القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحشد الشعبي أو عسكرة السياسة وخطرها على السلم الأهلي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-08-23 10:30:00 | 767 مشاهدة

 

ملخص:
في خضمّ الانقلاب وما رافقه من انبعاث كائنات سياسيّة مجهريّة تريد توجيه الرئيس لصالح مشاريعها وأهدافها، أُعلن في المدّة الأخيرة عن تكوين تنظيم الحشد الشعبي بتونس وأسند لمنصف الوحيشي مهمّة ناطق رسمي باسمه في بلاغ إعلامي صادر عما سُمّي بمجلس قيادة الحشد يوم 4 أوت الجاري.  وقد استمد هذا الكيان المهدد للسلم الأهلي ومكتسبات المجتمع المدني، تسميته من اسم التنظيم العراقي الشيعي المسلح الذي تأسس برعاية إيرانيّة سنة 2016، ولم يكتف بالتسمية فقط ولا بالمرجعيّة الشيعية الإمامية بل أيضا بالشعار ذي الشكل الدائري المضاعف الذي يحوي أربعة ألوان، ويزعم الناطق الرسمي أنّ الحشد بديل عن الأحزاب ويقف على الضّفة المقابلة لجماع هذه الأحزاب السياسيّة ويطرح نفسه بديلا لها. كما اتخذ من انقلاب عيد الجمهوريّة ليعلن عن الجمهوريّة الثالثة كما تدّعي قناة المبادين الصّفوية. وبدت التحيّة التي يرفعونها بقبضة اليد إيذانا بقوّة خامدة إلى حين استكمال تكوين هذه الميليشيات من أجل التصدّي للأحزاب الفاعلة وعلى رأسها حزب حركة النهضة وكل القوى المدنية الديمقراطية المناهضة للانقلاب وهو ما يؤذن بخراب السياسة في المناويل الديمقراطية المتعارف عليها وتهديد السلم الأهلي وكلّ مكتسبات المجتمع المدني التي راكمها منذ عقود خلت.

مقدمة:
الحشد الشعبي تنظيم شيعي عقائدي يحمل مشروعا سياسيا واضحا ويخدم مصالح إيرانيّة في العراق خاصة، وثمة سعي حثيث لتوسيع هذه التجربة لتشمل دولا عربية أخرى في نطاق برامج إيران التوسعية في مناطق السنة، ويحظى هذا التنظيم  بتسليح كبير يضاهي الجيش العراقي من ناحية العدة والعتاد، باستثناء امتلاكه للطائرات الحربية والمروحيات، إذ تؤكد الأحداث التي مرَّت على العراق منذ مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في يناير/ كانون الثاني 2020، أن الفصائل المسلحة المنخرِطة في الحشد الشعبي باتت لديها قدرة صاروخية كبيرة.  وقد زوّدت الحكومة العراقية الحشد الشعبي بمختلف أنواع الأسلحة منذ تشكيله. وجاء قصف السفارة الأميركية وقواعد التحالف الدولي في العراق، ليؤكد أن لهذه الفصائل قدرات تسليحية وصاروخية كبيرة، وهو ما أكده ضابط بارز في مديرية الاستخبارات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع العراقية، في أن بعض الفصائل حصلت على صواريخ يصلُ مداها إلى نحو 40 كيلومترًا، ومنها كتائب حزب الله والعصائب وبدر.
وإن ترسانة الصواريخ لدى الفصائل التابعة للحشد، تعدّ من ضمن الصواريخ التي زوّدتها بها إيران أو التي طوّرتها الفصائل محليًّا، ومنها صواريخ "زلزال 1" و"زلزال 2" و"فجر 1" و"فجر 5"، إضافة إلى الطائرات المسيّرة ثابتة الجناح إيرانية الصنع، والتي بدأت هذه الفصائل استخدامها قبل نحو 4 أشهر في عملياتها ضد مطارَي بغداد وأربيل وقاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، التي تتمركز بها قوات التحالف الدولي.  كما بات الحشد يمتلك عشرات الناقلات المدرَّعة من طراز بي إم بي-1، والدبابات السوفييتة من طراز تي-72، فضلًا عن كتائب من الدبابات المطوَّرة إيرانيًّا في العراق من قِبل كتائب حزب الله، في منطقة جرف الصخر جنوب بغداد. 

1/ الحشد الشعبي الشيعي: الحدّ والتأسيس
 يعتبر الحشد الشعبي قوات نظامية عراقية، وجزء من القوات المسلحة العراقية، حيث تأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء العراقي، تشكلت إثر فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها رجل الدين الشيعي علي السيستاني في 13 يونيو/ حزيران 2014. وجاءت فتوى السيستاني بعد 3 أيام على اكتساح تنظيم الدولة لمدينة الموصل، ثانية كبريات المدن العراقية في عدد السكان، ليتبع ذلك سيطرة التنظيم على مساحات شاسعة من محافظتَي صلاح الدين والأنبار. ويقدّر الملاحظون أن الحشد الشعبي في تشكيله الحقيقي لم يتشكّل إلا لاحتواء الفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران. وقد قنّنَ هذا التنظيم جملة الفصائل الشيعية المسلّحة وجعلها قوات رسمية تتلقّى دعمًا من الحكومة العراقية، سواء بالمال أو السلاح أو الدعم اللوجستي، وإن النواة الأولى للحشد الشعبي تشكلت من كل من فصائل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر وقوات التيار الصدري المعروفة بجيش المهدي أو سرايا السلام. 
ثم تبعَ ذلك انضمام آلاف الشباب الشيعة إلى صفوف الحشد، وزجّهم في معارك الدفاع عن المدن المهدَّدة من قبل التنظيم، وقد توالى تشكيل الفصائل المسلحة الأخرى، كالحشود التابعة للعتبتَين الحسينية والعباسية، ثم ونتيجةً للخلافات البينية، وطمعًا في الحصول على المزيد من الدعم الحكومي، تشكلت عشرات الفصائل الأخرى ككتائب الإمام علي والنجباء وعلي الأكبر وسرايا الخرساني وعاشوراء وكتائب سيد الشهداء وجند الإمام وأبو الفضل العباس وغيرها. 
وبعد أكثر من عامَين على تشكيل النواة الأولى للحشد، تحوّل الأخير رسميًّا إلى قوة رسمية لها قانون مُشرَّع في مجلس النواب، حيث صوّت مجلس النواب العراقي بأغلبية الأصوات لصالح قانون الحشد الشعبي في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2016، في ذروة المعارك التي انطلقت لاستعادة مدينة الموصل وقد تزايدت أعداد المقاتلين في قوات الحشد الشعبي على مدى السنوات الماضية، وكانت آخر زيادة لقوات الحشد قد أُكِّدت قانونيًّا في شهر أبريل/ نيسان الماضي، حيث مرّر البرلمان العراقي بندًا ضمن موازنة عام 2021 يُلزم الحكومة بقبول 30 ألف عنصر جديد ضمن صفوف الحشد.
ويقول مسؤولون عراقيون إن معظم هؤلاء موزّعون على نحو 25 فصيلًا مسلحًا، معظمها حليفة لإيران وموالية لها، ومن أبرزها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق والنجباء، ما رفع من أعداد مقاتلي الحشد إلى نحو 160 ألف عنصر موزّعين في مختلف الأراضي العراقية. 
وفي عام 2016 كان مكوّنًا من 67 فصيلًا مسلحًا، وبعد أن قنّنَ البرلمان وضع الحشد في أواخر عام 2016 شهدت أعداد مقاتليه زيادة كبيرة، ثم ما لبث عدد الفصائل أن ازداد حتى وصل إلى قرابة 80 فصيلًا مسلحًا. وأن تمركزهم الرئيسي يتمحور في العاصمة العراقية بغداد، وفي جنوب العاصمة في منطقة جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل، إضافة إلى انتشار كثيف لهذه الفصائل في جميع المحافظات السنّية التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية حيث أن انتشار الحشد في كل محافظة يكون على أساس التقسيم المناطقي، إذ لكل فصيل منطقة نفوذ خاصة به. وخاصة قوات بدر والعصائب وحزب الله والنجباء والإمام علي، تحظى بالسيطرة على المناطق ذات الأهمية العالية أمنيًّا واقتصاديًّا، خاصة في العاصمة بغداد وفي مناطق كركوك ونينوى وصلاح الدين والأنبار، وعلى طول الشريط الحدودي الفاصل بين العراق وسوريا. 

2/ الحشد الشعبي الشيعي: عسكرة السياسة ونذر الانقسام المجتمعي:
لا يختلف عاقلان في خطورة المشروع الشيعي في المنطقة العربية نتيجة المحاولات المستمرة لنشر التشيع خاصة بعدما أفصح "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" في العراق منذ 2016 ، بزعامة عبد العزيز الحكيم، عن تفاصيل مخطّط المد الشيعي في الدول العربية والإسلامية، وذلك في بيان وصف ب"سري وعاجل"
وجاء البيان متضمنًا توصيات المؤتمر التأسيسي الموسّع لشيعة العالم في مدينة "قم" الإيرانية وأوصى هذا المؤتمر بتأسيس منظمة عالمية تسمى "منظمة المؤتمر الشيعي العالمي" على أن يكون مقرها في إيران، وفروعها في كافة أنحاء العالم الإسلامي( السنّي طبعا) ، ويتم تحديد هيئات المنظمة وواجباتها، وتعقد مؤتمرًا شهريًا بصفة دورية.
ويدعو هذا البيان الشبيه ببروتوكولات حكماء صهيون، إلى اقتباس تجربة الشيعة في العراق التي يصفها بـ "الناجحة" لتعميمها في الدول الإسلامية الأخرى، وفي مقدمتها تونس، شرارة الثورة العربيّة، وكذلك السعودية، رمز  العالم السنّي، والأردن واليمن ومصر والكويت والإمارات والبحرين والهند وباكستان وأفغانستان...الخ. وفي هذا السياق تكشف التوصيات عن الوسائل والأدوات التي تعين الشيعة على تحقيق مخطّطهم هذا، من خلال بناء قوات عسكرية مليشياويّة غير نظامية لكافة الأحزاب والمنظمات الشيعية بالعالم على غرار حزب الله، وعبر الزجّ بأفرادها داخل المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية والدوائر الحساسة في تلك الدول، مع تخصيص ميزانية خاصة لتجهيزها وتسليحها وتهيئتها لدعم وإسناد الشيعة في السعودية واليمن والأردن.
وتدعو التوصيات إلى استغلال كافة الإمكانيات والطاقات النسوية في كافة الجوانب، وتوجيهها لخدمة الأهداف الإستراتيجية للمنظمة، وتأكيد احتلال الوظائف التربوية والتعليمية، وإلى التنسيق "الجدّي والعملي" مع القوميات والأديان الأخرى: لاستغلالها في دعم الشيعة بالعالم.
ويتضمن مخطط الشيعة لتحقيق هذا الهدف: تصفية الرموز والشخصيات الدينية البارزة من السنّة، ودس العناصر الأمنية في صفوفهم للإطلاع على خططهم ونواياهم، وفرض مقاطعة على بضائع دول السنّة في مقابل تشجيع الصادرات الإيرانية.
وتطلب تلك التوصيات من المرجعيات والحوزات الدينية في العالم تقديم تقارير شهرية وخطة عمل سنوية لرئاسة المؤتمر حول "المعوقات والإنجازات" في بلدانهم، والمقترحات اللازمة لتحسين وتطوير أدائها. وتقترح كذلك إنشاء صندوق مالي عالمي مرتبط برئاسة المؤتمر ، تنتشر فروعه في كافة أنحاء العالم. وهذا المخطط يكشف بوضوح عن خطر الشيعة وعزمهم الأكيد على تصفية قادة السنة والوصول إلى سدة الحكم في تلك البلدان بكل السّبل المتاحة.
والمعلوم أنه بعد احتلال العراق وانتصار حزب الله، تصاعد المشروع الشيعي في المنطقة العربية والإسلامية، ولم يعد يتخفى كما كان مسلكه قديما وفقا لـ " التقية " التي أصبحت ميسما خاصّا بهم . وأصبح الشيعة يعلنون عن أنفسهم خاصة في العراق ويتبنون إستراتيجية خاصة بهم قائمة على تحقيق أهداف قديمة تتعلّق بافتعال صراع وهمي قائم على تهم ظنيّة لم يبتّ فيها التاريخ وحمّلوا أوزارها لكل السنّة،  واستعملوا في ذلك وسائل تشتمل على إبادة أو تهجير السنة.
إنّ كشف حقيقة الشيعة ومعتقداتهم وخطورة مشروعهم الاستئصالي ومحاولاتهم الحثيثة لنشر التشيع في كل الدول العربية مستغلين هشاشة الواقع السياسي والاقتصادي في تلك البلدان السائرة في طريق التحرر من الدكتاتورية ولعلّ نظرة بسيطة إلى واقع السنة في البلدان التي يسيطر عليها الشيعة مثل إيران والعراق ولبنان واليمن وسوريا بشي بعظم المأساة التي تنتظر تونس إن هي فرّطت في سلمها الأهلي وانحازت باسم مقاومة النهضة أو ما بات يعرف بالإسلام السياسي وارتمت ذات انقلاب مخز في أحضان الحشد الشعبي

وقد عقد محللون سياسيون من بينهم أبي يعرب المرزوقي مقارنة بين الخطر الشيعي والخطر الأميركي الصهيوني، معتبرين أن كليهما يعدّ خطرا على منعة الأوطان وسلامة بنيتها الاجتماعية.
والمعلوم أيضا أنّ عدد الشيعة قليل في العالم العربي، إذ لا يتجاوز في دول الخليج العربي نسبة 10% من إجمالي عدد السكان، ولا يتجاوز واحد في المائة في مصر وهو عدد مجهري في دول المغرب العربي ومن بينها تونس.
وتقدر بعض المصادر عدد الشيعة الإجمالي في العالم بنحو ۱2۱ مليون نسمة، وهو ما يعني أنهم يشكلون ما يقرب من ۱5 في المائة من عدد المسلمين الكلي. و هم لا يمثلون أغلبية حتى في إيران التي تحتل المرتبة الأولى في عدد الشيعة  المقدر عددهم بـ 42 مليون نسمة، تليها باكستان بـ ۳۳ مليون بما نسبته ۲۰ في المائة، وتأتي الهند في مرحلة لاحقة بعد ذلك بـ ۱۱ مليوناً وأذربيجان بستة ملايين.

ولا توجد إحصاءات رسمية عن عدد الشيعة في السعودية فتقرير "المسألة الشيعية في المملكة العربية السعودية"، الصادر عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات (ICG) في بروكسل عام 2005 يقدر عددهم بمليوني نسمة تقريباً، يمثلون نسبة 10-15 في المائة من إجمالي السكان (الذي بلغ في عام 2004 نحو 22 مليون و670 ألف نسمة، يشكل المواطنون منهم 16 مليون و530 ألف نسمة تقريباً، ويتركز الشيعة بشكل ملحوظ في المنطقة الشرقية من المملكة، الغنية بالنفط.
وفي الكويت بنسبة تقارب 20% ، ويتركز معظمهم في مدينة الكويت والمناطق المجاورة لها وزعم تقرير "الحرية الدينية في العالم" لعام 2006، الذي تصدره وزارة الخارجية الأميركية، أن الشيعة يشكلون نسبة 30 في المائة من عدد السكان المواطنين، الذين يبلغ عددهم 973 ألفاً إلا أن العدد الإجمالي لسكان الكويت، (مواطنين ووافدين) يصل إلى مليونين و900 ألف تقريبا.
وعلى الرغم من أن عدد الشيعة قليل وهم يتبعون مبدأ التقية ـ والذي من خلاله لا يعلن الشيعي عن نفسه اتقاء لمن حوله ـ إلا أنهم يحاولون في هذه المرحلة إبراز أنفسهم كقوة شعبية تؤثر على السياسة العامة للدول العربية السنية، وإلى البروز بشكل أكبر في المحافل السياسيّة مستفيدين من الأحداث التي حدثت في العراق والتي أدت إلى زيادة نفوذ الشيعة العراقيين، فمعظم المعارضين العراقيين وقواتهم المدعومين من قبل أمريكا هم من الشيعة العراقيين، أمثال أحمد الجلبي وتنظيم المؤتمر العراقي والجيش التابع له، كما أن بعض رموز المعارضة ذات النفوذ القوي في العراق والمدعومين من قبل إيران مثل "محمد باقر الحكيم"، الذي أمضى أكثر من 21 عاماً في إيران، وجيشه المعروف باسم فيلق بدر، وكذلك بعض الرموز العلمية كالسيستاني.
والملاحظ وجود الكثير من الأنشطة التجارية بين إيران وجماع الدول التابعة التي سيطرت عليها بهذا المدّ العقائدي المخيف وأكثر هذه الأنشطة غير معروفة لعامة الناس كما يلاحظ شدّة اهتمامهم بالتحصيل العلمي وزرعه في شبابهم من خلال الحسينيات وتقديم إغراءات ممنوعة في عقيدة السنّة، كما يلاحظ توجههم في دراسة التكنولوجيا الحديثة وتطبيقاتها، والفروع الخاصة بالبتروكيميا واستخراج النفط والمعاهد التقنية والتكنولوجيا.
ويحتل تجار الشيعة مكانة كبيرة وهامة في تجارة بعض أنواع البضائع في المنطقة العربية، منها الذهب والسمك.. ولا يقتصر الأمر على الاهتمام بالنواحي الاقتصادية، حيث يبدو أن لهم سياسة اجتماعية تتمثل في محاولة زيادة أعدادهم عن طريق تشجيع الزواج سواء منه التقليدي أو العرفي والدعوة الجادة لتكثير التناسل بينهم، وللحث على الزواج المبكر، وتعدد الزوجات، ولذلك فإن من الملفت للنظر إقامتهم لمهرجانات الزواج الجماعية والتي يتزوج فيها بليلة واحدة العشرات منهم. كما أنهم يسعون إلى توزيع كتبهم الشيعية لعامة الناس، ونشر معتقداتهم وأفكارهم، والترويج لشيوخهم وأئمتهم، كما يطالبون ببناء الأضرحة وإقامة الحوزات العلمية الخاصة بهم، وما إلى ذلك من محاولات لتضخيم مكانة الشيعة في العالم الإسلامي عموماً والعربي خصوصا والحصول على مكاسب سياسية واجتماعية واقتصادية يقدرونها مسبقا.

3/ الحشد: نذر الفساد والإيذان بالنهايات:
 باتت أعداد مقاتلي الحشد الشعبي مثار جدل كبير منذ سنوات، وتحديدًا منذ ولاية رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي كشف بعض المقرّبين منه أن جميع المؤسسات الأمنية تعاني من وجود مقاتلين وهميين يُطلَق عليهم محليًّا لقب "الفضائيين" وهي أسماء وهمية تصرف لهم رواتب من الدولة العراقية لتذهب في جيوب الفاسدين وقادة تلك الفصائل.
ويؤكد الباحث العراقي عبد الله الركابي، وجود كثير من الفضائيين داخل منظومة الحشد الشعبي، حيث إن قادة الألويَة يتسلّمون رواتب هؤلاء المقاتلين دون أن يكون لهم وجود على أرض الواقع. 
وأوضح الركابي في حديثه لإحدى وسائل الإعلام، أن قائد كل فصيل مسلح يستلم مستحقّات عشرات المقاتلين الذين لا وجود لهم على أرض الواقع. 
والمعلوم أنّ قسما كبيرا من مقاتلي الحشد على أرض الواقع لكنهم لا يعملون في العراق، وهم أولئك الذين يقاتلون إلى جانب قوات النظام السوري، على أن عدد العناصر المنضوين في الحشد بات 160 ألف مقاتل أو أكثر على الورق، لكنه فعليًّا أقل من ذلك بكثير. وقد هاجم النائب في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي،  قادة الحشد متّهمًا إياهم بالفساد ووجود عشرات آلاف المقاتلين الوهميين، موضحًا أن أعداد مقاتلي الحشد الفعليين لا تتعدى 48 ألف عنصر. وهي لا تتجاوز 25 ألف مقاتل، حسب بعض الملاحظين منتشرين في مختلف المناطق العراقية.
ومع أن الحشد يعدّ قوة رسمية تتبع الحكومة العراقية، إلا أنه اتُّهم على مدى السنوات الماضية باختطاف مئات العراقيين على أساس مذهبي، خلال عمليات استعادة المدن المحتلة من "داعش"، فضلًا عن دور فصائل الحشد في قمع التظاهرات الشعبية التي اجتاحت مدن وسط وجنوب العراق، والتي بدأت في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2019. 
وفي هذا الصدد، اتهمت منظمة العفو الدولية فصائل الحشد بارتكاب جرائم حرب خلال العمليات العسكرية لاستعادة المناطق المحتلة من "داعش" عام 2017، من اختطاف وقتل وتعذيب آلاف العراقيين على أساس طائفي، في المناطق التي كانت خاضعة لتنظيم الدولة أو خلال محاولة هروب المدنيين من سيطرة التنظيم باتجاه المناطق التي تسيطر عليها القوات العراقية. 
وقالت المنظمة في بيان لها وزّعته على وسائل الإعلام: "قامت الميليشيات شبه العسكرية، التي تضم أغلبية شيعية، وتعمل تحت مظلة الحشد الشعبي، بعمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وتعذيب واختطاف آلاف الرجال والفتيان، وارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك جرائم حرب دونما أدنى خشية من العقاب".
ويؤكد التقرير أنّ "العراق: غضّ الطرف عن تسليح ميليشيات الحشد الشعبي"، وأن هذه الميليشيات لديها أسلحة مصنَّعة في 16 بلدًا على الأقل، بما فيها أسلحة صغيرة وخفيفة وصواريخ وأنظمة مدفعية ومركبات مصفّحة صينية وأوروبية وعراقية وإيرانية وروسية وأميركية"، بحسب المنظمة التي طالبت بتوقُّف الدول عن توريد الأسلحة إلى العراق، في حال لم تضمن الحكومة العراقية عدم وصول تلك الأسلحة لهذه الميليشيات.
كما تؤكد بعض التقارير ظهور ميليشيات مسلّحة تحت غطاء الجهاد الكفائي الذي أطلقه مرجع الشيعة علي السيستاني، وساعدت هذه الميليشيات في استعادة الأراضي العراقية، إلا إن قسمًا منها ارتكبَ جرائم بشعة بحقّ المدنيين. ولا تزال العديد من الكتل السياسية السنّية والكردية وبعض الشيعية تطالب بضبط سلاح هذه الفصائل، التي تعدّها خارجة عن القانون وعن سيطرة الحكومة.
ويعد الحشد مسؤولا عن اختطاف وإخفاء المئات من العراقيين والسوريين..  فضلًا عن التهجير القسري للمدنيين في ناحية جرف الصخر والمخيسة وغيرها، دون السماح لأهلها بالعودة حتى الآن. ولم يقتصر اتِّهام الحشد الشعبي على المناطق السنّية، إذ شهدت التظاهرات العراقية التي انطلقت في أكتوبر/ تشرين الأول 2019 مقتل ما لا يقلّ عن 600 متظاهر مدني عراقي، في مختلف مدن وسط وجنوب العراق، حيث يتّهِم النشطاء العراقيون فصائل في الحشد بقتل واختطاف المتظاهرين والناشطين وإخفائهم. 
وإن هذه الميليشيات استشعرت خطر التظاهرات على النفوذ الإيراني في البلاد، واستطاعت قمع المتظاهرين من خلال اختلاطها مع القوات الأمنية في ساحات التظاهر، حيث استخدمت مجموعات مدرَّبة من كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وغيرها مختلف أنواع الأسلحة، كالقنّاصة والقنابل والأسلحة الرشاشة لتفريق المتظاهرين والتنكيل بهم. 
ولا تزال العديد من الكتل السياسية السنّية والكردية وبعض الشيعية، تطالِب بضبط سلاح هذه الفصائل التي تعدّها خارجة عن القانون وعن سيطرة الحكومة، في ظلّ وضع أمني وسياسي يعيشه العراق بات يكبِّل الحكومة العراقية في التعامل مع هذه الفصائل، التي تحظى بدعم إيراني كبير. 
لا يزال الجدل مستمرًّا حول الحشد الشعبي وفصائله المختلفة، بين مطالبات دولية بضبطه وتذويبه ضمن المؤسسات الحكومية، وبين كتل سياسية داخل البرلمان العراقي، ومن ورائها إيران، تصرُّ على بقاء الحشد وتعزيز قوته، في محاولة على ما يبدو لتأهيله كقوة تضاهي الحرس الثوري الإيراني.

خاتمة:
يبدو الحشد الشعبي مؤسسة واحدة ظاهريًّا، لكنه يعاني من انشقاقات كبيرة في صفوفه، حيث برزت خلافات كبيرة بينية بين تلك الموالية لإيران والأخرى الموالية للحكومة العراقية، ما دفع بحشد العتبات (حشدا العتبة الحسينية والعتبة العباسية) إلى إعلان رغبتهما بالانفكاك عن هيئة الحشد، بذريعة عدم التوزيع العادل للموارد المالية من قبل رئاسة الحشد الشعبي. 
كما برزت خلافات كبيرة بين فصائل الحشد، حيث إن فصائل سرايا السلام التابعة لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، على خلاف كبير مع بقية الفصائل كالعصائب وكتائب حزب الله، ما ينذر بأن احتمالية تطور الصراع على الموارد والولاء، وتحوّله من لفظي إلى مسلح غير مستبعَد قبيل الانتخابات. 
وإن فصيل عصائب أهل الحق له تمثيل نيابي في البرلمان العراقي تحت مسمى "كتلة صادقون"، المنضوية ضمن تحالُف الفتح الذي يتزعّمه هادي العامري،كما وسعت هذه الفصائل نفوذها من العسكرة إلى السياسة، وحيازتها على عدد مقاعد أكبر في البرلمان في الانتخابات المبكِّرة، ينذر بحرب بين هذه الفصائل التي لها أيديولوجيات ومصالح اقتصادية متباينة ومتناقضة ولكنّها مازالت تعتمد في دول الربيع العربي من أجل إحداث اختراقات إيديولوجيّة تتغذي من مناكفات تاريخيّة لم تحسم بعدُ. 
د. محمد التومي (باحث تونسي)
 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك