القارة، حيث أعطت الأولوية والأهمية لهذه الابعاد. فارتأت تركيا لنفسها التقارب الاقتصادي والتجاري كمدخل للتأثير في القارة السمراء، إذ تعتبر أنقرة أن هذ الجسر من شأنه أن يقرب الشعوب إلى بعضها، ويقارب رجال الأعمال والمستثمرين من كلا الطرفين. وتهدف تركيا إلى أن يصل حجم التبادل التجاري بينها وبين القارة الإفريقية إلى عتبة 50 مليار دولار بحلول سنة 2023؛ وذلك بفعل الاستثمارات العملاقة التي قامت أنقرة بتعبئتها في الداخل الإفريقي ومن خلال الاعتماد على اليد العاملة الإفريقية المحلية.
لا شك أن تركيا تراهن في المنظور الاستراتيجي على التحول إلى طرف فاعل قادر على المناورة والإفادة من الاقتصادات الإفريقية التي تشير المعطيات إلى كون إفريقيا ستشكِّل نسبة معتبرة من الناتج الإجمالي الخام الدولي. ويدعم الحركة التجارية التركية اتساع السوق الإفريقية وتنوعها؛ وهو ما يوسِّع نطاق ميزان التجارة الخارجية التركية[8]

  1. المقاربة الإنسانية والثقافية

أصبحت المساعدات الإنسانية والمشروعات التجارية المتطورة تُشكّل حجر أساس هذه السياسة الجديدة، ومعلوم أنه في العام 2013، احتلت تركيا المرتبة الثالثة في العالم بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مجال المساعدات الإنسانية، والمرتبة الأولى من حيث نسبة المساعدات التنموية بالمقارنة مع ناتجها المحلي الإجمالي.
وتُظهر سياسة أنقرة تجاه الصومال وبلدان إفريقيا الأخرى أن القارة لن تكون قوة اقتصادية لتركيا فحسب، بل ستُشكّل قوة سياسية مستقبلية أيضًا. في خضمِّ عولمة الثقافة والمعرفة مع تطور التكنولوجيا، ومن هنا ينطلق الأتراك من زاوية التعاون والتبادل الثقافي مع دول القارة حيث تقدِّم تركيا منحًا مجانية تتيح للطلاب الأفارقة نيل التعليم والتدريب لاسيما المهارات والمعارف التي تتيح للمتخرجين خدمة مجتمعاتهم وتطويرها[9]
كما حققت المؤسسة التركية للتعاون والتنمية انطلاقة نوعية في الانفتاح على إفريقيا إذ استطاعت من خلال مكاتبها في ثلاث دول إفريقية، هي: إثيوبيا والسودان والسنغال، أن تسهم إسهامًا مباشرًا في العديد من مشروعات التنمية داخل 37 دولة إفريقية، كما أنها قدَّمت مساعدات إنسانية عاجلة للعديد من الدول الإفريقية فضلًا عن برنامجها الخاص بالتنمية الزراعية في إفريقيا الذي بدأ في شهر اوت 2008 وصولًا إلى سنة 2010، كما بذلت تركيا جهودًا وإسهامات مباشرة في الأزمات الإنسانية التي شهدها بعض دول القارة الإفريقية وذلك من خلال المؤسسات الدولية[10]وقد أسهمت أنقرة عام 2013 بنحو 781 مليون دولار في مشاريع الإغاثة الرسمية ببعض الدول الإفريقية، وافتتحت رئاسة إدارة التعاون والتنسيق التركية مكاتب لها بدول القارة، كما أدّت منظمات المجتمع المدني إلى جانب مؤسسات الدولة المختلفة دورًا فعالًا في تعزيز العلاقات بين تركيا وإفريقيا،

  1. شمال إفريقيا وتركيا: الإرث التاريخي المشترك

تربط تركيا علاقات متينة بدول شمال إفريقيا بسبب الفترة التاريخية المشتركة التي دامت منذ القرنين الخامس والسادس عشر، وذلك عندما كانت هذه الدول جزءا من الحكم العثماني. تمثل هذه الدول بالنسبة إلى تركيا الطوق الجنوبي على الحوض المتوسط الذي كان يعتبر حاضنة الحضارات، فكانت تركيا ودول البلقان من الشمال ودول شمال إفريقيا مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب تمثل كماشة عسكرية تطوق حوض المتوسط وهو ما سمح بالتحكم في الطريق البحري والساحلي لكل المبادلات التجارية والسيطرة العسكرية على كل المضائق والممرات، وعرقلة التقدم الإسباني في تلك المنطقة. ومن جهة ثانية كانت دول ساحل الشمال الافريقي بوابة لمنطقة الصحراء الكبرى الجنوبية حيث تمتد الخلافة العثمانية إلى دول تابعة لها مثل: السودان، وإرتيريا، وإثيوبيا، وجيبوتي، والصومال، والنيجر، وتشاد. ومن المهام الاستراتيجية التي يقوم به هذا الحزام الافريقي الداخلي من جهة الشرق هو سعيها لتحجيم الاستعمار البرتغالي آنذاك في القارة الإفريقية. وإذا علمنا أن مصر، وليبيا، وتونس والجزائر كانت تحت الحكم الكلي العثماني فإننا نستطيع فهم العلاقات التركية الإفريقية بشكل أوضح.
يقول المؤرخ الحبيب الهيلة "كانت الحرب الصليبية العاشرة التي تعرف بحرب الاسترداد بالأندلس التي اتجهت إلى شمال إفريقيا من أقصى مغربه إلى أدناه في طرابلس. ولم تكن غايتها ومقصدها الأساسي إلا مدينة تونس التي ركز عليها الصليبيون بسبب موقعها وأهميتها فصبوا عليها جام حقدهم في حملتين وحشيتين أولاهما قام بها شارلكان عام 1935 والثانية قادها ابنه خوان دوتريش سنة 1574. وفي كلتا الهجمتين أزهقت أرواح كثيرة وهدمت معالم الحضارة وهرب الناس إلى الجبال والمغاور وبعثرت المخطوطات وشح وجود المثقفين والعلماء"[11].  ويضيف:" لا يمكن أن تقابل هذه الحشود العسكرية التي جمعت العديد من الدول الأوربية أن تتحرك لإنفاذ هجمة صليبية إلا بما يناسبها من روح الجهاد الاسلامي يقوده المنقذ العثماني مع شعوب منطقة الشمال الإفريقي" وينهي بالقول:" ويكفي أن تتخيل لو وقعت هزيمة الأتراك في تونس .." [12]ماذا يكون مصير شمال إفريقية ؟؟ وهو ما دفع بعض المؤرخين للقول: "لولا الدولة العثمانية لأصبح شمال إفريقيا منذ تلك الحقبة إسباني الثقافة واللسان، مسيحي الديانة والعقيدة"[13]. فكان حينئذ التدخل العثماني في شمال افريقيا لأسباب الرابطة الأخوية الدينية وبطلب من أهالي شمال إفريقيا لمواجهة الإسبان حيث نجح العثمانيون سنة 1530 م من دخول الجزائر ودحر القوات الاسبانية، ثم بعدها تم الدخول إلى طرابلس الغرب سنة 1551 م، ولتنتهي بانتزاع تونس من يد الإسبان سنة 1574م. وبذلك أصبحت كل منطقة المغرب العربي مرتبطة بالدولة العثمانية باستثناء المغرب الأقصى.
أصبحت تونس إيالة تابعة للسلطة العثمانية، في 1574، ليستمر ذلك بتأسيس حكم وراثي سنة 1705 على يد حسين بن علي التركي، استمر إلى 1957 تاريخ إعلان الجمهورية التونسية وإلغاء النظام الملكي التركي في تونس. ويشهد التاريخ والجغرافيا وقوف الشعب التونسي إلى جانب الإمبراطورية العثمانية، من خلال مساندتها في صد العدوان الروسي في حرب القرم (دارت بين 1853 و1856) ومشاركة نحو سبعة آلاف رجل مات نصفهم تقريبا، [14] ويقطن  اليوم أحفادهم قريةً في أقصى الشمال التركي، تحمل اسم تونس (تونسلار) يرفع فيها عاليا العلم التونسي وتقام فيها احتفالات سنوية ذكرى لتلك الروابط التاريخية التونسية التركية. لعل ذلك التاريخ المشرف المشترك جعل المؤرخ الهادي جلاب يصف العلاقات التونسية التركية بانها رغم البعد الجغرافي والجفاء الذي انتابها أحيانا، تتسم بصور من التلاقي المتين والروابط الموثوقة.

  1. التقارب التونسي التركي والكلفة السياسية

انطلق التعاون الحقيقي التونسي التركي بداية من سنة 2004 بعد فتور دام لعقود طويلة، تم التوقيع في تلك الفترة على اتفاقيات تبادل تجاري حر مع تونس بصفتها إحدى الدول الواقعة في المنطقة المغاربية، وتم ابرام اتفاق تعاون صناعي في 2006 دخل حيز التنفيذ في 2007، وفي قطاع المناجم أبرم الطرفان اتفاقًا عام2006.واتفاق آخر مهم بين المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية ونظيره التركي في 2008، ومذكرة تفاهم بين وكالة النهوض بالصناعة والتجديد ومنظمة تنمية المؤسسات الصغرى والمتوسطة في 2010. وتم إبرام معاهدة صداقة وتعاون بين البلدين في سبتمبر 2011.
وقد ارتقت العلاقة الوطيدة سنة 2012 إلى درجة الشراكة الاستراتيجية، وذلك بإحداث مجلس أعلى للتعاون الاستراتيجي التونسي التركي إذ تم بعدها التوقيع على 12 اتفاقية تعاون و9 خطط عمل قطاعية. وشاركت تركيا بوفد هام في مؤتمر دعم الاستثمار المنعقد سنة 2016 إلى جانب عدد كبير من رجال أعمال أتراك. وتعد تونس وجهة للاستثمارات التّركية، إذ توجد بها اليوم نحو 50 مؤسسة اقتصادية تركية في مجالات متعددة، ساعدت في خلق 2500 فرصة وظيفية (بينها 100 وظيفة للأتراك الموجودين في تونس).
وفي إطار مزيد إنجاح تجربة التعاون بين البلدين تمت مراجعة شبكة المواد الاختيارية بالمعاهد التونسية وقررت وزارة التربية تدريس اللغة التركية اختياريا. نفذت TIKA تيكا منذ بدء نشاطها في تونس عام 2012، 176 مشروع تعاون بقيمة إجمالية 46 مليون دولار في مختلف القطاعات، ولا سيما تعزيز البنى التحتية الإدارية والمدنية والاجتماعية والتعليم والصحة والفلاحة وتربية الحيوان.ستقدم تركيا 5 ملايين دولار كمساعدة مالية لتونس لدعم حربها ضد جائحة كوفيد -19.وقد نُشرت الاتفاقيات الموقعة مع تونس وشمال قبرص والنيجر والكونغو ونيجيريا وأوزبكستان. تتعلق الاتفاقية الأولى بالمساعدة المالية التي ستمنح لتونس من أجل دعم حربها ضد Covid-19.وهي مساعدة مالية تصل إلى 5 ملايين دولار، تم توقيعها في نوفمبر 2020 وستدخل حيز التنفيذ بعد استكمال الإجراءات القانونية الداخلية.[15]
والملاحظ أن العلاقات التونسية التركية "عرفت وتيرة أسرع، وأصبحت تونس نقطة مهمة في السياسة الخارجية التركية سيما بعد قيام الثورة، ووصول حركة النهضة التونسية إلى الحكم، وسعي هذه الأخيرة الى تعميق العلاقات مع تركيا التي وقفت الى جانب الثورة وساندتها. لقد راهن الأتراك بعد الثورة على ربط علاقات جيدة مع حركة النهضة التي يتقاربون معها في الايديولوجيا والخلفية الفكرية الاسلامية، ووقفوا معها وقدموا المساعدات اللازمة لحكومة النهضة التي أحدثت سلوكا مختلفا في سياسة تونس الخارجية من حيث البحث عن حلفاء جدد في العالم[16]. لقد شكلت ثورات الربيع العربي فرصة لتركيا لتعميم تجربة ونموذج حزب العدالة والتنمية في التغيير الديمقراطي والنمو الاقتصادي خاصة مع وصول حركات التيار الإسلامي للحكم في بلدان الربيع العربي. لكن مع اختلال موازين القوى جراء الانقلاب المصري ووصول ترامب للحكم لفائدة عودة قوى الثورة المضادة الإقليمية والدولية والمعادية لمسار ثورات الربيع العربي، مما عثر الانتقال الديمقراطي في هذه البلدان وحجم من الطموح التركي.

هذا التقارب التونسي التركي لم يكن دون كلفة، بل وقع شن حملات إعلامية عربية منظمة ضد تركيا وحزبها الحاكم، ومحاولة تشويه صورتها لدى الجمهور العربي ولدى المجتمع الدولي. لذلك عمل خصوم النهضة الحاكمة على ضرب محاولات التقارب التونسي التركي وإرساء تعاون ثنائي في شتى المجالات من خلال إلصاق تُهم ولاء الحزب التونسي للخارج (الإخوان) ومحاولة تتريك البلاد، دون النظر إلى المنافع والمصالح المحققة من وراء تلك العلاقات.  لذلك يعتبر الموقف التركي الإيجابي تجاه الثورة التونسية والثورة الليبية حلقة من حلقات الصراع الفرنسي التركي على هذه المنطقة التي تطمح كل قوة من القوى المتنافسة على الاستفادة من ثرواتها الاقتصادية، فالبلد الواقع في شمال إفريقيا مرتبط بشكل عضوي مع المحتل وفق اتفاقيات تاريخية. إضافة إلى أن المعارضين للتقارب التركي التونسي، يحرصون على إبقاء تونس تحت مظلة فرنسا الشريك التقليدي للبلاد (80% من التعاملات التجارية تصديرًا وتوريدًا) لعدة اعتبارات ثقافية (الفرنكوفونية) وحتى العلاقات الشخصية التي تربط بعض السياسيين وامتيازاتهم المادية ( بعض الوزراء لهم جنسية مزدوجة)، لذلك هم حريصون على وضع العصا في عجلة التقارب من خلال استعراض أسباب واهية وغير منطقية، فمرة يتعللون بعودة "الاحتلال" العثماني وأخرى بقيمة العجز التجاري المسجل بين البلدين والذي يقدر بـ595 مليون دولار، الأمر الذي دفع النواب التونسيين، قبل زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان، إلى تقرير زيادة الرسوم الجمركية على السلع التركية إلى 90%، وأثمرت الزيارة وعدًا من الأتراك بشراء كميات من الفوسفاط وزيت الزيتون من تونس[17].
وعلى الصعيد الإقليمي يشكل دعم تركيا للثورات الربيع العربي وتقاربها للحركات الإسلامية عمل استفزاز للأطراف الرسمية المتضررة من تلك الثورات والتي رات في موقف تركيا إضرارا بأوضاعها ومصالحها ما دفع لمواقف سلبية تجاه تركبا وسياساتها في المنطقة. ومـع تغيـر أولويـات السياسـة الخارجيـة التركيـة نحـو المنطقـة العربية والإسلامية عموما خلال العقد الماضـي، اعتبـرت القاهـرة، ومعهـا السـعودية، أن أي نفـوذ تركـي فـي المنطقـة هـو خصـم مـن نفـوذ القـوى العربيـة. ومـن ثـم بـات التصـدي للـدور التركـي هـو أحـد المحـركات الرئيسـية للسياسـة الخارجيـة المصريـة خاصـة منـذ الانقلاب العسـكري عـام 2013.
في سياق محاولة تحجيم الدور التركي في المنطقة وعرقلة مشروعها الاقليمي أطلق محور تحالف الثورة المضادة هجمة شرسة على سياسة تركية الجديدة واتهامها بالسعي لتحقيق أهداف توسعية ووصمها بالعثمانية الجديدة ". ومن تجليات ذلك في الساحة التونسية موجة الهجوم المبرمجة في الاعلام وفي البرلمان في الاعلام والمجتمع المدني التونسي بتوجيه وتحريض من الجهات الأكثر تضررا من السياسية الجديدة التركية، خاصة إذا تبعنا التحول الاستراتيجي للسياسة الخارجية التركية في علاقة بالحوض الجنوبي للبحر لمتوسط، فلقد أصبح مصطلح " الوطن الأزرق" متداول كثيرا في ادبيات القيادة التركية وهو فيما يعني تطوير وتأمين مصالح التركية البحرية والتنافس الجيوسياسي في المنطقة.[18] وحيث أيضا لم تعد البيئة المحيطة بتركيا مناسبة لنظريات مثل "تصفير المشاكل" أو استخدام القوة الناعمة حصرا في السياسة الخارجية «وأصبحت تجنح أكثر نحو سياسة إقليمية أكثر انخراطا ومبادرة والتحول نحو انتهاج القوة الصلبة بشكل ممنهج إلى جانب القوة الناعمة المعتمدة قبل ذلك حصرا." [19]
لقد أصبحت تونس مركز جذب للاستثمارات التركية ولرجال الأعمال الأتراك.  وهو ما يترجم رؤية تركيا إلى تونس على أنها من أهم المناطق المناسبة للاستثمار خاصة بعد التغيرات السياسية والانتقال الديمقراطي. وأن تكون تونس بوابة ومنطلقاً نحو ليبيا ونحو شمال أفريقيا كلها وهو ما لم يقنع فئاتٍ واسعةً من النخب التونسية التي بقيت مسكونة بالهواجس الأيديولوجية على حساب ما يمكن أن يكون ذلك مساعدا لتونس للخروج من أزمتها المالية والاقتصادية الصعبة.
لقد تغيرت خيارات السياسة الخارجية التونسية بعد الثورة نحو التحرر من مربعات التعاون الدولي برؤية براغماتية باتجاه فسح المجال للفضاء الخارجي التونسي ان يتوسع أكثر من الحليف الأوروبي الذي يعتبر الحليف الاستراتيجي الدائم لتونس منذ بدايات الدولة الحديثة وفي قلبها فرنسا ولذلك شرعت تونس في البحث عن حلفاء جدد ومسارات علاقات دولية جديدة تفك بها المراهنة على جهة واحدة خدمة لمصالحها وفتحا لأفاق جديدة اقتصادية ودبلوماسية.من هنا تم تطوير العلاقة مع دول من خارج الشركاء السابقين ومنهم تركيا التي قد ترتقي إلى أن تكون  الحليف الاستراتيجي القادم لمنطقة المغرب العربي.[20]

الخاتمة
سيلعب المتغير الثقافي والحضاري دورا مؤثرا في العلاقة التونسية التركية، فهو المادة المشتركة الجامعة والخيط الناظم الذي به ستستمر هذه العلاقة وتتطور باتجاه تعاون استراتيجي عميق، حتى تقارب الأعلام شكلا ولونا وتقارب العائلات التونسية ذات الأصول العثمانية والألقاب التركية كل ذلك له تأثير نفسي على طبيعة العلاقة وتطورها إلى تحقيق وحدة المصير الأخوي المشترك، ولقد سبق وأن كان المصلح التونسي خير الدين باشا، الصدر الأعظم، أيام الخليفة عبد الحميد الثاني بعد أن كان الوزير الأكبر في تونس وهي دلالة قوية على عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية  وعلى أرضية التفاعل الحضاري التونسي التركي نحو استكمال مشروع حضاري تحرري في المنطقة.

د. كمال الصيد (باحث تونسي)

 

 

[1]  منهجية إدارة الجامعة العربية والتعاطي مع ملف القضية الفلسطينية مثالا

[2]         لخص مبادئها كتاب " العمق الاستراتيجي موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية " احمد داوود أوغلو: في ستة: التوازن السليم بين الحرية والامن، وتصفير المشكلات مع دول الجوار، والتأثير في الأقاليم الداخلية والخارجية متعدد الابعاد، والدبلوماسية المتناغمة، وإتباع أسلوب دبلوماسي جديد.

[3]  العمق الاستراتيجي موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية

[4]   تصريح صحفي لوكالة الاناضول سنة 2016 /22/اوت

[5]  انظر خطابات أردوغان السنوية امام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

[6]  في مقال له في صحيفة "ديلي صباح"،

[7]    أ. د. بـوحنية قوي -أكاديمي جزائري متخصص في تحولات الدولة، إفريقيا في الاستراتيجية التركية الجديدة موقع الجزيرة نات بتاريخ 28 سبتمبر 2016 /           https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2016/09/160928120703136.html#a12

[8]    المصدر السابق

[9]    مظفر مؤيد العاني، تركيا والقارة الإفريقية.. علاقات متنامية، http://www.turkey-post.net/p- 122206، تم الاطلاع على الموقع يوم 17سبتمبر/أيلول 2016

[10]   أحمد داود أوغلو، العمق الاستراتيجي، وقْع تركيا ودورها في الساحة الدولية، ترجمة: محمد جابر ثلجي/طارق عبد الجليل، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة ،ط1، 2010

[11]   محمد الحبيب الهيلة، المفتي أبو القاسم عظوم في عصره، لمعة نور في عصر آفل، المجمع التونسي للعلوم والآداب والثقافة، بيت الحكمة، سنة 2009.

[12]   نفس المصدر

[13]  انيس العرقوبي، العلاقات التونسية التركية الأيديولوجية والفرص المهدورة، نون بوست، 15/04/2020.

[14]   د. الهادي جلاب، إشارات حول العلاقات التونسية التركية، يومية المغرب التونسية يوم 20/12/ 2019.

[15]  وكالة اناضول للأنباء

[16]  زبير خلف الله، موقع ترك براس مقال:" قراءة في العلاقات التونسية التركية من زاوية مختلفة "الزيارة 15/06/2021.

[17] انيس العرقوبي، العلاقات التونسية التركية الأيديولوجية والفرص المهدورة، نون بوست، 15/04/2020.

[18]  المصدر السابق

[19] . سعيد الحاج قراءة في المشروع الإقليمي التركي، موقع  مركز المعهد المصري للدراسات.

[20]  انظر الاتفاقات الأخيرة بين تركيا والجزائر خاصة في مجال الملاحة والتعاون البحري التي كانت معطلة منذ أكثر من عشرين سنة ولم يوقعها الرئيس بوتفليقة منذ توليه الرئاسة .

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك