القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مستقبل الاتفاق النّووي الإيراني

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-02-27 10:15:00 | 352 مشاهدة

ملخّص                                                

يبدو مصير الاتفاق النووي الإيراني الذي تم إبرامه في منتصف العام 2015 غامضا منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. التمديد الفارط (جانفي/يناير 2018) لتعليق العقوبات النووية على إيران بموجب الاتفاق النووي والذي صادق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هدد هذا الأخير أنه سيكون آخر فرصة لإصلاح هذهالاتفاقية مقابل أن لا يتم التراجع عنها، وبشروطه هو المتعلقة بتدخلات إيران السياسية والعسكرية في المنطقة وببرنامجها للصواريخ الباليستية بعيدة المدى. مصير الاتّفاقية يتراوح بين الإبقاء عليها مع التفاوض حول الملفات الأخرى خارج إطار الاتفاقية، أو تعديلها، أو انسحاب أحادي منها من طرف الولايات المتحدة، أو انهيار الاتفاق؛ ويرتبط هذا المصير بعوامل مختلفة لعل أهمها مدى تجاوب الكونغرس الأمريكي والاتحاد الأوروبي والحلفاء الأوروبيين الموقّعين للاتفاق مع شروط الرئيس ترامب، بالإضافة إلى درجة التأثير المتبادل بين الرئيس ترامب وفريقه للأمن القومي حول هذا الملف.

مقدمة

مدًد الرئيس الأمريكي  تعليق العقوبات النووية على إيران للمرة الثالثة منذ تاريخ توليه الرئاسة مطلع العام 2017، لكنه أكد في المقابل أن هذا التمديد سيكون الأخير واضعا بذلك الكونغرس والاتحاد الأوروبي أمام ضرورة إصلاح  ”عيوب” ما أطلق عليه أسوأ صفقة في التاريخ الأمريكي. ومنذ انطلاق حملته الانتخابية وحتى وصوله للبيت الأبيض ، ما انفك ترامب يعارض وبشدة الاتفاق ، في عهد الرئيس أوباما. ترامب يعتبر أن هذا الاتفاق يمنح إيران، من خلال رفع العقوبات عنها، هدنة بعدة سنوات لإعادة تقوية اقتصادها ونسج علاقات اقتصادية وديبلوماسية، والاستفادة من رفع الحظر عن أموال العقوبات المودعة في البنوك الدولية لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط.

تخبط  الإدارة الأمريكية

الملفت لنظر المتابع لتطورات الأزمة المتواصلة بين الولايات المتحدة وإيران هو التخبط الواضح للسياسة الأمريكية والتصريحات المتضاربة أحيانا للرئيس ترامب من جهة وفريقه للأمن القومي، وتحديدا وزير الخارجية “ريكس تيليرسون” ووزير الدفاع “جيمس ماتيس” من جهة أخرى . فالرئيس الأمريكي يريد الانسحاب من الاتفاق وإعادة تفعيل العقوبات، في حين يرى تيليرسون، رغم إقراره هو أيضا بأن الاتفاق معيب، أن هذه الخطوة ستكون ذات تأثير سلبي على الولايات المتحدة، باعتبار أن هذا الخروج بصفة أحادية يعد تقويضا لمصداقية الولايات المتحدة في أعين حلفائها الاوربيين ، وسيمنح ”الحجة الأخلاقية” للنظام الإيراني أمام المجتمع الدولي لاستكمال البرنامج النووي.

ما يزيد من اضطراب الإدارة الأمريكية وعجزها عن اتخاذ قرار نهائي هو أنه  متعدد الجوانب، أي أنه لا يجمع إيران والولايات المتحدة فقط بل أيضا روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا كأعضاء ضامنين لمراقبته. وجود أعضاء ضامنين للاتفاق بالإضافة إلى التقارير الدورية التي تصدرها بعثات التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تنص على أن إيران تطبق بدقة بنود الاتفاق، يضع مصداقية الولايات المتحدة على المحك في صورة ما إذا أرادت التملص من الاتفاق أو خرقه، خاصة أن الدول الضامنة  له  تدعمه بشدة وتعتبره إنجازا ديبلوماسيا ويحمل لها مصالحا اقتصادية.

شروط أمريكية جديدة مقابل عدم الانسحاب من الاتفاق

المعلوم أن “قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني” ينص على أن الرئيس الأميركي مطالب بالمصادقة على التزام إيران ببنوده أمام الكونغرس كل ثلاثة أشهر، كما أنه ملزم أيضا بالمصادقة على تمديد تعليق العقوبات النووية على إيران أو إعادة فرضها كل أربعة أشهر، وبالتالي فإن قرار ترامب الأخير بتمديد تعليق العقوبات يشير بوضوح إلى نجاح فريقه للأمن القومي (وزيري الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي) في إقناعه مرة أخرى بصيغة بديلة عن الخروج بصفة أحادية من الاتفاق النووي.

لكن بالتزامن مع هذا القرار، أصدر البيت الأبيض في الثاني عشر من جانفي/يناير 2018 بيانا عن الرئيس الأمريكي ذكر فيه الشروط الواجب أن يتضمنها أي قانون يصدره الكونغرس لـ”إصلاح عيوب” الاتفاق ، كما اشترط على الحلفاء الأوروبيين إضافة ”اتفاق تكميلي” للاتفاق الأصلي الموقع في 2015، مقابل عدم انسحاب أمريكي منه. أهم الشروط التي تضمنها بيان الرئيس الأمريكي والتي على الكونغرس والحلفاء الأوروبيين القبول بها مقابل الحفاظ على الاتفاق تتلخص في:

  • ضرورة إنهاء ما يسمى “بنود الغروب” التي تحد زمنيا القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني وأن تكون بنود الاتفاق مفتوحة زمنيا وليست محددة بمجال زمني معين كما نص اتفاق 2015.
  • وجوب عدم الفصل بين برنامج إيران النووي وبين برنامجها لتطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى (أصبحت إيران بذلك قادرة على استهداف القوات الأمريكية المتمركزة في مياه الخليج العربي، و أيضا القواعد الأمريكية في دول المنطقة، كما بات في مقدور صواريخها استهداف أراضي الكيان الإسرائيلي المحتل، وهو ما يعتبر خطا أحمرا خاصة في عهد الرئيس ترامب الذي أظهر حماساً كبيرا في الالتزام بحماية أمن إسرائيل).
  • ضرورة السماح للمفتشين الدوليين بالتفتيش النووي حتى داخل المنشئات العسكرية الإيرانية وهو ما استنكرته طهران معتبرة أن هذه المنشآت لا يمكن أن تكون مستباحة لأنه أمر يتعلق بالسيادة الوطنية.
  • ضرورة التصدي لتدخلات القيادة الإيرانية في دول المنطقة مثل سوريا واليمن والعراق ولبنان.

أهم العوامل المحددة لمصير الاتفاق

يرتبط مصير الاتفاق النووي الإيراني الذي تم توقيعه في سنة 2015 بعدة عوامل مختلفة أهمها:

أولا: مدى تجاوب الكونغرس الأمريكي مع شروط  ترامب

تبدو مسألة ترجمة الشروط التي تضمنها البيان الذي أصدره الرئيس الأمريكي إلى مشروع قانون يسنه الكونغرس مشكوكا فيها، حيث يحتاج هذا القانون إلى ستين صوتا من أصل مائة داخل مجلس الشيوخ، في نفس الوقت الذي يتمتع فيه الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس ترامب بأغلبية ضئيلة جدا (51 مقعدا مقابل 49 للديمقراطيين)، وتبدو فكرة استمالة نواب من الحزب الديمقراطي صعبة باعتبار أن الحزب يشكك بالطريقة التي يدير بها ترامب الملف النووي الإيراني، ويعتبر أن خياراته تجاه هذا الملف محاولة منه لإلغاء أحد إنجازات الرئيس السابق باراك أوباما (الديمقراطي).

ثانيا: مدى تجاوب الاتحاد الأوروبي والحلفاء الأوروبيين مع شروط ترامب

لا تبدو حظوظ التجاوب الإيجابي للدول الأوروبية الثلاثة الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني (فرنسا، ألمانيا وبريطانيا)، وأيضا الاتحاد الأوروبي، مع شرط ترامب لاستمرار انخراط الولايات المتحدة في الاتفاق بإضافة اتفاق تكميلي، كبيرة. في هذا السياق، اعتبرت “فيديريكا موغيريني” الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي أن الاتفاق النووي مع إيران يحقق كبح البرنامج النووي الإيراني وتدقيق الرقابة عليه، كما يشعر العديد من صناع القرار في أوروبا بالقلق من أمكانية تضرر سمعة الاتحاد الأوروبي ودوله الموقعة على الاتفاق كوسيط نزيه في أي نزاعات مستقبلية، خاصة وأن العديد من قادة الدول الأوروبية لا يزالون يبدون أملا في عقد اتفاق مماثل مع كوريا الشمالية، وبالتالي فإن عدم احترام الاتفاق النووي مع إيران قد يقوض جهود كبح البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وهو أمر يبدو أيضا مزعجا عسكريا لحلفاء واشنطن الشرق-آسيويين أي اليابان وكوريا الجنوبية. وما من شك في أن واشنطن لا يمكنها إلا أن تأخذ في الاعتبار مخاوفهما. بالإضافة إلى ذلك، تعتبر دول الاتحاد الأوروبي أن الاتفاق النووي مع إيران ضروري للأمن العالمي وأساسي للجم خطر تسابق على التسلح النووي في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد عدة صراعات.

مساندة الدول الأوروبية للاتفاق النووي مع إيران لا يخفي نقاط الخلاف الأخرى القائمة المتمثلة في دورها في عدة صراعات إقليمية بالإضافة إلى برنامجها لتطوير صواريخ باليستية بعيدة المدى، الذي يريد الأوروبيون تفكيكه، والذي شددت طهران على أنه برنامج دفاعي، مؤكدة على التزامها ببند في الاتفاقية متعلق بعدم تطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية. في هذا السياق، ترغب دول الاتحاد الأوروبي في مناقشة هذه المواضيع الخلافية من دون المس بالاتفاق النووي الذي، برأيهم، لا علاقة له إطلاقا بهذه التجاذبات.  من جهة أخرى، ساهم رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران على إثر توقيع الاتفاق النووي في توصل عديد الشركات الأوروبية إلى عقد صفقات تجارية ونفطية مع إيران، وبذلك يمكن فهم تشبث دول الاتحاد الأوروبي بالاتفاق باعتبار أن أي خلل فيه قد يعيد تطبيق هذه العقوبات الاقتصادية ويضرب هذه الصفقات و المصالح.

ثالثا:  التأثير المتبادل بين ترامب وفريق الأمن القومي

الملف النووي الإيراني هو أحد الملفات الخلافية داخل الإدارة الأمريكية. فمن جهته، يعبّر ترامب باستمرار عن معارضته للاتفاق واستيائه الشديد من اضطراره إلى المصادقة على التزام إيران ببنوده وتمديد تعليق العقوبات الاقتصادية عليها، في حينيرى فريقه للأمن القومي، رغم إقراره بأن الاتفاق معيب في بعض تفاصيله، ضرورة المحافظة عليه وعدم تبديد الفرصة المتاحة، والمتمثلة في تجديد الضغوط الدولية على برنامج إيران للصواريخ الباليستية والتصدي لانخراط النظام الإيراني في عدة صراعات إقليمية، فيما تتواصل جهود كبح طموحاتها النووية من خلال الإبقاء على الاتفاق النووي. وبذلك فإن فريق ترامب للأمن القومي، وخاصة وزير الخارجية “ريكس تيليرسون”، يقترح استراتيجية أكثر شمولا من تلك التي ذهب إليها الرئيس الأمريكي، إذ أن الاتفاق النووي مع إيران يتيح للولايات المتحدة اتخاذ عقوبات ضد النظام الإيراني على خلفية تجاوزات غير نووية. وبالتالي، لاتضارب بين الإبقاء على الاتفاق، وبين إقرار عقوبات اقتصادية جديدة على خلفية انخراط طهران في صراعات إقليمية أو برنامجها الصاروخي أو انتهاكاتها لحقوق الإنسان. علاوة على ذلك، يعتبر أصحاب هذا الرأي أن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، الذي تم بموجب توقيع الاتفاق النووي، لم يساهم في تحسين المؤشرات الاقتصادية في إيران و لم تتحقق المكاسب المتوقعة، بل على العكس من ذلك، لا يزال الركود التضخمي يخيم على الاقتصاد الإيراني، وبالتالي فإن الإبقاء على الاتفاق يجرّد قادة النظام الإيراني من التذرع بالعقوبات الدولية لتبرير ضعف الاقتصاد والتغطية على سوء الإدارة والفساد. في نفس السياق، يعتقد الداعمون لهذا المسار أن إلغاء الاتفاق والعودة إلى تطبيق العقوبات النووية يحمل في طيّاته خطر تمكين النظام الإيراني من خلال مساهمته في إعادة إنتاج النظام لسردية ”ضعف الاقتصاد بسبب العقوبات” وترويجها للاستهلاك الشعبي.

إلى جانب أن الإبقاء على الاتفاق  قد يقود إلى إحراج النظام شعبيا، فإنه قد يساهم أيضا في مزيد تسحيق الهوة بين الداعمين والمعارضين له داخل الطبقة السياسية في إيران. فداعموه، على غرار الرئيس حسن روحاني، روجوا منذ البداية أن الاتفاق سيتيح لإيران عقد صفقات تجارية ضخمة وستشهد البلاد تدفقات كبرى لرؤوس الأموال الأجنبية مما يساهم في تحسين الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، في حين أن معارضيه، من أمثال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامني، شككوا في ذلك. وكنتيجة لعدم تحسن الظروف الاقتصادية في إيران بعد قرابة ثلاث سنوات على توقيع الاتفاق، يبرز خطر مزيد التفكك داخل الطبقة السياسية الإيرانية، وهو ما يريد الداعمون (داخل الإدارة الأمريكية) لفكرة الإبقاء على الاتفاق، له أن يتحقق. ونظرا أن النظام الإيراني يعتمد على شبكات ولاء كبيرة يتدامج فيها الإكليروس (أعيان رجال الدين) والطبقة السياسية وأجهزة الأمن والمصالح الاقتصادية، يصير من الصعب أن أن يكون التغيير من خارج النظام وحده، أي بثورة شعبية مثلا، وإنما يجب أن يتفاعل ذلك مع رغبة في التغيير من داخل النظام، قد يغذيها هذا التفكك داخل الطبقة السياسية.

السيناريوهات المحتملة

بناء على العوامل السابقة، يمكن تحليل مصير الاتفاق النووي عبر 3 سيناريوهات محتملة

السيناريو الأول: الابقاء على الاتفاق والتفاوض حول التهديدات  

 يرتبط حصول هذا السيناريو بالموقف من الشروط التي اقترحها الرئيس ترامب على الكونغرس والبلدان الأوروبية لتعديل الاتفاق. فمن جهة، لا تبدو فرص تجاوب الكونغرس مع هذه الشروط كبيرة، فبالإضافة إلى حيازة الجمهوريين لـ 51 مقعدا من أصل 60 مقعدا مطلوبا لإصدار قانون جديد لـ ”مراجعة الاتفاق النووي الإيراني”، فإن عددا من نواب الحزب الجمهوري يساندون مبدأ الإبقاء على الاتفاق، بالتزامن مع مفاوضة إيران حول تهديداتها الأخرى. من جهة ثانية، تعارض العديد من الدول الأوروبية مبدأ الانسحاب من الاتفاق من أجل الحفاظ على مصداقيتها كوسيط لنزاعات مستقبلية، وأيضا من أجل الانتفاع بالعائدات المالية للصفقات التجارية والاستثمارية التي عقدتها مع إيران. ومن جهة ثالثة، تضغط العديد من الأطراف الفاعلة داخل الإدارة الأمريكية على الرئيس ترامب من أجل الإبقاء على الاتفاق وتبني استراتيجية أكثر فاعلية، من وجهة نظرهم. مقابل ذلك، يتشاطر العديد من نواب الكونغرس، خاصة الديمقراطيين منهم، وأصحاب القرار في عدة دول أوروبية، بالإضافة لنافذين داخل الإدارة الأمريكية، لفكرة التفاوض مع إيران حول بقية تهديداتها غير النووية من خلال سياسات وإجراءات دون المس بالاتفاق النووي. يتمتع هذا السيناريو بحظوظ جيدة باعتبار توفر العوامل السالف ذكرها والملائمة له للحصول، كما بوسع الإدارة الأمريكية تحقبق هذا الهدف رفقة حلفائها الأوروبيين وإلا واجه النظام الإيراني عقوبات جماعية من هذه الدول، حتى لو اعترضت روسيا والصين (المنخرطتين في الاتفاقية النووية) على ذلك، باعتبار أن هذا التفاوض سيكون خارج إطار الاتفاقية.

في هذا الإطار، بدأ الأوروبيون مشاورات مع الادارة الأمريكية وأعضاء نافذين داخل الكونغرس من جهة، وإيران من جهة أخرى لإقناعهم بخيار التفاوض بشكل مستقل حول برنامجها الصاروخي وتدخلاها الإقليمية المتزايدة. يؤكد الداعمون لهذا الخيار داخل الولايات المتحدة على ضرورة أن أن تثبت إدارة الرئيس ترامب لشركائها الأوروبيين جديتها في مواصلة تطبيق الاتفاق، مقابل انضمامهم إلى حملة جدية رغبة في التصدي لسياسات النظام الإيراني خاصة الإقليمية منها، بالاستفادة من سلطة العقوبات المتوفرة خارج إطار الاتفاق النووي.

السيناريو الثاني: تعديل الاتفاق

يتمثل هذا التعديل في إعادة التفاوض حول بنود الاتفاق الأصلي أو/و إضافة اتفاق تكميلي حول برنامج إيران للصواريخ الباليستية أو نشاطاتها العسكرية في المنطقة، ويعتبر هذا السيناريو حلا وسطا بين رغبة الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق وبين الإبقاء عليه كما هو. يستند وقوع هذا السيناريو على مدى اقتناع الرئيس الأمريكي برأي فريقه الوزاري والاستشاري بإضفاء تعديل على الاتفاق بدل الانسحاب منه. كما يرتبط بحصول تأييد له داخل الكونغرس، وهو أمر لا يمكن استبعاده، فمن جهة، فإن نواب الحزب الجمهوري قد يساندونه من أجل مزيد فرض ضغوط أخرى على إيران، ومن جهة أخرى، من المحتمل أيضا أن يلقى هذا السيناريو دعما من نواب ديمقراطيين، معتبرين أن تعديل الاتفاق لا يمس من إرث الرئيس (الديمقراطي) السابق باراك أوباما، بل ويطوره. يبقى التحدي الأكبر أمام هذا السيناريو أن يلقى دعما من البلدان الأوروبية الضامنة للاتفاق الأصلي ومن الاتحاد الأوروبي الذين عبروا عن استعدادهم للعمل من خلال طرق أخرى لضبط إيران مع المحافظة على الاتفاقية النووية دون المساس بها. يبقى الأمر الأهم من ذلك أن تعديل الاتفاق مرتبط بموافقة طهران، لكن هذه الأخيرة ترفض ذلك بشكل قاطع.

السيناريو الثالث: إنسحاب أحادي للولايات المتحدة

يًحتمل تحقق هذا السيناريو في حالة ما إذا لم يوافق الكونغرس والدول الأوروبية على شروط الرئيس الأمريكي لما أسماه ”إصلاح عيوب الاتفاق النووي”، ما سيمنحه الفرصة لتحقيق رغبة ذاتية في نفسه بعدم المصادقة على صحة التزام إيران بالاتفاق. عدم المصادقة لا يعني انسحابا للولابات المتحدة من الاتفاقية النووية بل يترك مجالا زمنيا أمام الكونغرس للنظر في كونه سيعيد العقوبات على النظام الإيراني أم لا. إعادة فرض العقوبات هي خطوة ستعني انتهاك الاتفاقية من طرف الولايات المتحدة. وان لم يحدث ذلك، فإن ترامب سيستخدم حقه، بصفته رئيس الولايات المتحدة، في الانسحاب من الاتفاق. انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق بصفة أحادية لن يجعل بقية أطرافه (أوروبا وروسيا والصين) تنسحب منه، وبالتالي ليس من المتوقع أن تشارك هذه الأطراف في عقوبات جديدة على طهران، خصوصا أن الشركات الأوروبية تضررت بشدة من العقوبات التي كانت مفروضة على الاقتصاد الإيراني، مما حتم عليها وقف الاستثمار والتعامل التجاري مع إيران.

هل يمكن إذن مواصلة العمل بالاتفاق من دون الولايات المتحدة؟ يبدو ذلك ممكنا شريطة استعداد إيران لاحترامه بدون مشاركة أمريكية، وفي ظل عقوبات من واشنطن، وهو أمر ستكون الأيام كفيلة بالإجابة عنه. ومن جهة أخرى، يتحتم على الاتحاد الأوروبي اتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية الشركات الأوروبية الناشطة في (ومع) إيران من احتمالية تضررها من العقوبات الأمريكية، باعتبار أن الكونغرس لا يكمن له فقط أن يعيد فرض العقوبات على الشركات الأميركية التي تمارس الأعمال التجارية مع إيران، بل له أيضا إمكانية فرض عقوبات ثانوية على شركات الدول التي تتاجر مع إيران، ومنها الشركات الأوروبية.

على واجهة أخرى، قد يقود انسحاب واشنطن من الاتفاقية أحاديا إلى مزيد تضرر سمعة الرئيس دونالد ترامب في أواسط الرأي العام الأمريكي، طالما أن ذلك قد يقود الولايات المتحدة إلى إمكانية التورط عسكريا في الشرق الأوسط بعد أن استنفذت جميع أوراقها الديبلوماسية ضد إيران، ولم يبق إلا خيار المواجهة العسكرية ضد النظام سواء كان ذلك على الأراضي الإيرانية أم في مناطق نفوذ طهران في المنطقة. وبذلك فإن الرأي العام الأمريكي قد يقف حجر عثرة أمام إرادة الرئيس الأمريكي في الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي. من شأن خطوة الانسحاب الأحادي أن تجعل الولايات المتحدة محور القضية ومرمى أصابع الاتهام الدولية وأن تؤدي أيضا إلى تبديد الفرصة أمام القيادة الأمريكية لتشديد الضغوط الدولية على ما يعتبرونه تهديدات طهران للمنطقة، في نفس الوقت الذي تتواصل فيه جهودات محاصرة برنامجها النووي.

السيناريو الرابع: انهيار الاتفاق

انهيار الاتفاق هو مرحلة من المرجح أن يسبقها انسحاب أحادي للولايات المتحدة، بينما تبقى فيه مؤقتا إيران والبلدان الأوروبية، بالإضافة إلى روسيا والصين. في هذه الحالة، قد يجد النظام الإيراني والدول الأوروبية أنفسهم في ”لعبة ميزان مصالح”. فمن جهة، قد تجد إيران نفسها مضطرة للموازنة بين الأرباح والخسائر السياسية والاقتصادية من بقائها أو انسحابها من الاتفاقية، حيث تتراوح رغبتها بين الحفاظ على الاتفاق من أجل توسيع علاقاتها الاقتصادية استنادا على رغبة العديد من الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا الاستثمار في الاقتصاد الإيراني بعد رفع العقوبات، وبين رفضها التفويت في المكاسب السياسية والعسكرية التي حققتها في السنوات الأخيرة في المنطقة وفي حقها الأبدي في تطوير برنامجها النووي بدون قيود أو شروط، وهذه المرة بجرأة أكبر مستندة إلى ما تعتبره نوايا حسنة كانت قد ترجمتها بانخراطها في توقيع الاتفاق والتي لم يتم احترامها من الطرف الأمريكي. وبالتالي فإن استشراف النظام الإيراني لحصيلة الأرباح والخسائر الممكنة لاحتمالي المحافظة على الاتفاق أو الانسحاب منه هو ما سيحدد موقفه. تظل حظوظ حصول هذا السيناريو محدودة، من أبرز النتائج المترتبة عنه ، زيادة منسوب التوتر السياسي والعسكري بمنطقة الشرق الأوسط خاصة بالبؤر الصراعية في المنطقة: سوريا واليمن والعراق ولبنان، وارتفاع مستوى الاستقطاب بين إيران والقوى المتحالفة معها من جهة، و الولايات المتحدة إضافة للقوى المرتبطة بها مثل دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى، مما يرفع فرص الزج بالمنطقة في صراعات جديدة، وتوريطها في سباق تسلح.

خاتمة

في النهاية، تبقى إمكانية التنبؤ بمصير الاتفاق صعبة للغاية نظرا لتداخل العلاقات بين العوامل المؤثرة فيه وكذلك للتأثيرات المتبادلة بين مختلف السيناريوهات القائمة، وتبقى أحتماليات حدوث كل سيناريو قائمة الذات وغير مستبعدة من أي حسابات ممكنة.

 

أسامة الأمين

عن مركز الدّراسات الاستراتيجيّة والديبلوماسية

  • شارك:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك