القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الجزائـــــــر .. عكنان

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-01-28 14:41:00 | 2879 مشاهدة

قراءة تاريخية في قضية"الصحراء الغربية"

وكيف استغلتها فرنسا لحصار الجزائر 


 

ملخص الدراسة

إنّ "قضية الصحراء الغربية" كانت وماتزال موضوع النزاع الأبرز والأهم بين كل من الجزائر والمغرب، ولعلّ "سايكس وبيكو" كانا حاضرين في ذلك النزاع، بروحهما وفلسفتهما وأيديولجيتهما، وبأسلوبهما المحترف في خلق كل مُكونات النزاع التي لا تنتهي بين الدول والشعوب. سايكس وبيكو اللذان ظهرا إلى الوجود عندما كانت كلٌّ من الجزائر والمغرب نرزحان تحت نير الاستعمار الفرنسي "احتلالا للأولى" و"ادعاء حماية للثانية"، واللذان قسَّما المشرق العربي على ذلك النحو الذي ما نزال نعاني من تبعاته حتى اليوم، ليس سياسيا فقط بل – وهذا هو الأهم – وثقافيا أيضا، سايكس وبيكو هذان يجب أن نَكُفَّ عن النظر إليهما بوصفهما شخصين ميكافليين ماكرين عرفا كيف يخدمان مصالح بلديهما في البقايا العربية المشرقية من تركة "الرجل المريض" – الدولة العثمانية – بتلك الاتفاقية التي أصبح الدفاع عن مخرجاتِها ثقافةً تؤسِّس لسياسات دول عربية، وتؤصِّل لإستراتيجيات قوى سياسية تعتبر نفسها وطنية وقومية.. 

 

مقدمة الدراسة

الأوربيون الذين أُفَضِّلُ تسميتَهم بـ "المُستهدِمين" اشتقاقا من "الهدم" بدل "المُستعمِرين"، لأن كلمة "مستعمِر" كلمة إيجابية مشتقة من "الإعمار"، وهي من هنا تعني "البناء" و"الإنماء"، لا يستحقونها بعد الذي فعلوه في هذا العالم. الأوربيون هؤلاء سرقوا من أرض العراق التاريخية قطعة صغيرة أسموها "الكويت"، وقسموا أمة "الكرد" بين أربع دول، وانتزعوا أرضا إفريقية أضافوها للسودان، واقتطعوا مناطق عُرِفَت تاريخيا بأنها يمنية ومنحوها لآل سعود، وسرقوا من الليبيين "إقليم أوزو" ومنحوه لتشاد، وسرقوا من العرب منطقة "الأهواز" المعروفة بـ "إقليم خوزستان" أو "عربستان" وجعلوه إيرانيا، ومن أرض الصومال العربية انتزعوا "إقليم أوغادين" ليصبح كينيا، وسوريا الكبرى قسموها إلى أربع دويلات هزيلة بعد أن سرقوا منها لواء "الإسكندرونة" وأبقوه تركيا، أصبحت لكل دويلة منها هوية مصطنعة تدافع عنها ثقافة آثمة أكثر اصطناعا، ومن المغرب التي كانوا "يستهدمونها" قضموا مساحات جنوبية شاسعة كانوا أيضا "يستهدمونها" هي "الساقية الحمراء ووادي الذهب"، المعروفة بالصحراء الغربية في الخطاب السياسي الجزائري، وبالصحراء المغربية في الخطاب السياسي المغربي، لتصبح محلا لنزاع مستفحلبين النظام المغربي وسكانها من جهة، وليتولد بسببها نزاع بين المغرب والجزائر من جهة أخرى.. وهكذا دواليك.

 

مدخل تاريخي لابد منه

كانت مساعدة المغرب للجزائريين بعد استسلام العثمانيينوتنازلهم عن الجزائر للفرنسيين، نافذة يطلون منها على الأمل ويتنفسون منها عناصر الدعم للمقاومة. فقد بادر سكان مدينة "تلمسان" الواقعة في أقصى الغرب الجزائريبإرسال وفدإلى مدينة "مكناس" المغربية"طالبوا فيهابدخولهم تحت الطاعة المغربية عن طريق تقديم البيعة والولاءللسلطان المغربي"المولى عبد الرحمن"، وهي المبادرة ذاتهاالتي أقدمت عليها قبائل جزائرية أخرىكـ "أولاد رياح"، و"أولاد السيد مجاهد"، و"أهل مدينة معسكر" التي كانت مقرا لقيادة المقاومة المنظمة تحت إمرة "الأمير عبد القادر الجزائري".

ولقد تم ذلك بعد أن قام السلطانالمغربي سالف الذكر بتعيين"علي بن سليمان" واليا على "تلمسان" .ومن هذا المنطلقفقد فرضت العلاقة الجديدة التي قامت بموجب عقد البيعة والولاء هذا،تقديم يد المساعدة من الجانب المغربي للجانب الجزائريعلى جميع المستويات، وهي المساعدة التي أسفرت عن عواقبمؤلمة للمغرب على صعيد مستقبلهالسياسي والاقتصادي والاجتماعي،أدت إلى مواجهات عسكرية بين الفرنسيين والمغاربة كانت خاتمتها هزيمة المغرب في معركة "إسلي"، ما شجع الفرنسيين على التطاول على السيادة المغربيةبعد التوقيع على اتفاقية"للامغنية"بين الطرفين في سنة 1845 والتي تمكن الفرنسيون بمقتضاها من استكمال احتلال المناطق الجزائرية التي كانت قد دخلت في الطاعة المغربية فضلا عن اقتطاع أجزاء عديدة منالتراب المغربي، سواء في شرقه أو في جنوبه وضمها إلى الجزائر التي كانت قد أصبحت أرضا فرنسية، إلىدرجة أن بعض القبائل المغربية كانت تقسَّم الى شطرين كقبائل "أولاد سيدي الشيخ"التي قسمت إلى أولاد "سيدي الشيخ غرابة" أي التابعة للمغرب، وأولاد "سيدي الشيخالشراقة" التابعة للجزائر المحتلة. هكذا تكرست النعرة الإقليمية بين الطرفين،ولقد كانت لها نتائج وخيمة في مرحلة ما بعد الاستقلال،وخاصة بعد أنتحفَّظ الجزائريون على مبدأ العودةإلى الحدود الأولى التي كانت مرسومة بين المغرب والجزائر قبل دخول الفرنسيين،والمعترف بها بمقتضى معاهدة "طنجة" لسنة 1844، والتي كانت تَعْتَبِر "وادي تافنا" حدافاصلا بين المغرب والجزائر منذ خضوع هذه الأخيرة للحكم العثماني.

ولقد بدأت تظهر مُكَوِّنات الأزمة الحدودية بين البلدين مع بواكير عهد الاستقلال الجزائري عندما تحفَّظت الجزائر على الإسراع والتعجل في إعادة ترسيم الحدود بين البلدين على أساس اتفاقية "طنجة لعام "1844"، فاندلعت حرب بين البلدين أطلق عليها "حرب الرمال" عام 1963، وسادت علاقاتهما الكثير من التوترات والمُنَغِّصات، إلى أن دخلت على خط هذا النزاع الحدودي قضية جديدة كشفت عن المخزون الحقيقي من مولدات ذلك النزاع، ألا وهي قضية "الصحراء الغربية" التي هي إقليم صحراوي يمتد على حدود واسعة بين المغرب وموريتانيا والجزائر، وبسواحل طويلة على المحيط الأطلسي، وبمساحة إجمالية للإقليمتقدر بـ "266" ألف كيلومتر مربع، وهو ينقسم إلى قسمين هما: الساقية الحمراء شمالا، ووادي الذهب جنوبا.

بعد استقلال دول المغرب العربي، تحول الصراع على الصحراء الغربية ليكون بين دول إقليمية أخرى هي المغرب وموريتانيا والجزائر. فبعد أن كانت الصحراء الغربية مستعمرةإسبانية منذ العقد الأول من القرن العشرين وحتى عام 1976، حين تمَّ الجلاء عنها بموجب الاتفاق الثلاثي بين إسبانيا والمغرب وموريتانيا عام 1975، إلا أنه مع هذا الاتفاق ظهرت إلى حيِّز الوجود قوة أخرى تطالب باستقلال الإقليم، وهي جبهة البوليزاريو التي أعلنت في 27 فبراير 1976 قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، بدعمٍ كامل ومطلق من "الجزائر".

بدأت المواجهات العسكرية بين أطراف النزاع مع مغادرة القوات الإسبانية للصحراء الغربية في 26 فبراير 1976 ودخول القوات المغربية إليها على قاعدة اعتبارها أراضٍ مغربية استقلت عن الاحتلال الإسباني.ومنذ ذلك التاريخ تحولت مشكلة الصحراء الغربية إلى واحدة من أدق وأخطر وأعقد المشكلات التي تهدد دول المغرب العربي كلِّه، ودخلت أطراف إقليمية أخرى إلى دائرة النزاع، تريد أن تجد لنفسها دوراً سياسيا في المنطقة، ومع فشل احتواء النزاع عربياً وإفريقياً، تحول إلى الأمم المتحدة التي ما زالت تعمل حتى الآن على إيجاد أسلوب مناسب توافق عليه كافة الأطراف لإنهاء النزاع على أساسه.

إلا أن موريتانيا وفي وقت متقدم من النزاع وبعد أن كانت طرفا أساسيا فيهوأسَّسَت لحقوقها التاريخية في جزء من الصحراء الغربية بادعاء أن لسكان الإقليم نفس التقاليد والعادات التي لدى الشعب الموريتاني،لتطالب على هذا الأساس بالجزء الجنوبي من الصحراء الغربية، وهو ما يطلق عليه اسم "إقليم الداخلة"،ما لبثت أن تراجعت عن مطلبها في هذا الإقليم لصالح المغرب عام 1979، وهو التراجع الذي بموجبه انسحبت موريتانيا بصفة نهائية من الجزء الذي كانت تحتله من تراب الصحراء الغربية لتستولي عليه المغرب.

بعد هاتين المقدمتين التاريخيتين الضروريتين، سنبدأ بالسباحة في بحور هذه الأزمة المستعصية بين الجزائر والمغرب، وسوف نعرض لها من خلال مناقشة المحاور الثلاثة التالية:

المحور الأول.. الخلافات الحدودية الجزائرية المغربية كجذر لنشوء النزاع حول الصحراء الغربية

المحور الثاني.. المبررات التي ساقتها الجزائر للوقوف ضد مغربية الصحراء الغربية هل هي حقيقية؟!

المحور الثالث.. التذبذات في مواقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية

 

المحور الأول.. الخلافات الحدودية الجزائرية المغربية كجذر لنشوء النزاع حول الصحراء الغربية

أ –تحفظ الجزار على مبدأ ترسيم الحدود بين البلدين

إن أول مشكلة برزت بين المغرب والجزائر بعد حصول هذه الأخيرة على الاستقلال عن فرنسا في الخامس من شهر تموز عام 1962، هي مشكلةالحدود التي أدت إلى اندلاع حرب الرمال بين البلدين سنة 1963. فالجزائر تشبثتبالحدود التي رسمها الاحتلال الفرنسي، ولم تبدِ رغبة في تطبيقالاتفاقية التي أبرمتهاالحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة "فرحات عباس" مع المغرب في 06/07/1961 والتيجاء فيها:

"وفاء لروح مؤتمر طنجة المنعقد في شهر أبريل 1958، ونظرا لتعلقهاالمتين بميثاق الدار البيضاء، والقرارات المتخذة من قبله، تقرر الحكومتانالسعي لبناء المغرب العربي على أساس المشاركة الأخوية في المجال السياسيوالاقتصادي، وتؤكد حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب، مساندتها غير المشروطةللشعب الجزائري في كفاحه من أجل الاستقلال والوحدة الوطنية، وتعلن عن دعمهابدون تحفظ للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في مفاوضاتها مع فرنسا على أساساحترام وحدة التراب الجزائري، وستعارض حكومة صاحب الجلالة ملك المغرب بكلالوسائل المحاولات الرامية إلى تقسيم أو تفتيت التراب الجزائري. وتعترفالحكومة المؤقتة من جانبها، بأن المشكل الترابي الناشئ عن تخطيط الحدودالمفروضة تعسفا فيما بين القطرين، سيجد حلا له في المفاوضات بين الحكومةالمغربية وحكومة الجزائر المستقلة. ولهذا الغرض تقرر الحكومتان إنشاء لجنةجزائرية مغربية في أقرب أجل لبدء دراسة المشكل وحلِّه ضمن روح الإخاء والوحدةالمغاربية".

لقد بدأت تتكشف بما لا يحتمل أيَّ شكٍّ أو تأويل مظاهر الأهمية الاقتصادية للأراضي المتاخمة في منطقة "تندوف" وخاصة في المنطقة المعروفة بـ "غار جبيلات"، وهي المناطق الواقعة بحسب اتفاقية طنجة لعام 1844 ضمن الأراضي المغربية وليس الجزائرية. سيما بعد أنتأكد وجود خام الحديد فيها باحتياطات مهولة تحتاجها الصناعة العالمية عموما والأوربية خصوصا. وقد اتضح هذا الأمر من خلال التقرير الذي أعدته إحدىالشركات الفرنسية المكلفة بدراسة استغلال الحديد في المنطقة في تلك الفترة، والذي أفادبأننسبة خام الحديد في المنطقة يبلغ 75 %. وأن هذا الإنتاج إذا أضيف إلى إنتاجموريتانيا الكبير، سيمثل نسبة 50 % من احتياجات السوق الأوروبية المشتركة.

إذن فقد ظهرت للمناطق لتلك المناطق الحدودية أهمية جيوسياسية خطيرة، كشفت عنها مخزوناتها الهائلة من مورد الحديد الذي يمثل عصب الصناعة الحالية في العالم. وهو ما يعني أن الجزائر التي تملك الغاز والنفط بصفتهما عصب الطاقة، إذا امتلكت الحديد على هذا النحو الهائل، فإنها لن تغدو دولة تؤسِّسُ لنفسها صناعيا على نحو غير مسبوق، بل هي ستغدو أيضا متحكمة في احتياطيات هائلة من عصب الصناعة العالمية والأوربية على وجه الخصوص. وبالتالي فلم يعد في نظر القادة الجزائريين الجدد بالإمكان التعامل مع هذه الأراضي بالنزعة الأخلاقية الساذجة التي عليها أن تلتزم بمعطيات اتفاقيات أكل عليها الدهر وشرب وبادت منذ عشرات السنين. وعلى هذا العنصر الاقتصادي الهام قامت وتأسَّسَت الأسباب غير المعلنة لموقف الجزائر من مسألة إعادة ترسيم الحدود مع جارتها "المغرب".

ولكن هذا السبب العميق والدفين لا يمكن إعلانه ولا الاعتماد عليه بشكل واضح في عالم السياسة، لأنه يتعارض أصلا مع فكرة وفلسفة الثورة والاستقلال والتحرير التي قامت عليها الدولة الجزائرية، والتي قدم الشعب الجزائري لأجلها مئات الآلاف من الشهداء، بل والتي تعاطف معها العالم واحترمها لأجلها من حيث المبدأ. فدولة قامت على فكرة التحرر من الاحتلال الغاصب للأرض والثروات، ليس منطقيا ولا مقبولا أن تمارس الأمر نفسَه مع جار وقريب وشريك في الجغرافيا والقومية والدين والتاريخ. وبالتالي فقد كان من الضروري للقيادات الجزائرية الجديدة من أن تبحثَ لنفسها عن مبررات تكون أكثر إقناعا، تغطي بها تنكُّرَها لما وعدت به من استعداد لترسيم الحدود مع المغرب بعد الاستقلال كما أوردنا سابقا.

وهذا يقودنا إلى ضرورة كشف حقيقة القيادات الجزائرية الجديدة التي تحكمت في الدولة بعد الاستقلال، وكيف كانت تفكر، وما هي جذورها الفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وطبيعة الخلافات والتناقضات القائمة بينها، وكيف حاولت الخروج من مآزق التنافر المستحكمة في صفوفها، فإن في ذلك ما يساعدنا على سبر الحقيقة في هذا الموضوع.

 

ب – طبيعة عقلية وتكوين الفاعلين في النظام الجزائري ما بعد الاستقلال:

التحق بمؤسسات الدولة الجزائرية الناشئة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية،المئات من الضباط الجزائريين الفارين من الخدمة العسكرية الفرنسية، أو ربماالمبعوثين سرا واختراقا إلى الجزائر، من أولئك المتشبعين بدروس وافرة من طرف محتل الأمس الذي ما يزالون يدينون له بالتبعية والولاء الثقافيين، أكثر من تبعيتهم وولائهم لدولتهم المستقلة، إلا بقدر ما تكون هذه الدولة قادرة على تحقيق مصالحهم التي تشبعوا الولاء والانتماء لها بموجب تلك الثقافة، فضلا عن تمركز فئات من الطفيليين المحليين الذين كوَّنوا ثرواتٍ عبر علاقات مشبوهة مع الاحتلال الفرنسي، ومن خلال شراء مخلفات المستوطنين الفرنسيين الهاربين بأبخس الأثمان، من عقارات وورش صناعية ومصانع.. إلخ. 

لعل أحد الأسباب الرئيسة في ذلك يعود إلى الحرص على البحث عن أسلوب يضمن خلق توَجُّه وحدوي بينالاتجاهات المتصارعة داخل "جبهة التحرير الوطني"التي كانت تمثل الحزب الحاكم آنذاك. حيث أنه خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي كانت هناك عدة اتجاهات سياسية لحركةالتحرر الوطني في الجزائر، نشير هنا إلى طبيعة تصوراتها المتضاربة أيديولوجيا، لكي نفهم العواملالمُتَحَكِّمَة في طبيعة النظام السياسي الجزائري والمُحَدِّدَة لسياسته الخارجية بعد الاستقلال:

أ - الاتجاه اليميني: وكان يضم نخبة من الشباب الجزائري الذي ارتوى من الثقافةالغربية، وخاض بعضُ عناصره تجربة الحرب في صفوف الجنود الفرنسيين خلال الحرب العالمية الأولى، كالأمير "خالدبن محي الدين"،حفيد الأمير "عبد القادر الجزائري"، والذي أنشأ هيئة سياسية تحتاسم "وحدة النواب الجزائريين"، كرست جهدها للمطالبة بتحقيق المساواة بينالجزائريين والفرنسيين، والعمل على إلغاء القوانين الاستثنائية، والسماحللجزائريين بالدخول إلى مجلس النواب الفرنسي. غير أن هذا الاتجاه سرعان ما تطور إلى فكرة إدماج الشعب الجزائري في السيادةالفرنسية، بمعنى ذوبان الجزائر اجتماعيا وثقافيا وسياسيا في فرنسا. وهو ماعبر عنه الصيدلاني "فرحات عباس" في جريدة "الوفاق" سنة 1936 عندما قال:

"لو اكتشفتُالأمة الجزائرية لكنت وطنيا، وما احمرَّ وجهي من ذلك كما أحمرَّ من جريمة، علىأنني لن أموت من أجل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن لا وجود له".

غير أن هذه التجربة آلت إلى فشل وزوال، نظرا لرفض الجزائريين والفرنسيين لها كلحسب تفسيراته لسياسة الإدماج. فالفرنسيون رأوا أنه لا يعقل أن يتم إدماجالأغلبية الجزائرية في الأقلية الفرنسية، لأن هذا سيقلب الموازين الديموغرافية، ويجعلتلك الأقلية الفرنسية تفقد السيطرة والنفوذ على الأغلبية الجزائرية. أما الجزائريون، فقد رفضوا فكرة الإدماج لأنها في نظرهم بمثابة تخلي منهم عن الدين وعنالقومية.

يذكِّرُنا هذا الوضع بالثقافة نفسها التي تسود الجسد الوطني الفلسطيني حاليا في سياق حركة التحرر الوطني الفلسطينية، حيث أن هناك دعاة لحل الدولتين الذي يناظره في الحالة الجزائرية دعاة التمييز بين الجزائر وفرنسا هوياتيا وقوميا ودينيا.. إلخ، ودعاة حل الدولة الواحدة الذي يدعو إلى دولة ديمقراطية تتكون من العرب واليهود معا في كيان سياسي مشترك، وهو ما كان يناظره في الحالة الجزائرية دعاة الاندماج مع فرنسا، ولكن وكما أن فرنسا رفضت الحل الاندماجي لأنه سوف يُغَلِّب من الناحية الديموغرافية، الأكثرية العربية المسلمة على الأقلية الفرنسية المسيحية، فإن إسرائيل والحركة الصهيونية ترفضان هما أيضا حل الدولة الماحدة الاندماجي للأسباب نفسها.  

ب - الاتجاه اليساري: وقد ظهر بعد الحرب العالمية الأولى في شكل جمعية "نجم شمالإفريقيا"التي ضمت مجموعة من العمال المهاجرين من شمال إفريقيا إلى فرنسا. ويعتبر"مصالي الحاج" هو مؤسس هذه الحركة التي بدأت في نشاطها سنة 1926،وقد كانتمهمتها تتلخص في الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية لعمال شمال إفريقياالعاملين بفرنسا، والعمل على توعيتهم وتثقيفهم وإشعارهم بأهمية انتمائهم إلىالقومية العربية الإسلامية، وبضرورة الدفاع عن استقلال بلادهم، وبلدان شمالإفريقيا. وقد ربطت هذه الجمعية بين فكرة التحرر السياسي والإصلاحالاجتماعي. غير أن مضايقات السلطات الفرنسية لها، جعلها تتحول إلىالعمل في السر، وقد كان اسمهايتغيَّر من وقت لآخر، إلى أن استقر على اسم "حزب الشعب الجزائري" سنة 1937.

ج - الاتجاه الإصلاحي الديني: وقد بدأ في شكل نادٍ أطلق عليه "ناديالترقي"، أسَّسَه بعض علماء الدين لأغراض ثقافية محضة، كان الهدف منه بعث التراثالإسلامي. إلا أنه في مطلع الثلاثينيات، تحول هذا النادي إلى جمعية أطلق عليها اسم"جمعية العلماء المسلمين الجزائريين". وقد كانت هذه الحركة سلفية إصلاحية فيطبيعتها،استمدت مبادئها من سلفية المشرق الداعية إلى الرجوع إلى السلف الصالحوالتمسك بالعروة الوثقى. مثل هذا الاتجاه "محمد البشير الإبراهيمي" و"الشيخ "عبد الحميد بن باديس". عملت هذه الجمعية على خوض غمارالسياسة، وكان عليها أن تعمل في واجهتين لمجابهة الاستعمار، أولا ضد الطرقالصوفية التي اتهمتها بنشر البدع والخرافات، وبالتواطؤ مع الاحتلال، وثانيا ضددعاة الإدماج الذين أرادوا القضاء على الكيان الجزائري بإدماجه في فرنسا. وفيهذا المضمار كتب الشيخ "بن باديس" مقالا في مجلة الشهاب سنة 1936 ردا علىمقال "فرحات عباس" الذي نقلنا جزءا منه أعلاه، وقد جاء في ذلك المقال:

"إننا نرى الأمة الجزائرية موجودةومتكونة على مثال ما تكونت به سائر أمم الأرض، وهي لا تزال حية، ولم تزل، ولهذه الأمة تاريخها اللامع، ووحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها،وتقاليدها الحسنة والقيمة، مثل سائر أمم الدنيا، وهذه الأمة الجزائرية ليست هيفرنسا، ولا تريد أن تصبح هي فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح هي فرنسا ولو جنَّسوها".

إن هذه الاتجاهات الثلاث المتصارعة التي شارك الكثيرون منها في حرب تحرير الجزائر بشكل أو بآخر، فضلا عن آخرين توافدوا على الإطار الذي سيقتسم الكعكة لاحقا من كل حدبٍ وصوب، بعد أن بدأت معالم الاستقلال تظهر في الأفق، تم اختزالهمجميعا قبيل استقلالالجزائر في "جبهة التحرير" كحزب وحيد، لتبرز الصراعات فيما بينهم جميعا من جديد معحصول البلاد على حريتها. خاصة بعد بروز تيارات سياسية أخرى كـ "الحزب الشيوعيالجزائري"،وهم مناصرو التسيير الذاتي ذوو التكوين الماركسي، بالإضافة إلى بعضالمنظمات الجماهيرية الأخرى كـ "الاتحاد العام للشغيلة الجزائريين"، و"الاتحادالوطني للطلبة الجزائريين"، و"شبيبة جبهة التحرير الوطني". 

وجدتالجزائر نفسها بعد الاستقلال تتخبط في أزمة سياسية خانقة، استغلها الضباط الجزائريون العائدونمن فرنسا ليحددوا–ومعهم من تمكن من سرعة القفز والوصول إلى الصفوف الأماميةمن طفيليي ومنتفعي حقبة الاحتلال –معالم السياسة الخارجية للجزائر، مستفيدين من الأزمة التي اندلعت بينقيادة الأركان والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، والتيمكنتهم لاحقا وفي وقت قياسي من السيطرة على القطاعات الإستراتيجية في البلاد، خاصة داخل وزارة الدفاع والدركالوطني التي وقعت تحت إشرافهم كليا منذ سنة 1962. ومنذ هذا التاريخ أصبحالجهاز العسكري، هو المسيِّر لدواليب الحكم داخل النظام السياسي الجزائري، وهوالمحدِّد للسياسة الخارجية للجزائر والمتحكِّم فيها، خاصة تجاه المغرب.

 

ج – استفحال النزاع الحدودي بين الجزائر والمغرب ونشوب حرب الرمال بسببه عام 1963

كانت حكومة فرنسا قد عرضت على حكومة المغرب أثناء حرب التحرير الجزائرية الدخول معها في مفاوضات لتسوية مشكلة الأراضي المغربية التي كانت قد اقتطعت لصالح الجزائر في اتفاقية "للامغنية" عام 1845، لكن الملك "محمد الخامس" رفض التفاوض المباشر مع فرنسا في هذا الشأن، وفضل ترك المشكلة إلى حين استقلال الجزائر ليتفاوض بشأنها مع الجزائريين مباشرة، معتبرا أن التفاوض مع فرنسا طَعنٌ لظهر الجزائر المكافحة، وإخلال بمساندتها التي التزم بها أمام نفسه وأمام ربه، واكتفى من الجزائريين بالاتفاقية التي تم توقيعها مع "فرحات عباس" نيابة عن الحكومة الجزائرية المؤقتة والتي تمت الإشارة إليها فيما مضى. وهذا ما كان، فقد تم تأجيل أيِّ حديث مغربي متعلق بالأراضي المغربية التي كانت فرنسا قد انتزعتها من المغرب عام 1845 عقب هزيمة المغرب في معركة "إسلي" إلى ما بعد استقلال الجزائر. ليتولى الملك "الحسن الثاني" الأمر بعد أن كان والده قد توفي، مدشنا الأمر بزيارة للجزائر في عام 1963. 

ما هو الهدف الأساسي لزيارةالملك الحسن الثاني إلى الجزائر يوم 13 مارس/آذار 1963؟! 

حمل الملك "الحسن الثاني"للرئيس الجزائري آنذاك "أحمد بن بلا" ملفا حافلا بالحجج التاريخية التي تثبت مغربية الأراضي التي ألحقتها فرنسا بالجزائر،كانت ضمنه وثائق وخرائط ومعاهدات دولية. كما انطوى الملف على اعترافَ فرنسا وحكومة الجزائر المؤقتة التي تأسست قبيل استقلال الجزائر بمغربية الأراضي المتحدَّث عنها، هذه الحكومة التي وقع رئيسها "عباس فرحات" مع الملك الحسن الثاني بتاريخ 6 يوليو/تموز 1961 اتفاقية تضمنت التأكيد على أن الجزائر تعترف بأن مشكلة الحدود بين المغرب والجزائر موجودة وقائمة، وأن واقع الحدود إنما تمَّ فرضه من قبل فرنسا بتعسف وظلم. وقد تم التعهُّد في الاتفاق بأن تدخل حكومة الجزائر المستقلة في مفاوضات مع المغرب لتسوية المشكلة. كما تضمنت الاتفاقية النصَّ على أن ما قد يُبرَم من اتفاقيات بين الجزائر وفرنسا لا يمكن أن يكون حجة على المغرب فيما يخص ضبط الحدودالجزائرية المغربية.

في الاجتماع الذي جرى على انفراد بين الملك "الحسن الثاني" والرئيس "أحمد بن بلا" أثناء الزيارة طلب هذا الأخير من الملك أن يؤخر بحث موضوع الحدود إلى حين استكمال الجزائر إقامةَ المؤسسات الدستورية، وتسلُّمَه مقاليد السلطة بوصفه رئيس الدولة الجزائرية المنتخب، مخاطِبا بالأخص الملك بهذه العبارة الحافلة بالدلالات:

"ثقوا أنالجزائريين لن يكونوا بطبيعة الحال مجرد وارثين للتركة الاستعمارية في موضوع الحدود الجزائرية المغربية". 

وقد اطمأن المغاربة لهذا التعهد الصريح، خاصة وقد كان الرئيس "بن بلا" أعلن في خطاب تنصيبه أن حكومته تحترم وتضمن تطبيق جميع ما أبرمته الحكومة المؤقتةالجزائرية من اتفاقيات. 

وأَطْلَعَ الملك "الحسن الثاني"على نتائج اجتماعه بالرئيس الجزائري وزراءَه المرافقين لهفيما يتعلقبموضوع الحدود، فأبدى بعضهم تشككا وارتيابا في حسن نية الرئيس الجزائري الذي اعتبروا تسويفَه معالجةَ المشكلة تهرُّبا وتملُّصا. لكن الملك قال لهم: 

"لا أشاطركمرأيكم، ولا أتصور أن يلجأ الرئيسالجزائري إلى الأسلوب الملتوي، وأناأثق في حسن نيته، إذ لا يُعقَل أن يكافأ المغربَ على دعمه الموصول للجزائر بالعمل على إدامة مشكلة الحدود قائمة، وبالأحرى أن يكون همُّ الرئيس الجزائري هو الاحتفاظ بأراض وأقاليم مغربية انتُزِعت من المغرب لدواع استعمارية يعلمها الرئيسالجزائري حق العلم ولا ينازع فيها.

وقبل الانتقال إلى التداعيات اللاحقة لهذا اللقاء التاريخي بين الزعيمين نعرجُ قليلا على ذكر أول تمرد حصل في الجزائر عقب الاستقلال. 

فاستقلال الجزائر لم يكن نهاية متاعب المحاربين على ما بدا في تلك الحقبة المرتبكة من تاريخ الجزائر، بل فجَّر داخل الجزائر ما كانت تموج به البلاد به من تناقضاتٍأجَّلَهاالالتقاء على هدف واحد هو التحرير مؤقتا،لتظهر تلك التناقضات عقب الاستقلال مباشرة بعد أن عجز هذا الأخير عن احتوائها.

ونشير في هذا السياق بالأخص إلى انقسام الصف القيادي لـ "جبهة التحريرالوطني"، وبروز تكتلات سياسية لجأ بعضها وعلى رأسها الزعيم التاريخيفي الثورة "حسين آيت أحمد" إلى التمرد العسكري على الحكومة الشرعية بمنطقة "القبائل الكبرى". وبعد عودة الملك المغربي والوفد المرافق له إلى المغرب تلاحقت الأنباء الواردة من الجزائر بشن الحكومةالجزائرية حملة تشهير وقذف ضد المغرب،متهمة إياه بدعم ثورة القبائلالجزائرية، وبالسعي لزعزعة الاستقرار الجزائري. بل قامت قوات جزائرية بمهاجمة مواقع وأراض تقع داخل الأراضي المغربية غير المتنازع عليها، وسقط ضحايا مغاربة.

لم يقدم الرئيس الجزائري اعتذارا عما حصل، ولم يقل كلمة واحدة عن ضحايا العدوان المغاربة، ولم يطلب من مفاوضهالذي أرسله الملك المغربي للاستفسار أن ينقل للملك أيَّ عبارة للمواساة والعزاء في الضحايا، بل قال في انفعال مثير: 

"إن مشكلة الحدود مشكلة وهمية ويجب السكوت عنها في الوقت الحاضر لتجاوزها في المستقبل.وعلى النظام الملكي المغربي أن يواجه مشاكله الداخلية، وأن يعلم أن النظام الجزائري حصين منيع، ولا يملك النظام الملكي المغربي النيل منه". 

ثم نشبت حرب الرمال التي استمر لمدة 3 أيام استعاد المغرب خلالها الأراضي التي كانت الجزائر قد احتلتها، بل وتقدم ليصبح على مقربة من تندوف التي يعتبرها أرضا مغربية محتلة، إلا أنه عاد ليتراجع إلى الحدود الدولية لترك المجال للتفاوض لحل مشكلة الحدود. وبالفعل حضر الملك الحسن الثاني الاجتماع التاريخي في العاصمة المالية "باماكو"في أواخر أكتوبر/تشرين الأول سنة 1963 وطُوي الملف المغربي الجزائري إلى حين، والحال على ما هو عليه دون التقدم في أيِّ مفاوضات حوله، والكل يتربص بلحظة يتمكن فيها من فرض إرادته. لتكون قضية "الصحراء الغربية" لاحقا هي القضية التي استحضرت تلك اللحظة التاريخية.

 

المحور الثاني.. المبررات التي ساقتها الجزائر للوقوف ضد مغربية الصحراء الغربية هل هي حقيقية؟!

وجاءت قضية "الصحراء الغربية" لتجد فيها بعض الفئات الجزائرية من تلك التي تسلقت على ظهر حزب جبهة التحرير وجيش التحرير الوطنيين عقب الاستقلال، ضالتَها التي ارتقبتها من سنين كي تؤسِّسَ بموقفها منها لما من شأنه أن يساعدها على التبرير الأيديولوجي لرفضها العودة إلى الحدود ما قبل الاستعمارية مع المغرب. وفي هذه السياق، وتكريسا لنسق سياسي جديد في التعامل مع المغرب أوضحت السلطات الرسمية الجزائرية أن الجزائر وانطلاقا من مبدأ مساندة الشعوب في كفاحها التحرري لأجل الاستقلال وتقرير المصير، لا يمكنها استثناء قضية "الصحراء الغربية" من ذلك، لمجرد السعي لإرضاء جارتها المغرب.

وذكر المسؤولون الجزائريون أن الجزائر التي اعتمدت على الكفاح المسلح لاسترجاع سيادتها على كامل تراب أراضيها، لم تتوان منذ الاستقلال سنة 1962 عن مساندة كلِّ الحركات التحررية في العالم. وهو ما قامت به أيضا تجاه جبهة "البوليزاريو" التي قررت حمل السلاح ضد الجيش الإسباني فيالبداية، قبل أن تنتقل لمواجهة الجيش المغربي. ومع أن الجزائر حاولت بهذا التوصيف لموقفها من قضية الصحراء الغربية نفي أن تكون طرفا في النزاع وإنما هي مجرد طرف مهتم به لأسباب حقوقية وقانونية، إلا أن المغرب أصر وفي كل المناسبات على التأكيد على أن الجزائر هي طرف في النزاع، وأن هذا النزاع المستفحل في الصحراء الغربية منذ جلاء القوات الإسبانية عنها، إنما هو في جوهره نزاع مع الجزائر، ولولا ذلك لما كانت هناك قضية تسمى قضية الصحراء الغربية، بل لما وجدت دولة "الجمهورية العربية الصحراوية" أصلا.

لا مجال للشك لدى المغاربة إذن في أن الجزائر طرف في نزاع الصحراء، بل هي من ابتدعته في منظورهم. وأن النزاع هو مغربي جزائري، ولكن الأمر كان وما زال يتطلب دبلوماسية مُحَنَّكَة لإقناع الدول الكبرى والمهمة بهذه الحقيقة. ومن ذلك ما أعلنه الملك "محمد السادس" في العديد من الخطب صراحة عندما أكد على أن الجزائر طرف في النزاع، بل هو اعتبرها الطرف الأصلي فيه، وهو ما عبر عنه في خطابه يوم 26/06/2000 حين قال: 

"هناك مشكلة بين المغرب والجزائر.والجمهورية العربية الصحراوية التي تنادي البوليزاريو بإقامتها، نحن لا نعترف بها، الجزائر هي التي صنعتها".

وعلى الصعيد العربي والإفريقي والدولي فإنه وعلى الرغم من أن ليبيا كانت من أهم الداعمين للبوليزاريو في السبعينيات، إلا أنها اقتنعت أخيرا بأن المشكلةليست إلا مغربية جزائرية، وخير دليل على ذلك تصريح "عبد السلام التريكي" وزير الخارجية الليبي الأسبق أيام نظام "معمر القذافي" بقوله:

"إن قضية الصحراء هي مشكل مغربي جزائري، والدول التي سحبت اعترافها بالبوليزاريو في إفريقيا وأمريكا اللاتينية كلها تأكدت من أن النزاع إنما هو قائم بين المغرب والجزائر، وأن البوليزاريو مجرد أداة تتحكم فيها الجزائر لمعاكسة المغرب".

لا بل إن القيادات الجزائرية نفسها، وعلى الرغم من حرصها في المحافل الدولية على التأكيد على أنها ليست طرفا في النزاع، وإنما هي تدعم الصحراويين وجبهة البوليزاريو من منطلق إنساني وحقوقي، فإنها لم تستطع أن تحول دون ظهور نقيض ذلك في الكثير من الوثائق والمستندات الجزائرية ذات العلاقة بقضية الصحراء الغربية. 

ومن الوثائق التي تثبت هذا كلمة مندوب الجزائر الدائم في الأمم المتحدة أمام لجنة تصفية الاستعمار يوم 19 نونبر 1975، ومذكرة الجزائر إلى الأمين العام للأمم المتحدة التي وجهتها الحكومة الجزائرية يوم 12 فبراير 1976 بشأن القضية الصحراوية.

ففي الوثيقتين ترفض الجزائر رفضا قاطعا استرجاع المغرب لصحرائه، وتعتبرأن "المسيرة الخضراء"مجرد"مناورة للغزو والاحتلال"، وتؤكد على موقف الجزائر الثابت فيما يخص القضية، وتؤكد كذلك على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال، وتستنكر اتفاقية مدريد الثلاثية وترفضها.

أما المذكرة التي بعثت بها الحكومة الجزائرية إلى لجنة تطبيق الاستفتاء التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية في اجتماعها المنعقد في نيروبي في شهر أوغست 1981، فهي قد فَصَّلَت فيها الخصائص الأساسية للاستفتاء المقترح واختصاص اللجنة ووظائفها وشروط تنظيم الاستفتاء.. إلخ.أرادت الجزائر من هذه المذكرة الطويلة أن تشرح منظورها الشخصي للاستفتاء وكأنها هي المعنية به وليس البوليزاريو، وتبقى دائما وأبدا تؤكِّدعلى أنها تعمل على مساعدة البوليزاريو في كفاحها ضد الاحتلال المغربي، وعلى أن الأمرَ مشروعٌ دوليا، وعلى أن هذا ينسجم مع السياسة التي تنهجها اتجاه قضايا التحرر في العالم كله.

من جهته أيضا أكَّد الرئيس الجزائري الراحل "هواري بومدين" أن السياسة التي يتبعها في بناء علاقات بلاده الخارجية هي سياسة توازن إقليمي تأخذ في اعتبارها كلَّ المصالح، ويؤكِّد على نجاح سياسة بلاده الخارجية في إقامة ذلك التوازن، وعلى أن كل محاولة للتأثير في هذا التوازن قد تؤدي إلى قلب الكثير من الأشياء، ولذلك فإنه لا داعي للعبث بالتوازن، ولا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن الجزائر هي محور السلام بالمنطقة. ويضيف في خطاب آخر بتاريخ 15/11/1975 قائلا: 

"إن الجزائر ترفض كل حل ما لم تشارك في إعداده كطرف معني ومسئول". 

فهي تعتبرإذن أنه لا يمكن أن يحصل أيُّ تغيير في المنطقة دون اتفاق معها، لأن المغرب العربي والمنطقة الفاصلة بين "القاهرة" و"دكار" هي منطقة أمن بالنسبة لها. فهي لا تسمح بانكسار التوازن في المنطقة، ولن تقبل بحل لمشكلة الصحراء لا تكون الجزائر طرفا فيه.وتحقيق هذا يقتضي إما أن تكون الجزائر طرفا في حل النزاع أو أن تعارضه.

 

المحور الثالث.. تذبذب المواقف الجزائرية من التدخل في الشأن المغربي

لم يكن هدف الحكومات الجزائرية في بداية الأمر من التدخل في الشأن المغربي ما بعد عام 1963،سوى تصفية حسابات هزيمة حرب الرمال المتعلقة بالحدود المتنازع عليها، عبر جر المغرب للتوقيع على اتفاقية تضمنبمقتضاها حدودا موروثة عن محتل الأمس تحفظ له الأراضي المغربية التي ضمتها فرنسا إلى الجزائر إبان حقبة الاحتلال بدءا باتفاقية عام 1845 عقب معركة "إسلي". 

وفعلا، فإنه بعد التوقيع على معاهدة الحدود في سنة 1972، وتنازل المغرب عنأراضيه المتنازع عليها في الغرب الجزائري بما فيها منطقة "تندوف" و"غار جبيلات" الغنية بمعدن الحديد، كانت تصريحات الجزائريين لا تنم عن أيِّ نية ظاهرةللتدخل في قضية الصحراء الغربية التي كانت قيد التكوُّن مع قرب حلول موعد جلاء القوات الإسبانية عن الإقليم الذي كانت تحتله. بل على العكس من ذلك، عبَّر القادة السياسيونالجزائريون عن تأييدهم للحقوق المغربية ليس في "الصحراء الغربية" فحسب، بل كذلك في "سبتة" و"مليلية" وكلالمناطق الخاضعة للاحتلال الإسباني. وهذا ما صرح به الرئيس الجزائري الراحل"هواري بومدين" في مؤتمر القمة العربي الذي انعقد بالرباط في أكتوبر عام 1974.

غير أن صدور الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية في 16/10/1975، والذيأكد على الروابط التاريخية والقانونية التي تجمع المغرب بصحرائه، زيادة علىحدث المسيرة الخضراء، والتوقيع على اتفاقية مدريد في 14/11/1975 التي تم بمقتضاها تصفية الاحتلالفي الصحراء،جعل الضباط الجزائريين الذين يُصنفون من "الفارين من الجيش الفرنسي قبيل الاستقلال وانضمامهم إلى جيش التحرير الوطني"، والذين كانوا قد ارتقوا إلى جنرالات في تلك الفترة،صعَّدوا من لهجتهم المعادية للمغرب،وقد ساعدهم على ذلك انتقال سلطة القرارإليهم بشكل سريع في أواخر السبعينياتوبداية الثمانينات، سيما بعد أن تمَّ عزل الرئيس الجزائري "الشاذلي بن جديد" عن حزبجبهة التحرير، وعن رئاسة الحكومة وأيضا عن المجلس الوطني وقيادة الجيش. 

وبعد إخفاقهم في أول انتخابات تشريعية تعدديةتمت في 16/11/1991 والتي تم إلغاؤها لتضرب الديمقراطية بعرض الحائط، وجدهؤلاء الجنرالات أنفسهم أمام وضع سياسي اقتصادي واجتماعي يجسِّد مأزقا حقيقيا، وعوضا عن أن يتم البحث عن حلول عقلانية من شأنها ضخُّ دمٍ جديد في النظام السياسيالجزائري لجعله نظاما يحظى بقبول الشعب الجزائري، واحترام الجيران المغاربةوكل شعوب دول العالم، عمل الجنرالات الجزائريون على تصفية كل من يتعاطف مع"الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، بدءابضباط الجيش الشباب الذين تمت إحالةأغلبيتهم على التقاعد المبكر.

بل حتى الرئيس الجزائري "محمد بوضياف" الذيحاول إيجاد حل سياسي للأزمة الجزائرية عن طريق إعادة تخليق الحياة الاقتصاديةوالاجتماعية بشكل فعال وعادل ومنتج، والقضاء على الفساد وإعادة زرع الروح في العلاقات المغربيةالجزائرية، تم اغتياله في سنة 1992 بأمر من الجنرالات الجزائريين الذين عينوهكرئيس للدولة، لأنه وضع برنامجا سياسيا خرج فيه عن مخططاتهم الداخلية والخارجية، وعلى رأسها تلك المتعلقة بقضية الصحراء الغربية،وهذا بشهادة الدكتور "عبد الحميد إبراهيمي"، الضابط السابق في جيش التحرير الوطنيالجزائري من سنة 1956 إلى سنة 1962، ورئيس الوزراء من سنة 1984 إلى سنة1988.

لقد شهدت سياسة الجزائر تجاه المغرب، وتجاه النزاعات الحدودية معه، وتجاه قضية الصحراء الغربية، تذبذبات تنطوي على قدر من التباين الذي لم تستطع أيُّ من الحكومات الجزائرية إخفاءه رغم كل محاولاتها، بسبب أنه كان يتحرك صعودا وهبوطا جنبا إلى جنب مع تحرك قضية النزاع الحدودي بين الدولتين صعودا وهبوطا أيضا. فقد وافقت الجزائر على دعم المغرب في معركته الدبلوماسية ضد إسبانيا من أجل استرجاع مناطقه المحتلة التي كان من بينها "الصحراء الغربية/الساقية الحمراء ووادي الذهب"، وذلك إثر مصالحة القاهرة عام 1964 التي جاءت بعد حرب الرمال التي دارت بين المغرب والجزائر سنة 1963.

لكن منذ عام 1966 وبسبب أن قضية "النزاع الحدودي" كانت ما تزال قائمة ولم تحسم على النحو الذي تريده الجزائر، وبسبب بدء الحديث في المحافل والأوساط الثقافية والسياسية المغربية عن ضرورة إعادة التحرك باتجاه حل ذلك النزاع الحدودي عبر إعادة ترسيم الحدود بين الدولتين، فإن الجزائر رأت ألا مفر من العودة إلى اللعب بورقة الأراضي التي تحتلها إسبانيا للضغط باتجاه تخليق حالة تبرر الحفاظ على الموروث الاستعماري في قضايا الحدود بين الدول الإفريقية المستقلة حديثا كي تتمسك بها الجزائر في مواجهة المطالب المغربية بترسيم الحدود. 

في هذا السياق سخَّرت الجزائر مجهوداتِها الدبلوماسية للضغط على الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تبنت في يوم 20 كانون أول/ديسمبر عام 1966 توصية تفصل فيها بين قضيتي "سيدي إفني" و"الصحراء الغربية". فاسترجع المغرب "سيدي إفني" عام 1969، وبقيت الصحراء تنتظر استفتاءً لتقرير المصير، بعد أن تم ربط عودتها إلى المغرب بإجراء مثل هذا الاستفتاء. اعتبر المغرب أن ما جرى في الجمعية العامة، وما مارسته الجزائر عبارة عن مؤامرة ضده وضد سلامة أراضيه، بل وضد استكماله لوحدة أراضيه التي ما يزال جزء منها يقبع تحت نير الاحتلال الإسباني، وهي مؤامرةما يزال يعاني من تأثيراتها حتى الآن.

تبنت الجزائر إذن مبدأ تقرير المصير بالنسبة لسكان "الصحراء الغربية" كوسيلة لحل مسألة النزاع بين أطراف القضية الصحراوية التي كانت معروضة أمام الأمم المتحدة، معتبرة أن الاستفتاء يمثل أداة فعالة لتصفية الاستعمار. إنه المبدأ الذي جاء في الخطاب الذي ألقاه المندوب الجزائري أمام الجمعية العامة في دورتها 21 بتاريخ 14 كانون اول/ديسمبر 1966، فالجزائر سلكت سياسة مناهضة للمطالب المغربية في الصحراء، تلك المطالب التي ترتكز في جوهرها على الحق التاريخي للمغرب، وعملت على دعم موقفها هذا بالتحالف مع موريتانيا من أجل إقرار سياسة للتعاون بين البلدين من أجل تقرير مصير ومستقبل الأراضي الواقعة تحت الاحتلال الإسباني، تمشيا مع قرارات الأمم المتحدة في الموضوع. 

إنه مضمون الاتفاق الذي تم بين الرئيس الجزائري والموريتاني في مؤتمر القمة الذي انعقد في 27 مارس 1967 والذي كان يرمي إلى الضغط على المغرب من أجل تليين مطالبه التاريخية في المنطقة الصحراوية من جهة، والاعتراف بموريتانيا التي لم يكن المغرب قد اعترف بها حتى ذلك التاريخ من جهة أخرى.ثم بعد ذلك جاءت اتفاقية "يفرن" لتؤكد على ضرورة تصفية كل المنازعات التي قد تثار بين البلدين عن طريق التمسك بمبدأ وقرارات الأمم المتحدة. وجاء لقاء "تلمسان" بين قائدي البلدين ليؤكد بدوره تعاون الجزائر مع المغرب من أجل تصفية الاستعمار الإسباني عن الصحراء مع الأخذ بعين الاعتبار قرارات الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير.

سعت الجزائر في بداية السبعينيات إلى تكريس مبدأ المشاركة الثلاثية للدول الثلاث "المغرب وموريتانيا والجزائر" في المساهمة في تصفية الاستعمار عن المنطقة محل النزاع، وهي رغبة للجزائر في تأكيد مشاركتها في الصراع القائم. وشاركت الجزائر في لقاء "نواديبو" بتاريخ 14 أيلول/سبتمبر 1970، وهو لقاء قمة ثلاثي جمع "المغرب وموريتانيا والجزائر"وأكد على ضرورة إقامة لجنة ثلاثية للتعاون المستمر سياسيا ودبلوماسيا من أجل تصفية الاستعمار الإسباني عن الصحراء وفق قرارات الأمم المتحدة. حيث كانت الجزائر في هذا اللقاء ستوافق على مغربية الصحراء مقابل إنهاء ملف الحدود بينها وبين المغرب والحصول على ممر نحو الأطلسي، وتطالب موريتانيا بالاستغلال المشترك لبترول الصحراء. لتهدأ المواجهات بين البلدين حول الصحراء بعد توقيع اتفاق للحدود بين البلدين عام 1972 تنازل المغرب بموجبه عن مطالبته بأراضيه الموجودة في الجزائر منذ عام 1845 والتي كانت محل النزاع على مدى سنوات عديدة.

ولكن السياسة الجزائرية عادت من جديد لتكشف عن وجه جديد في قضية الصحراء الغربية، فبعد أن لاح في الأفق اتجاه كل من المغرب وموريتانيا نحو إبرام اتفاقٍ يرمي إلى تقسيم الصحراء بينهما، انتقلت الجزائر إلى أسلوب المواجهة القائم على أساس التمسك بمبدأ تقرير المصير بالنسبة "للشعب الصحراوي"، ففي 19 حزيران/يونيو 1975 ألقى الرئيس الجزائري خطابا بمناسبة الذكرى العاشرة لانقلابه العسكري على "بن بلا" جاء فيه:

"إن الجزائر لا يمكن أن تمارس سياسة النعامة وتتجاهل المشاكل التي توجد على حدودها، وذلك لأننا مسئولون عن أمن دولتنا وعن حماية ثورتنا، لكن هذا شيء والانحياز لأحد الأشقاء في مطالبه الترابية شيء آخر".

كيف يمكن تفسير تغيير الجزائر لموقفها بعد اتفاق "مدريد" عما كانت عليه قبله؟!

فهي من جهة تدعي أنها تقف إلى جانب المغرب في عمله على استرداده لصحرائه منذ عام 1972 بعد توقيع اتفاق الحدود بين البلدين، ولكن عندما تمَّ هذا الاتفاق بين المغرب وموريتانيا من دون إشراكها في الأمر، اعتبرت أن في الموضوع خيانة وانقلبت مواقفها نحو الدعمالواضح والصريح لجبهة "البوليزاريو". على الرغم من تصريح "بلعيد عبد السلام" الرئيس السابق للحكومة الجزائرية، بأن الملك "الحسن الثاني" اتصل بالرئيس "هواري بومدين" بعد اللقاء في مدريد ليبلغه توصله مع الرئيس الموريتاني "المختار ولد داداه"إلى اتفاق يقضي بتقسيم الأراضي الصحراوية بينهما عندما تنسحب إسبانيا منها، وأن "بومدين" رحب بالفكرة. ولكن يقول "عبد السلام بلعيد": "أن إعلان "الحسن الثاني" أن الجزائر لم تعد بذلك طرفا في القضية التي أصبحت تخص المغرب وموريتانيا وإسبانيا كانت نقطة بداية الخلاف الجزائري المغربي حول ملف الصحراء إلى يومنا هذا".

 

ب – أسرار السياسة الجزائرية تجاه موضوع السيادة المغربية على "الصحراء الغربية"

لقد كشف عن هذه الإستراتيجية الجزائرية غير المعلنة، في سياق موقفها المعلن من قضية الصحراء الغربية، وزير خارجية الجزائر في حديثه إلى القناة الجزائرية الثانية، وقبل الاستفتاء الذي أجري في السودان حول انفصال جنوبه عن شماله، حيث قال:

"قد يؤدي الاستفتاء إلى تقسيم السودان إلى جزءين بما يفاقم الوضع وعدم الاستقرار في هذه المنطقة لفترة أطول، وستكون له انعكاسات خطيرة على القارة الإفريقية، التي يتم الحفاظ على استقرارها بالمحافظة على الحدود السياسية الموروثة عن الاستعمار". 

هذا هو مربط الفرس الذي تدور عليه كلُّ قضية الصحراء الغربية، وهو قد تجلى في قول وزير خارجية الجزائر الذي أماط اللثام عن جوهر الصراع الذي تخوضه الجزائر حين تتمنى ألايكون هناك تقسيم للسودان، لأن ذلك التقسيم سيكون بمثابة بداية النهاية لمبدأ سيادة الحدود الموروثة عن الاستعمار. هذا هو المبدأ الذي تناضل الجزائر من أجله، هذا هو المبدأ الذي يشغل بال القيادات الجزائرية على مدى عمر الخلاف مع المغرب. أما مبدأ تقرير المصير فماهو إلا "الظل" لمبدأ "سيادة الحدود الموروثة" عن الاستعمار الذي هو همٌّيسكن كل أنماط تفكير القادة الجزائريين، وخاصة من تولوا أمر الجزائر منذ رحيل الرئيس هواري بومدين الذي وإن كانت الأزمة مع المغرب بخصوص الصحراء الغربية قد نشأت في فترة حكمه، إلا أنه كان أنضج وأبعد نظرا بكثير من أن يبقي عليها دون حل مدة طويلة ولهذه الأسباب المتعلقة بالموروث الاستعماري للحدود، لو أنه بقي على قيد الحياة، ولم يرحل في ظروف غامضة وفي تلك الفترة الحرجة من تاريخ الجزائر، مع أن سياسات الجزائر تجاه المغرب في عهده كانت معظمها رغما عنه بموجب الضغط الذي كان يمثله أولئك الموالون لفرنسا داخل الجيش الجزائري، بغرض إبقاء العلاقة بين البلدين متوترة، فتحول دون إنجاز سياسة مغاربية عربية فاعلة تُحَجِّم من دور فرنسا الإفريقي.

إذا كان "حق تقرير المصير" مبدأً إستراتيجيا تعتمده الجزائر فلسفة لها في سياستها الخارجية،فلماذا تغاضت عنه بالنسبة لأقاليم أخرى هنا وهناك في العالم؟! ونقصد "أنغولا"، قضية "القبارصة الأتراك"، "إريتريا"، "جنوب السودان"، كردستان العراق" التي رعت هي اتفاق الجزائر عام 1975 بين النظام العراقي والأكراد لتنظيم تواجدهم هناك بعيدا عن أيِّ صيغة لها علاقة بحق تقرير المصير.. إلخ؟!

ولمعرفة الإجابة الصحيحةعلى هذه التساؤلات، يجب البحث عن المصالح الجزائرية في كل واحدة من تلك القضايا. فتفاعل الجزائر مع ضرورة النضال من أجل حق تقرير المصير يتحدد بحسب مصالحها التي جسَّدتها نخبة الضباط الحاكمة والمتحكمة في البلاد، والتي هي نخبة تعود إلى أولئك الفارين من الجيش الفرنسي قبيل الاستقلال ومن والاهم، وبحسب مدى تحقيق ذلك لتوازن القوى في المنطقة على نحوٍ يخدم بُنية التحالف الطبقي "البيروقراطي الكومبرادوري" المسيطر على هذه الدولة بالغة الثراء والخيرات والأهمية، في ضوء تجسيد ذلك الموقف من عدمه لمبدأ "الحفاظ على الحدود السياسية الموروثة عن الاحتلال الأوربي"، وهو المبدأ الذي كانت تمرره تلك النخب العسكرية والبيروقراطية والكومبرادورية الحاكمة في الجزائر لصالح أبشع دولة استعمارية لإفريقيا، ألا وهي فرنسا، التي تستفيد من تمرير هذا المبدأ اقتصاديا وثقافيا وسياسيا، بسبب ما سيفرضه من نزاعات وصراعات وتجاذبات حدودية ومحلية يؤسِّسث للتدخل الفرنسي بكل الأشكال حتى بعد مراحل الاستقلال. أي أن الجزائر عبر تلك النخب من قياداتها الأكثر تبعية وولاء لفرنسا، تمثل الذراع المتقدمة للولة الفرنسية للحفاظ على النفوذ الفرنسي في كل إفريقيا الفرانكوفنية.

شوَّش الرئيس الجزائري "عبد العزيز بوتفليقة" باستمرار على مجهودات الأمم المتحدة الهادفة لحل النزاع في "الصحراء الغربية" من خلال الادعاء بأن قضية الصحراء لا تزال تنطبق عليهامواصفات قضية "تصفية الاستعمار"، مع العلم بأن الأمم المتحدة شطبت قضية "الصحراء الغربية" نهائيا من لائحة المناطق المستعمرة بعد توقيع اتفاق "مدريد" بين كل من "المغرب" و"موريتانيا" و"إسبانيا"،بينما هو يصرح بأن الصحراء هي آخر منطقة مستعمرة في إفريقيا.

يمكننا تحليل نظرية "عبد العزيز بوتفليقة" لحل النزاع الجزائري المغربي حول الصحراء الغربية عندما كان وزيرا للخارجية، من خلال تأويل مواقفه من اتفاق "تلمسان" بخصوص الاستغلال المشترك لمنجم "غار جبيلات"، ومن خلال رغبة الجزائر في منفذ على المحيط الأطلسي، ومن خلال الاتفاق الجزائري الإسباني لإجراء استفتاء في الصحراء، ولجوء المغرب إلى التحكيم، وتأييد الأمم المتحدة للاتفاق الثلاثي بشأن الصحراء.ففي "تلمسان" جرت محادثات بين الملك "الحسن الثاني" و"هواري بومدين" موضوعها تسليم المغرب للجزائر التراب المختلف عليه، وقيام الطرفين بوضع معالم حجرية على الحدود القائمة، وتم الاتفاق على إقامة شراكة ثنائية مغربية جزائرية في منجم "غار جبيلات"، يتم تقاسم إنتاجه مناصفة بين البلدين، على أن يؤمِّن المغرب للجزائر المرورَ عبر سكة حديدية لإفراغ إنتاج المنجم في ميناء مغربي على الأطلسي لتصديره وتسويقه، كل ذلك مقابل أن تكف الجزائر عن التدخل في قضية "الصحراء الغربية"، عبر الكف عن دعم "جبهة البوليزاريو"، وعبر الكف عن الاعتراض على حق المغرب في استرجاع سيادته الكاملة على ذلك الإقليم. 

لكن الاتفاق لم ينفذ، والسبب غير واضح..

هل تراجع عنه الرئيس "هواري بومدين" وطلب من وزير خارجيته عدم تنفيذه؟!

أم أن "عبد العزيز بوتفليقة" لم يوافق عليه بعد اطلاعه عليه لأنه لم يشارك في مناقشته وإبرامه؟!

في السياق ذاته ذكر "عبد اللطيف الفيلالي" بأن "عبد العزيز بوتفليقة" وقت كان وزيرا للخارجية طلب منه التحرك من أجل استرجاع الصحراء من إسبانيا، وخيَّرَه بين ثلاثة خيارات، إما أن يسترجعها المغرب أو موريتانيا أو الجزائر، فاستغرب الوزير المغربي هذه المقاربة العجيبة من "بوتفليقة"، إذ كيف يتسنى للجزائر أن تسترجع أرضا ليست لها بل هي لغيرها؟!!

لقد كانت لحظة فيض داخلي حقيقية عبَّر فيها الوزير الجزائري عما يخالجه من أطماع في الصحراء استحضرناها هنا لمعرفة بعض المطامع التي لم يعلنها الفرونكوفيليون الجزائريون ومنهم وعلى رأسهم سياسي مخضرم مثل "عبد العزيز بوتفليقة"،الذي كان يعمل لتحقيقها بكل الوسائل، والتي تُعَدُّ من أهم أسباب الموقف العدائي تجاه المغرب، لأن حلَّ نزاع الصحراء لابد وأن يخدمَ المصالح الجزائرية أولا وأخرا، والمصالح الجزائرية هي أن تكون صاحبة الريادة والزعامة في الإقليم المغاربي أولا، وأن يكون المغرب أضعف من أن يفكر مجرد تفكير في المنافسة على أيّ جزء من هذه الريادة ثانيا.

فإن كان الأول طموحا مشروعا إذا توفرت شروطه الموضوعية الذاتية، وهي في الجزائر متوفرة إلى حد بعيد، فلماذا يشترط الثاني؟! 

بل ولماذا تقيم الجزائر طموحها الأول على أساس مبادئ وقواعد تناقض بها مبادئها الثورية ذاتها؟!

من الواضح أن النفوذ الفرنسي الذي كان يمثله "عبد العزيز بوتفليقة" ومن خلفه أولئك الفارين من الجيش الفرنسي والمستحكمين في مفاصل هيئة الأركان في الجيش الوطني الجزائري، عرقلوا إرادة الرئيس بومدين في إيجاد الحلول الجادة مع المغرب كي تتفرغ الجزائر لقضايا الإقليم واستكمال تحريره من التبعية لفرنسا، لأن هدف فرنسا هو استخدام رجالاتها في الجزائر لكي يمنعوا أي حل يسوي العلاقة بين البلدين، حتى لو كان في الحل المتفق عليه مصلحة حقيقية واضحة للجزائر.

ونظرا لأن النظام الملكي المغربي بطبيعته نظام وظيفي مأمون الجانب ومضمون الفعل والأداء في السياسة الإقليمية، لجهة ارتباطه بالسياسة الفرنسية خاصة، والغربية عامة، فقد كان من الطبيعي العمل الدؤوب على توريط الطرف الآخر، وهو الطرف الجزائري، في مستنقعات الأزمة الصحراوية، خشية أن يتجه الجزائريون بجدية إلى استشعار العبثية في موقفهم من الصحراء الغربية، فيندفعون نحو الحل الذي لا يستطيع المغرب أن يتعامل معه بسلبية في نهاية المطاف. وهو ما جعل فرنسا تلجأ دوما إلى دفع رجالاتها في الجزائر إلى الإبقاء على سياسة التوريط التي لم يستطع حتى الرئيس بومدين رغم كاريزميته وقوته وشعبيته أن يتخلص منها ويُفشِلَها، بسبب قوة ونفوذ أدوات فرنسا في الجزائر، وعلى رأس تلك الأدوات أولئك الضباط الفارون من الجيش الفرنسي ممن استحكموا في أهم مواقع الأركان، وأولئك الفرونكوفيليون المستحكممون في مفاصل الدولة الحساسة.. إلخ.

يؤكد هذا الذي نذهب إليه، تتبعنا لمسار التذبذب في المواقف الجزائرية والنمغربية من هذا النزاع، توتيرا أو تهدئة. إذ مع كل بارقة أمل تلوح في الأفق بأن الجزائر بدجأت تتجه نحو التحرر من هذه التركة الثقيلة "قضية الصحراء الغربية"، بسبب ظهور اتجاهات واعدة في السياسة الجزائرية تتمرد على النفوذ الفرنسي، كلما ظهرت مسوغات تفرضها تحركات من نوع ما تعود إلى تأجيج النزاع ومنعه من الفتور.

ولقد بدا ذلك أكثر ما بدا واضحا في الآونة الأخيرة التي ظهرت الجزائر خلالها وخاصة بعد الحراك الشعبي الذي أطاح بأهم رموز النظام البوتفليقي الفرونكوفيلي السابق، تتجه نحو التحرك صوب حل النزاع مع الغرب والتحرر من التركة الصحراوية الثقيلة، حسب ما ورد على لسان شخصيات سياسية وازنة وفاعلة من تلك التي بدأت تبرز على الساحة السياسية الجزائرية..

نقول: بدا ذلك واضحا جدا في الآونة الأخيرة، ليجد النظام الوظيفي الملكي المغربي وهو يستعد لاستكمال مشروع تطبيعه مع الكيان الصهيوني، غير قادر على ضبط أعصابة السياسية، وغير مبال حتى بمؤشرات وإرهاصات التغير الإيجابي في الموقف الجزائري تجاه حق المغرب في الصحراء الغربية، ليفجر الأزمة الأخيرة التي كانت نذيرا بشكل من أشكال النزاع المسلح مع الجزائر، التي بقيت هي وحدها بالمعنى الحرفي لكلمة وحدها، هي حائط السد المنيع الأخير في مواجهة اندلاقة التصالح مع الكيان الصهيوني في الأشهر الأخيرة.

إن هناك حرصا على الإبقاء على الجزائر متورطة وغارقة إلى الأذقان في أزمة الصحراء الغربية والبوليزاريو، ففرنيسا التي راحت تفقد الجزائر بشكل متسارع، وهو ما ينبئ بأنها ستفقد المغرب العربي كله، ولأنها تعرف أن رجالاتها في الجزائر من أولئك الذين كانوا نافذين تقلص نفوذهم، فلم يبق أمامها إلا أن تستعيد إشعال فتيل الأزمة الصحراوية لتمزريط الدولة الجزائرية، من خلال استفزاز وظيفي مغربي هذه المرة. فعندما كانت قادرةدائما على تحريك ملفات التوريط والإشغال بأدواتها الداخلية، فقد كان ذلك كافيا، ولكن وفقد خفت قدرتها على ذلك وتقلصت، فلا مجال أمامها الآن غير أن تستفز قلق الجزائر على أمنها وحدودها عبر تحركات النظام الملكي لوظيفي في المغرب.

إنها حرب جديدجة تتخذ شكلا مختلفا، وتستخدم أدوات غير معتادة للإبقاء على الجزائر غارقة في مستنقع الصحراء الغربية، إما بهدف إضعافها، عبر حرب إقليكمية محدودة أو عبر أحراقها بالإرهاب الوافد، وإما عبر إدجبارها على تقديم تنازلات في ملفات "التطبيع مع إسرائيل"، والاستقلال الكامل عن فرنسا".

 

الدكتور أسامة عكنان (باحث أردني عاش في الجزائر)

 

المراجع..

1 - الناضوري رشيد ـ تاريخ المغرب الكبير ـ الجزء الأول ـ دار النهضة ـ بيروت ـ 1981 ـ 

2 - التازي عبد الهادي ـ الوسيط في التاريخ الدولي للمغرب ـ الجزء الأول ـمطبعة المعارف الجديدة ـ الطبعة الأولى ـ الرباط ـ 2001 ـ 

3 - التازي عبد الهادي ـ الوسيط في التاريخ الدولي ـ الجزء الثاني ـ مطبعةالمعارف الجديدة ـ الطبعة الأولى ـ الرباط ـ 2001 ـ 

4 - العروي عبد الله ـ مجمل تاريخ المغرب ـ الجزء الثاني ـ المركز الثقافيالمغربي ـ الطبعة الأولى ـ الدار البيضاء ـ 

5 - التازي عبد الهادي ـ التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليومـ المجلد العاشر ـ عهد العلويين ـ مطبعة فضالة ـ المحمدية ـ 1986 ـ 

6 - بلقزيز عبد الإله، مفضال العربي ، البقالي أمينة ـ الحركة الوطنيةالمغربة والمسألة القومية 1947 ـ 1983 ـ محاولة في التأريخ ـ مركز دراساتالوحدة العربية ـ الطبعة الأولى ـ بيروت ـ 1992 ـ 

7 - جلال يحي ـ المغرب الكبير ـ دار النهضة العربية ـ بيروت ـ1981 ـ 

8 - وقداش محفوظ ـ نجم الشمال الإفريقي 1926 ـ 1937 ـ وثائق وشهادات لدراسة الحركةالوطنية الجزائرية ـ ديوان المطبوعات الجامعية ـ الجزائر 1984

9 - الفاسي علال ـ الحركات الاستقلالية في المغرب العربي ـ مؤسسة علال الفاسيـ مطبعة النجاح الجديدة ـ البيضاء ـ 

10 - براهيمي عبد الحميد ـ في أصل الأزمة الجزائرية 1958 ـ 1999 ـ مركز دراساتالوحدة العرية ـ الطبعة الأولى ـ بيروت ـ 2001 ـ 

11 - الشامي علي ـ الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي ـ دار الكلمةـ بيروت ـ 1980 ـ 

12 - الميلي محمد ـ المغرب الحربي بين حسابات الدول ومطامح الشعوب ـ دار الكلمةللنشر ـ بيروت ت 1983 ـ 

13- جلال يحيى وآخرون، "مسألة الحدود المغربية الجزائرية والمشكلة الصحراوية"، دار المعارف، القاهرة، 1981.

14. جلال يحيى، "المغرب العربي الحديث والمعاصر"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية، 1983.

15. جمال زكريا قاسم وصلاح العقاد، "مسألة الصحراء الأسبانية"، معهد البحوث والدراسات العربية، نوفمبر 1975، القاهرة.

16. حركات التحرر الإفريقية، "الصحراء الأسبانية"، مطبوعات الجمعية الأفريقية، مايو 1973.

17. حمدي حافظ، محمود الشرقاوي، "المشكلات العالمية المعاصرة" مكتبة الأنجلو المصرية، 1958، الطبعة الأولى.

18. علي الشامي، "الصحراء المغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي"، دار الحكمة، بيروت، 1980.

19 ـ عبد الكريم جلام، النزاع المغربي الجزائري حول الصحراء أي طريق نحو التسوية؟! المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، سنة 2008.

20 ـ علي أنزولا، قضية الصحراء والنفخ في الرماد، دفاتر سياسية، عدد 73، سنة 2005.

 

  •  

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك