القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحراك المواطني وفرنسا وإعلامها

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-09-02 15:58:00 | 495 مشاهدة

ملخص:

بعضٌ ممن تورّطوا في دعم قيس سعيّد لهذا السبب أو لذلك، كانوا قبل 18 سبتمبر مرتاحين نوعا ما أمام ما يوهِم من تكافؤ أدلّة بين الانقلاب وروافده الوظيفيّة ومناهضيه من المدافعين عن الدستور والديمقراطيّة. وكانوا مثل قيس سعيّد يستندون إلى "شعب متخيّل" انتفض على منظومة حكم فاسدة

مع انطلاق الحراك المواطني وتعاظم عنفوانه ووضوح عناوينه تدريجيّا وانجلاء غايته: إغلاق قوس الانقلاب، تفاقمت أزمتهم، من خلال ما يكتبون. وأكثر ما أرهقهم تشديد الحشد المواطني على علاقة الانقلاب بفرنسا. فكان شعار "France dégage" قاطعا مزلزلا. ولم تبخل الحشود على تذكير المنقلب بهذه العلاقة فمنحته لقبا جديدا هو "بوّاس الأكتاف.".

 

  1. الحراك المواطني:

لقد كان هؤلاء المورّطون من مقاولي السياسة في حرج شديد، ولم يجدوا سبيلا للخروج منه إلاّ في "الاتجاه الجديد" للإعلام الفرنسي. فقد كتبت كبريات الصحف الفرنسيّة مثل لوموند ولوفيغاروا عن توجّه قيس سعيّد الدكتاتوري ومعاداته للحقوق والديمقراطيّة. فرأى أصدقاؤنا في هذا المنزع مخرجا وجدوه في تناقض مِن ناهضوا سعيّد والدور الفرنسي. وتساءلوا: كيف لهذه الحشود التي تلعن فرنسا بالأمس تستشهد بنقد الإعلام الفرنسي لسعيد وانقلابه؟
وهذه إثارة ساذجة لا تلغي موقف فرنسا من الانتقال الديمقراطي في تونس، بقدرما تشير إلى بدايات تغيّر في المناورة الفرنسية أمام الموقف الدولي الذي لا يرى مستقبل مصالحه في تونس إلا مع شريك ديمقراطي.
ويبدو أنّ هذا الموقف الأمريكي والأوروبي (بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا...) من الانقلاب يترسّخ قدما أمام ردّة الفعل المواطنيّة على الطريقة التونسيّة، وقد يتّجه إلى ضبط مهل زمنيّة محدّدة للعودة إلى الشرعيّة.
وتبقى الكلمة الحاسمة للحراك المواطني، رغم عمليّة التجريف لكل شروط السيادة وقد فاقمها الانقلاب بتدويله ملفّ الانتقال. فكما كانت الديمقراطيّة مَأْثرَة تونس ورأسمالها الرمزي الأنبل وصورتها الأبهى بين الأمم الحديثة، صار انتقالها الديمقراطي نقطة استقطاب إقليميّة دوليّة، حتّى غدا تاريخ الانتقال في بلادنا هو تاريخ محاولات الانقلاب على هذا الانتقال. وفي هذا السياق تأني فرنسا والإمارات ومصر والسعوديّة والكيان الصهيوني. ولم يعرف مسار انتقال ديمقراطي منذ الثمانينيات من استهداف بالمستوى الذي عرفه انتقالنا. ويبدو أنّ الانقلاب الشعبوي يمثّل أشدّها ومحاولتها الأخيرة الآيلة إلى الفشل والشطب، أمام حراك مواطني أشدّ إصرارا على التقدّم نحو الديمقراطيّة والحداثة السياسيّة في شروط جديدة. ومن المهمّ التذكير بأنّ التدخّل الدولي ـ حتّى الذي الذي يرى مصلحته مع الديمقراطيّة ـ ما كان له أن يجد موطئا في تونس لولا القوى الانقلابيّة وروافدها الوظيفيّة في مشهدنا السياسي (بدرجة أولى) وتفريط القوى التي تمّ تفويضها فعبثت بالأمانة.

لا أعوّل على الإشارة إلى أنّ الإعلام في فرنسا حرّ وله أن يعبّر عن مصلحة فرنسا بطريقته وفي تعارض مع الدولة الفرنسية أحيانا. فهذا لا يبدو ذا قيمة. فما عبّرت عنه لوموند ولوفيغارو من نقد لسعيّد ليس منفصلا عن الموقف الفرنسي المرتبك، ففرنسا مستمرّة على تدخّلها في بلادنا ومناهضتها للانتقال من خلال بعض لوبياته القريبة من الانقلاب، ولكن"ها تناور أمام تعاظم الحراك المواطني واتجاه الموقف الدولي العام. وهي مستعدّة لكلّ الحماقات. وهذه سياستها في تونس وليبيا: قد تطأطئ الرأس أمام الحلول التي تتعارض مع مصالحها ولكنّها لا تتورّع عن كلّ ما خسّ من وسائل في اللحظات الأخيرة. فنحن لا ننسى موقفها من ثورتنا في بداية انطلاقها، ثمّ اضطرّت إلى إعلان دعمها واحتفائها بما تسمّيه ثورة الياسمين، لتُلطّخ وجهها، في غفلة، باغتيالين سياسيين كلّ المؤشرات تدفع إلى مسؤوليتها عن الجرم.

في زمن الدكتاتوريّة، كانت مثل هذه الصحف تنقد بين الحين والآخر نظام بن علي وإجرامه. وفي لوقت نفسه يتحدّث رؤساء فرنسا عن "نجابة شريكهم بن علي" وعن "معجزته الاقتصاديّة" (جاك شيراك). ولم يكن نقد مثل هذه العناوين الصحفيّة الكبرى ليهزّ من مصداقيّة المعارضة الحقوقيّة والسياسيّة التونسيّة.

وفي هذا النقد كانت تجتمع مواقف حقوقيين أحرار ومدافعين عن الحريّة من الفرنسيين إلى جانب مواقف عقول الدولة الفرنسيّة وتقديراتهم التي ترى في دوران المواقف مع المصلحة مهمّتها الأساسيّة... وكلّ التحيّة إلى مساندي الديمقراطيّة من النخب السياسيّة الفرنسيّة الحرّة.

المطلوب موقف شجاع هنا أو هناك، فهذا أشرف حتّى للداعمين للانقلاب والطامعين في ريعه من مقاولينا الأفذاذ. أمّا مداومة "التشعبط" بين الحبال فمآله الهلاك المخزي.

وقفنا إلى جانب شروط الديمقراطيّة واجتهدنا في الدفاع عنها بما نملك طوال العشريّة، مراوحين بين الإسناد والنقدي الجذري. وهو ما أورث شعورا بالانسجام ومساواتنا أنفسنا. ومع يقيننا بانتصار الديمقراطيّة، فإنّ لحظات الانكسار التي تطرأ في مسيرة التقدّم العام نحوها مفهومة، وقد يطول أثرها الرؤية والمنهج والأسلوب ولكنّه لا يطول مطلقا القيمة، بل يدفع إلى نهج جديد لتصريفها.

الحراك المواطني نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ الانتقال...وسيرسخ 18 سبتمبر 2021 في ذاكرة الأجيال مثلما رسخ 9 أفريل 1938...

 

  1. تفريط (24) ، تضليل (25) ، فتصحيح8)1(: ثلاث لحظات فارقة في تونس

استطاعت قناة الزيتونة مع بعض الصادقين أن يشكلوا نقطة ضوء في العتمة وأن يصنعوا الحدث الفارق في الإعلام التونسي، ومن خلال أحد برامجها الذي حضره حبيب بوعجيلة وأحمد الغيلوفي والأمين البوعزيزي، حيث تمكنوا، بأناقة عالية، من:

- كسر سردية الانقلاب على ضوء 26 العظيم برسم الحدود وضبط العلاقات بين لحظات 24، و25، و18 بمرجعيّة الدستور وبناء المواطنة والديمقراطية.

- فتح الطريق أمام مبادرة 18 سبتمبر المواطنية باعتبارها إجابة سياسة عن الأزمة المركّبة ( 24/التفريط ومُنْجَزُه هدر المسار)، وردّا ميدانيا على المأزق (25/ التضليل ومُنْجَزُه هدم الدولة)، ليكون 26 خطوةً ثانية جامعة في مسار التصحيح الحقيقي بأولويّتين:

- الدفع إلى إنهاء حالة الانقلاب شعبيا (من المركز إلى الجهات ليكون المركز مجال الجولة الأخيرة)، والمساهمة في إعادة ترتيب المشهد الداخلي بالموازنة بين ما توفّر فيه من موادّ بناء سياسي وتحولات الجوار الإقليمي والدولي الضاغطة.

- استئناف التقدّم في مسار بناء الديمقراطية في ما يتاح من شروط جديدة: توفير الأسباب لانتخابات تشريعية ورئاسية. يكون ذلك نتيجة حوار وطني تحت سقف دستور الثورة والديمقراطية ومسارها.

هناك رأي "منمذج" يخترق خطاب المرجعيات الفكرية والسياسية التقليدية في مشهدنا مداره على أنّ طرفا سياسيا بعينه هو المستفيد من كلّ ذلك، وأعتُبِر كلُّ فعل مبادِر إلى مواجهة الانقلاب رَيْعٌ خالص لهذا الطرف، وعُدّ الفاعلون في مواجهة الانقلاب ـ في هذه اللحظة ـ ليسوا أكثر من أداة ( لا يهم إن كانت واعية أو غير واعية).

في هذا السياق اعتبر بعضهم دعوة 18 سبتمبر لحظة إطلاقها في وسائل التواصل الاجتماعي من "مواطنون ضدّ الانقلاب" عبثا. وهي، عند هذا البعض، تصبّ آليًا في مصلحة جهة سياسية بعينها(النهضة). والسؤال الذي يواجه هؤلاء: إذا سلمنا بأن هذه الجهة هي المستفيد، من هذا الحراك المواطني، لماذا هي وحدها المستفيد؟ ثمّ لم لا تكون جهات أخرى هي المستفيد، والطيف السياسي متعدّد العناوين.

وكان أولى لهؤلاء، مع اختلاف غاياتهم ومواقعهم وانتصار كثير منهم للديمقراطيّة، أن يكون سؤالهم: ماذا ستفيد الديمقراطيّة من هذه الدعوة إلى الوقفات الاحتجاجيّة والتظاهر؟ وما العمل في مواجهة الانقلاب؟ هل ننتظر اختفاء هذه الجهة حتّى يكون التحرّك مشروعا وذا مصداقيّة؟ وما الذي يمنع جهات أخرى ومنها السيستام المتلوّن بلوبياته المنغرزة في المفاصل أن تكون مستفيدا، وله تجربة معتبرة في الاحتواء والتشتيت والمناورة منذ 2011؟

فضل حركة 18 سبتمبر المواطنية أنّها أطلقت مواجهة الشارع الديمقراطي مع الانقلاب. وصرنا إلى ما يشبه لعبة الـPing -pong ردّا بردّ. وكان

المنطلق مع تصريحات مستشار قيس سعيّد عندما أشار في إحدى القنوات الإماراتية إلى التفكير في تعليق الدستور فكانت 18سبتمبر . وعندما أجاب قيس سعيّد عن 18 سبتمبر بخطاب 22 الكارثي وعزمه على المضي في تعليق الدستور كانت 26 سبتمبر.

ويتلخص هذا السجال في الشعارات المركزية في التظاهرتين.

يوم 18 ستمبر : دستور حرية كرامة وطنية.

يوم 26: الشعب يريد ما لا تريد/الشعب يريد عزل الرئيس.

التحرك القادم سيكون مواصلة للإجابتين (18، و26) مضافا إليهما التفاعل مع رد فعل الرئيس على 26، وفي كلّ الأحوال لم يعد لقيس سعيّد الجرأة على الإحالة إلى الشعب الذي كان يحتكر الكلام باسمه. وقد يتبين له الفرق بين "الشعب المتخيل" الذي يتكلم باسمه، ولم ير الناس منه إلا أفرادا بعدد أصابع اليدين والقدمين يحرق دستور الثورة على طريقة الغلاة والحشاشين والحركات الفاشية والمنظمات النازية، وبين الشعب الذي قامت آلاف منه في شارع الثورة مطالبة برحيله ومدافعة عن الدستور والديمقراطية.

ويبدو أنّ "مليونية أنصاره" يوم 25 قد جرّت لسانه وأعجزته عن الردّ إلى حدّ الآن.

مناهضة الانقلاب تتوسّع لتشمل جلّ أحزاب المشهد السياسي ومنظماته وجمعياته وروابطه، ولكنها تلح هذه المرة على أن الحوار لا يكون إلا من أجل مشترك وطني على قاعدة الدستور والديمقراطية بقاطرة مواطنية.

لذلك يتوقع أن يكون التحرك القادم الخاتم تحت شعار: رحيل الانقلاب والدخول في مرحلة محو آثاره.

وفي المستوى التقني، العمل على مرحلة انتقالية بستة أشهر (سنة على أقصى تقدير) بمرجعية الدستور والمسار الديمقراطي تقودها حكومة استئناف المسار يصادق عليها البرلمان مكلفة باستئناف نسق الإدارة المعطّل. ووضع الميزانية ومجابهة الأزمة المالية والصحية، والإعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية بها يغلق قوس الانقلاب.

قبل 25 كنّا نقول: يجمع أنصار الديمقراطية مهمّتان:

- دعم شروط الديمقراطية واستكمال مسار بنائها السياسي والمؤسسي.

- نقد جذري لسنوات الانتقال العشر، والعمل على صياغة سردية وطنية لهذه العشرية تكون منصفة في تحديد المسؤوليات على تعثّر المسار وتدهوره.

اليوم تنضاف مهمة جديدة: إغلاق قوس الانقلاب ثمّ الشروع في محو آثاره.

مدى هذه المرحلة تحدده قدرة المبادرة المواطنية وكلّ الفاعلين السياسيين على إنجاز مهماتها. وكما أنّه منتظر أن تستعاد، بعد غلق قوس الانقلاب، سجالات ما قبل 25 وبأشدّ مما كانت عليه. ولكنّ ممكن أيضا أن تكون اللحظة خطوة أولى للخروج من المأزق، إذا كان المنطلق حوارا بمرجعيّة دستور الثورة والديمقراطيّة، فهذا هو المشترك الأوسع الذي سيمكّن من بناء مشتركات أخرى فرعيّة.

أهميّة لحظة 18 سبتمبر في أنّها أجابت على لحظتين التفريط بإدانتها وتحميل المتسببين فيها الرئيسيين المسؤوليّة، وفضح لحظة الانقلاب وتضليلها بانتحالها مهمة للتصحيح. لتؤكّد أنها هي محاولة التصحيح الفعلي. هي ثلاث لحظات: تفريط، تضليل، فتصحيح...

فالمواجهة اليوم بين 25 و 18، بين الانقلاب والشارع الديمقراطي...والباقي تفصيل.

زهير إسماعيل (باحث تونسي)

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك