القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحوار الوطني المنشود

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-12-15 13:18:00 | 1429 مشاهدة

المقدمة:

تصاعدت في الفترة الأخيرة وتيرة الأصوات الداعية إلى حوار وطني كحل لمعالجة حالات التجاذب والتوتر والعلاقات الحادة بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية والمجتمعية عامة.

وقد تباينت الاقتراحات للحوار الوطني المطلوب بين من يدعو إلى حوار اقتصادي أو حوار اجتماعي أو حوار سياسي أو سياسي اقتصادي واجتماعي.

وفي هذا السياق تطرح مجموعة من الأسئلة لعل من أبرزها:

  • ما هي دواعي الحوار المطلوب؟ هل البلاد في حاجة إلى حوار؟ ما هي خلفيات الأطراف الداعية  للحوار الوطني؟أي حوار وطني نريد؟ هل أن الأولوية للحوار الاقتصادي الاجتماعي؟ أم أن الحوار السياسي ضروري لمعالجة الصعوبات الاقتصادية والاحتقانات الاجتماعية؟

 

ضرورة الحوار الوطني:

تؤكد مجمل المعطيات المتعلقة بالأوضاع العامة في البلاد وخاصة منها الصعوبات الاقتصادية والاحتقانات الاجتماعية وما تشهده البلاد من حراكات وتكوين تنسيقيات أن الحوار اليوم بات مسألة وطنية ملحة وعاجلة.

لقد كانت نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2019 دالة بما فيه الكفاية لضرورة التأسيس لحوار يسمح بإرساء توافق وطني عريض وحزام سياسي يمكن البلاد من الاستقرار والإنجاز خاصو وأن أغلب أهداف الثورة التنموية مازالت معلقة وطال أمد انتظارها وكادت تضيع وسط تهافت التجاذبات والصراعات ومحاولات إرباك مسار الثورة ونسف التجربة الديمقراطية التونسية الوليدة والتي ظلت طيلة عشر سنوات في مرحلة التنشئة والرعاية أمام هول عواصف القوى المعادية للثورة وللديمقراطية الأمر الذي أطال أمد الانتقال الديمقراطي وأجل أمد الانتقال التنموي الاقتصادي والاجتماعي.

لم تفرز انتخابات 2019 أغلبية حزبية أو ائتلافية واضحة وقارة .. مما جعل تكوين الحكومات مسألة في غاية التعقيد والحساسيات الحزبوية والسياسوية وقد طغت هذه الحسابات بقوة في مسارات تشكيل حكومات السادة الجملي والفخفاخ والمشيشي على حد السواء وبلا استثناء .. وكان دور السيد رئيس الجمهورية في مسارات تشكيل الحكومات الثلاثة المذكورة مثيرا للجدل وحتى اعتبره البعض مساهما في ارتفاع حدة التجاذبات.

لقد فرضت نتائج انتخابات 2019 ضرورة البحث عن آليات أخرى لمحاولة إيجاد حل لهذا الوضع السياسي المحتقن والذي زاد الحالة الاقتصادية ارتباكا والحالة الاجتماعية احتقانا. وقد ازداد الوضع استفحالا نحو الأسوأ إثر تفشي وباء الكوفيد 19 فعرفت البلاد صعوبات إضافية صحية واقتصادية وازداد الضغط الاجتماعي ترديا وتفاقمت الأزمة المالية من خلال غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية والنقص في الأدوية والأغذية..

لقد بين تفاقم تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتردي الحياة السياسية أن الحكومات التي لا تحظى بحزام سياسي قوي وبأغلبية برلمانية كبيرة لا يمكنها الخروج بالبلاد من حالة التأزم وغير قادرة على العمل والإنجاز في ظل غياب أرضية وتوافق وطني عريض يرسي حالة الاستقرار التي يتطلبها المشروع الوطني التنموي.

إن البلاد في حاجة أكيدة إلى الحوار الوطني خاصة في ظل امتداد حالات التجاذب والارتباك والصراعات في مختلف المؤسسات السيادية للدولة وخاصة البرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية إضافة إلى الأحزاب سواء الممثلة في البرلمان أو غير الممثلة فيه .. وكذلك المنظمات الوطنية وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل اعتبارا لثقله الاجتماعي ووزنه السياسي كشريك وطني معني بالحياة الديمقراطية وبالتنمية والتوازنات.

لا شك في أن البلاد في حاجة إلى الحوار .. والحوار هو السبيل الوحيد لتحقيق التفاهم والتوافق والمشاركة الواسعة والاستقرار.

اليوم هناك أزمة سياسية حادة في البلاد بين مختلف مكونات المجتمع يمكن تقسيمها إلى طرفين كبيرن:

  • طرف يراهن على مواصلة التجربة الديمقراطية وتعزيز مكاسبها رغم هناتها والإقرار بأن منجزها الاقتصادي والاجتماعي ناقص.
  • طرف آخر يعتبر أن هذه التجربة قد وصلت إلى منتهاها ويلوح بمغامرات سياسية تدعو إلى التخلي عن المنظومة السياسية القائمة ويعادي بشكل سافر دور حركة النهضة في هذه المنظومة. إن تفكك الدولة الآن هو الخطر، وسوف نبقى في معاناة مسترسلة وفي حوارات سطحية إذا لم نخرج من مربع هذا الصراع الثنائي بين قوى مساندة وقوى معادية أخطر ما فيها تلك التي تدعو بكل صفاقة إلى العودة إلى النظام القديم. إن النقاط الثلاثة وستين التي مثلت مخرجات حوار قرطاج تشتمل تقريبا على كل الحلول الممكنة لمعالجة الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. لكن الإشكالية الحقيقية سياسية بامتياز كما كانت النقطة 64 في حوار قرطاج.

الأطراف المعنية بالحوار:

لا شك أن الحوار الوطني ضرورة ملحة ومطلب عاجل .. ولئن كان العنوان الكبير لهذا الحوار هو الجانب الاقتصادي والاجتماعي، فإن الحوار السياسي بدوره ضرورة لا مفر منها لأن القوى السياسية هي التي ستتكفل منطقيا بإجراء الحوار الاقتصادي والاجتماعي ومتابعة مخرجاته وإنجاز مقرراته في ظل التوافق والمشاركة ولضمان الاستقرار.

إن الجانب السياسي في الحوار مسألة لا يمكن تجاهلها حين نرى مدى تضارب القوى السياسية في تقدير الموقف السياسي وفي قراءة المشهد الوطني وفي الرؤى والاقتراحات المطروحة من طرف كل منها والتي تصل إلى حد التضارب والتضاد ..

هناك اليوم من يطالب بحل مجلس نواب الشعب ومن يدعو إلى استقالة الحكومة أو إقالتها ومن يصطف وراء مواقف رئاسة الجمهورية أو من يتهم الرئاسة بالانحياز وصب الزيت على النار .. هناك من يرذا البرلمان وهناك من يقزم الحكومة وهناك من يعبر عن بهتته وحيرته من مواقف وتصريحات السيد الرئيس .. وهناك من ينخرط في أجندات خارجية إقليمية أو دولية أو كليهما .. وهناك من يعادي منظومة الثورة برمتها حكومة وبرلمانا ورئاسة وأحزابا ديمقراطية ويعلن ولاءه للنظام القديم بلا حرج ولا حياء !!

هناك كذلك من يسعى إلى إشعال نار الفتنة بين مؤسسات الدولة وخاصة بين رئاسة الدولة (قرطاج) وبين مجلس النواب (باردو) وبين الحكومة (القصبة) .. لذلك لابد أن يكون للرئاسات الثلاث (الدولة – البرلمان – الحكومة) دور واضح في تبني هذا الحوار والإشراف عليه ومن البديهي التأكيد على أن للسيد رئيس الجمهورية مكانة ودور مهمين في انطلاق الحوار الوطني المسؤول والمقبول من أوسع مكونات الطيف السياسي الوطني .. لكن السيد الرئيس غير متحمس من ناحية وله شروطه الخاصة من ناحية أخرى في عنوان الحوار والقوى المدعوة للمشاركة فيه وربما حتى أهدافه وغاياته.

ومن ناحية أخرى لا يمكن تجاهل الدور المهم للاتحاد العام التونسي للشغل في المشاركة في هذا الحوار باعتباره الشريك الاجتماعي الأكثر حضورا وتأثيرا في الحياة السياسية الوطنية.

ولا بد أن يكون لاتحاد الشغل دور مهم سواء معلن أو خفي في تبني هذا الحوار والدعوة إليه وربما المشاركة في إعداده وتنظيمه .. مع ملاحظة أن اتحاد الشغل على ما يبدو فيما يتعلق بالدعوة إلى الحوار الوطني أكثر تعلقا بتجربة الحوار السابق تحت إشراف الرباعي الراعي للحوار وكذلك أكثر اقترابا وتنسيقا من دائرة رئاسة الجمهورية .. وهو في مبادرته الأخيرة للحوار يقدم مقترح إشراف هيئة حكماء؟ ! والسؤال الفوري المطروح في علاقة بهذا المقترح هو من هم هؤلاء الحكماء؟ ومن يعترف بحكمتهم؟ وكيف السبيل إلى انتقائهم من اتجاهات مختلفة؟

إن مطلب الحوار ليس فقط الوصول إلى اتفاقات وتوافقات بين القوى السياسية ..بل إن غايته الأساسية هي كيفية الوصول إلى إيقاف حالات الاحتقان والفوضى وحراكات الاحتجاجات التي تهدد استقرار البلاد ومفاتيح الاقتصاد الوطني ومقومات السلم الاجتماعي .. هو حوار مطلوب منه التفاعل مع حاجيات الشعب وإيقاف موجات الاحتجاجات التي أصبحت تهدد وحدة البلاد ومقومات اقتصادها .. علما بأن البعض أصبح يعتقد أن تصاعد الحراكات الاحتجاجية وتعاظم دور التنسيقيات وتضاعف حزمة المطالب الجهوية ناتج عن ترددات الحكومات وخضوعها إلى الضغوطات أو التراجع عن اتفاقيات سابقة دون استراتيجية واضحة.

أي حوار وطني نريد؟:

لقد كانت الحوارات السابقة التي تم اعتمادها خلال السنتين المنقضيتين تهدف إلى تحقيق الإنقاذ الاقتصادي (حوارات قرطاج 1 وقرطاج 2) .. لكن في الحقيقة كان هدفها هو الاستقواء السياسي وتحقيق مآرب سياسية ذات علاقة برئاسة الحكومة ..

إن الحوار الاقتصادي والاجتماعي المطلوب لتحقيق الإنقاذ الحقيقي هو الذي يكون مؤطرا من قبل الأحزاب والمنظمات كأطراف سياسية واجتماعية والحكومة كطرف موكول إليه التنفيذ والإنجاز .

ويجب على هذا الحوار أن يشتمل على ثلاثة أبواب أساسية وذات أولوية مطلقة وهي إرساء عقد اجتماعي ومنوال اقتصادي اجتماعي بديل وإجراء الإصلاحات الكبرى المستوجبة.

  • العقد الاجتماعي: من المهم جدا الاتفاق حول مسألة الدعم حيث يجب أن يوجه الدعم إلى مستحقيه الفعليين من الفئات الاشعبية المستحقة. إن مسألة الدعم قضية اجتماعية بامتياز. كذلك يجب الاتفاق على دور القطاعات الثلاثة العام والخاص وقطاع الاقتصاد الاجتماعي التضامني. وفي هذا السياق على الدولة أن تهتم بالمؤسسات الاقتصادية ذات الأبعاد الاستراتيجية.
  • المنوال الاقتصادي الاجتماعي البديل: لقد أظهر المنوال الحالي قصورا حادا في مواجهة المطالب والاحتقانات الاجتماعية وفي معالجة الصعوبات الاقتصادية وتحقيق التنمية. لم يعد هذا المنوال قادرا على الصمود أمام التحركات الجهوية والقطاعية. والعجيب أن هذا المنوال بالذات هو الذي أدى إلى قيام الثورة، ومع ذلك مازال نفس المنوال الليبرالي المفرط هو السائد. لقد حدثت في العالم الآن تغييرات كثيرة وأصبح المنوال الليبرالي في تراجع أمام بروز مكونات اقتصاد اجتماعي. كما تطور البحث عن سياسات قطاعية جديدة تعطي الأولوية للفلاحة والاكتفاء الغذائي والصناعة والاستثمارات في الصحة والتربية والثقافة والبحث العلمي وفي المشاريع المتطورة والتصدير.
  • إن الهدف من الحوار الذي يجب أن يحدث بمشاركة القوى السياسية والاجتماعية يتمثل في مخرجات اقتصادية واجتماعية وليس في مخرجات سياسية. مما لاشك فيه أنه لا معنى لتغيير الحكومات بل المعنى كله في ضبط خيارات استراتيجية وإنجاز إصلاحات وإجراءات عملية إنقاذية تتصل خاصة بقضايا الجباية والاقتصاد الموازي والتنمية ودور البنك المركزي في التحكم والمعالجة مع احترام استقلاليته ودور المؤسسات الحكومية العمومية والاستثمار والتشغيل.

شروط الحوار الوطني الناجع والمسؤول:

من البديهي والضروري أن الحوار الوطني ضرورة ملحة اليوم، ولابد من إيجاد أرضية ترابط بين مختلف المبادرات الداعية إلى هذا الحوار ومنها بالخصوص مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل بالتشاور بين أهم الفعاليات السياسية والمجتمعية وبين أهم المؤسسات الدستورية السيادية وخاصة الحكومة ومجلس نواب الشعب ورئاسة الجمهورية.ومن أبرز أسس ومقومات الحوار الوطني المنشود الالتزام بالدستور والقانون والمؤسسات و بنتائج الانتخابات وشرعية الحكومة ورئاسة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية ورفض أي شكل من أشكال التمرد على القانون أو الانقلاب على الدستور. ومن المهم أيضا التأكيد على أن أي حوار إقصائي هو بمثابة حوار مشلول وحوار على القياس في حين أن المطلوب فعلا هو حوار تشاركي تفاعلي مسؤول لتوليد أفكار جديدة وتقديم حلول ناجعة للمشاكل الاقتصادية والاحتقانات الاجتماعية.

إن مخرجات هذا الحوار الوطني يجب أن تكون واقعية وأن تكون نتائجه مقبولة وملزمة للأطراف السياسية والاجتماعية المشاركة فيه.

ولعله من المهم إبراز بعض الخيارات والأولويات التي يمكن أن تكون من بين مخرجات الحوار الوطني وهي: إعطاء الأولوية للتشغيل وربط الزيادات في الأجور بنسب النمو والإصلاح الجبائي والتركيز على الاستثمار ومراجعة سياسة الدعم واعتماد سياسة حازمة للتحكم في المديونية والتوزيع العادل للثروة قطاعيا وجهويا. كما يجب أن تكون الإجراءات المتخذة تتعلق بفترات طويلة أو متوسطة وليست آنية أو وجيزة. ويمكن أن يكون هناك حوار مواز إلى جانب الحوار الرسمي بحيث يكون الرسمي بإشراف الرئيس أو البرلمان أو الحكومة والموازي يكون بمشاركة المجتمع المدني والخبراء في نفس التوقيت هدفه الأساسي دعم الحوار الرسمي.

الخاتمة:

تعيش البلاد صعوبات اقتصادية ومالية جمة و احتقانات و حراكات اجتماعية حادة وتوترات مجتمعية عميقة في أغلب الجهات والقطاعات. ومما زاد الطين بلة ما تنذر به بعض الحركات والتنسيقيات من بث حالات الفوضى وأخطار تفكيك أوصال الدولة وتأجيج صراعات جهوية مقيتة في ظل أوضاع يخيم عليها وباء شبح وباء الكورونا البغيض وتراجع مؤشرات التنمية والنمو وارتفاع قيمة المديونية ونسبة العجز.

في ظل هذه الأوضاع المتأزمة لا خلاص ولا مناص إلا بحوار وطني تشارك فيه كل القوى السياسية والمجتمعية دون إقصاء وبكل مسؤولية وروح وطنية. إنه حوار وطني اقتصادي اجتماعي سياسي حقيقي واستراتيجي يهتم بإرساء استقرار والشروع في الإنجاز لتحقيق التنمية وبناء الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع العريض وكل الفئات الشعبية بكل وطنية وديمقراطية. إنه حوار وطني ينتظر منه الاتفاق على الإصلاحات المستوجبة وعلى منوال تنموي جديد وإرساء عقد اجتماعي وطني بين مكونات المجتمع السياسي والمدني غايته الأساسية دعم التجربة الديمقراطية التونسية وإنجاز الانتقال الاقتصادي والاجتماعي وتغليب المصلحة الوطنية وحماية مسار الثورة في ظل الاستقرار السياسي والتوافق العريض والمشاركة الواسعة والحفاظ على وحدة الدولة ووحدة المجتمع.

وحدة التقدير السّياسي  (مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك