القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الأزمة الليبية بعد مرور أربع سنوات على اتفاق الصخيرات استعصاء قابلية الحل السياسي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-12-03 11:53:00 | 4771 مشاهدة

 

ملخّص:

على الرغم من مضي أكثر من أربع سنوات على توقيع الاتفاق السياسي الليبي في مدينة الصخيرات المغربية، وما ترتب على هذا التوقيع من تخفيف شدة الاضطراب السياسي والتنازع على الحق في امتلاك الشرعية (على الأقل في السنة الأولى من توقيعه)

مقدّمة:

إن هذا الاتفاق السّياسي لم يُفلح حتى الآن في معالجة الأزمة الليبية، بل على العكس من ذلك؛ يذهب كثير من المهتمين بهذه الأزمة إلى القول: إن التوقيع على هذا الاتفاق ساهم بشكل أو بآخر في زيادة حدتها، بأن جعلها تأخذ منحى تصاعدية من التوتر، البعد الرئيس فيه هو استعصاء قابلية الحل السياسي للأزمة، مع تكون بيئة تعج فيها كل مسببات تحول ليبيا إلى بقايا دولة فاشلة.

ماهية الأزمة الليبية..  تطورات وفهم جديد:

يمكن فهم الأزمة الليبية على أنها حالة الاضطراب وعدم الاستقرار والفوضى الكبيرة التي عمت البلاد عقب نجاح ثورة 17 فبراير 2011 في تحقيق هدفها الرئيس وهو إسقاط نظام حکم معمر القذافي، مع فشل تام في حسن إدارة الدولة من جانب قادتها الجدد، وما ترتب على ذلك من دخول ليبيا في مواجهة تحديات أربعة مفصلية حادة تهدد بها لا استقرارها وهويتها الوطنية فقط، وإنما أيضا ديمومة بقائها كدولة واحدة.

التحدي الأول: عملية فجر ليبيا (يوليو 2014).

التحدي الثاني: عملية الكرامة (مايو 2014).

التحدي الثالث: توقيع اتفاق الصخيرات (ديسمبر 2015).

التحدي الرابع: هجوم قوات حفتر على العاصمة طرابلس (أبريل 2019).

 والملاحظ أن النتائج والتداعيات المترتبة عن كل تحد من التحديات الأربعة المشار إليها آنفا كان يدخل البلاد في التحدي الذي يليه زمنية وتستمر فيه دون حل وصولا إلى التحدي الأخير الأشد خطورة وهو ما زلنا نعيش تطوراته حتى الآن، عندما شنت قوات قادمة من شرق ليبيا تابعة لخليفة حفتر في الرابع من أبريل 2019 هجوما عسكريا وصف بالمفاجئ للسيطرة على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية من ليبيا، بحجة ظاهرها تحريرها مما يسمونها المليشيات الإرهابية، وباطنها، كما أثبت ذلك الكثير من الوقائع والدلائل، وجود قناعة راسخة عند من يقود هذه القوات وداعميه، بأنه لا يوجد حل للأزمة الليبية إلا باستخدام القوة المسلحة. وبالفعل، وفي زمن قصير نسبيّا لم يتعد أربعة أيام، استطاعت هذه القوات السيطرة على كل القرى والمدن الواقعة في طريق قدومها بما فيها مدينة غريان كبرى المدن الواقعة جنوب العاصمة طرابلس بمسافة لا تتجاوز 80 كيلومترا فقط، وبتعداد سكاني حسب النتائج النهائية لأخر إحصاء عام للسكان لسنة 2006 حوالي 120 ألف نسمة، لكن على الرغم من الضخ الإعلامي الكبير الذي ترافق مع هجوم حفتر على العاصمة في محاولة لصنع قناعة ورأي عام داخلي وخارجي بأن عملية السيطرة على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية في طريقها نحو الإنجاز، وبأن واقعا جديدا سوف تشهده ليبيا قريبة جدا، وبعد مرور أكثر من 8 أشهر على بدء حفتر الهجومه، وما ترتّب على هذه العمليات من خسائر معتبرة في الممتلكات والأرواح، لم تستطع قواته من تحقيق هدفها في بسط السيطرة على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، بل على العكس من ذلك، استطاعت قوات حكومة الوفاق المدافعة أن تتجاوز عنصر المفاجأة، وتمسك بزمام المبادرة عندما تمكنت في عملية وصفت بالنوعية بتاريخ 26 يونيو وبعد أكثر من شهرين ونصف شهر من استرجاع السيطرة على مدينة غريان مرة أخرى، وبأن تحصر العمليات العسكرية طيلة الأشهر الثمانية الماضية من عمر الحرب فقط في التخوم الجنوبية من العاصمة طرابلس، على الرغم من الفارق النوعي في السلاح والعتاد لصالح قوات حفتر. وبعيدا عن الدخول في متاهات التقييم العسكري للعمليات القتالية، شكّل هجوم حفتر على المنطقة الغربية المفصل الأهم في تطور الأزمة الليبية عندما أدخلها هذا الهجوم في طور ومرحلة جديدة من الصراع يمكن حصر العناصر الحاكمة فيه في التالي: - غياب كبير للثقة بين القوى الليبية الرئيسة الفاعلة. - استعصاء فرص اللجوء للحوار كأسلوب لحل الأزمة. - تنامي مخاطر تحول الأزمة إلى صراع ما بين شرق ليبيا وغربها، وما قد يترتب على ذلك من تهديدات حقيقية للوحدة الترابية للبلاد. - تحول الأجسام المنبثقة من اتفاق الصخيرات إلى جزء من أطراف النزاع بدلا من أن يكونوا كما يفترض عامل وفاق. - ارتهان القوى الليبية الرئيسة الفاعلة لأطراف خارجية (إقليمية ودولية). - ما ظهر من دلائل قوية عن مشاركة عملية لبعض الدول في مجريات العمليات القتالية في ليبيا. - افتقار الدولة لوجود شخصية قيادة ليبية ملهمة، قادرة أولا على بلورة مشروع رؤية وطنية ناضجة، وثانية جعل الناس يلتفون حولها، ثم عمل الأهم وهو التعامل بكل حنكة مع كل العقبات التي تعترض إنجازها داخليا وخارجيا.

الجهود المبذولة لحل الأزمة الليبية:

ما زالت مضامين هذا الاتفاق وآلياته التنفيذية عاجزة عن الوصول إلى تحقيق هذا الهدف،واقعيا، وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على توقيع اتفاق الصخيرات، وعلى الرغم من سقف التوقعات العالي حول قدرة هذا الاتفاق على المساهمة في حل الأزمة الليبية؛ بل إن الأزمة، وخلافا للمأمول كما سبق الإشارة إلى ذلك آنفا، أصبحت أكثر حدة بعد توقيع الاتفاق، فبعد أن كانت مسبباتها تكاد تنحصر في مجملها في فوضى انتشار السلاح خارج منظومة الدولة الرسمية، وفي تعثر المسار السياسي المنصوص عليه في الإعلان الدستوري المنبثق عن المجلس الوطني الانتقالي، ولجوء بعض من القوى الرئيسة الفاعلة إلى الاحتكام لاستخدم القوة داخل إطار جغرافي محدود نسبيا، إما للمحافظة على أو لتعزيز مكاسبها السياسية، خاصة منها تلك المتعلقة فيما تراه هي حق مكتسبة في شرعية التولي دون غيرهم؛ أدت التداعيات والنتائج المترتبة على توقيع الاتفاق في السنين الأربع التي مضت من عمره حتى الآن لإضافة مزيد من التعقيد للأزمة الليبية، الأمر الذي دفع بالمعنيين بالملف الليبي داخلية وخارجية إلى البحث عن مسارات جديدة للتعامل مع الأزمة، لا من خلال نصوص اتفاق الصخيرات نفسها كما هو في سياق الجهود السابقة، وإنما من خلال طرح اجتهادات جديدة يتم فيها حتى تجاوز الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات، ولعل هذا ما عبّر عنه ضمنية رئيس البعثة الأممية لدى ليبيا غسان سلامة في إحاطته حول ليبيا أمام مجلس الأمن في يوليو 2018، عندما قال: إن الأزمة الليبية ارتهنت بالكامل للخارج، وإنه لا يمكن تصور حل الها إلا بتحقيق توافق ما بين الدول المعنية بالملف الليبي، وليعود ويكرر ويؤكد ذلك في 25 نوفمبر 2019 في إحاطته الأخيرة في هذا العام، عندما قال بالنص: إن الاستثمار الخارجي في النزاع يتجاوز مقدار المشاركة الوطنية ليبسط سيطرته على مستقبل ليبيا بعيدا عن الليبيين، ويضعها في أيدي أطراف خارجية. قد تكون هذه القناعة تكونت لدى البعثة ورئيسها، كنتيجة للعوائق المجتمعية والسياسية التي واجهت كل الجهود التي بذلت لتنفيذ اتفاق الصخيرات، لا من خلال مضامين نصوص الاتفاق فقط، وإنما حتى من خلال المؤتمرات الدولية الثلاثة التي تم عقدها حول الأزمة الليبية على التوالي في باريس وباليرمو وأبوظبي، حيث فشلت المؤتمرات الثلاثة في الوصول لتحقيق أي انفراج في حالة الانسداد الذي يعتري العملية السياسية في ليبيا، بل على العكس من ذلك؛ ربما تكون قد صنعت انطباعة عند البعض داخليا وخارجيا بأن الاحتكام إلى استخدام القوة هو الحل الأمثل للأزمة .

  • مؤتمر باريس (مايو2018):

عقد، بتاريخ 29 مايو 2018، مؤتمر دولي في العاصمة الفرنسية باريس، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي إطار الجهود الدولية لحل الأزمة الليبية، وقد حضرته 20 دولة، وشاركت فيه القوى الليبية الفاعلة بأربعة وفود، ترأس كل منها رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وحسب الإعلان السياسي الصادر عقب انتهاء المؤتمر، فقد تم التوافق بين القوى الليبية المشاركة على جملة من النقاط المبدئية، أهمها الإقرار بأهمية وضع أسس دستورية للانتخابات يتم من خلالها وتحت رعاية الأمم المتحدة إجراء انتخابات برلمانية، وكذلك انتخابات رئاسية، في العاشر من ديسمبر 2018، ومساءلة كل من ينتهك أو يعيق العملية الانتخابية، كما اتفق المشاركون في المؤتمر على العمل فورا على توحيد البنك المركزي والمؤسسات الأخرى، وعلى الالتزام بدعم جهود الأمم المتحدة في بناء مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية خاضعة للمساءلة والمحاسبة، إلا أن شيئا من ذلك لم يتحقق، بعد تنصل الأطراف الليبية المشاركة من مخرجاته، كما أن الأمم المتحدة أعلنت مبكرة أن العملية الانتخابية قد أرجئت وستبدأ في ربيع 2019؛ مما يؤشر صراحة على فشل مؤتمر باريس.

  • مؤتمر باليرمو (نوفمبر2018)

في خطوة ذات دلالة على عدم التوافق الفرنسي الإيطالي حول الرؤية الأصلح لإدارة الملف الليبي، قامت الحكومة الإيطالية بتوجيه دعوة أخرى لنفس القوى الليبية المشاركة في مؤتمر باريس للمشاركة مرة أخرى في مؤتمر آخر عقد يومي 12 و13 نوفمبر بمدينة باليرمو، وتمت فيه مناقشة الأزمة في ثلاثة محاور رئيسة؛ هي: وضع خطة جديدة لبسط الاستقرار وإجراء الانتخابات، ومحور ثان يشمل سبل احتواء الأزمة الأمنية في العاصمة، ومحور ثالث يبحث في كيفية إنعاش الاقتصاد الليبي. وفي دليل آخر على درجة التأزم التي وصل إليها الملف الليبي، لم تستطع الحكومة الإيطالية استدراك المسببات التي أفشلت مؤتمر باريس عندما سيطرت الانقسامات والخلافات على مجريات المؤتمر،ليس بين الأطراف الليبية فقط، وإنما حتى بين الدول المشاركة فيه، بعد أن انسحبت تركيا من المؤتمر احتجاجا على عدم دعوتها لاجتماع عقد على هامش المؤتمر ضم عددا من الأطراف باعتبارهم أطراف النزاع الأساسيين في الأزمة الليبية، كما أن المشاركة الفرنسية اقتصرت في تمثيلها على وزير خارجيتها دون رئيس الدولة في احتجاج مبطن على عدم رضاها على عقد إيطاليا لمؤتمر يحمل نفس عنوان مؤتمر باريس الذي قامت هي بعقده قبل أقل من خمسة أشهر فقط، ووجهت مخرجاته المبنية على عقد انتخابات برلمانية ورئاسية قبل إنجاز الاستحقاق الدستوري، برفض رسمي من السلطات الإيطالية عندما اشترطت هذه الأخيرة أن تكون الانتخابات البرلمانية والرئاسية وفق دستور دائم للبلاد يصوت عليه الليبيون . مؤتمر أبوظبي (فبراير2019) بدعوة من المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا غسان سلامة عقد، بتاريخ 27 فبراير 2018، اجتماع في مدينة أبوظبي، حضره رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، لم يعقبه كما جرت العادة إصدار أي بيان، اتفق فيه الاثنان، حسب ما رشح من معلومات محدودة جدا من خلال فقط الوسائل الإعلامية للبعثة الدائمة للأمم المتحدة في ليبيا، على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية، وإجراء انتخابات، وبالعمل المشترك على سبل الحفاظ على استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها. لقد كان للغموض الكبير الذي طبع لقاء السراج، وحفتر، في أبوظبي، وتزامن هذا اللقاء مع ما أشيع من تمدد تحققه قوات هذا الأخير في المنطقة الجنوبية، وادعائه للسيطرة الكاملة عليها بما في ذلك الحقول الغنية بالموارد النفطية، في مقابل مزيد من علامات الوهن وعدم القدرة على حسن إدارة قطاعات الدولة المختلفة من جانب حكومة الوفاق الوطني، وتنامي درجات الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة (حسب التقرير الصادر عن منظمة الشفافية الدولية المنشور في يناير 2019: ليبيا ضمن الدول العشر الأكثر فسادا في العالم حيث تحثل المرتبة 170 عالميا من بين 180 دولة)؛ أن جعل من إعلان غسان سلامة بعد انتهاء اجتماع أبوظبي بأيام قليلة بأن هناك استعدادات تجري لعقد مؤتمر وطني موسع لليبيين في أواخر مارس 2019، فتح الباب أمام تكهنات عديدة عنوانها الرئيس على الأقل داخلية بأن هناك خارطة طريق جديدة لحل الأزمة الليبية تم الاتفاق عليها بين السراج، وحفتر، تعطي هذا الأخير مساحات أكبر في إدارة البلاد، سيتم فرضها على باقي القوى الليبية الأخرى في هذا المؤتمر الذي حدد له لاحقا مدينة غدامس التي تبعد حوالي 400 كم عن جنوب العاصمة طرابلس على الحدود الجزائرية، تكهنات أكدتها ما كشفت عنه صحيفة «الإندبندنت» البريطانية عندما نشرت في أحد أعدادها بعضا من تفاصيل لقاء السراج، وحفتر، في أبوظبي قالت فيه: إن اللقاء تمخض عنه التزام الطرفين بإجراء انتخابات عامة قبل نهاية العام الحالي وقبل الاستفتاء على الدستور، وأكدت الصحيفة أن الاتفاق كان في مصلحة حفتر الذي يرفض إجراء استفتاء على الدستور قبل الانتخابات، إذ يرى أن الدستور فصل كي يمنع قيادات عسكرية من بينها حفتر من الترشيح للانتخابات، وبالتالي إبعاده عن الحياة السياسية التي يسعى إلى أن يكون شخصياتها الفاعلة، وأشارت الصحيفة إلى أن اللقاء تمحور حول تغيير الرئاسي مع تغيير أعضائه وبقاء السراج داخل هذا الجسم، بالإضافة إلى تسمية حفتر أحد أعضاء الرئاسي شرط أن تتخذ قراراته بالإجماع بين أعضائه الثلاثة وهم ممثل عن كل إقليم جنوب البلاد وشرقها وغربها).

وفيما كانت كل الأنظار تتجه نحو مؤتمر غدامس، والاجتهادات منصبة على فرص نجاحه من عدمها، تفاجأ المعنيون بالأزمة الليبية (ربما ما عدا البعض منهم) بالهجوم الذي قام به خليفة حفتر في الرابع من أبريل على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية من ليبيا، ليعيد هذا الهجوم الأزمة الليبية لا إلى مرحلة ما قبل توقيع اتفاق الصخيرات فقط، وإنما لتدخل به أيضا في مرحلة متقدمة من الاستعصاء في قابلية حلها سياسيا. أكثر من 8 أشهر مرت على بدء هجوم حفتر على المنطقة الغربية وما زالت الحرب مستمرة في ظل انسداد سياسي كبير، تمثل في غياب تقديم أي مبادرات ذات قيمة سياسية معتبرة، لا على المستوى الداخل الليبي فقط، وإن كان ذلك يمكن تبريره، ولكن حتى على المستوى الدولي، حيث اقتصرت ردود فعل بعثة الأمم المتحدة والدول المعنية بالملف الليبي على تكرار نفس مواقفها السابقة المعلنة من الأزمة؛ بأن لا بديل عن الحل السياسي، وأنها تدعو جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية والعودة إلى تبني أسلوب الحوار.

  • مؤتمر برلين.. الأفكار الرئيسة وفرص النجاح:

استطاع المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة، على ما يبدو، إقناع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بفكرة توجيه دعوة للدول الفاعلة في الملف الليبي لعقد مؤتمر في مدينة برلين للبحث عن مخرج سياسي للصراع المتنامي الدائر في ليبيا، وبعيدا عن الخوض في تحليل مسببات الدخول الألماني على خط الأزمة الليبية (ربما لأن غسان سلامة يعتقد بأن ألمانيا يمكن أن تمثل جهة فاعلة محايدة بين تدخل الجهات الفاعلة الأخرى، لا توجد حتى تاريخ كتابة هذا التقرير أي مبادرة للبحث عن حل سلمي للصراع الجاري في ليبيا. وتلافية، على ما يبدو، للعوائق التي حالت دون نجاح مؤتمري باريس وباليرمو، تظهر الاستعدادات الإجرائية لعقد المؤتمر، مثل التواصل مع العواصم المعنية، وعناوين المواضيع التي ستطرح، والدول التي سوف توجه لها الدعوة للمشاركة، وتكليف المستشارة الألمانية لمستشارها للشؤون الخارجية يان هيكر لقيادة الفريق الألماني الخاص المكلف بالتحضير الفني والموضوعي للمؤتمر، حرصا من ألمانيا على توفير كل الظروف الممكنة لنجاح مؤتمر برلين في الوصول لحل للأزمة الليبية. واستنادا للتصريحات التي أدلت بها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في القمة الرباعية التي جمعتها مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، على هامش اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي عقدت في لندن، بتاريخ 3 ديسمبر 2019، بمناسبة مرور 70 عاما على تأسيسه، أكدت ميركل أن مؤتمر برلين حول ليبيا سيعقد في فبراير 2020، وبأنه سيسفر عنه وقف فوري لإطلاق النار في ليبيا. في السياق نفسه؛ أعلن المبعوث الدولي غسان سلامة، عند مشاركته في جلسات حوار المتوسط التي عقدت بالعاصمة الإيطالية روما، بتاريخ 8 ديسمبر 2019، أن هناك، حسب وصفه، 6 سلال تم الاتفاق عليها تترأس مؤتمر برلين، تمثلت في وقف فوري لإطلاق النار، وتطبيق حظر التسلح وتدفق الأسلحة غير المشروعة إلى ليبيا، والعودة إلى التفاوض الليبي - الليبي حول الحل السياسي، إضافة لحزمة الإجراءات الاقتصادية والمالية الضرورية والترتيبات الأمنية للعاصمة طرابلس وتخومها، وتطبيق القانون الدولي الإنساني، علاوة على ضرورة مكافحة مجرمي الحرب. من الناحية العملية، تظهر حالة الإرباك التي واجهتها بعثة الأمم المتحدة الدائمة في ليبيا وربما كذلك الدولة المضيفة، وانعكست في عدم القدرة على إعطاء موعد معين العقد المؤتمر، على الرغم مما ظهر من توافق أولي حول جدول أعماله المقترح، وعلى اقتصار المشاركة فيه فقط على الدول المعنية بالملف الليبي مع الخلاف العلني حول من هي هذه الدول المعنية، دون توجيه الدعوة كما جرت العادة للقوى الليبية الفاعلة، زيادة استعصاء مقاربة الوصول لحل سياسي للأزمة الليبية بعد هجوم حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية، مما قد يجعل من نجاح المخرجات المتوقعة من مؤتمر برلين المرتقب آخر فرصة ممكنة لحل النزاع الليبي سلمية.

التداعيات الاقتصادية للأزمة الليبية:

وفقا للمعلومات التي تصدر بشكل دوري في نشرات البنك المركزي الليبي، وتسندها فيه التقارير الصادرة عن البعثة الدائمة للأمم المتحدة، وكذلك البنك الدولي حول نفس الموضوع، ساهم هجوم حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية في الحيلولة دون الجهود التي كانت تبذل من أجل إصلاح الأوضاع الاقتصادية السيئة والخطيرة التي تمر بها الدولة الليبية، التي يعد من أهم عناصرها تدهور الحياة المعيشية، ونقص السيولة في المصارف، وتراجع سعر الدينار أمام الدولار، وارتفاع أسعار السلع، وانخفاض معدلات إنتاج النفط، فبعد أن تم البدء فعليا، في نهاية عام 2018، في تنفيد حزمة من جملة ترتيبات اقتصادية أبانت الأشهر الأولى من سريان العمل بها، عن تحقيق نجاحات ملموسة في معالجة العديد من الاختناقات الاقتصادية الدولة الليبية، أو على الأقل الحد منها بشكل كبير، جاء هجوم حفتر لا ليعيد الوضع الاقتصادي لمرحلة ما قبل إقرار الترتيبات الاقتصادية في نهاية العام الماضي فقط، وإنما ليدخل البلاد في وضع اقتصادي أكثر تأزما، ولما كان الاقتصاد الليبي يقوم بشكل كامل على مورد واحد هو النفط، فإن وضعه واستقراره يتوقف على الظروف التي يتعرض لها هذا المورد، فبعد أن كانت ليبيا قبل الثورة تنتج ما مجموعه حوالي 1. 6 مليون برميل يوميا، انخفض هذا المعدل من الإنتاج نتيجة لظروف الحرب التي مرت بها البلاد عام 2011، ليصل إلى أدنى معدلات إنتاجه عام 2014 بما مجموعه 150 ألف برميل يوميا، وظل مسعى إعادته إلى نفس المعدل السابق طوال السنوات الثماني التي أعقبت الثورة وحتى الآن هدفا صعب المنال؛ بسبب الصراعات السياسية، وانعدام الأمن، وغياب الاستثمار الأجنبي، مما أدى إلى انخفاض معدل النمو الاقتصادي إلى 7  .8  % بعد أن سجل النمو معدلا قياسيا بلغ 26 . 7 % عام 2017، مما دفع بالمسؤولين التابعين لحكومة الوفاق الوطني المعنيين مباشرة بالملف الاقتصادي دفعة لتناسي خلافاتهم البينية مؤقتة والاتجاه نحو القيام بعمل مشترك ينقذ به ما يمكن إنقاذه من اقتصاد البلاد الذي أصبح شيئا فشيئا يتجه بسرعة نحو الانهيار الشامل، ففي الخامس من يونيو 2018؛ احتضنت العاصمة التونسية الاجتماع الاقتصادي حول ليبيا، بحضور نائبين في المجلس الرئاسي ومحافظ البنك المركزي، وممثلين عن دول أوروبية ومؤسسات مالية وبرعاية السفارة الأمريكية لدى ليبيا، وجاء هذا الاجتماع من أجل تحسين الوضع الاقتصادي المتدني في ليبيا، واتفق المشاركون في الاجتماع على حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، تهدف بشكل رئيس في مجملها إلى تخفيف العبء عن كاهل المواطن، وتلافي بعض الأزمات المتفاقمة من شح السيولة والشلل المصرفي واتساع الهوة بين سعر صرف الدينار الرسمي مقابل الدولار وسعر الصرف في السوق الموازية، ووفقا لتصريحات صدرت عن محافظ بنك ليبيا المركزي، في يناير 2019، فإن هذه الحزمة من الإصلاحات الاقتصادية وما ترافق معها من قدرة على الحفاظ على نفس مستوى معدلات إنتاج النفط عند المليون برميل يوميا في المتوسط، أدت إلى تطور إيجابي ملحوظ في الأوضاع الاقتصادية للبلاد، حيث بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الفعلي مع نهاية عام 2018 ما نسبته 16. 4 %، وبعد مرور أكثر من 8 أشهر على هجوم حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية، أصبحت الأوضاع الاقتصادية تؤدي دورة أكثر محورية في مصير ومآلات الأزمة الليبية أكثر من ذي قبل، فإضافة لكون أن العاصمة طرابلس التي قامت قوات حفتر بالهجوم عليها تحتضن أكبر المؤسسات المحركة لعجلة الاقتصاد الليبي؛ وهي المؤسسة الوطنية للنفط، والبنك المركزي، إضافة للمؤسسة الليبية للاستثمار، تكاد تتفق كل التقارير والنشرات الاقتصادية المعنية بليبيا، وكذلك التصريحات والبيانات الصحفية الصادرة عن هذه المؤسسات، على أن هذا الهجوم أدى إلى تراجع في معدلات الأداء الجيدة نسبيا التي عرفها الاقتصاد الليبي في العام الماضي والأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، حيث أدت الحرب على طرابلس والمنطقة الغربية إلى تضاؤل الإيرادات من تصدير النفط والغاز في الأشهر الستة الأولى من عام 2019 إلى 103 مليار دولار فقط، مسجلة تراجع بقيمة 11 . 25 % قياسا على إيرادات الفترة نفسها من العام الماضي، كما أن هناك مخاوف حقيقية أن يؤدي استمرار الحرب واحتمالية انتقالها إلى مناطق الموارد النفطية من أن تفقد ليبيا قدرتها على الحفاظ على إنتاجها الحالي من النفط البالغ حوالي 1. 3 مليون برميل يوميا في المتوسط، حسب النشرات الصادرة عن المؤسسة الوطنية للنفط في عام 2019، وما يعزز من أهمية هذه المخاوف ما أعلن عنه البنك المركزي الليبي من أن ليبيا حققت إيرادات نفطية بلغت 16 .09 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2019، مقارنة ب13 . 6 مليار دولار في نفس الفترة من العام الماضي، مما يعطي مؤشرا على أن هجوم حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية وإن كان لم يتسبب في حدوث أي تداعيات حتى الآن على الأقل) مباشرة على قطاع النفط الذي يمثل عصب الاقتصاد الليبي، إلا أن هذا الهجوم تسبب، كما أشار إلى ذلك البنك الدولي في تقريره الصادر في أكتوبر 2019 والمعنون بالآفاق الاقتصادية في ليبيا، في القضاء على زخم الانتعاش الاقتصادي النسبي الذي عرفته ليبيا بعد نجاحها في الحفاظ على معدل إنتاج فوق حاجز المليون برميل يوميا، ولكن هجوم حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية لم يمكنها من تجاوز هذا المعدل كما كانت تطمح المؤسسة الوطنية للنفط في عام 2018، وحسب نفس تقرير البنك الدولي المشار إليه آنفا، فإنه من المتوقع أن يظل الإنتاج عند هذا المعدل في السنوات القليلة المقبلة مما يمثل ثلثي القدرات الإنتاجية، وسيكون إجمالي نمو الناتج المحلي بالسالب في عام 2020، وسيستقر عند نحو 2 % عام 2021 - 2022، مما يجعل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي أقل 61 % من مستواه عام 2010 .

مستقبل الأزمة الليبية بعد مرور سنوات على اتفاق الصخيرات:

شكل الهجوم الذي تشنه قوات حفتر على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية مفصلا مهما في التطورات التي شهدتها الأزمة الليبية مند بداياتها الأولى في عام 2011، وخلافا للتداعيات التي ترتبت على التحديات الأربعة السابقة، وما بني عليها من اجتهادات وتوقعات مختلفة تميزت في مجملها بالتكرار والنمطية وبضعف القراءات المستقبلية، ولما كانت مآلات هذا الهجوم ومصيره ما زالت غير واضحة بما يكفي، خصوصا مع هذا الكم المأهول في المعلومات المتناقضة، وبعد أن أصبحت مفاتيح إدارة الأزمة أكثر من أي وقت مضى في أيد خارجية وتخضع لتوازنات إقليمية ودولية متشابكة، مع غياب تام في الحد الأدنى من التقارب والتوافق بين القوى الليبية الفاعلة، فإن مستقبل الأزمة الليبية مع استمرار هجوم حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية يمكن النظر إليه منهجيا من الزاويتين التاليتين:

- العوامل التي قد تساعد على الوصول لحل للأزمة الليبية. - العوامل التي قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة الليبية.

أولا : العوامل التي قد تساعد على الوصول لحل للأزمة الليبية

1- تاريخية، تثبت الكثير من الوقائع والأحداث أن من أهم السنن الحاكمة للأزمات أن بلوغ أي أزمة لنقطة الذروة فإن ذلك يفهم منه أن احتمالات انحسارها أصبحت قريبة، وفي الحالة الليبية، كل المؤشرات والوقائع تؤكد أنها، بعد هجوم حفتر على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، قد وصلت إلى مستوى متقدم من التأزم والانسداد ، أصبحت فيها فرص الوصول إلى حل سياسي ممكنة قياسا بإمكانية الوصول إليه قبل بدء الهجوم، فحالة الإنهاك والوهن تعاني منها كل القوى الليبية الفاعلة الآن، وضريبة تحملهم للمسؤولية التاريخية عما يجري في البلاد، وهناك تشكل قناعة بعدم صدق المراهنة على استخدام القوة المسلحة لحل الأزمة، ومع كل هذا الفشل في حسن إدارة مؤسسات الدولة وتوظيف مواردها، كلها عوامل يمكن أن تؤدي في لحظة تاريخية ما إلى القبول بالتحاكم إلى لغة الحوار وإنهاء الأزمة سلمية.

2 - وصول طرفي الأزمة الرئيسين إلى نقطة التوازن، فبعد مرور أكثر من 8 أشهر على الحرب، لا توجد أي بوادر على أن أي من طرفي الصراع في طريقه لحسم المعركة، فحفتر لم يستطع أن يتقدم جغرافية في اتجاه العاصمة، فقواته لا تزال في نفس التمركزات التي اتخذتها في أبريل الماضي، كما أن قوات حكومة الوفاق الوطني لم تستطع حتى الآن إرجاع قوات حفتر من حيث أتت؛ مما قد يدفعها بمرور الوقت ومع ارتفاع حجم الكلفة المادية والسياسية إلى البحث عن مخرج سياسي للصراع.

3 - التطور في الأداء السياسي لحكومة الوفاق الوطني، فبعد أن كانت هذه الحكومة ممثلة في شخص رئيسها توصف بالضعف وعدم القدرة على التعامل بشكل جيد لا مع الملفات الداخلية فقط، وإنما والخارجية أيضا، تظهر إدارة فائز السراج لتداعيات هجوم حفتر على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، تحولا معتبرة (على الأقل خارجية)، بعد أن استطاع متكئا على قوة المقاومة التي أظهرتها القوات المدافعة، أن يوظف تناقضات المواقف الدولية والإقليمية وحيادية الكثير منها في إعاقة وربما إفشال نجاح هجوم حفتر والأسباب التي شنت من أجله، كما أن مجاهرة ومشاركة بعض الدول بدعمها لحفتر يبدو أنها حررت السراج من عقدة إظهار التوافقية التي اتسم بها أداؤه وجعلته يتموضع في سلوكه السياسي بشكل أكثر وضوحا، عندما عبر أثناء كلمته التي أدلى بها في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، صراحة عن امتعاضه وتحميله للمسؤولية لدولتي مصر والإمارات بدعمهما للهجوم الذي يشنه حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية، ثم عاد من جديد ولمح بكثير من الوضوح حول دور سلبي تقوم به روسيا في ليبيا، إلا أن التطور الأكبر في الأداء السياسي لحكومة الوفاق الوطني فكان عندما قامت بالتوقيع على مذكرتي تفاهم مع الحكومة التركية، ترتب عليها العديد من التداعيات الإقليمية وتنبئ بتغيرات كبرى في مسار الأزمة الليبية.

4 - في نفس السياق السابق آنفا، يمكن فهم توقيع حكومة الوفاق الوطني المذكرتي تفاهم مع الحكومة التركية على أنها قد تساهم في التعجيل بالوصول لحل للأزمة الليبية، إذا ما نظر إليها من زاوية أنها تعطي رسالة واضحة للمراهنين على فرضية استخدام القوة لإنهاء الأزمة لصالحهم، بأن هذه المراهنة أصبحت غير مضمونة النتائج بعد أن أصبح الطرف المقابل لهم أكثر قوة، ففي 27 نوفمبر؛ أعلنت الحكومتان الليبية والتركية بأنهما قامتا بالتوقيع على مذكرتي تفاهم مشترك تتعلقان بالتعاون الأمني والعسكري، وتحديد مناطق الصلاحية البحرية؛ بهدف حماية حقوق البلدين المنبثقة عن القانون الدولي. وبعيدا عن الخوض في الجوانب القانونية، تمكنت حكومة الوفاق الوطني بعد توقيعها على المذكرتين وتصديق البرلمان التركي عليهما من نقل خلافات الدول المعنية بليبيا إلى ساحات أخرى انشغلت فيها هذه الدول بصراعات قديمة متجددة فيما بينها، كما أن توقيعها على المذكرتين جعل الولايات المتحدة الأمريكية تقترب أكثر من الأزمة الليبية من زاوية البحث عن ممارسة دور ما في إدارة النزاع بين الدول المتوسطية، تحقق فيه بعض المكاسب المهمة في منطقة البحر المتوسط، وقبل هذا وذاك بدأت حكومة الوفاق وكأنها دخلت في تحالف ما مع الحكومة التركية عندما أعلن الرئيس التركي صراحة بأنه على استعداد لإرسال قوات تركية لليبيا إذا ما طلبت منها حكومة الوفاق ذلك؛ مما يعني أن حسم الأزمة عسكرية أصبح أبعد ما يكون من ذي قبل، مما قد يدفع حفتر وداعميه للاستجابة لدعوات العودة لطاولة الحوار من جديد .

5 - تبني الولايات المتحدة الأمريكية لاستراتيجية الوصول لحل للأزمة من خلال اقتناعها بأن إيقاف الحرب سيمنح فرصة جديدة للشركات الأمريكية للاستثمار في قطاعات مهمة مثل الطاقة والبنية الأساسية والأمن، واقتناعها كذلك بأن غيابها سيحول ليبيا إلى ساحة لخوض حروب بالوكالة كما هي الحال في سورية.

6- إدراك الدول الأوروبية القابلية تحول الصراع الدائر في ليبيا إلى حرب شاملة تكون هي من أول المتضررين بآثاره السلبية، مما قد يدفعها للتسامي على خلافاتها السياسية الآنية في إدارة الملف والتوافق على حتمية المسارعة لفرض حل سياسي لإنهاء الأزمة، فالانهيار الكامل للدولة الليبية يجعل منها مرشحة لأن تكون بؤرة متنامية لتوطن الجماعات الإرهابية، كما أنها بذلك تكون منصة لقوافل الهجرة غير الشرعية الملف المقلق دائما للدول الأوروبية، تحول الصراع إلى حرب شاملة وقياسا بدول أخرى يعطي فرصة لبعض الدول بأن تتمدد في ليبيا ومن بعدها في أفريقيا، مما يهدد بشكل مباشر المصالح الأوروبية.

7- الكلفة العالية والمتنامية في الخسائر البشرية والمادية؛ حيث أظهرت التقارير الرسمية وتقارير المنظمات المحلية والدولية أن جراء العمليات القتالية نزح حوالي 25 ألف عائلة، وبلغ عدد النازحين حوالي 130 ألفا، كما بلغ عدد القتلى في صفوف المدنيين، حسب ما تضمنته رسالة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة، الصادرة في 10 ديسمبر 2019، حوالي 648 قتيلا مدنية، هذا إضافة إلى أكثر من 40 قتيلا مدنيا قتلوا أثناء قصف طائرة تابعة لحفتر المدينة مرزق في جنوب غرب ليبيا، هذا إضافة إلى تنامي هذه الكلفة إذا اقتربت المواجهات أكثر من الأحياء الجنوبية الملاصقة لوسط العاصمة طرابلس؛ مثل مناطق صلاح الدين والهضبة وأبو سليم، التي تتميز جميعا بكثافة سكانية عالية، عندها سيكون حتما عدد اللاجئين والنازحين والضحايا بين المدنيين كبيرة جدا.

ثانيا: العوامل التي قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة

1- تحول الأزمة الليبية إلى ساحة حرب بالوكالة؛ فبعد مرور أكثر من 8 أشهر على هجوم قوات حفتر على العاصمة طرابلس والمنطقة الغربية، أبانت طبيعة مواقف الدول المعنية بالملف الليبي من هذا الهجوم من حيث التأييد أو الرفض أو حتى الامتناع عن التعبير عن أي موقف، بأن هذه المواقف هي انعكاس لطبيعة شكل العلاقة المسبقة ما بين هذه الدول، وتظهر المعلومات الميدانية في ساحات القتال، ومواقف القوى الليبية الفاعلة السياسية، وحتى نوعية الجهود الأممية، بأنها تكاد تكون صدى لرؤي وتصورات الدول المعنية بالملف الليبي ومبنية عليها.

2 - التدخل الدولي السلبي في الصراع؛ حيث أظهر التقرير السنوي الذي أعده فريق الخبراء التابع للجنة الجزاءات المعنية بليبيا في مجلس الأمن الدولي، الصادر في 10 ديسمبر 2015، أن أطراف النزاع تلقوا أسلحة ومعدات عسكرية ودعما تقنية ومقاتلين غير ليبيين، مشيرا إلى قيام كل من الأردن والإمارات وتركيا بتقديم أسلحة بصورة منتظمة وأحيانا شديدة الوضوح لطرفي النزاع، كما أثبتت الدلائل الملموسة مشاركة بعض الدول المعنية بالملف الليبي في القتال إلى جانب طرفي الأزمة، منها: - في 16 أبريل، أعلن وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي أن أجهزة الأمن التونسية اعتقلت 24 شخصا قادمين من ليبيا يحملون أسلحة وجوازات سفر فرنسية، تبين فيما بعد أنهم من ضمن الفريق الفني العسكري الفرنسي الذي يدعم خليفة حفتر انطلاقا من غريان. - في 21 أبريل، أعلنت مصادر في قوات حكومة الوفاق الوطني أنهم عثروا خلال اقتحامهم لمواقع كانت تتمركز فيها قوات حفتر في محوري عين زارة ووادي الربيع جنوب العاصمة طرابلس على صناديق ذخيرة مصرية عبارة عن كميات من الرصاص الخاص بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة مدون عليها اسم شركة هندسية مصرية التصنيع الذخيرة. - في 10 يوليو، اعترفت فرنسا بأن صواريخ «جافلين» الأمريكية الصنع التي عثرت عليها قوات حكومة الوفاق في قاعدة كانت تتمركز فيها قوات حفتر بمدينة غريان تعود للجيش الفرنسي الذي اشتراها من الولايات المتحدة. - في 18 أكتوبر، أعلنت قوات حكومة الوفاق الوطني تمكنها من إسقاط طائرة مسيرة إماراتية بمدينة مصراتة. - في 30 سبتمبر، أعلنت القوات التابعة لخليفة حفتر عن إسقاط طائرة مسيرة تركية فوق مسرح العمليات العسكرية في ضواحي مدينة ترهونة. - ما أدلى به الطيار عامر الجقم التابع لحفتر، عندما تم القبض عليه بعد إسقاط طائرته من قبل قوات حكومة الوفاق، في 23 ديسمبر2019، من وجود مقاتلي من شركة «فاغنر» الروسية يقاتلون بجانب قوات حفتر، وأن قاعدة الخروبة التي يسيطر عليها حفتر شرقي البلاد توجد بها مجموعة إماراتية وأخرى فرنسية تشرف على عمليات الطيران المسير والدعم اللوجستي والاستطلاع والتنصت.

3 - لما كانت التطورات المتسارعة في ليبيا بعد هجوم قوات حفتر على العاصمة والمنطقة الغربية تتشابه بدرجة ما مع حدث في سورية، فإن دخول روسيا على خط الصراع الدائر في ليبيا من خلال اعترافها بتواجد «فاغنر»، إحدى شركاتها العسكرية الخاصة في القتال، إلى جانب قوات حفتر، ينبئ بدخول الأزمة الليبية في مرحلة خطيرة من أوجه الصراع قد تتضاءل معه بشكل كبير جدا قياسا بالأزمة السورية أي فرصة لحل الصراع في ليبيا سلميا .

4 - هشاشة وضبابية الدور الذي تقوم به البعثة الدائمة للأمم المتحدة في ليبيا، وما يثار حولها من شبهات عندما يتهمها كل من طرفي النزاع بأنها تنحاز للآخر، فعلى الرغم من الكلفة العالية للأضرار المادية والبشرية التي يخلفها الصراع وثبوت المسؤولية المباشرة لأحد طرفي الصراع عن الكثير منها، فإن بعثة الأمم المتحدة تكتفي دائما بإصدار بيانات الشجب والتنديد والتعبير عن القلق، واستمرار تبني البعثة لنفس المنهجية في التعامل مع الأزمة الليبية قد يعطي (إن لم يكن كذلك فعلا مبررا لمن يعتقد بشرعية استخدامه للقوة بأن يستمر في هذا الاستخدام، ولعل هذا ما أشارت إليه جريدة «الجارديان» في تعليقها على تقرير فريق الخبراء حول ليبيا بقولها: إن الأمم المتحدة تواجه اتهامات بالإشراف على ما سمته عصرا جديدا من الإفلات من العقاب.

الدكتور  سعد أحمد سلامة )مجموعة التفكير الاستراتيجي –إسطنبول(

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك