القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

: الصوت الموتور والمعنى المهدور في الخطاب السياسي  في تونس ما بعد الثورة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-07-30 15:24:00 | 309 مشاهدة

• ملخّص:

إن الخطاب مرادف للكلام، أي الانجاز اللفظي للغة وهي في طور العمل أو اللسان الذي تنجزه ذات معينة كما أنه يتكون من متتالية تشكّل مرسلة لها بداية ونهاية. إن الخطاب بهذا المفهوم تجربة دينامية تساهم فيها أطراف متعددة عن طريق التفاعل من أجل تحديد الأدوار ، مخاطب خطاب ومتقبل ، هذا الأخير الذي يسعى دائما إلى تحليل الخطاب من أجل الوصول به إلى أقصى حدّ ممكن من المنطقية وقوفا على كل الرؤى والبنى التي ساهمت في هذا المنتج . ويرى ليفنسن LEVINSON أن تحليل الخطاب دراسة للغة من منظور وظيفي من خلال دراسة التركيب اللغوي بالإشارة إلى عوامل غير لغوية مثل حركة اليدين وقسمات الوجه. ويعرّفه البعض على أنّه رسالة يقدّمها مرسل، ويستقبلها متلقٍ حسب أنواع الخطاب ومن أشهرها الخطاب العقلي الذي يقوم على الإقناع عن طريق تجميع الحجج وهي خطابات مستحسنة تقوم على احترام القيم الإنسانيّة، وتقديرها من خلال إعطاء فرصة للمتلقي ليحكم على مضامينها،ومن هذه الخطابات التي أصبحت رائجة نذكر الخطاب العاطفي سواء استعمله السياسي أو الأديب أو غيرهما فهي خطابات تستخدم طريقة سلبية تقوم على الخداع والحيلة، حيث لا تعطي المتلقّي فرصة للحكم على الأمور من خلال تأثيرها على مشاعره، فيكون المرسل هو المتحدّث، وصاحب القرار في نفس الوقت، ومن أمثلة هذا النوع: الخطابات السياسيّة ذات التوجّه اليساري الاستئصالي، أو تلك التي توغل في التعويل على العاطفة في اجتذاب الناس إلى مشروعها مثل داعش والشيعة ...الخ .

• مقدمة:

لقد اختلط مفهوم الخطاب بمفهوم النص إذ عرّف النصّ على أنه الخطاب، لا فرق بينهما . فالخطاب هو النص في بداية مراحله أي في طابعه الشفوي وهو أوسع من النصّ في الإطار المفهومي، من جانب آخر فإن الخطاب مجموعة من المنتجات الفكرية التي يراد إيصالها إلى متلقّ عبر اختيارات لفظية مخصوصة، أي ما يقدم من فكر متعلق بوجهة نظر في موضوع ما، وهو بذلك مجموعة النصوص التي يربط بينها مجال معرفي معين وتمثل عالم أوسع من عالم النصّ وينوه محمد مفتاح إلى صعوبة فهم آراء المدرسة الواحدة ونظرياتها ناهيك عن مدارس عدة تجتمع في مجال تحليل الخطاب وإن أي استصفاء يوقع في الانتقاء العشوائي للمصطلحات والمفاهيم ومن ثمة الخلط.

ومن ثمة ضرورة فرز عناصر نظرية يعتقد في جدواها في سياق تحليل الخطاب السياسي المضطرب أصلا ، وهو ما خلق الاختلاف وجعل التعامل مع تحليل الخطاب أمرا محفوفا بإكراهات جمة، وإذا تجاوزنا هذه المواقف الكلية إلى الإجراءات المحلية المتعلقة بالتحليل اللغوي. فكل واحد من هذه النظريات يلقي الضوء على جانب من الظواهر اللغوية ولذلك فهي تتكامل أكثر مما تتناقض، الشيء الذي يتيح للباحث أن يركّب بين جزئياتها بعد الغربلة والتمحيص ليصوغ نظرية لتحليل خطاب ما.

• الخطاب اليساري: خطاب التنافي

لعل الميسم المحايث للخطاب الإيديولوجي الماركسي هو الحثّ على ثورة المهمشين من أجل بلوغ مرامي سياسية تحت لواء العنف الثوري وثورة البروليتاريا والقضاء على الرجعية المعطّلة لدواليب الإنتاج والسير في دروب الحداثة ..كما يراهن اليسار الماركسي على حقد طبقة البروليتاريا على الطبقة البورجوازية الكومبرادورية وهم يعتقدون أن الرأسمالية مصدرٌ للعنف المرتبط بالاستغلال، وما يرافق هذا الاستغلال من قمع وإرهاب رأسمالي. لذا، فإن "العنف الثوري" من جهة الطبقات الشعبية والعمال وفقراء الفلاحين، يعْتَبَر حسب رأيهم رد فعل مفروض أو هو فَرْضٌ وجوبي حيال الإرهاب الرأسمالي والإمبريالي في عهد العولمة النيوليبرالية، من حيث هي المصدر،للإرهاب في عالمنا الحالي كما يعتقد الماركسيون الجدد. بمعنى آخر، فإن "العنف الثوري" للمُسْتُغَلّين المقموعين ليس خيارا حرا، وإنما هو مفروض عليهم ضمن ساحة الصراع الطبقي.

وفي ظل غياب الفعل من أجل تطوير البلاد وقد أتيح لكلّ الاشتغال من موقعه فإن هذه الفئة الإيديولوجية استندت إلى الخطاب المنمّق الذي أصبح معلوما للعامة، قبل الخاصة. إذ أن هذا الخطاب لا يعترف بشريك في الحكم خارج "الدائرة الديمقراطية" التي بالغ في توضيبها توضيبا يماري ادعاءهم بالطهورية السياسية وامتلاك مفاتيح التحديث، ولكن محكّ السلطة جعل كل هذه الشعارات مجرّد ادعاء هلامي لا أساس واقعي له، و يعرّف الخطاب السياسي بأنه شكل من أشكال الخطاب ، ويستخدم من قبل فرد أو جماعة أو حزب سياسي معين، من أجل الحصول على سلطة معينة عند حدوث أـي صراع أو خلاف سياسي، وله أهمية كبيرة تعود على الجهة المستخدمة له، وتكمن أهميته في أنه أداة ضرورية لاكتساب السلطة، ويتم اللجوء إليه من قبل القوى السياسية المختلفة، من أجل الوصول إلى المراكز العليا ونخص الأطراف اليسارية من الجبهة الشعبية ولواحقها التي تكثر من الخطابات الشعبوية وتتخذ منها أداة لتمييع الخصم مهما كانت حظوته ومقبوليته عند الشعب ، وإن كسب المشروعية في مناخ رجراج كلّ يدّعي فيه الطهورية السياسية والأحقية بقيادة البلاد والمحافظة على النمط المجتمعي من عبث أطراف سياسية مفارقة ونخص هنا الإسلام السياسي بمختلف أطيافه، أضحى ديدن اليسار الاستئصالي، ولكن لحسن حظ البلاد أنّ الواقع السياسي يتشكل بعيدا عن الادعاء بخطاب سياسي موتور ومعنى مهدور .

إن هدف الخطاب السياسي يتميز بأنه خطاب يقوم على عملية الإقناع للجهة الموجه لها الخطاب، بالإضافة إلى تلقي القبول والاقتناع بمصداقيته، من خلال العديد من الوسائل والطرق المدعمة بالحجج والبراهين، إضافة إلى الوسائل الحاملة لهذا الخطاب السياسي والتي تشكل ديدنه ومآلاته ، وهو ما يقتضي بالضرورة جملا تعبيرية تتناسب مع طريقة التواصل مع الأفراد، مع مراعاة الانسجام مع الموقف والمقام الذي يتم إلقاء الخطاب السياسي على أساسه. ولكن الحقيقة أن اليسار الماركسي يعمل ضدّ هذه الأهداف التي يؤسسها علماء الخطاب ولنا مثلا في طرح تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة التي تعدّ نسفا لكل الروابط التي تجمع هذا الفصيل السياسي بالمجتمع الذي هبّ للدفاع عن دينه وهويته وتاريخه. ومن الوظائف التي يقوم بها الخطاب السياسي، وظيفة الخبر وهي من أهم الوظائف التي تقوم على إيصاله للجمهور بطريقة صحيحة ومقنعة. إضافة إلى وظيفة المعارضة التي تعمل بشكل أساسي على تقديم الاحتجاجات السياسية متبعة في المجتمع الذي يعيش فيه، بالإضافة إلى مقاومة هذه السياسة والنظام المتبع من أجل تغييره والحصول على نظام آخر يتماشى والقناعات التي يعتقدها هذا الفصيل أو ذاك وفق العملية الديمقراطية . كما أن وظيفة إخفاء الحقيقة تساعد في إخفاء الحق وتزييف التاريخ، وإن تقديم حقائق أخرى غير الموجودة والمتبعة من قبل أفراد معينين هي ضرب من التيه. وتتشاكل مع وظيفة منح الشرعية أو نزعها وهي التي صبغت البرامج والاختبارات ذات الطابع السياسي والتي يتم وضعها من قبل جهة معينة أو إيجاد برامج بديلة عن البرامج المتبعة. بهدف بث التفاؤل والأمل بالمستقبل السياسي المطروح، أو يعمل على إيجاد رؤية سياسية مختلفة بجعل الخطاب مقبولا من قبل الأغلبية. كما يشترط أن تتصف بنيته بالتماسك والترابط، وأن تستند إلى أيديولوجيا تعمل عمل الخلفية النظرية التي تجرجر المعنى من الوضوح إلى الاستتار والتخفي لبلوغ معنى المعنى. وأن لا تميل اللغة المتبعة إلى صيغة الأمر أو التعريض والتشويه ودسّ الهمز والغمز والتنابز بالألقاب وبثّ الكراهية بين أفراد الشعب الواحد كما شهدناه في أعمال اليسار الاستئصالي في تونس وهو الذي أباح كل شيء من أجل بلوغ السلطة التي جربها من وراء ستار في العهد المافيوزي السابق للثورة . بل إن الاعتماد على البلاغة والدبلوماسية أمر مطلوب لأنّ الهدف الأساسي من الخطاب التأثير العاطفي على المستمعين. ويتّصف الخطاب السياسي عادة بطوله وبتكراره للعديد من الجمل والكلمات المنتقاة بدقة، من أجل وصول الفكرة التي يهدف السياسي المحنّك أن يبلّغها إلى الجمهور العريض. حينما نستدعي هذه الأشراط النظرية فإننا لا نملك إلا التأسف على ضياع أدبيات الخطاب السياسي عند ساساتنا الجدد من المتهافتين على السلطة خارج صندوق الانتخاب سواء بدعوى التكفير او التبرير ، فالذين استسهلوا الكلام أمام العامة فجاء متهافتا مرتبكا لا يجمع بين أجزائه جامع، اللغة فيه دارجة لا تلتزم الحياد والفكرة مشوشة خالية من كل برهنة أو حجاج والسّمت طاعن في الخصم مغرق في الشتيمة .

لقد مثلت الإيديولوجيا مناط العمل السياسي في تونس ما بعد الثورة مستعيدة الحراك الإيديولوجي الذي كان يعتمل في الجامعة خاصة في العقدين اللذين سبقا حكم الجنرال بن علي الذي طمس العمل السياسي وأحال الساحة السياسية إلى أرض جدباء لا تنبت، وقد مثلت الانطلاقة السياسية الجديدة في ظل الحريات التي أتت بها الثورة المجيدة بؤرة في التوتر والانقسام الهووي باعتبار حدّية الحوار ورفض اليسار الاستئصالي أي مشاركة جدية مع خصومه التاريخيين من الإسلام السياسي رغم المراجعات التي حصلت في صفوف حركة النهضة. وقد ظلّ الاقتباس من النظرية الماركسية على مستوى المنطوق ومناقضتها على مستوى الفعل جزءا من استراتيجيات خطاب اليسار التونسي، الذي كان يحشد الأمثلة والحجج للتبشير بحصول تحوّل هيكلي في منظومة الحكم من وضع “الفهم” إلى وضع “التغيير”وهو ما أدى إلى الاستنجاد بالماركسية بوصفها نسقا فلسفيا قائما على “البراكسيس” بمعنى العلاقة الجدلية بين النظر والممارسة التاريخية. وقد نهض خطاب اليسار الماركسي على مفهوم التغيير بما هو “انقلاب ثوري” وأداة فاعلة لتطوير وسائل الإنتاج و النهوض بالمناطق المهمشة وفق جدل الواقع والتغيير وهم في ذلك إنما يؤسسون لبناء معرفة تنطلق من القراءة المادية للتاريخ البشري دون السقوط في “الميكانيكية”، مستفيدين من مفهوم الجدل الهيجلي. ولكن الواقع الذي يلتزمون به في النظر طوّح بهم بعيدا ورفضهم المجتمع لنفس قوانين الواقع ولكن بوسائل أغمضوا أعينهم عنها طويلا .

• الخطاب السلفي بين التكفير والتبرير

إن الخطاب السلفي يتمظهر في مظاهر مختلفة لتحديد مشاريعه الفكرية وممارسة قناعته الإيديولوجية في إطلاقيتها وقد اتخذنا لها عيّنة اخترناها من أناشيد السلفية الجهادية عموما وخصصنا داعش بعناية أكثر باعتبارها المتهمة بإشاعة الفوضى والقتل حرقا وتذبيحا إضافة إلى حظوتها الواسعة بين الشباب المستقطب الذي وفرت له هذه المليشيات تدرّجا في السلطة وضخّت له مالا كثيرا، وهو ما أدّى إلى هيمنة داعش على العراق وسوريا وأجزاء من شمال إفريقيا في وقت قياسي ، وقد بدت لنا المادة المختارة من أناشيد السلفية الجهادية قائمة على العشوائية رغم حرصنا على أن تكون هذه القصائد من المشهور المتداول عندهم والذي يؤدّي معنى من معاني متكثرة، سنوردها تباعا. ولعل ما يلاحظ من خلال ما ينشرون على اليوتيوب ، كثرة أناشيدهم وتنوعها بل وتداخلها في أبعادها الإنسانية مع أناشيد هي في الأصل "إخوانية" أو من منتجات السلفية المعتدلة. ولهذا فهي لا تراعي الفروقات الدقيقة في التنوع الداخلي في إطار المذهب السلفي بأطيافه المتنوعة، كما أنها لا تراعي التنوع الجغرافي رغم حرصنا على توزيع يحمل إمضاء تونسيا وقد حرصوا على فصاحة اللغة في أغلب الأناشيد المؤدات وهو ما من شأنه طمس الخصوصية الإقليمية للمنشد ، والحال أن لا وجود لامرأة منشدة عندهم ، وقد كان في هذه الأناشيد ما هو منسوب إلى قصائد لشعراء معروفين تمّ تطويعها للغرض

كم من عدوّ لنا أمسى بسطوته يبدي الخضوع لنا ختلا وتسكينا

يطوي لنا الغدر في نصح يشير به ويمزج الســـمّ في شهــــد ويسقينا

وفيها ما هو مصنوع وفق غرض معلوم وهو ما أنقص من قيمتها الشعرية إضافة إلى حرصهم على تدبيج بعض الأناشيد بآي من القرآن ومحاولة التأثير بالصورة المتظافرة مع السماع سواء للقصيدة أو المؤثرات الصوتية المصاحبة . على أنّ اللغة تتخذ وضعا غير الذي ألفته الأسماع والأذواق، يعمد فيها الشاعر إلى جملة من الصيغ اللغوية بالغة الانحراف عن المألوف، وتكوين علاقات غير معتادة بين الألفاظ إلى حد قد تبدوا أحيانا غير معقولة.. من ذلك قولهم:

ردع الرعود ودرعنا ردّ على ردع الرعود

ورعودنا ردّ على تردد في سجود

إن المعنى الشعري ليس هو الهدف الأساسي الذي يشد وعي الشاعر وهو يمارس عملية الصناعة هذه وإلا وقع في مطبات غير مقبولة شعريا، من ذلك سقوطه المباشر في التقريرية ومجابهة الخصم والتوعّد بردّ مزلزل راعد، ومن الأمثلة الأخرى في خطاب الجهاديين نجد قولهم:

" يا حورية هاني جيتك

مهرك غالي وأنا عطيتك

روحي ..يا روحي وما كفيتك

والسبب الرئيسي في مثل هذه الوقائع النصية يرجع إلى انسياق المنشد (الشاعر) كليا خلف الدلالة الموجهة بطريقة استهلاكية.. القصد من ورائها المواجهة الحادة لأطراف اجتماعية يعنيها في خطابه من أجل التأثير باعتبار أنّ هذه الأناشيد تمثل مصدر استقطاب، وتحويل وجهة عن طريق التنويع في مرافئ الاستقطاب واستراتيجيات الجذب إلى دائرة بحرها لجيّ وموجها متلاطم لا يكاد الداخل فيها تبيّن الاتجاهات أو تحديد الحلال من الحرام فضلا عن الأمور المتشابهات التي لا يعلمها كثير من الناس ، ولذلك يستسلم بشكل شبه إراديّ إلى إرادة الجماعة التي تغرقه في مطبات كان لوقت قصير يراها من الطابو ولكنهم يقنعونه أن شيوخ القبيلة إنما ضيقوا عليكم متعكم من أجل توسيع متعهم . وقد يغلب على هذه "القصائد" المعنى حتى ليهتز انسياب بنية الصوت، وإن مثل هذه الإجراءات الدلالية التي تكسر شعرية الشاعر نلمسها في الأناشيد المصنوعة للغرض إذ تطغى عليها النزعة الإيديولوجية أو الدينية أو المصلحة الخاصة، من خلال ما تحمل من خطاب تبدو دلالته واضحة لا تكلّف المتقبل أي جهد لفك رموزها، فالدلالة الشعرية التقليدية عادة ما كانت تميل إلى المصارحة والإعلان عن المعنى بلغة عارية مكشوفة. وفي الغالب كان المنشد السلفي يرصد حقيقة ما ويسجل الموقف ثم يجمع شتيلة من الكلمات والأصوات وينظمها وقد تكون أحيانا فاترة أو مجرد صناعة لغوية. وكثيرا ما كانت هذه الأناشيد مجرد كلمات على نحو منظوم شبيه بالاستعراض اللغوي لكلمات معينة تشترك في أصوات معينة أو روي واحد، يتناسب طرديا مع الموقف على مراحل، مما يجعل القصيدة عبارة عن محاور دلالية لا رابط بينها، ولكنها في النهاية تشكل مطلبا اجتماعيا أو سياسيا شهد لها بذلك المختصون في مجال الإشهار والصورة .

الخطاب الشيعي : تهافت المشروعية

يُعدّ الخطاب الشيعي خطابا متهافتا ينزع إلى التبرير والاستصفاء من أجل الإقناع بأحقيّة المذهب في الوجود وإعلانه منافسا لمنهج أهل السنة والجماعة، منطلقا للرفض والتقوقع داخل بوتقة ترفض الآخر وتستعمل التقية منهجا في النفاق السياسي رغم أن بدايته ومساراته تخضع لمبررات سياسية صفوية تسعى لإيجاد الحجج النصّية لإعلاء عليّ بن أبي طالب الذي اغتصب حقه السياسي الشيخان أبو بكر وعمر حسب زعم الشيعة، ولذلك ناصبوهما العداء كما ناصبوا السيدة عائشة التي واجهت عليّا في معركة الجمل ومن هنا فإن الخطاب الشيعي كان ينزع دائما إلى التبرير والبحث عن المؤيدات بعدما ينطلق من مقدمات يعتبرها حقائق في أدبياته، وقد أخضع الشيعة قراءاتهم للنص القرآني لعقيدتهم بمختلف درجات التشيّع ونخصّ الإثني عشرية ، والزيدية والإسماعلية والإمامية...الخ . وقد رفع غلاة الشيعة الإمام عليّ إلى مرتبة التأليه، في حين اعتبره المعتدلون منهم أفضل من بقية الصحابة ، ومنهم من يرى أنه معصوم وأنه الخليفة لرسول الله لا ينازعه فيها أحد . وقد سعت هذه الفرق الشيعية على اختلاف مشاربها واتجاهاتها إلى البحث في النصّ القرآني عن قرائن لصناعة خطابها الإيديولوجي عن طريق التحويل والتأويل ليناسب مذهبهم الذي أقاموه على رفض المذهب السني وقد حاولوا التماس حجج نصيّة تؤكد أحقيتهم في الخلافة من ذلك قوله تعالى"ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار"إبراهيم 27 . ويرى أساطين الشيعة في علم الخطاب أن المقصود بالآية عشيرتين من قريش: بني المغيرة أوبني مخزوم وقد قطع الله دابرهم في بدر ، وبني أمية وقد متّعهم الله إلى حين. كما أوّلوا قوله تعالى" وإذا قلنا لك إنّ الله قد أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغيانا كبيرا" الإسراء، 60،بأنّ الشجرة الملعونة والفتنة والطغيان الأكبر هم بنو أميّة. وتظهر مثل هذه الأفهام الزائغة التي تركب مركبا في تأويل الخطاب زلوقا قد اتخذت من هذا التوجّه في قراءة النصّ القرآني الذي يعتمد ليّ أعناق المعنى ليوائم المذهب الشيعي في توجهاته الكبرى القائمة على الرفض أساسا من أجل التمكين للسيد علي كرم الله وجهه وهم يعتقدون جازمين أنّ ربع القرآن خصّ به الله تعالى الشيعة العلوية وربعا آخر خصّه لأعدائهم وربعا شمل القصص والأمثال وآخر خصّ النظم التشريعية، وأنّ عليّا هو المقصود في سبعين آية من الذكر الحكيم . لقد استهدف الشيعة بمثل هذا الفهم في تحليل الخطاب القرآني وصناعة خطاب إيديولوجي يؤسس لحضورهم السياسي والديني في المنظومة الإسلامية ويردع خصومهم المناوئين في مسألة الخلافة التي أبدوا عنتا في التشبّث بها وهو ما أوقعهم في شطحات تأويلية غريبة على الفهم العربي ، ولعل من أشهر هذه الشطحات اعتبارهم أن البقرة في قوله تعالى"إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة" البقرة 67 تعني السيدة عائشة خصيمة عليّ كما اعتبروا أنّ المقصود بالمشكاة في سورة النور الآية 35 هي فاطمة بنت رسول الله "فيها مصباح" المقصود به الحسن و"المصباح في زجاجة" المقصود هنا الحسين، وقوله تعالى"كأنها كوكب ذرّيّ يوقد من شجرة مباركة" ويقصد به النبيّ إبراهيم عليه السلام ، أمّا قوله تعالى " لا شرقية ولا غربية" فالمقصود بها دين إبراهيم فهو لا نصراني ولا يهودي .. أما قوله تعالى "نور على نور " فهم يؤكدون أن المقصود الإلهي من هذا الكلام إمام بعد إمام. وأن قوله" يهدي الله لنوره من يشاء" أن يدخل في هدي الأيمة من يشاء من عباده . أما قوله تعالى في الآية السابعة من سورة البلد"أيحسب أن لن يره أحد، ألم نجعل له عينين.." المقصود به هو رسول الله محمد "ولسانا" هو علي وشفتين" المقصود الحسن والحسين وقوله تعالى "وهديناه النجدين" إلى ولايتهما .

لقد بات من الواضح أن خطة المؤول الشيعي ونزوعه المذهبي جعلاه يرى كل شيء في النص القرآني بعيون شيعية وفؤاد شيعي وهو ما دفع بعض المستشرقين من أمثال قولد تسيهر إلى الامتعاض من بعض التأويلات المجنّحة للشيعة من ذلك رأيهم في قوله تعالى "كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" إذ يرى الشيعة أنهم هم الوجه الذي يؤتى الله منه ، هذا الرأي يتطابق مع قول الإمام جعفر الصادق "نحن جلال الله وكرامته التي أكرم الله عباده بطاعتنا ومحبتنا" ويرى هذا المستشرق أن الشيعة إنما يفسرون هذه السورة الحميدة تفسيرا سطحيا تافها بروح المذهبية الضيقة وهم إنما يسلبون هذه السورة جمالها بتأويلات فارغة فيلفتون النظر عن إيقاعها الجميل ومعناها العظيم.

لقد انطلق القارئ الشيعي المؤول للنص من سلطة فكرية ذات مرجع مذهبي كان لها أثر واضح في صناعة خطاب تأويلي غريب المعالم كما هو الحال في التفاسير الشيعية التي تطرح سؤالا جوهريا في مدى عقلانية الخطاب الذي تنتجه وهو ما يشي بعدم المقبولية لهذا الخطاب الإيديولوجي المتهافت الذي يرسم حدود المذهب بالضحك على الذقون متخذا من الشيعة وهم فئة من المسلمين انتصروا لعليّ نموذجا من الطائفة اليهودية التي فسرت التورات بقراءة تأويلية تلوي أعناق المعاني إلى مصلحتها حتى استقرّ عندهم أنهم شعب الله المختار . نفس هذا التوجّه في القراءة التأويلية للخطاب نجد الخطاب اليساري الماركسي الذي يدعي الصفوية والأحقية بين سائر التوجهات الفكرية ، بل إن الخطاب الماركسي وصل إلى حد نفي كل خطاب آخر لا يدين بالنظرية الماركسية ولا ينطلق من دور البروليتاريا في تكريس الطريق إلى المدينة الفاضلة .

• خاتمة

لقد مثلت الإيديولوجيا مناط العمل السياسي في تونس ما بعد الثورة مستعيدة الحراك الإيديولوجي الذي كان يعتمل في الجامعة خاصة في العقدين اللذين سبقا حكم الجنرال بن علي الذي طمس العمل السياسي وأحال الساحة السياسية إلى أرض جدباء لا تنبت، وقد مثلت الانطلاقة السياسية الجديدة في ظل الحريات التي أتت بها الثورة المجيدة بؤرة في التوتر والانقسام الهووي باعتبار حدّية الحوار ورفض اليسار الاستئصالي أي مشاركة جدية مع خصومه التاريخيين من الإسلام السياسي رغم المراجعات التي حصلت في صفوف حركة النهضة. وقد ظلّ الاقتباس من النظرية الماركسية على مستوى المنطوق ومناقضتها على مستوى الفعل جزءا من استراتيجيات خطاب اليسار التونسي، الذي كان يحشد الأمثلة والحجج للتبشير بحصول تحوّل هيكلي في منظومة الحكم من وضع “الفهم” إلى وضع “التغيير”وهو ما أدى إلى الاستنجاد بالماركسية بوصفها نسقا فلسفيا قائما على “البراكسيس” بمعنى العلاقة الجدلية بين النظر والممارسة التاريخية. وقد نهض خطاب اليسار الماركسي على مفهوم التغيير بما هو “انقلاب ثوري” وأداة فاعلة لتطوير وسائل الإنتاج و النهوض بالمناطق المهمشة وفق جدل الواقع والتغيير وهم في ذلك إنما يؤسسون لبناء معرفة تنطلق من القراءة المادية للتاريخ البشري دون السقوط في “الميكانيكية”، مستفيدين من مفهوم الجدل الهيجلي. ولكن الواقع الذي يلتزمون به في النظر طوّح بهم بعيدا ورفضهم المجتمع لنفس قوانين الواقع ولكن بوسائل أغمضوا أعينهم عنها طويلا .

الدكتور محمد التومي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك