القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

"الاستقواء بالأجنبي" في الحياة السياسية التونسية بين الشيطنة والعقلنة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2021-10-12 18:20:00 | 624 مشاهدة

ملخص
كشفت الأزمة السياسية الأخيرة في البلاد التونسية ثقل الحضور الخارجي في الحياة السياسية. لكن ردود الفعل بدت كأنها تكتشف الأمر لأول مرة، وكأنه طارئ عليها. وفي حين أصبح الطرف الضحية من الإجراءات الأخيرة يعول على ذلك التدخل لإيقاف مسار "الانقلاب" الدستوري، يتهمه الطرف المنقلب بالخيانة والاستقواء بالخارج والإضرار بالسيادة الوطنية، متناسيا أنه لم يكن ليقدر على الانقلاب لولا الاستقواء بـ"خارج" آخر.
على أن التفاتة تاريخية سريعة تكشف أن الأمر ليس حادثا. بل إن البلاد انخرطت في "استقواء" الأطراف الداخلية المتصارعة بالخارج لحسم معاركها مبكرا. وتعتبر الفتنة الباشية الحسينية (القرن 18) ودخول دايات الجزائر على خطها أول وقائع ذلك المسار. ثم التحق به الخارج الأوروبي منذ القرن 19، ثم الخارج الأمريكي منذ الحرب العالمية الأولى، ثم الخارج الإقليمي مع "الفتنة" البورقيبية اليوسفية. بينما تراكبت كل هذه "الخوارج" في الأزمة الحالية.
بناء على كل ذلك، لا نرى فائدة في تزييف الوعي خدمة لانقلاب استند بدوره على الدعم الخارجي لاتهام ضحاياه بالعمالة للخارج وتهديد السيادة الوطنية. وبدلا من ذلك يجدر البحث في صيغ تضمن حماية السيادة الوطنية عبر وحدة مكونات الوطن حتى يتحول ذلك التدخل الخارجي الذي لا مفر منه من عامل تدمير إلى عامل بناء.

مقدمة:

فتحت الأزمة الأخيرة في تونس الباب عريضا، وبشكل مفضوح، أمام تدخل القوى الخارجية الإقليمية والدولية في الشأن التونسي بما يشبه الأوامر والتوجيهات. وقد أثار ذلك جدلا حول مدى مقبولية هذا التدخل بين الشيطنة والعقلنة.
في هذا المقال نتساءل عن مدى حداثة هذه الظاهرة؟ عن دوافعها؟ عن مدى قدرة البلاد على التحصن منها؟

أولا: ظاهرة ليست بالجديدة:

إن التفاتة بسيطة إلى ما هو متداول في الذاكرة الجماعية التونسية تؤكد لنا أن ما تشهده البلاد اليوم من تدخل علني مفضوح للقوى الأجنبية في خلاف داخلي ليس هو الأول من نوعه. وفيما يلي، نذكر بعض محطات تلك التدخلات لنستكشف ما هو مشترك فيها سواء من حيث ظرفيتها، أو وقائعها، أو مآلاتها. وسنختار بعض المحطات البارزة بدءا من العهد الحسيني وتحديدا الفتنة الباشية الحسينية التي أسست للتدخل الجزائري في تونس.

  1. الفتنة الباشية الحسينية تفتح الباب لـ "الشقيقة الكبرى" (الجزائر)

لم تكد السلطة تستقر لحسين بن علي (تأسست دولته سنة 1705) حتى انفجر أول صراع حول الوراثة بعد أن نقل ولاية العهد من ابن أخيه علي باشا إلى ابنه (سنة 1728). وبعد أن استجار المخلوع بأهالي جبل وسلات وانهزم، لجأ إلى الجزائر الخاضعة لحكم الفئة العسكرية (الدايات) من العثمانييين. ووجد دايات الجزائر فرصة (في ظل تراجع النفوذ المركزي العثماني بالآستانة على ولاياته) لبسط نفوذهم على جارتهم الشرقية التي استضعفوها. وبدأت بذلك مسيرة طويلة من التدخل الجزائري في تونس. ولعله بذلك أسس إلى ما هو معروف اليوم في العلاقات بين البلدين من استعمال مصطلح "الشقيقة الكبرى" وما يحيل عليه من ميزان قوى له تبعاته في تلك العلاقات.
دعم دايات الجزائر علي باشا ضد عمه حسين بن علي فتمكن من هزمه وقتله في القيروان (1740). وفرضوا عليه مقابل ذلك الدعم الولاء لهم عبر إتاوة سنوية. ولضمان ولائه، وضعوه تحت التهديد الدائم باصطحاب ابني عمه والاحتفاظ بهما في الجزائر سيفا مسلطا عليه.
بعد ست عشرة سنة، أراد علي باشا التحرر من هذه التبعية بالتوقف عن دفع الإتاوة فأعاد دايات الجزائر ابني حسين بن علي إلى الحكم بعد التخلص منه، ولكن أيضا مقابل إتاوة. ولم تنته تلك التبعية إلا مع حمودة باشا بعد معركة فاصلة في 1807، ثم بسقوط الجزائر نفسها تحت الاستعمار الفرنسي (1830).

  1. الاستقواء بالخارج في القرن 19:

اتخذ الأمر مداخل عديدة. منها سلوك الدولة العدواني تجاه بعض أصحاب الثروات (ظاهرة التتريك أي مصادرة التركة) فبرزت ظاهرة اللجوء إلى القنصليات. كما مثل الفساد أحد منافذ ذلك التدخل إذ استقوى بعض الأعيان على الدولة بأوروبا فلجؤوا إليها مرفوقين بثروات منهوبة من خزينة الدولة (نسيم شمامة وابن عياد). بينما استنجد اليهود بذلك الخارج بعد إعدام أحدهم أواسط القرن 19 وأثمر ذلك عهد الأمان الذي فرض القناصل الأوروبيون على الدولة التونسية فيه احترام غير المسلمين. ولم يخف رموز الإصلاح في القرن 19 ميولهم نحو الاستنجاد بالضغط الخارجي في مواجهة تكلس نظام البايات ورفضه للإصلاح. ويعج كتاب ابن أبي الضياف بعبارات التشفي في الباي الذي كان يتمنع على رعاياه في قبول أفكار الإصلاح ويذعن لها إذا جاءت من الخارج. وتتردد فيه عبارة ملوك الإطلاق لوصف الباي.
على أن الدولة نفسها سقطت في الاستقواء بالخارج على شعبها عندما ثارت القبائل وشارفت ثورتهم على العاصمة بما يهدد باقتلاع الباي ذاته. فوقفت الأساطيل الأوروبية على مشارف نفس العاصمة من جهة البحر لمنع ذلك السقوط. وسيزداد ارتهان الدولة لذلك الخارج نتيجة هذه القطيعة مع شعبها.

  1. استقواء الحركة الوطنية بالخارج على الاستعمار الفرنسي.

وفرت الحرب العالمية الأولى ظرفية سانحة أمام الحركة الوطنية لتجد مدخلا جديدا للمقاومة بعد قرابة أربعين سنة من الاحتلال والعزلة أمامه. فقد برزت الولايات المتحدة خلال تلك الحرب قوة جديدة قلبت ميزان القوى في الحرب لصالح دول الوفاق، ورافعة مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. ورأت الحركة الوطنية في ذلك فرصة لتوظيف الدعم الأمريكي فراسلت الرئيس ويلسن طالبة تطبيق حق تقرير المصير على تونس. لم تنجح المحاولة بسبب الرفض الفرنسي واعتبار الأمر مسألة داخلية. ولم تبلغ القوة الأمريكية مستوى يجعلها قادرة على إخضاع فرنسا لنفوذها.
خلال الحرب العالمية الثانية، وجدت البلاد التونسية شعبا وحركة وطنية مدفوعة إلى الاستقواء بالخارج أمام الصلف الاستعماري. أما غالبية الشعب فقد اندفع بغريزة الحقد على الاستعمار نحو التعاطف مع قوى المحور وإلقاء السمع إلى إذاعة باري التي كانت تحرض على فرنسا وتنقل أخبار انتصارات المحور على فرنسا وحلفائها، واندفعت بنفس الغريزة إلى التعاون مع الألمان عندما دخلوا تونس في نوفمبر 1942، فانخرط عدد منهم في الجيش الألماني ومخابراته. أما القيادات الوطنية فقد انقسمت بين متعاون مع المحور ضد فرنسا (مثل الزعيم الحبيب ثامر ورشيد إدريس) ورافض لذلك مثل الزعيمين الحبيب بورقيبة وعبد العزيز الثعالبي. لكن هزيمة المحور كانت لها كلفة على الحركة الوطنية. إذ لجأت فرنسا الجريحة إلى سياسة التشفي والسعي إلى اتهام الجميع بالتعاون مع المحور. وهنا وجدت الحركة الوطنية نفسها مدفوعة إلى الاستنجاد بالنفوذ الأمريكي لإيقاف هذه السياسة، وهو ما آتى أكله فعلا بتوقف التتبعات ضد الوطنيين. وسيتطور هذ الدور الأمريكي في الحياة الوطنية خاصة منذ 1945.
مثلت سنة 1945 بداية مرحلة جديدة في توظيف الخارج للضغط على الاستعمار الفرنسي فيما عرف بتدويل القضية الوطنية شرقا وغربا. فقد أثارت نشأة الجامعة العربية (22 مارس 1945) آمالا كبيرة في وحدة عربية تطرد الاستعمار الأوروبي. لذلك تحولت القاهرة إلى مركز تجمّع للقيادات الوطنية المغاربية فتشكل مكتب المغرب العربي (1947) بهدف تنسيق الجهود الوطنية من أجل التحرر. لكن هزيمة 1948 وجهت ضربة موجعة لتلك الآمال وأظهرت محدودية نجاعة الجامعة العربية من ناحية، وانشغالها بالقضية الفلسطينية من ناحية أخرى. فعادت الحركة الوطنية إلى التولي وجهة الغرب.
يمكن الإشارة في هذا السياق إلى المشاركات الوطنية في المؤتمرات الدولية الجمعياتية والسياسية (مؤتمر الشباب العالمي بلندن سنة 1945 مثلا) وانخراط الاتحاد العام التونسي للشغل في الاتحاد النقابي العالمي (
FSM) التابع للاتحاد السوفياتي في البداية لاستغلال التناقض بين الكتلتين (الاشتراكية والرأسمالية). لكن حشاد أدرك بسرعة عدم نجاعة هذ الخيار فحول وجهته نحو اتحاد النقابات الحرة (السيزل) (مارس 1951) الخاضع لتأثير النقابات الأمريكية. وحضر، مرفوقا ببورقيبة، مؤتمر النقابات الأمريكية (سبتمبر 1951) لكسب تأييدها للقضية الوطنية.
في 1952، عندما تنكرت فرنسا لوعودها بإعطاء الاستقلال الذاتي لتونس، لجأ التونسيون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بباريس لعرض القضية التونسية. بينما لجأ عدد من الوطنيين إلى المشرق حيث قامت الثورة المصرية لكسب الدعم للقضية الوطنية. وكان السلاح يتدفق نحو المقاومة التونسية عبر الصحراء الليبية. بينما كان نشطاء الحركة الوطنية يجوبون العالم لكسب التأييد للقضية الوطنية. وفي هذا السياق استشهد الزعيم الحبيب ثامر سنة 1949 في حادث طائرة بباكستان. وانتهى هذا الجهد بالحصول على الاستقلال سنة 1955 – 1956. لكن مرحلة جديدة من الاستقواء بالخارج في الخلافات الوطنية بدأت منذ مطلع الاستقلال.

  1. الاستقواء بالخارج في الصراع البورقيبي-اليوسفي.

انقسم الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري بين زعيميه (بورقيبة وصالح بن يوسف). وكان عنوان الخلاف تقييم اتفاقيات الاستقلال الذاتي. وعندما استحال الحوار بينهما لجأ كل منهما إلى طرف خارجي يستقوي به على رفيق النضال. فوقفت فرنسا إلى جانب بورقيبة بقواتها العسكرية والدعم المالي، ولجأ صالح بن يوسف إلى مصر عبد الناصر ومن هناك كان يوجه حركة المعارضة الداخلية ويبحث لها عن الدعم الخارجي. وانتهى الأمر بتصفيته الجسدية في الخارج.

  1. الخارج الحاضر في الانقسام بين الدولة والمعارضة.

استقر الحكم للزعيم بورقيبة. لكن توجهه نحو التفرد بالحكم واعتماد السياسة القمعية تجاه معارضيه دفعهم إلى الاستقواء بالخارج مرة أخرى. وتراوح ذلك الاستقواء بين الطابع العنيف أحيانا (مثل أحداث قفصة 1980 المدعومة من نظام القذافي) والطابع الحقوقي في أغلب الأحيان واتخذ هذا الأخير بدوره أشكالا متنوعة منها اللجوء السياسي إلى الخارج والنشاط انطلاقا منه ضد النظام (وشمل هذا السلوك أغلب التيارات السياسية التونسية وإن بأحجام مختلفة). كما استنجدت المعارضة (في الداخل والخارج) بالخارج نظما ومنظمات (الحقوقية خاصة) للضغط على النظام بهدف إيقاف سياساته القمعية تجاهها. وقد كان لكل توجه سياسي تونسي ظهيره الخارجي (الأنظمة القومية العربية للتيارات العروبية، فرنسا للتيارات اليسارية). وأدرك الإسلاميون بدورهم أهمية هذا المعطى في الحياة السياسية التونسية (وإن كان بشيء من التأخير جعلهم يدفعون فاتورة باهظة لنضالاتهم) فسعوا إلى تدارك الأمر بنسج شبكة علاقاتهم الخارجية ونجحوا نسبيا في ذلك وهو ما ظهر خلال أحداث ثورات الربيع العربي التي واجهت أنظمة عربية متكلسة مصفحة تستقوي على شعوبها بالخارج وأجهزة العنف الشرعي.
بناء على هذا المسح التاريخي المقتضب يمكن القول إن الاستقواء بالخارج معطى ثابت في الحياة السياسية التونسية. وقد يستقر بذهن من يتابع ذلك المسح أن الاستقواء بالخارج كان دائما من المعارضة (أفرادا وتنظيمات) على الدولة المستقوية على شعبها بأدوات العنف الرسمي. وهو استنتاج يحتاج إلى تعديل. ذلك أن الدولة ذاتها استقوت على شعبها بنفس الخارج لتستعيض عن نقص الشرعية المحلية بشرعية الدعم الخارجي (الاعتراف السياسي وما يتبعه من دعم اقتصادي). وسعت إلى اكتساب ذلك الدعم بالإغراء (ضمان مصالح الخارج) والتخويف من مخاطر المعارضة على الخارج نفسه (اتهام بعضها بالإرهاب مثلا وخطرها على نموذجه الاقتصادي والثقافي). وهو ما يفتح الباب أمام سباق محموم وخطير من الطرفين لكسب دعم ذلك الخارج ويهدد السيادة الوطنية.
أما من جانب ضحايا عنف النظام فقد كان اندفاعها نحو الاستنجاد بالخارج محكوما من ناحية بميزان القوى المختل لصالح النظام، وإدراكا منها أن ذلك النظام ليس إلا وكيلا عنده، وأنه مَحْمِيُّه. فسعت المعارضة إلى تعديل سلوك الخارج بنفس المداخل التي يعتمدها النظام: الترهيب والترغيب. فكانت تحاول التنبيه إلى مخاطر انتهاك حقوق الشعب وما قد يخلفه صمت القوى الخارجية على ذلك من مخاطر على مصالحها مع الشعب (الكراهية والإرهاب والهجرة). وسعت بموازاة ذلك إلى نفي تهم النظام وإثبات أنها لا تتناقض مع مصالحه وأنها ملتزمة بمبادئه (حقوق الإنسان ونظمه الاقتصادية) وأنها يمكن أن تكون بديلا عنه بما ينفس الحياة السياسية المحلية من ناحية ويحفظ تلك المصالح من ناحية أخرى.
ومن اللافت أن الطرفين يزايدان على بعضهما في ذلك بمبدإ السيادة الوطنية. فالنظام يتهم المعارضة بالاستقواء بالخارج على الدولة ويكيل لها تهمة الخيانة (التي قد تصل إلى الدرجة العظمى) لبلدها. بينما تلجأ المعارضة إلى اتهام النظام بالعمالة للخارج. وهو ما يعكس عجز الطرفين على الوصول إلى أرضية تفاهم يتعايشان على أساسها وتحصن البلاد من التدخل الخارجي المرجح لشق وطني على آخر، وإملاء شروطه المجحفة تجاه الوطن ذاته.
وقد أثارت ثورة 2010-2011 الأمل في الخروج من هذه الثنائية القاتلة لولا ارتكاس بعض أبناء البلد إلى ما قبلها.

ثانيا: ثورة 2011 والفرصة المهدورة من أجل وحدة وطنية تحد من التدخل الخارجي.

منذ اندلاعها في نهاية 2010 وجدت الثورة نفسها في خضم الاتهام والقدح في شرعيتها بالولاء للخارج على حساب الوطن. بل نسبت إلى الكيان الصهيوني بوصفها بالربيع العبري. ومن الطريف أن من كشفت الثورة عمالته وتجنيده من مخابرات ذات الكيان، يتهم أنصاره الثورة بأنها من تخطيطه (الكيان).
في علاقة بموضوعنا، لا يمكن بأي حال نكران حضور الخارج في وقائع الثورة. بل يمكن القول إن نجاحها هو في أحد أبعاده نجاح للمعارضة بمختلف تياراتها في تحييد الخارج الحامي للنظام وإقناعه بأنه لم يعد من الحكمة رهن مصالحه بنظام مهترئ وفاسد.
وكان من المفروض على المكونات السياسية التي جمعتها معارضة النظام أن توفر أرضية مشتركة للعمل بما يقوي الوحدة الوطنية ويجعل الشعب فيصلا بينها. لكن تبين منذ الخطوات الأولى للثورة أن الثقة غائبة. وتسلل الخارج إلى المشهد الجديد عبر ترتيبات الوضع الجديد المبني على تخوفات شق من المعارضة من شق آخر. كانت كلمة السر الأولى في هذا الشرخ "التوازن" مع طرف سياسي ظهرت معالم امتداده الشعبي جلية في التظاهرات المفتوحة. وقد دفعت مخاوف شق من الفاعلين السياسيين المتخوفين من هذا الخلل في الحضور الشعبي، وما يمكن أن يترتب عنه من خلل في المشهد السياسي إذا ما اعتمدت الآلية الديمقراطية التقليدية، إلى الاستقواء مرة أخرى بالخارج ضد الشق الآخر من المعارضة. ولم يكن الشق الآخر بدوره عاريا من السند الخارجي. فسقطت البلاد في استقطاب ثنائي خطير قام الخارج المتضرر من الثورة بتأجيجه عبر القضايا ذات الخلفية الإيديولوجية الهووية. فتمترس الشق المتخوف من الديمقراطية الانتخابية وراء جملة من المقولات التي تشيطن بقية المعارضة وتحرض الخارج عليه بإثارة مخاوفه تماما كما كان يفعل النظام الساقط. ولم يجد الطرف الـمُسْتَقْوَى عليه بدا من الاستقواء "بخارجه" لينقذ التجربة الجديدة عبر جلب الدعم المالي وتفعيل شبكة علاقاته معه لفتح قنوات اتصال مع القوى الفاعلة في النظام الدولي لتسويق الصورة وتفنيد مقولات الطرف النقيض وضمان المقبولية للتجربة الجديدة.
وهكذا وجدت البلاد نفسها مرة أخرى في انقسام خطير فتح الباب أمام الخارج على مصراعيه. وبمرور الوقت، أصبح الاستقواء بالخارج واضحا واللعب على المكشوف. واتخذ الانقسام لبوس الثورة و"الثورة المضادة"، وهو ما يعني بلوغ الانقسام درجة يكاد يستحيل معها تعايش الطرفين، وقدرتهما على الحوار وتغليب المشترك على المختلف. وبدل أن تفتح الديمقراطية فرص السلم الأهلية، فقد عمقت نتائج الانتخابات واختلالاتها، وتذرر القوى المكونة لشق معين مقابل حفاظ الشق المقابل على حضور ثقيل (رغم اهتراء شعبيته تحت ثقل القصف الإعلامي ومحدودية الحصيلة التنموية)، القناعة لدى الشق المتذرر أن خلاصه في الاستقواء بالخارج بعد أن عجز عن إحداث التوازن السياسي مع غريمه. وترسخت تلك القناعة خاصة بعد انحلال التجربة التي استثمروا فيها كثيرا (نداء تونس)، وفشل تحويل قوة المنظمة الشغيلة إلى قوة سياسية (حزب عمال).
ولا نرى فائدة في تفصيل أشكال الاستقواء بالخارج هنا. ولكن نشير فقط إلى أن الانقسام الحاصل جعل الشق الأول الناجح في الانتخابات يستقوي بخارجه لإنجاح التجربة الديمقراطية عبر ضمان الجانب التنموي في واقع متعثر، وضمان التسويق لها خارجيا في المحافل السياسية الدولية؛ مقابل استقواء الشق الآخر بخارجه لإسقاطها وشيطنتها وغلق كل حنفيات الدعم الخارجي لخنقها ولو على حساب الحرية ومطالب الشعب في التنمية. بل إن هذا الشق لم يعد يخفي رغبته في الانقلاب على التجربة باستدراج القوى الحاملة للسلاح ومنذ الأيام الأولى للثورة (دعوة الجيش إلى التدخل إثر انتخابات 2011؛ الحماس المتجدد منذ 2013 وفي كل ذكرى للثورة لاستنساخ الانقلاب المصري).
وفي كل تلك المساعي كان الخارج حاضرا بقوة عبر الدعم الإعلامي (القنوات الأجنبية المتخصصة في الربط المباشر مع الشق المعارض داخل البرلمان ونقل مشاهد ترذيل البرلمان مثلا)، والمالي (دعم الأحزاب والتحركات المناهضة للتجربة الديمقراطية). ووصل الأمر في آخر المطاف إلى تأطير رئيس الدولة في إعداده لانقلابه الأخير على الدستور منذ استضافته في مصر، وبالتنسيق بين مكونات المعارضة لتوزيع الأدوار بين من يزرع (الترذيل والفوضى) ومن يحصد (تنفيذ الانقلاب).

ثالثا: خلاصات:

  1. الاستقواء بالأجنبي معطى ثابت في الحياة السياسية التونسية منذ القرن 18 على الأقل، انطلق مع الفتنة الباشية الحسينية، ولم ينقطع عن مختلف مراحل تاريخنا الوطني. ومن ثمة فلا يجب تجريم الثورة وتحميلها مسؤولية فتح البلاد أمامه.
  2. الاستقواء بالخارج كان قبل الثورة من قبل الطرف الضعيف في مواجهة السلطة المتغطرسة (الدولة/الاستعمار). وهو في هذه الحالة قد يجد مسوغا في بحث تلك القوى المضطهدة عما يوازن قوة النظام تأثيرا مع الحفاظ على سلمية الفعل من ناحية، وباعتبار أن ذلك الخارج هو ولي النظام وكفيله. لكن الدولة "الوطنية"، ويا للغرابة، كانت بدورها تستقوي بالخارج على شعبها ومعارضتها، في محاولة للتملص من ضغوط الخارج باستثارة "غرائزه" الاستعمارية (المصالح). وكانت تتهم شعبها المستجير من رمضائها بنار الخارج بالعمالة لذلك الخارج ومعاداة الوطن. ومن المفارقات أنها كانت تنتصب حارسة أمينة على مصالح ذلك الخارج لديها بينما تقدم نفسها حامية وممثلة للسيادة الوطنية. وإنها لمفارقة عجيبة لا يمكن تمريرها إلا عبر سردية إعلامية دعائية تشيطن الشعب وتمجد النظام وتخفي مساوئه.
  3. الاستقواء بالخارج بعد الثورة أصبح واضحا ومكشوفا من الجميع فيما عرف بسياسة المحاور. لكن موقع كل طرف من الوضع السياسي حدد الدور المطلوب من ذلك الاستقواء. فالمتصدرون للمشهد السياسي على أساس حصيلة الصندوق الانتخابي استنجدوا بداعميهم لإنجاح التجربة بينما استدعى الشق المقابل داعميه لعرقلتها وإفشالها.
  4. قبل الثورة كانتاالنظام يتهم معارضيه المستجيرين بالخارج بالعمالة بينما يقدم نفسه ممثلا للسيادة الوطنية. ومن باب الطرافة أن الرئيس المنقلب على الدستور وحزامه يستعيد نفس المعجم ويثير الغريزة الشعبية في عملية مغالطة مفضوحة باسم السيادة الوطنية ليشيطن معارضيه، مع أنه ليس في الموقع المناسب لتمثيل السيادة الوطنية وهو الصاعد بالتدبير الخارجي من يوم صعوده في المشهد السياسي قبل 2019، إلى صعوده الانتخابي في 2019، إلى انقلابه على الدستور في 2021.
  5. لجوء الطرف المنقلب عليه إلى الاستنجاد بالخارج لإفشال الانقلاب، والذي يجرمه الطرف المنقلب، هو استعادة لوضعيات ما قبل الثورة، حين كان الضعيف في المعادلة يبحث عن قوة موازنة للنظام أو مؤثرة في قراره. وهذا الاستنجاد (الاستقواء) بالخارج هو مدخل آخر للحفاظ على سلمية النضال مع ضمان نجاعته في نفس الوقت. فالبديل عن ذلك إما الاستكانة والقبول بالأمر الواقع، أو النضال بأشكال أخرى قد تصل حد العنف. الاستنجاد بالخارج هو أحد أشكال النضال السلمي. وهو، ويا للأسف، ضرورة حينما يلجأ طرف "وطني" إلى قهر طرف "وطني" آخر بوسائل الدولة.
  6. من أراد أن يجرم الاستقواء بالخارج عليه أن يلتزم قبل ذلك بقواعد اللعبة السياسية الديمقراطية الداخلية ويمتنع عن استدعاء الخارج لقهر غريمه، وأن يقبل بمخالفه حتى لو تفوق عليه ذلك المختلف، وأن يسعى إلى تطوير أدائه وتحالفاته ليضمن التفوق. ومن مزايا الديمقراطية ألا منتصر دائما فيها، وأنها أفضل وسائل التداول على السلطة. أما إن استباح كل الوسائل لإزاحة غريمه بما في ذلك التدخل الخارجي والانقلاب، فهو غير مؤهل أخلاقيا لإعطاء دروس في الوطنية لضحيته.
  7. من المضحك أن يبادر البعض مدعوما بقوى خارجية إلى مصادرة الحياة السياسية وحق مخالفيه في الوطن، ثم يطلب من ضحيته الاستكانة وعدم اللجوء إلى الاستنجاد بالخارج بدعوى الوطنية واحترام السيادة الوطنية، وإن فعل وصمه بالعمالة والخيانة.
  8. التدخل الخارجي لم يعد خيارا ولا بالرغبة، بل هو قدر كل الدول بما فيها الكبرى في ظل العولمة وعصر الإنترنت. ألم تلازم الرئيس الأمريكي ترامب طيلة ولايته تهمة الاستنجاد بالقراصنة السيبرانيين الروس للتأثير في الانتخابات الرئاسية؟ ألم يتخذ الغرب من المعارض ألكسي نافالني حصان طروادة للضغط على روسيا؟ وفي الصين لا تجد الأقليات، سواء منها المعارضة السياسية (تحركات تيانان مان وهونغ كونغ)، أو الدينية (البوذيون والمسلمون الأويغور) في مواجهة قوة الدولة وعسفها إلا الاستنجاد بالخارج الباحث عن مداخل لملاعبة العملاق الصاعد وابتزازه في الاقتصاد والسياسة عبر ملف حقوق الإنسان. وإذا كان الحال كذلك مع هذه القوى، فمن باب أولى وأحرى أن يتواضع من لا يملك القوة ولا أمنه وينتبه إلى أن مفهوم السيادة الوطنية قد دخل ما دخل عليه من تعديل في ظل العولمة.
  9. الخارج ليس خادما عند أحد بل هو المشغل. إذا لم يُسْتُدْعَ استدعى نفسه، ويخلق من أجل ذلك ألف سبب إن لم يتوفر السبب. وهو لا يعمل لوجه الله. وعليه فمن ارتمى في أحضانه ليستعين به على شريكه في الوطن، عليه أن يستعد للدفع. وليعلم قبل ذلك وبعده أن عملة الدفع هي السيادة الوطنية.
  10. همسة للمتحسسين من التدخل الأمريكي بالذات: من باب الجيوبوليتيك، أمريكا اليوم هي القوة العظمى إلى أن يأتي ما يخالف ذلك. وهل تعرفون معنى ذلك؟ معناه هي "الـمْعلِّم" [Big Boss]، والبقية باستثناء منافسيها (وخاصة الصين وروسيا) وكلاء عندها. وهؤلاء يعدلون أوتارهم على توجهاتها لأنها حاميتهم. أما من باب التاريخ، فقد استنجدنا بها ضد فرنسا الاستعمارية منذ 1919، واستقوينا بها سياسيا واقتصاديا منذ الحرب العالمية الثانية. وليعلم من لا يعلم، أنه وزيادة على ما استثمرته في التجربة السياسية (باسم دعم الديمقراطية)، فإن بعض المواقع الحساسة في البلاد (ودون ذكرها) مجال نفوذ لها. وللتذكير فإن بعض المتحسسين اليوم من تدخلها قد طلبوه قبل ذلك ضد غريمهم (أحد الانقلابيين أعلن يوما أنه بانتظار تصنيف الحزب الذي يكرهه على قائمة الإرهاب الأمريكية، وانقلابي آخر طامح آخر إلى الزعامة تكفل بدل الراحل الباجي قايد السبسي بالتوقيع على الاتفاقية العسكرية التي تمنحها قاعدة في التراب التونسي). من يتحسس عليه أن يفعل ذلك في كل الأحوال، وليس فقط عندما يكون التدخل ضد شهواته.
  11. أخيرا، ليس أفضل لحماية السيادة الوطنية من موقف وطني موحد حول آليات إدارة الخلاف الداخلي (العقد الاجتماعي [الدستور]، الصندوق، والقانون الانتخابي) والالتزام بضوابطه وعدم الخروج عنه.

 

د. عبد الرحمان الهذلي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك