القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الحراك الاحتجاجي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-12-23 12:20:00 | 1495 مشاهدة

 المقدمة:

تعيش البلاد من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها منذ فترة عدة تحركات احتجاجية اجتماعية تمثل أغلبها في اعتصامات وقطع للطرقات وغلق للكثير من المؤسسات الاقتصادية الحيوية خاصة تلك المنتجة للطاقة والفوسفاط والمنتجات الصناعية الكيمياوية ووصل الأمر حتى إلى قطع الماء الصالح للشراب وللري إلى جانب عدد كبير من الإضرابات الجهوية والقطاعية. وقد برز خلال هذا الحراك ما أصبح متداولا بكثرة ومعروفا بالتنسيقيات محليا وجهويا.

وإزاء هذه التحركات الاحتجاجية التي أخذت وتيرتها تتصاعد، وإزاء بروز هذه التنسيقيات التي صارت بمثابة هيئات مسيرة للتحركات ومنظمة للاعتصامات والإضرابات، يطرح المتابعون والملاحظون العديد من التساؤلات لعل من أهمها: ما هي أسباب هذه التحركات؟ ما هي مطالبها؟ من يقف وراءها؟ ما هي أهدافها؟ ما هي السبل الأفضل لتعامل الدولة معها؟ ما هي انعكاساتها الاجتماعية وآثارها الاقتصادية وآفاقها السياسية؟

الأسباب الظاهرة والخفية للحراك الاجتماعي:

هناك محاولات متعددة ومتنوعة لتفسير أسباب اندلاع التحركات الاحتجاجية بشكل متصاعد في الآونة الأخيرة وتنامي التحركات الجهوية والقطاعية بتنظيم وإشراف تنسيقيات فرضت نفسها ممثلة للمحتجين ومحاورا باسمهم..

لكن الأكيد أن أغلب الأسباب التي تفسر اندلاع هذه التحركات هي في المقام الأول أسباب داخلية دون أن ينفي ذلك وجود خيوط وتدخلات أجنبية إقليمية ودولية تحاول استغلال هذه التحركات وربما تأجيجها وتوسيعها في أجندات سياسية غير خفية.

  • إرث المنظومة القديمة:

من أبرز الأسباب الداخلية يمكن أن نشير إلى السياق الظرفي المتواتر منذ سنوات والمتمثل في إرث مرحلة ما قبل ثورة 2011 نتيجة ما عانته الكثير من الجهات والفئات من تهميش وفقر وبطالة وعوز وإقصاء .. وظل مفعول هذا الإرث يدفع إلى التحركات منذ سنوات خاصة في الشهرين الأخيرين من كل سنة حيث تتم مناقشة ميزانية الدولة للعام الموالي وتتجدد مطالب الجهات والفئات وتسعى إلى لفت الانتباه إلى قضاياها وانتظاراتها.

كذلك نجد تراكمات إرث الاتفاقيات أو الاختلافات مع الحكومات المتتالية لفترة ما بعد الثورة وما يمثله ذلك من غضب أو خيبة عند الجهات والفئات المعنية خاصة عند اندلاع أي تحرك في جهة أخرى أو قطاع آخر لينتشر الغضب وتمتد التحركات ككرات الثلج وكأمواج البحر.

كما كان لمضاعفات وباء الكورونا تأثير كبير في تدهور الأوضاع إزاء ما عاشه الشعب من معاناة صحية ومعيشية بالأساس. ومن جهة أخرى كان لتصاعد الخطابات الشعبوية الأثر في التأجيج والتوتير والتصعيد لما تجده هذه الخطابات الشعبوية من قبول في القلوب وانغلاق في العقول !!

كذلك نجد من أبرز الأسباب ما يتعلق بالأزمة الهيكلية للاقتصاد الوطني حيث بقينا منذ حوالي ستين سنة نعتمد منوالا اقتصاديا أدى إلى اختلال التوازن بين الجهات، هذا الاختلال الذي كان في الأصل موجودا منذ الحقبة الاستعمارية .. ومن علاماته عدم التوازن بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، وبين المراكز والأطراف، وبين جهات منتجة للثروة كالطاقة والمناجم وجهات محولة أو مصدرة لتلك الثروات الطاقية والمنجمية .. وأصبحت التحركات تنطلق دائما من جهات محرومة وبشكل خاص في الجنوب (قفصة – قبلي – تطاوين – قابس – مدنين ..) والوسط (القصرين – سيدي بوزيد ..) كما حدث خلل كبير في التوازن بين الطبقات والفئات الاجتماعية ووصل الأمر إلى ما يشبه انهيار الطبقة الوسطى التي كانت تمثل حوالي 80% من المجتمع وأصبحت اليوم أوضاعها متدهورة مقابل الثراء الفاحش والفادح لشرائح لا تزيد تمثيليتها عن 10%  من المجتمع وتحظى بأكبر نصيب من الثروة. وقد عاشت البلاد في النظام السابق ابتزاز الكثير من رجال الأعمال من طرف سلطة الاستبداد وكان ذلك ضربا مباشرا للرأسمال الوطني الذي كان يمكن أن يكون له دور أكبر وأنجع في مجهودات الاستثمار والتشغيل والتنمية.  

 

  • عبء السياسي على الاقتصادي واستفحال الأزمة الاجتماعية:

تشهد البلاد من جنوبها إلى شمالها احتجاجات اجتماعيّة تنذر بتفجير الأوضاع وقلب المسار الانتقالي الذي بدأته منذ سنة 2011..
بعيدا عن البحث في مشروعية الاحتجاجات من عدمها نحتاج إلى أن نفهم، أوّلا، سياقاتها التي تتنزل فيها وأهمها ما يتعلق بالسياق العام المتمثل في التحول الديمقراطي ثم السياق الاقتصادي والاجتماعي خصوصا.
جاءت الثورة التونسية من رحم الاحتجاجات الشعبية التي قادتها مجموعات شبابية تنتمي إلى مناطق البلاد المهمَّشة.. و لتلك الاحتجاجات يعود الفضل في قيام النظام الديمقراطيّ الذي قطعت به البلاد مع الدكتاتورية التي لم تعد قدَرًا،  وبه صارت تونس عنوانا استثنائيّا في الجغرافيا العربية.. نشأت الاحتجاجات في ديسمبر 2010 اجتماعية اقتصادية، وبفضلها دخلت البلاد في حقبة الانتقال الديمقراطي.
كان من المنتظَر أن يرافق التحوّلَ السياسيَّ تحوّلاٌ اجتماعيٌّا اقتصاديٌّا تستفيد منه الشرائح الاجتماعية التي أنجزت الثورة إلّا أنّ ذلك لم يتمّ فلم تشهد البلاد تحوّلها الاجتماعيّ إلى العدالة مثلما شهدت تحولها السياسي إلى الديمقراطية... بل إنّ جميع المؤشرات تدلّ على أنّ الأوضاع تزداد سوءا وأحوال الناس تدهورا: الفقر ينتشر وعدد المعطَّلين عن العمل يتزايد، بل إنّ الفساد قد وجد أرضية خصبة ليستفحل، ويقطع الطريق على الحلول التي كانت مأمولة.
على أنّ هذا المشهد الذي تعيشه بلادنا ليس بدعة، ذلك أن مختلِف البلاد التي عاشت تحولاتها الديمقراطية مرّت بمثل ما تشهده تونس من تعقيدات. وبقيت النخب السياسية رغم منجزات الانتقال الديمقراطي عاجزة عن المرور بالبلاد إلى انتقال اجتماعي اقتصادي طال انتظار الناس له وضاعت فيه الأماني.
مع الموجة الثانية من جائحة كورونا زاد الأمر سوءا وخيّم الكساد على أغلب مرافق الدولة وزادت الأوضاع سوءا، وعادت الأسباب الداعية إلى الاحتجاج بقوّة.
وكان من نتائج ذلك
على الصعيد السياسي:

صعود ظاهرتين مَرَضِيتين تتمثلان في الفاشية والشعبوية حيث استفادتا من تدهور الأوضاع الاجتماعية ورأى فيهما كثير من المتضررين واليائسين ملاذا.. وما كان منهما إلّا أن راكمتا اليأس.. لأنّهما أعادتا الصراع إلى المربّع السياسيّ الذي صار مجالا لعبث تديره نخب لا مسؤولة تزيد المواطن قهرا على قهره.. وعادت البلاد إلى صراع حول الصلاحيات وحدودها والنظام السياسية وجدواه.

على الصعيد الاجتماعي:
•       تنامي أسباب اليأس وفقدان الثقة وترشّح الأوضاع للانفجار.. إذ انتهت فئات الشعب المهمَّشة التي طال بها الانتظار إلى أنّ القوى السياسية لم تفعل غير تحسين أوضاعها وزيادة نفوذها وتأثيرها.. وقد تساوى لديها الجميع.. وزادت النقمة على السياسيين بلا استثناء.

•       
مناخ الحرية جعل ما كان يكبته النظام السلطويّ من تعبيرات الاحتجاج ممكنا  وصار بإمكان المواطن أن يرفع صوته في وجه الدولة ويكيل لها شتّى التهم وقد باتت عاجزة عن حمايته.

 

نتائج وخيمة لمنوال عقيم:

كلما اتّسعت دائرة الاحتجاجات الاجتماعيّة بتونس كلما تصاعدت أصوات تنادي بضرورة تقليص الفوارق الاقتصادية بين الجهات واتخاذ الإجراءات اللازمة للحدّ من ظاهرة التهميش.

الاختلاف بين الآراء يبدأ عند محاولة تفسير هذه الظاهرة والسعي لإيجاد حلول تكفل الحدّ من وتيرتها عاجلا قبل القضاء عليها آجلا. تجدر الإشارة هنا أنّ غالبيّة الأطراف المعنيّة تتبنّى رؤية مبتورة  إذ تمنح للقرار السياسي الدور الأكبر، إن لم نقل الحصري، في معالجة الفوارق الاجتماعية. تصوّر من هذا القبيل وعلى هذه البساطة من شأنه أن يجعل نار الاحتجاجات مستعرةً كما أنّه يفتح المجال أمام الاستثمار السياسوي والابتزاز بكلّ أنواعه.

للأسف فإنّ الأزمة أعمق من أن تُحلّ بقرارات سياسيّة أو ببعض التوافقات الاجتماعية التي من شأنها أن تُخمد الاحتجاجات فترة قبل أن تنطلق مجدّدا بشكل مغاير ومع تقلّصٍ متزايد من مقدرة الدولة على السيطرة عليها.

وفي محاولة لفهم أسباب الفوارق الاجتماعية والاحتجاجات المترتبة عنها من منطلق اقتصادي. نؤكد على أنّ ظاهرة الفوارق والتهميش رغم ما تخلّفه من مآسي فإنّها تمثّل عاملا متأصّلا لضمان استمرارية المنوال الاقتصادي الراهن القائم على استراتيجية تشجيع الصادرات والذي تمّ اعتماده رسميّا سنة 1972، وذلك باعتبار أن سياسة تشجيع الصادرات باتت العمود الفقري للاقتصاد التونسي فلا يمكن التطرق الى الواقع الاقتصادي التونسي دون الخوض في تقييم لهذا التوجه الاستراتيجي.

وقع اعتماد سياسة تشجيع الصادرات رسميا سنة 1972 . من الناحية الاقتصادية البحتة فإنّ المقدرة التنافسية للصادرات التونسية ترتكز أوّلا على اليد العاملة الرخيصة وثانيا على الإعفاءات الجمركية  التي تمتعت بها تونس من جانب الطرف الأوروبي.

بعد ما يقارب الخمسين سنة من اعتمادها لم يقع إلى حدّ الآن تقييم سياسة تشجيع الصادرات كما يُفترض أن نفعل مع كل استراتيجية. وهنا نتحدث عن تقييم صادر عن مؤسسة رسميّة. الإشكال أنّ الدولة أقرّت عمليّا بفشل هذه الاستراتيجية حيث أنّها بعد 14 سنة من تطبيقها، وهي فترة قصيرة جدّا من منظور الزمن الاستراتيجي، لجأت تونس إلى صندوق النقد الدولي لإجراء برنامج الإصلاحات الهيكليّة.

سنة 1995 انضمت تونس إلى المنظمة العالمية للتجارة وأمضت على اتفاقية شراكة مع المنظومة الأوروبية تنص على تحرير المبادرة وفتح الأسواق الداخلية أمام المنتوجات الأجنبية. كان يؤمّل من هذه الشراكة أن تساهم في تجاوز النقائص المرتبطة بسياسة تشجيع الصادرات عن طريق إرغام الشركات المصدِّرة التونسية على  استبدال امتيازها المقارن التقليدي (القائم على اليد العاملة الرخيصة والدخول الحرّ للأسواق الأوروبية) بآخر يعتمد بشكل متزايد على روح الابتكار والإبداع. هذه التطورات كان يُفترض أن تمكنّ الشركات التونسية من الصمود أمام المنافسة العالمية فيرتفع حجم صادراتنا وتزداد معدلات النموّ .....

فماذا كانت النتيجة

  • الشركات التونسية لم تستجب إلى التحدي التكنولوجي بل زاد تكلّسها واعتمادها المجحف على اليد العاملة منخفضة الأجر خاصة بعد إلغاء الإعفاءات الجمركية التي كانت تتمتع بها من قبل الشريك الأوربي.
  • النتيجة أنّ تحسين المقدرة التنافسية ودعم الصادرات أضحت تقوم بشكل يكاد يكون حصريا على الضغط على الأجور.
  • حتّى في الفترات التّي شهدت فيها تونس معدّلات نموّ إيجابيّة فإنّ هذا لم يُفضي إلى دعم المقدرة الشرائية للمواطن أو تحسين شروط إنشاء مشاريع تنموية.
  • الدولة انخرطت في هذا التوجه من منطلق أنّ التصدير يمثل أولويّة قصوى
  • لم نشهد اتساع دائرة المنتوجات المصدرة بل إنّ درجة التخصص  قد ارتفعindice dd spécialisation . لا يخفى أنّ القطاعات المصدّرة تعدّ على الأصابع ولم نرى ارتقاء في الكثافة التكنولوجية للقطاعات المصدرة.
  •  الإشكال أنّ الدولة لم تحفز الشركات لخوض غمار المنافسة الدولية والاستجابة لتحدياتها على أرضية تحسين مردوديتها بعيدا عن الإجراءات الحمائية التي لا زالت تتمتع بها إلى الآن.
  • كبرى شركات التصدير أصبحت في نفس الوقت من أكبر شركات التوريد. و إنّ تعويم السوق المحلية بالمنتوجات الأجنبية جعلها تؤثر على الأسعار المعتمدة بما في ذلك أسعار المنتوجات التونسية.
  • التسهيلات المقدمة لقطاع التصدير  من جانب وغض الطرف عن تجاوزاته من جانب آخر جعله يتحوّل إلى وسيلة مثلى لتهريب العملة الصعبة.
  • طبعا من آثار تهريب العملة الصعبة هي الزيادة في التضخم. لكن من المؤسف أنّ السياسة المالية المعتمدة للحدّ من ظاهرة التضخم هي الترفيع في معدّلات الفائدة البنكية ما يؤثر سلبا على المستوى المعيشي للمستهلك ويقلّص من فرص الاستثمار كما أنه يمثل عائقا أمام المستثمرين الجدد لدخول السوق.
  • الحالة الاقتصادية التونسية تعج بتشوهات تتعارض مع الفعل الاقتصادي الطبيعي. مثلا المنتوجات التونسية في بعض البلدان الأوروبية تباع بأسعار أرخص بالدينار من أسعارها بتونس.  

إن التغيير المطلوب الذي يمكن استنتاجه آليّا بالنظر إلى ما طرح آنفا يتمثل في التقليص من وزن القطاعات التصديرية التي لا تنتعش إلاّ عبر تفقير وتهميش متزايد للشعب التونسي. يعني الخروج من الاختصاصات التفقيرية.

ما هي الوسائل؟؟؟

إن إنجاح هذا التوجه يستلزم إجراء تغييرات متعددة المستويات  (قانونية، جبائية، مالية، بنكية....).

  • من بين هذه الإجراءات ما يتعلق بتحفيز الشركات على انتداب يد عاملة متخصصة وعالية الكفاءة.
  • إثقال كاهل الشركات بكراس شروط مكثّف تفرض الدولة من خلاله معايير بيئية، شفافية المعلومات، السلامة، ما يُلزم الشركات على انتداب يد عاملة متخصصة وعالية الكفاءة
  • فرض شهادة كفاءة في المهن والحرف....
  • سيفتح هذا سوق التكوين والتعليم ويرفع من مستوى جودة المنتوجات الصناعية 
  • الترفيع في الأجور الناجم عن هذا التوجه سيفرض على الشركات البحث عن عوامل تنافسية تقوم على ترشيد استهلاك الموارد، حسن الإدارة، الابتكار، المبادرة.....
  • إعادة النظر في الخدمات البنكية. أسعار الخدمات البنكية. هذا من شانه أن يقلص من التضخم.

على مستوى التنزيل لا بد من مراعاة مسألة التدرج في بعض السياسات والتزامن والترابط في ما يخص سياسات أخرى.

الأكيد أنّ تحويل التوجهات الاستراتيجية قد يؤدي إلى خسائر آنية، ولكنها عمليّة  ضرورية للحد من التشوهات المترتبة عن الوضع الاقتصادي الراهن والتي ليس لها من نتيجة أخرى غير تفقير وتهميش المواطن.

أمام امتداد الاحتجاجات الاجتماعية وتصاعدها.. أي دور  للحكومة؟

المهم أنّ الحقيقة البازغة بزوغ الشمس في الضحى اليوم، هو أننا قد وصلنا إلى حدّ أنّ عشرة أنفار أو أقل من ذلك قادرون على تعطيل مُنشأ حيوي فقط احتجاجا على عدم ورود أسمائهم في إحدى المناظرات الوطنية. وصلنا إلى حدّ أنّ بضعة أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة لهم من القدرة ما يجعلهم يقطعون طريق ويغلقونه ويعطلون مصالح العباد ويفرضون عليهم الأمر الواقع فقط بسبب رفع عدّاد ماء لأحد المنازل. وصلنا إلى حد أنّ مصانع تعمل منذ أكثر من عقود وتشغّل الآلاف من اليد العاملة تُغلّق أبوابها ويُرحّل أصحابها بسبب بضعة أنفار قرّروا أن يغلقوها إذا لم يحصلوا على زيادة في الأجر أو الترسيم.

أكيد أنّ الاضراب مكسب يكفله الدستور وحق مشروع لا نزاع فيه، وأكيد أيضا أنّ حالة الخصاصة والتهميش والحيف الاجتماعي الذي تعانيه العديد من المناطق في البلاد منذ عقود كان في غالب الأحيان سببا مباشرا في كثير من الإضرابات والاحتجاجات والاحتقان الاجتماعي، ولكن الأكيد أيضا أنّ  الإضراب و إن كان شرعيا، فإن المبالغة في اللجوء إليه والتعسف في استعماله بشكل طوفاني ومتواتر من شأنه تخريب اقتصاد البلاد، فحق الإضراب يجب أن لا يكون بتعطيل العمل وإفساد الاقتصاد.. حق الإضراب يجب أن لا يكون على حساب حقوق الغير.. حق الإضراب يجب أن لا يكون دمارا شاملا للبلاد، حق الإضراب لا يعني فرض عملية انتحار جماعي قسري على الجميع..

اليوم نحن أمام حقيقة ثابتة لا مناص منها ولا خلاف، وهو أنّ تونس تتخبط في أزمة خانقة بسبب كثرة الإضرابات والاعتصامات العشوائية التي أنهكت الاقتصاد، وعطلت الإنتاج والتصدير. اعتصامات شملت جل القطاعات الحيوية كالفوسفاط الذي شهد تراجعا في الأرباح بقيمة 700 ألف دولار تقريبا أو يزيد، بفعل تعطيل استخراجه وتحويله وتصديره، من جرّاء الاعتصامات التي يشنها إمّا عاطلون أو عمّال تعرضوا لحوادث شغل أو مطالبون بالزيادة أو متقاعدون يشكون من تدني معاشاتهم، أو محتجون على نتائج المناظرات. ولا أحد من يستطيع اليوم أن ينكر أنّ الأوضاع التي يعيشها قطاع الفوسفاط في غاية الخطورة، وأننا نعاني من توقف عمليات الإنتاج والتصدير وفشل في الوفاء بالتزاماتنا تجاه عملائنا الدوليين فيما يخص تزويدهم بهذه المادة.

الحقيقية البينة التي نعيشها اليوم، هو أنّ آلاف الإضرابات والاعتصامات العشوائية التي لا تنتهي أدت إلى تخريب الاقتصاد الوطني وانكماش الاستثمار وتعطيل المرافق العامة والإضرار بمصالح المواطنين، واستفحال عدد العاطلين عن العمل، وإهدار المال العام واختلال التوازنات المالية العامة للبلاد، وأجبرت الحكومات المتعاقبة على اللّجوء إلى الاقتراض العشوائي لتلبية مطلبية مشطة.

الحقيقة الثابتة التي لا مفر منها هو تدني المؤشرات الاقتصادية الواقعية، معدلات نسب النمو السلبية، تفاقم العجز التجاري الذي جعل البنك المركزي يحذر في أكثر من مرة من جدية المخاطر التي تهدد التوازنات المالية العامة للبلاد، عجز متفاقم في ميزانية الدولة وعجز على تغطيته وإيجاد التمويلات الضرورية له، ونسبة المديونية العالية وتعهدات تونس المنهكة مع الجهات المانحة والمقرضين الدوليين. وهو ما جعل الكثير من الخبراء والمراقبين يتوقعون أن تكون السنة القادمة شاقة وصعبة على تونس بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتردية.

إن المتابع للشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي ببلادنا، لا يستطيع أن يحجب الأضواء الحمراء التي تُطل علينا من البورصة، ومن البنك المركزي، ومن عديد البنوك الخاصة والعامة بالبلاد، ومن مؤسسات تصنيفية دولية وكلها تدق نواقيس الخطر ونحن عن هذا غافلون.

ونعود مرة أخرى لنقول أنّ المطالب الاجتماعية العادلة مشروعة في معظم الأوقات، وهي عادة تهدف إلى تثبيت حق أو رفع مظلمة حاصلة، وهي دليل على وجود نبض حي في المجتمع ويقظة مجتمعية تحصن من أي استبداد أو حيف يمارس باسم الدولة ومؤسساتها.

ولكن ممارسة هذا الحق إذا أخذ طابعا تدميريا تُستقدم فيه أخطار واسعة التأثير ضد الدولة وضد مواطنيها، يفقد كل مشروعيته. الأوضاع السيئة موجودة والحيف الاجتماعي واختلال التنمية بين الجهات حقيقة لا يمكن إنكارها أو إخفاؤها، لكن إصلاحها لا يكون بإضعاف الدولة وتحدي سلطة القانون. إن تحدي القانون وسيادة الفوضى وغياب منطق المصلحة العليا للبلاد هي من مظاهر تحدي الدولة وخطوة نحو إسقاطها. فإن كانت المطالبة بالحقوق مبرر لتجاوز القانون، فإن سقوط الدولة سيفقدنا كل الحقوق.. فالدولة تظل الخيمة التي يستظل بها الجميع ويجب ألا تسقط مهما كانت الظروف.

الخاتمة:

إن تخصيص الثروة للإنتاج والاستثمار وتحقيق النمو والإقلاع نهائيا عن تبديد الموارد الطبيعية في تغطية النفقات الجارية هو المدخل الضروري لتغيير منوال تنمية المناطق وخلق الثروة الوطنية المستدامة..  هذا التوجه يسمح للدولة باستعادة دورها في التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتمويلها بمصداقية كما يحمّل الجهات مسؤولياتها في تثمين الثروات و حسن توظيفها وإدماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية دون تعطيل ودون تخريب.

في هذا السياق على الدولة الحرص على تخفيف وتيرة الاحتقان الاجتماعي والنجاح في التوصل إلى مساحات مشتركة مع المحتجين والجهات المنتفضة. وأن تكون حاضرة تواصليا بكثافة وبقوة، مع الجهات والمحتجين وأن تقوم بالمصارحة والمكاشفة اللازمتين لتتحمل كل الأطراف السياسية والاجتماعية، المركزية والجهوية مسؤولياتها في الحفاظ على التوازن الاقتصادي ووحدة الدولة.

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية  (وحدة التقدير السياسي(

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك