القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الديموقراطية والخيارات المفتوحة في تونس

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-03-18 11:49:00 | 899 مشاهدة

ملخص
تواجه التجربة التونسية وديموقراطيتها الوليدة مخاطر كبيرة جراء السعي الحثيث داخليا وخارجيا إلى إجهاضها في حملات ليست جديدة تقودها ذات الأطراف المعادية للثورات العربية وللحرية والديمقراطية خاصة في الدول التي تخشى من انتقال عدوى الحرية والديمقراطية إلى شعوبها. فلقد أتاحت ثورة تونس فرصة حقيقية للتحرر والنهوض غير مسبوقة في التاريخ العربي المعاصر. كما سلمت من كلّ المطبّات التي واجهتها وأفشلت نظيراتها في سوريا ومصر وليبيا واليمن إذ كانت ثورة خاطفة وسلميّة أسقطت النّظام ولم تسقط الدّولة ووحّدت الشعب تحت الراية الوطنية وعلى قضايا الوطن ورفعت سقف التطلّعات عاليا إلا أن تعالي بعض الأصوات التي تحن إلى الماضي وتمجّده وتسعي جاهدة إلى تحويل وجهة المسار الديموقراطي إلى خيارات المجازفة والمخاطر أصبحت تبشر علنا بعودة الدكتاتورية والقمع وسلب الحريات وإقصاء الآخر. فهل تنطلق من تونس موجة تصحيحٍ للثورة تستكمل مسارها وتقطع الطريق أمام المتربصين بالبلاد وثورتها وتمنع أذيال الاستبداد من اغتيال الحلم الوطني؟

مقدمة
تواجه التجربة الدّيمقراطية في تونس بعد اكتمال عقدها الأوّل عديد المصاعب نتيجة غياب الوعي بالتحدّيات الحقيقية التي تواجهها البلاد والأوليات التي يجب تناولها بالدّرس إذ تسوّق بعض النّخب السياسية  بوعي أو بغير وعي صورةً مشَوّهة للدّيمقراطية تكاد تختزلها في قضية انتخاباتٍ دورية وتداولٍ سلميٍّ على السلطة ورفعٍ لشعارات الوطنية والحرية وحقوق الانسان وبذلك تبتعد بها عن المسارات الواقعية التي لها مساس عميق بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية في مسار متلازم يضمن شروط النجاح لهذه التجربة الوليدة بما يجذّر  قيم الدّيموقراطية الأصيلة في مجتمع لم يقطع صلاته وعلاقاته مع ثقافة الاستبداد وأساليبه  إلا حديثا وهو ما يؤكّد أن الصّراع في عمقه وجوهره هو صراع بين خيار الديمقراطية اليافعة والاستبداد المتمكّن إذ لا خلاص للبلاد إلا بنظام ديمقراطي قوي قادر على هزم المشاريع الفوضوية والقطع نهائيا مع السياسات القديمة الجامدة والمجمدة  التي أثبتت فشلها وإفلاسها قبل الثورة وبعدها.
قد لا ينتبه المدافعون عن مسار  بناء الديمقراطيّة أنّ غياب مرجعية توافقية جامعة للتونسيين يتم الاحتكام إليها عند الأزمات هو أخطر ما يتهدّد التجربة التونسية مع تعالي الأصوات العبثية واستشراء الخطابات الشّعبوية  في قطيعة تامة مع أبرز عناوين الحركة الوطنيّة باستهداف الدستور  الذي مثل منعرجًا هامًا في تاريخ البلاد واستهداف البرلمان  بوصفه دعامة البناء السياسي الوطني واللبنة الأساسية في  الإصلاح والتغيير  والذي يتم بواسطته حل مشكلات الوطن من خلال التوافق في رحابه على الخيارات الكبرى وسن القوانين والتشريعات  القادرة على استيعاب تحديات المرحلة. ولن يتم ذلك إلا بالقطع مع العداوات الايديولوجية الصماء ومحاولات البعض المتكررة  إقصاء مجموعات كبيرة من التونسيين  بسبب افكارهم أو انتماءاتهم في ظل العجز على إدارة الخلافات السياسية والفكرية والإيديولوجية  بالوسائل الحضارية   والمدنية والانخراط في أجندات مشبوهة والارتهان لجهات اقليمية تعمل ليلا نهارا لإفشال التجربة الديموقراطية الناشئة في تونس بشكل مفضوح.
وقد لا ينتبه التونسيون كذلك إلى الدعوات المعادية للثورة والمناهضة للخيار الديموقراطي والتي تسوق للاستبداد من خلال تجميل صوره  والبكاء على أطلاله توازيا مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه تونس والمشهد السياسي المتأزم بالدعوة صراحة أو تلميحا الى الانقلاب على الديموقراطية من قبل شخصيات فاعلة  ومؤثرة في قلب المشهد الحالي أو من شخصيات عامة أخرى كان لها تأثير سابق في المشهد السياسي التونسي وأصبحت تطالب بالانقلاب على نتائج الانتخابات تحت عناوين  مختلفة كالحديث عن الخطر الداهم وارتفاع الأصوات المنادية بضرورة تدخل رئيس الجمهورية لوضع حد للصراعات السياسية بتعليق أشغال البرلمان وحله وتفعيل الفصل 80 من الدستور التونسي. إن دعاة الانقلاب على الشرعية الدستورية والقانونية من عبيد الاستبداد إنما يحاولون استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة والاختلاف بين مكونات الحكم وأزمة تفشي كورونا لإسقاط الحكومات المتعاقبة وافتكاك السلطة والانقضاض عليها. فهل يعي التونسيون حقيقة الخطر الداهم فعلا جراء هذه الدعوات والخسارات المتوقعة من أي ردة محتملة ؟

1/ الاستبداد واغتيال الحلم الوطني
لم تفقد التجربة التونسية تفردها في المنطقة العربية بعد عشر سنوات من اندلاعها وحافظت على مسارها رغم بعض التعثر  ولم تنخرط في الاقتتال الداخلي المسلح على شاكلة ما وقع في ليبيا وسوريا واليمن إلا أن تحجيم سياقات الثورة  كان واضحا جليا لكل متفحص في الاحداث المتعاقبة خاصة مع ظهور  العمليات الارهابية التي ساهمت في خفض نسق الثورة  وكرست حالة من عدم الاستقرار استثمرته المنظومة القديمة لصالحها وتصدرت المشهد في انتخابات سنة 2014 بفوز  نداء تونس الذي لم يصمد طويلا أمام الواقع الجديد واختفى بل وتلاشى جراء استعادته للأساليب القديمة التي رفضها الشعب ولفضها ولم تعد صالحة في واقع متغير قطع مع التعتيم والإقصاء واستهداف المعارضين. وقد كان إجهاض الثورات مسلكا قديما ومستعادًا  في تونس. فقد تم إجهاض مشروع التغيير المعروف منذ خمسينيات القرن التاسع عشر بدستور عهد الأمان وتم إجهاض الثورة المسلحة التي قادها علي بن غذاهم وتم كذلك إجهاض مشروع خير الدين باشا الإصلاحي وتلاه إجهاض المشروع الوطني الذي أسسه العلامة عبد العزيز الثعالبي  مثلما تم الانحراف بمسار الاستقلال وبه ضيعت الدولة الوطنية فرصة الانعتاق والتحرر  وارتمت في احضان الاستبداد وحكم الأفراد.
لقد أصبحت الحرب على الثورة مكشوفة بعد أن تبين للجميع أن القضاء على رأس النظام الاستبدادي لم يكن كافيا للقضاء على خيار الاستبداد برمته. فقد بقيت الدولة العميقة محافظة على عافيتها وعنفوانها وتشابكات مصالحها مع  أجندات داخلية  لا علاقة لها بهموم وأولويات التونسيين واستثمرت في مناخات الحرية والديموقراطية  من أجل ترذيل الثورة ورموزها وإظهار الحرية في مظهر الفوضى العارمة من أجل الوصول بالناس إلى اعتناق اليأس بعد أن نجحت معاول الهدم وتزييف الوعي العام مدعومة بآلة إعلامية منحازة وغير محايدة  في دفع الناس إلى الاصطفاف وراء  قادة جدد تصنعهم الاطروحات الشّعبوية التي لا تنتج الا الخديعة والوهم. وقد تعمقت تلك الصراعات الداخلية وتعقدت بدخول قوى أجنبية على الخط بالدعم والتمويل المفضوح بمحاولات إفراغ الثورة التونسية من محتواها والحيلولة دون نجاحها ديدنها الوحيد وهدفها الأوحد هو تفضيل دولة الاستبداد والقمع على دولة الانتخابات والصناديق. وكادت في مناسبات عديدة أن تدفع بالبلاد إلى أتون الحرب والاقتتال من أجل تحويل حلم الثورة إلى لعنة تثقل كاهل الشعوب   وتغرقها في أتون الصراعات التي لا تنتهي وما ينعكس عن ذلك من تفش للفقر  ومظاهر التخلف والفوضى رغم اقتناع الجميع بأن كلفة الاستبداد أعلى بكثير من أي تكلفة للتغيير والتوق للانعتاق.
لقد نجحت معاول الفوضى في اغتيال الحلم المصري وتحويل الثورة هناك إلى كابوس بعد أن أبهر الشعب المصري العالم بانتفاضة شعبية بدت وكأنها نهاية لستة عقود من الحكم العسكري. فقد تحولت مصر منذ أن تم تحويل وجهة نضال شعبها السلمي من أجل الكرامة والحرية والعدالة إلى صراع داخلي تغذيه النعرات والأكاذيب والشعارات الشعبوية  إلى بؤرة مظلمة مكنت قوى الثورة المضادة والمنتفعين من الفساد والاستبداد من البلاد والعباد. وأدى ذلك إلى غلق المجال السياسي وتحكم الأجهزة الأمنية فيه وتخريب مؤسسات الدولة واختراق الأحزاب وتزوير الانتخابات واعتقال عشرات الآلاف من الأبرياء. لقد أصبحت مصر  جراء ذلك عالقة في مخالب الاستبداد من جديد وتحولت الانتخابات فيها إلى مجرد مناورة محبطة في ضوء الخيارات المحدودة المتاحة للمصريين خاصة وأن الجيش عاد إلى ترسيخ سلطته وحاز على امتيازات كبيرة ووسع إمبراطوريته التجارية المترامية. وقد أشارت عديد الصحف أنه منذ الانقلاب الذي حدث في مصر سنة 2013 وأزاح رئيس البلاد المنتخب محمد مرسي من السلطة، أصبح كل من رفع صوته منتقدا الانقلاب عرضة للقمع. هذا القمع الذي بدأ بجماعة الإخوان المسلمين لكنه انتهى بضرب كل المعارضة بما فيها الليبراليين واليساريين الذين كانوا سندا للانقلاب وظهيرا له.

 

2/ خيارات الحرب و درب الدّمار الشامل
لم يشهد العالم العربي منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها خراباً مماثلاً للذي تعيشه عديد البلدان العربية منذ أن زلزلت الأرض زلزالها وأطاحت الثورات بعروش أنظمة مارست الاستبداد والظلم طيلة عقود وضيعت على شعوبها فرصة النّماء والاستقرار والتطور. لقد بلغ العنف في هده البلدان حداً غير مسبوق من الوحشية والهمجية واللامبالاة بمصائر الشعوب.  وبدأ في التصاعد والاحتدام ليلقي بظلاله على  البلدان التي تنعم بالسلام ولو بصورة نظرية. لقد تمكن صناع الحروب من اختراق قيم لطالما كانت راسخة وزعزعت أسس مجتمعية لطالما كانت متينة وغير  قابلة  للسقوط أو التداعي. لقد أصبح العنف المنفلت من كل عقال والذي يجتاح أوطان العرب منذ سنوات مجرد عينة لما قد يأتي نتيجة التحريض المتواصل وإثارة النعرات وتقسيم روابط الامة والارتماء في أحضان سماسرة الحرب وقطاع الطرق المتربصين بكل نفس للتحرر والانعتاق . فالصراع الدموي الذي نشهده راهناً وتمسك أنظمة الاستبداد بالسلطة واستعدادها لحرق الأخضر واليابس من أجل البقاء يؤشر ان أن مأساة العرب لا تزال مستمرة وتؤذن بخراب العمران إن لم تستيقظ هذه  الشعوب من غفلتها لتبادر  وتتصدى لكل ما يحاك ضدها.

لقد مزق الاقتتال في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن مجتمعات بأكملها. وأنهت أعمال التطهير العِرقي التي يمارسها المتطرفون  والمتسلطون قروناً من التمازج الديني والعرقي والثقافي و أجبرت ملايين الأشخاص على ترك ديارهم قسراً. فبالرغم من كونها مسقط رأس خمسة بالمئة فقط من سكان المعمورة فقد لفظت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكثر من ثلث اللاجئين على مستوى العالم وأجبرتهم على النزوح عنوة من قراهم ومدنهم إلى مناطق داخلية أخرى أو عبر الحدود الدولية. وقد يكشف الواقع الحالي في البلدان العربية تباينات  حول التجارب والمسارات والمصير لكن  الإجماع يبقى قائما على أن تونس هي الوحيدة من بين بلدان الربيع العربي في موجته الأولى من استطاعت الصمود والبناء على المكتسبات التي تحققت منذ سقوط نطام زين العابدين بن علي مستفيدة من عوامل عدة خصوصاً في ما يتعلق بالتوازنات السياسية التي تكرست منذ الثورة من دون أن يكون الخطر بعيداً عنها في ظل ما تشهده أخيراً من  تنامي دعوات التحريض على الانقلاب على المؤسسات الدستورية واستدعاء الجيش للتدخل وحنين البعض لعهود حسم الشعب في مصيرها منذ زمن.

لقد حول الصراع العبثي سوريا إلى بلد مدمَّر وساحة مفتوحة للقتل اليومي وتشريد وتهجير للملايين من السكان. وأصبحت البلاد مهددة في سيادتها ومرتهنة لقوى خارجية بعد تدخل عديد الدول في الصراع القائم.  فقد تم إغراق البلاد بالمليشيات من أجل قلب المعادلة العسكرية على مدى السنوات الماضية لصالح النظام فضلاً عن بروز الجماعات المتشددة التي كانت إلى جانب النظام العائق الأكبر أمام استكمال الثورة وسط تشتت المعارضة السورية وارتهانها للخارج وانخراطها في عسكرة الثورة وفوضى السلاح. وبقيت ليبيا ولمدة عقد كامل من الزمن عاجزة عن تحقيق طموحات الليبيين من الثورة إبان انتفاضتهم على نظام العقيد معمر القذافي. فقد بات قرارهم بيد أطراف خارجية تؤثر في مفاصل البلاد المنقسمة لفترة طويلة بين حكومتين وبرلمانين  وبعثة أممية تسيطر على مشاهد البحث عن الحلول من دون أن تتمكن جهوده من لملمة شتات هذه السنين وهي تسير في حقول من ألغام الأزمة المتراكمة وقعقعة سلاح يسمع صوتها في كامل أرجاء البلاد التي أصبحت ساحة صراع للميليشيات المسلحة المتنافسة على السلطة والتي استدعت بدورها قوى إقليمية ودولية مما حول البلاد إلى ساحة نزاع إقليمي وحروب تخاض بالنيابة. كما تعرضت ثورة الشباب السلمية في اليمن  لعدد من الإرهاصات التي أدت إلى فشلها في تحقيق الأهداف التي رفعتها مع تفتت مؤسسات الدولة خلال الحرب وتشرذم اليمن بشكل عام بين جماعات مسلحة والدور السلبي للقوات المسلحة والانقسام الذي ضربها منذ الأيام الأولى لتشكل ساحات الثورة، باتت الانتفاضة الشعبية مجرد ذكرى وشعارات صعبة التحقيق. وتقف الثورة في قفص الاتهام بأنها السبب في ما آلت إليه الأوضاع داخل البلاد من حرب مدمرة وخلق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية بالعالم. فالحرب التي يستسهل البعض اشعالها تبقى صعبة الإخماد وتبقى نتائجها غير متوقعة وقد تقذف بأي بلد إلى رحى التخلف والانحطاط التي لا خلاص منها ولا مناص.
3/ الشعبوية  والطريق إلى المجهول
يعتبر الخيار الشعبوي أشد فتكا بالشعوب ومصالحها. فالسياق العالمي أصبح ميالا  للشعارات الشعبوية. وتونس ليست استثناءً في هذا المجال. إذ تشهد الساحة الدولية صعودًا ملفتًا للشعبويين في كل مكان. ولقد كثُر استعمال كلمة الشعبوية في تونس منذ مدة إلا أن هذا المفهوم فقد قدرته على تشخيص الواقع وأصبح مجرد حكم تقييمي مرادف للديماغوجيا وكره الأجانب والخطر المهدد للديمقراطية بل أصبح وفق العديد من  الملاحظين نقطة التقاء المتطرفين في استغلالهم للمشاعر واستعارتهم لمفهوم الشعب لتمجيد غرائزه وإثارة شهواته. لقد أصبح المشهد في كثير من الأحيان أقرب إلى التهريج منه إلى مناقشة القضايا العامة. فقد بدا لافتاً تنامي هذه ظاهرة في الساحة السياسية التونسية وأصبحت بفضله مؤسسات الدولة مساحات للمزايدات السياسية والخطابات العاطفية البعيدة عن منطق الواقعية السياسية والإمكانيات الحقيقية للدولة. وقد طغى على الساحة خطاب وجداني شعبي ملؤه الشعارات الرنانة والمتاجرة السياسية في عذابات الناس وتخوين الآخر في محاولة لاسترجاع الماضي والحنين إليه معتمدين على تنامي الامتعاض من  السياسية التقليدية في مجابهة الأزمات التي عاشتها البلاد، وقد مضى البعض في تغذية مشاعر العداء والاستعداء وصنع العداوات الوهمية لتبرير  رؤيتهم الإقصائية وميولاتهم المبنية على الكراهية واحتقار المنافسين.
تشهد تونس صعود حركات رجعية تستحضر الحنين إلى النظام القديم وتسعى إلى العودة إلى الماضي الاستبدادي لحكم الرجل الواحد بدلاً من التعددية والتوافق في إطار نظام ديمقراطي. وقد ساهم المناخ الحالي في تونس  وتفاقم الأزمة الاقتصادية والاضطراب الاجتماعي في ازدهار بضاعتهم. إن رواياتهم الخطيرة مبنية على معارضة مجموعة متجانسة من الناس سواء كانت من النخب أو الأقليات أو أي وجهة نظر بديلة وتعتمد مهاجمة المؤسسات الديمقراطية والمسؤولين المنتخبين والأحزاب السياسية وتعطيل عملهم وتغذية فكرة إنه يمكن معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة والعميقة من خلال العودة إلى حكم الرجل القوي أو تنصيب "ديكتاتور طيب" أو "مستبد عادل". وقد لا يخفى عن العين المجردة أن الداعمين لوجهة النظر هذه هم من الفاسدين المتمترسين في المؤسسات العمومية وخاسري الانتخابات  من اليسار المتطرف والموالين للقوى الخارجية والإعلاميين المرتزقة والمافيات النافذة للرأس المال اللاوطني والمهربين والنخب الفاسدة في محاولة للعبث بمستقبل تونس وأمنها مستعملين كل الوسائل لتحقيق أهدافهم بما في ذلك الاضرابات والاعتصامات في مواقع العمل وصولا إلى الاغتيالات السياسية وتمكين الإرهابيين من اختراق الحدود بدعم وتحالف من المخابرات الأجنبية لبث البلبلة في تونس ودفع شعبها لليأس والقنوط.
لقد حذر العديد من المفكرين من خطر الخطاب الشعبوي فقد حدد عزمي بشارة أن أحد المعالم الرئيسية للشعبوية هي رفض المؤسسات الوسيطة التي تقع في المسافة بين الزعيم أو القائد على رأس السلطة السياسية والمجتمع. ويتخيّل الزعيم الشعبوي دائما العلاقة بينه وبين الجماهير علاقة مباشرة دون أي وساطات من مؤسسات أو مجتمع مدني. لذلك تحتقر النظرةُ الشعبوية للسياسة الأحزابَ ومؤسسات المجتمع المدني وحتى الإعلام والصحافة المستقلة عن سلطة الدولة حيث تنتشر فعاليات المؤتمرات الجماهيرية الحاشدة والاستفتاءات الشعبية المباشرة ويلتحم الزعيم بالشعب بديلا عن الممارسة السياسية الحزبية والبرلماني.. وقد كتب عالم الاجتماع الارجنتيتي ذو الاصول الإيطالية جينو جرماني عام 1956 حول الأرجنتين فيما يشبه النبوءة لما سيشهده العالم اليوم : "توجد ظروف لكي تتحول ديمقراطية الأقليات التي تنتمي لماضٍ قريب إلى ديمقراطية يشارك فيها فعلا الجميع وإن لم ننجح في هذه الخطوة الأمامية الحاسمة، فقد نسقط في استبداد أسوأ من استبداد حكم الأقليات الماضي".

الخاتمة
لم يكن الوضع في تونس قبل الثورة مغايرا لما كان عليه الوضع العربي عموما. فقد كان نصيبها من الاستبداد وتبعاته السيئة وافرا وكبيرا  سواء على اقتصادها وثقافتها وتعليمها .وكانت نقاشات النخب آنذاك  تتجاوز  المسألة الديمقراطية في حد ذاتها و ترتيبات الانتقال الديمقراطي والمشاركة السياسية والتداول السلمي على السلطة وغيرها من إشكالات الواقع العملي الى  مناقشة جوهر المشكلة وهو غياب الديمقراطية أصلا وكيفية فرضها على الأنظمة الكليانية الشمولية المتعاقبة. وظل مطلب الديمقراطية بما تعنيه من تعددية حزبية ومشاركة سياسية وتداول سلمي على السلطة وسيادة للقانون وبسط للحريات العامة والخاصة ملازما للحركة السياسية التونسية بأحزابها ومنظماتها المدنية وتياراتها الفكرية الكبرى رغم الحصار المطبق على حركتها وأنشطتها وعلاقاتها بجمهور الناس. وكانت أولى إنجازات الثورة التونسية هو وضعها لمطلب الديمقراطية في قلب الحركة الثورية بإلغاء دستور 1959 والانطلاق في عملية تأسيسية جديدة وكتابة دستور جديد يضمن الحريات ويكرس واقعا ديموقراطيا يتأسس على تقاسم السلطات بما يمنع عودة استبداد أي فرد بالسلطة المطلقة وسد المنافذ أما دكتاتورية الأفراد والأحزاب معا.
بعد مرور عشر سنوات على بداية التجربة التونسية التي أمنت خلالها البلاد انتقالاً ديمقراطياً ناجحاً تواتر ت الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وحالة الفوضى الأمنية في المحيط الاقليمي ومخاطر الإرهاب واستفحال جائحة كورونا  وهي عوامل جعلت هذه الديمقراطية الناشئة على حبل مشدود وفي حاجة لضمانات قوية ربما تتجاوز قدرات الدولة لضمان نجاح نموذج الانتقال الديمقراطي للسلطة. ومع أن البلد الذي قاد انتفاضات الربيع العربي، كان الوحيد الذي نجح في تنظيم انتخابات ديمقراطية ونزيهة وتأمين انتقال سلمي للسلطة. فإن هاجس الخوف من الارتداد لا زال يسيطر على قطاعات هامة من النخب والمعارضة وحتى من هم مشاركون في السلطة. وأصبحنا نستمع إلى عديد الأصوات التي تنادي بتغيير النظام السياسي وتنقيح الدستور وهي دعوات لا تخلو من مشروعية مع تواصل تردي الأوضاع المعيشية إلا أن أكثر هذه الدعوات تطرفا ما أصبح يمجد الماضي ويحن إلى عهود مضت ويسعى إلى  إعادة تشكيل الثقافة السياسية التي يراد بواسطتها إجهاض تجربة الانتقال الديمقراطي برمته و جملة القيم والصور التي تمت صياغتها بما فيها من فاعلين وقوى وأطروحات وتنتهي إلى صياغة حالة من اليأس والنقمة على الثورة التي عرفتها البلاد وهو ما قلص هامش المناورة حول خيارات الشعب.
تبقى الديموقراطية رغم كل ذلك الخيار الأقل كلفة أمام أخطار الوقوع تحت براثن الاستبداد من جديد ولو نحج موالوه في تلميعه وتسويقه بديلا هن الوضع الحالي أو الدخول في نزاعات مسلحة لا قدر الله تزيد من تقسيم الشعب وتعميق مشاكله أو الانخراط في مسارات الشعبوية وبيع الوهم للناس. ويبقى الخطر الحقيقي المحدق بالديمقراطية ذاك التنافس المحموم بين السلطات. فالأصل هو الفصل فيما بينها والتوازن أيضا حتى نضمن لأعمالها ومشاريعها الفاعلية والكفاءة والسداد. ولكن الخطر يكون قائما عندما لا تقوم كل سلطة بوظيفتها الأصلية وتتمادي في الجور على السلطات الأخرى أو تعطل أعمالها وهذا خطير مهما كانت الغايات ومهما كانت المبررات.

عبد الباسط الشايب  (باحث وإعلامي تونسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك