القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ماذا يجري في تركيا : قراءة تحليلية أمنية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-11-05 13:51:00 | 147 مشاهدة

 

ملخص

هذه الدراسة تتناول مجريات الأحداث في تركيا التي أفضت إلى الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وتركيا، متتبعة عدة مسارات بالرصد والتحليل، منها تطورات العملية السياسية داخل تركيا وما اكتنفها من تحالفات ومبادرات دستورية أفضت إلى تغيير نظام الحكم، وكذلك ترصد التحديات الأمنية ودورها في دفع السياسة التركية وعلاقات تركية الخارجية ، كما ترصد هذه الدراسة دور الولايات المتحدة في التأثير على السياسة التركية من خلال علاقاتها بملف الإرهاب والجماعات المصنفة إرهابية من قبل الدولة التركية،وتستشرف الدراسة قدرة تركيا على تجاوز الأزمة وصناعة أحلاف اقتصادية جديدة في المنطقة .

مقدمة :

تسارعت وتيرة التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية في تركيا مؤخرا وأثارت موجة التساؤلات حول مستقبل تركيا ومن ثم المنطقة برمتها. شغلت هذه التطورات الرأي العام التركي والعالمي ولفتت أنظار المهتمين بالشأن التركي، مما يستدعي الإحاطة حول ما يجري فعلا في تركيا. وفي تقديرنا لمعرفة حقيقة ما يحدث ورؤية الصورة  الكاملة لما يدور خلف الكواليس، ينبغي متابعة تطورات الأحداث وتقييمها منسوبة إلى حيزها الزمني الذي تطورت خلاله وتموضعت فيه. في يونيو 2015م  دخلت تركيا العملية الانتخابية العامة لاختيار أعضاء السلطة التشريعية، وهي الانتخابات رقم 24 بعد تأسيس الجمهورية الحديثة  في 1923م، وكانت هذه الانتخابات في غاية الأهمية بالنسبة لكل الأحزاب السياسية في البلاد ، سواء حزب العدالة الحاكم ، أو الأحزاب المعارضة الكبرى متمثلة في حزب الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري. تكمن الأهمية للأحزاب السياسية المعارضة في حرصهم علي ضرورة  إسقاط حزب العدالة والتنمية الذي مضت عليه ثلاثة عشر سنة في الحكم في سياق موجة التغيير التي ضربت منطقة الشرق الأوسط فيما عرف بالربيع العربي. وقد أفلحت أحزاب المعارضة في التقدم على حساب حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي انخفضت نسبة الأصوات التي حصل عليها في هذه الانتخابات إلى 40.83%، بعد أن كانت 49.83% في الانتخابات التي جرت في عام 2011. كما أفرزت هذه الانتخابات متغيرا جديدا حيث منحت الشرعية لحزب الشعوب الديمقراطية الجناح السياسي لحزب العمل الكردستاني المسلح الذي يقبع زعيمه عبد الله أوجلان في السجن منذ 1999م، وقد أثارت هذه النتيجة مخاوف قيادات الصف الأول في الحزب الحاكم، وبالتالي دخل الحزب في عملية بحث مستفيضة لمعرفة الأسباب الجوهرية التي أدت إلى انخفاض أصواته بهذه الصورة المقلقة. أجريت عدد من الدراسات التي خلصت نتائجها إلى إن هناك عدد كبير من مناصري الحزب تراجعوا عن التصويت له في الانتخابات الأخيرة لعدة أسباب. مما استدعى عملية مراجعة السياسات وإعادة ترتيب الأوراق.

ومن أول الأسباب التي أدت إلى تراجع أصوات الحزب دخوله في عملية تفاوض مع الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني، حيث أعلن في نهاية عملية التفاوض وقف إطلاق النار مما أسهم بشكل كبير في تقوية حزب العمال الكردستاني بصورة ملفتة للنظر. في هذه الفترة وصل فيها الحزب إلى مرحلة فرض سيطرته بطريقة غير مباشرة  على بعض المدن في جنوب وجنوب شرق البلاد، وكانت هذه السيطرة متمثلة في قطع الطرق العامة ومراجعة هويات المسافرين في الباصات التجارية والسيارات الخاصة باعتبارهم قوة أمنية وعسكرية تسيطر على المنطقة وتستخدم سلطات الدولة. هذا بالإضافة إلى تكوين محاكم وأجهزة عدلية تقوم بمحاكمة المواطنين في البلديات التي تحكم من قبل مرشحي حزب الشعوب الديمقراطية الذي أنشأ في ١٥ أكتوبر ٢٠١٢ وسطع نجمه بعد دخوله البرلمان خلال فترة التفاوض كجناح سياسي لحزب العمال الكردستاني كما نظم حزب العمال الكردستاني حفل تخريج دفعة عسكرية وأعلن إنها قوة نظام عام ستقوم بتأمين وحفظ سلامة مواطني دولة كردستان وأمنهم.

العدالة والتنمية: التحديات الأمنية:

دخلت البلاد العملية الانتخابية ونسبة لا يستهان بها من الشعب التركي تنتقد سياسات حزب العدالة والتنمية تجاه حزب العمال الكردستاني والتي اعتبرت إضعافا لهيبة الدولة. الأمر الذي أدى إلى انخفاض أصوات حزب العدالة والتنمية بصورة  فرضت على قيادة الحزب الإسراع بإعادة النظر في عملية التفاوض مع حزب العمال الكردستاني وإنهاء هدنة وقف إطلاق النار وبداية العمليات العسكرية بهدف إعادة فرض هيبة الدولة، وهكذا دخلت البلاد في فترة حرب مع التنظيم الإرهابي في جنوب وجنوب شرق البلاد أدت إلى استشهاد ما يزيد عن 700 من الجيش والقوات الأمنية الأخرى و 285 من المواطنين وللانهيار الكلي للبنية التحتية في المنطقة. وبالمقابل قتل حوالي 3500 من عناصر التنظيم المصنف إرهابيا. من المآخذ على الحزب في هذه الفترة أيضا السياسة التي أتبعت تجاه القضية السورية والتراخي  في اتخاذ قرار حاسم بشأنها إما بالانسحاب الكلي من هذه القضية أو الدخول بالجيش التركي في الأراضي السورية المتاخمة لتركيا وتأمين الحدود التركية بضرب عمق تنظيم حزب العمال الكردستاني هناك. وكذلك اتهم حزب العدالة والتنمية بإهمال الشأن الداخلي وخصوصا فيما يتعلق ببعض المؤسسات الأمنية ومؤسسات الخدمة المدنية، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام أعضاء تنظيم فتح الله غولن للسيطرة على مؤسسات الدولة الحيوية والإستراتيجية بما فيها الجيش والأمن والقضاء، بصورة أثارت غضب المواطن التركي وقلقه.

داعش تتسلل:

أثناء انشغال الحكومة بمحاربة الإرهاب في جنوب وجنوب شرق البلاد بدأت داعش في تنفيذ  عمليات إرهابية داخل الدولة التركية، والملفت للنظر هنا أن داعش وتنظيم حزب العمال الكردستاني أعداء يحاربون بعضهم البعض  في سوريا، إلا إنهم اتفقوا في عداءهم لتركيا وفي تنفيذ العمليات الانتحارية بالتزامن في المدن التركية بصورة أثرت سلبيا في كثير من القطاعات التركية وأقلقت الشارع  العام التركي، حيث نفذت في شهر أغسطس 2015م فقط 5 عمليات إرهابية ضد  المواطنين العزل محطمة بذلك الرقم القياسي للعمليات الإرهابية في البلاد منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة سنة 1923م . أما في العام 2016 زاد عدد هذه العمليات بصورة كبيرة لدرجة تنفيذ عملية كل شهر. وأشارت الإحصائيات إلى إن عدد العمليات الإرهابية التي ارتكبت في هذه الفترة تفوق عدد العمليات الانتحارية التي ارتكبت في العراق. واستمرت هذه العمليات حتى شهر يوليو 2016م. وتسببت في إزعاج وبث الرعب و الخوف في نفوس المواطنين لدرجة امتناعهم خوفاً من الخروج من منازلهم والذهاب إلي مراكز التسوق والميادين العامة وأماكن الترفيهه. والجدير بالذكر هنا إنه في شهر يونيو 2016م نفذت ثلاثة عمليات إرهابية آخرها كانت قد استهدفت مطار أتاتورك بإسطنبول .

من الإرهاب.. إلى الانقلاب

كان الهدف الأساسي من هذه العمليات الإرهابية هو إثارة الرأي العام وتعبئته للخروج للشارع في تظاهرات ضخمة بهدف إسقاط الحكومة كما حدث في أحداث حديقة جيزي عام 2013، التي بدأت في ولاية إسطنبول وانتشرت بصورة سريعة لتشمل كل ولايات البلاد. ولكن لم يحدث هذا، فكان من الضروري إيجاد بديل أكثر فاعلية وأقوي تأثيراً، فجاء الخيار بتحريك الخلايا النائمة لأعضاء تنظيم فتح الله غولن الإرهابي والتخطيط معهم للسيطرة على الحكومة بانقلاب عسكري يقوم به أعضاء التنظيم  داخل القوات المسلحة التركية وبمساندة عناصره الآخرين في المؤسسات الحكومية التي تقع تحت سيطرته، وفي هذا الإطار جاءت المحاولة الانقلابية في مساء 15 يوليو 2016م. وكانت ليلة شؤم لم تشهد البلاد مثيلا لها في تاريخ الجمهورية التركية بالرغم من اشتهار تركيا بكثرة عدد الانقلابات العسكرية في تاريخها السياسي، حيث استخدمت هذه المرة الطائرات الحربية والدبابات وكانت حصيلة الشهداء فيها 249، وأكثر من 2000 جريح. وإنّ خروج المواطنين للشارع العام والوقوف بجانب الحكومة التركية واعتراض بعض أعضاء الأجهزة الأمنية غير منتمين للتنظيم أدي إلي إفشال المحاولة الانقلابية. ويبدو أن فشل هذه المحاولة لم يكن في حسبان مخططيها نظرا للإعداد الجيد لها وسيطرتهم علي المؤسسات الحيوية والإستراتيجية في الدولة. إلا إن فشل مخطط السيطرة علي الحكومة دعا أعداء تركيا إلي العودة مجدداً للعمليات الإرهابية، ولكن هذه المرة بأكثر عنف ودموية حيث زاد عدد العمليات الإرهابية لداعش وتنظيم حزب العمال الكردستاني لتصل إلي عمليتين إرهابيتين في كل شهر. خصوصا في الولايات التي تقع في جنوب وجنوب شرق تركيا، آخر عملية إرهابية كانت في تاريخ 5 يناير 2017م، وكانت قد استهدفت مجمع المحاكم بولاية أزمير، والتي كانت ستخلف أضراراً كبيرة في صفوف أعضاء الأجهزة العدلية بالولاية، لولا اكتشاف شرطي مرور الإرهابيين بالصدفة واشتبك معهم ببسالة  أدت إلي إحباط تلك العملية قبل تنفيذها و قد استشهد الجندي في موقع الحادثة.بعدها انقطعت العمليات الإرهابية بصورة سريعة دون ملاحظة أي زيادة أو تتطور في الأداء الأمني  الحكومي يفوق سابقه . بل العكس تماما كانت المؤسسة الأمنية التركية وقتها في أضعف حالتها نظرا لنقص الكادر الأمني صاحب الخبرة في مجال مكافحة الإرهاب بعد عمليات التصفية الضخمة التي أجرتها الحكومة لأعضاء تنظيم فتح الله غولن الإرهابي من الأجهزة الأمنية والفجوة التي يتوقع حدوثها في مثل هذه الحالات.

أمريكا من السر إلى العلن:

أحد أخطر العمليات الإرهابية التي نفذت في تركيا هي العملية التي استهدفت  شارع الاستقلال في اسطنبول والتي راح ضحيتها عدد من السواح الاجانب. قبل هذا الهجوم بخمسة أيام صرح "هنري باركي" خبير الشؤون التركية بجهاز الCIA  ببعض التصريحات التي تتعلق بمجرى الأوضاع في تركيا وذكر متسائلا ماذا لو حدث انفجار في شارع الاستقلال بتركيا  وكيف ستتصرف حكومة حزب العدالة والتنمية حيال ذلك؟

في سياق احتواء تركيا من خلال التحديات الأمنية أيضا يمكن قراءة تصريح  السفير الأمريكي لدى تركيا "جون باس" في لقاء صحفي قبل مغادرته  للبلاد بعد انتهاء فترة عمله، الذي صرحا قائلا"إن العمليات الإرهابية في تركيا توقفت لمدة 9 أشهر ونصف وإن هذا التوقف لا يعني تراجع الإرهابيين، بل هو نتيجة تعاون الولايات المتحدة" هذه العبارات التي أدلى بها السفير هي ليست اعترافا بالعلاقة التي تربط الولايات الأمريكية بالجماعات الإرهابية في تركيا ومحيطها الحيوي، وإنما هي بمثابة تهديد غير مباشر للحكومة التركية، وتشير إلى إن العمليات الإرهابية  يمكنها أن تستمر إذا لم نصل إلي ما اتفقنا حوله في تعاوننا. السؤال الذي يطرح نفسه بقوه هنا؛ إذا كان الاتفاق والتعاون يساعد في إيقاف العمليات الإرهابية لماذا لم تقم به الولايات المتحدة الأمريكية مع أطراف الاتفاق قبل وقوع تلك العمليات الإرهابية التي أدت لفقدان أرواح آلاف البشر وإدخال البلاد في أزمات كادت أن تودي بحكومة العدالة والتنمية.عقب فترة الهدوء النسبي هذه، وتلقف الحزب هذه الإشارة ونزل مقترحه القاضي بتحويل نظام الحكم إلى النظام الرئاسي، وخطا خطوة عملية بتقديم هذا المشروع إلى البرلمان التركي في 9 يناير 2017م. في المقابل، القوى الدولية التي تسعى إلى تغيير النظام في تركيا وجدت في هذا المشروع بغيتها، في الحصول على وضعية دستورية وسياسية تسمح بتشكيل (تركيا ما بعد أردوغان) على النحو الذي تريد، فقد أرهقها الرئيس التركي رجب أردوغان كثيرا باللجوء  إلى الشعب كلما أشتدت الأزمات على حكومته يطلب تجديد الشرعية والتفاف الشعب حولها وهو كما يجد استجابة إيجابية دائما له. وهنا اتفق المسار واختلفت النوايا، اتفقت رغبة حزب العدالة والتنمية في إحداث تغيير في تركيا ينهي عهد الحكومات الائتلافية التي أضعفت تركيا سنوات الثمانيات والتسعينات من القرن المنصرم، والتي كانت تنتهي دائما بتدخل الجيش والانقلابات العسكرية، ونتيجة للتشاكس الحزبي في البرلمان التركي لم تقو تركيا على النهوض الحضاري لعجزها عن اتخاذ القرارات السريعة التي تؤثر إيجابا على حياة المواطن التركيفي المقابل، ترى القوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة أن هذا النظام  يختزل قوة تركيا إلى حد كبير في شخص رئيس الجمهورية المنتخب، ولئن استعصى عليها أردوغان في هذه المرحلة من تاريخ الجمهورية التركية إلا إنها تستطيع على المدى البعيد استعادة سيطرتها على تركيا من خلال سيطرتها على مؤسسة الرئاسة، وفي هذا السياق يفهم كل الموقف الأمريكي اللاحق فيما يتعلق بالتدخل لدى حلفائها ووقف العمليات الإرهابية في تركيا في فترة التداول حول مشروع تغيير نظام الحكم في تركيا.

أمريكا وتغيير نظام الحكم في تركيا:

دون  الخوض  في تفاصيل نظام الحكم الرئاسي يلاحظ المتابع لتفاصيل النظام الرئاسي الجديد الذي سمي ب(النظام الرئاسي موديل تركيا)، منح رئيس الدولة العديد من السلطات والصلاحيات التي تمكنه من إدارة الدولة وفقاً لرؤيته السياسية وبمساندة الدستور. حيث يستطيع الرئيس تشكيل الجهاز القضائي والتشريعي والتنفيذي بقرارات يصدرها مباشراً، الأمر الذي يسهل عملية تشكيل الدولة ومؤسساتها من مرجع واحد  وهو الرئيس.

ومن المعروف أن النظام الرئاسي سلاح ذو حدين يخدم عملية التنمية والنهضة في البلاد في حالة حكمها من طرف رئيس وطني حريص علي نهضة بلاده وتطويرها، ويشكل مهددا في حالة حكمها من قبل شخص يوالي جهات خارجية تهدف  إلى السيطرة على البلاد وإدارتها بشكل يخدم مصالح تلك الجهات وأجندتها الخاصة. وذلك لأن في النظام البرلماني والنظام نصف الرئاسي تنفصل السلطات بصورة واضحة ويعطي البرلمان حق رقابة أجهزة الدولة بشكل يصعب فيه تشكيل البلاد وإدارتها من مرجع واحد.

التصريحات التي أدلى بها الخبير المخابراتي الأمريكي والسفير الأمريكي عند مغادرته تعتبران مؤشرا واضحا لدعم الولايات المتحدة الأمريكية لهذا التغيير في تركيا وبتالي من الضروري توفير بيئة سياسية مستقرة تساعد علي تمرير القانون من البرلمان وإجراء الاستفتاء لقبوله. وقد انقطعت فجأة كل العمليات الإرهابية وأصبح الشارع التركي يتحدث عن تطورات سياسية جديدة بعيدة كل البعد عن ما يجري من تفجيرات وعمليات إرهابية قبل فترة قصيرة، ذكر الخبراء أن تأثيرها على المجتمع التركي سيمتد  لفترات بعيدة الأمد.

تعلم الولايات المتحدة الأمريكية إن مثل هذا النظام لا يمكن أن يتحقق في بلاد كتركيا نظامها البرلماني ضارب في الجذور، وبتالي نيل رضا الشعب من حزب العدالة والتنمية مهما للغاية حتي يدعم هذا المقترح ويصوت لصالحه. خصوصاً إن (الأخطاء البارزة) التي ارتكبت مؤخراً قللت من أصواته ومؤيديه في الشارع السياسي التركي. وبالتالي فإن الحزب يحتاج لاستقرار سياسي وأمني يمكنه من رفع عدد أصواته خلال الفترة التي تسبق عملية الانتخابات. فجاء الاستقرار الأمني بوقف العمليات الإرهابية فجأة وبصورة كلية، والاستقرار السياسي عن طريق فتح حزب الحركة القومية باب التعاون والتنسيق مع حزب العدالة والتنمية وتمرير كل مقترحات حزب العدالة والتنمية في البرلمان والائتلاف في الانتخابات السياسية  القادمة.  وبالرغم من إن حزب الحركة القومية أكثر الأحزاب انتقاداً لسياسات حزب العدالة والتنمية فيما يخص القضية السورية وتنظيم فتح الله غولن إلا إن رئيس الحزب الدكتور "دولة بهجلي" أصبح أكثر الشخصيات التي تدافع عن سياسات حزب العدالة والتنمية في القضايا التي كان حولها خلاف جوهري بين الحزبينوهذا موقف أثار الكثير من التساؤلات والشبهات في الأوساط السياسية وتسببت في الخوض في تاريخ تولي الدكتور لرئاسة الحزب والعبارات التي ذكرها مؤسس الحزب قبل وفاته والتي تخص مستقبل الحزب ووصيته بالحيلولة بين الدكتور بهجلي ورئاسة الحزب حسبما يردد الشارع التركي. وبالرغم من مساندة حزب الحركة القومية لحزب العدالة والتنمية والائتلاف معه في العملية الانتخابية  الأخيرة التي فاز بها الحزب، جاءت النتيجة متواضعة جدا مقارنة بنتائجه في الانتخابات الفائتة منذ وصوله إلى سدة الحكم فيآخر انتخابات، بما فيها انتخابات عام 2015. هذا الوضع فتح الباب واسعا أمام التساؤل حول كيف كانت ستكون نتيجة الانتخابات بالنسبة لحزب العدالة والتنمية إذا لم يأتلف معه حزب الحركة القومية ؟ استنادا على ما أفاد به السفير الأمريكي، كان يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تترك حزب العدالة والتنمية في العراء مختنقا بالعمليات الإرهابية ومكشوفا سياسيا، الأمر الذي حتما سيجعله يخسر نتائج الانتخابات، ولكن خسارته تعني فشل مشروع تغير نظام الحكم إلى النظام الرئاسي وهو ما لا تريد الولايات المتحدة حدوثه، لأن كل الأحزاب السياسية الأخرى تعارض مشروع النظام الجديد، إذ يعتبرونه نظام يمهد للدكتاتورية وحكم البلاد عن طريق شخص واحد ووفقا لآراءه الشخصية، وتعلم الولايات المتحدة إن هذا التغيير إذا لم يحدث على يد الرئيس أوردوغان ذي الشعبية الطاغية فلن يحدث في مستقبل تركيا مطلقا.

فجأة وبالتنسيق والتعاون بين حزبيي العدالة والتنمية والحركة القومية أعلن تبكير العملية الانتخابية، وبالفعل دخلت البلاد انتخابات مبكرة وجاء التغير المطلوبة. وبعدها مباشرة شكلت الحكومة التركية الجديدة وبدات مزاولة نشاطها بصورة سريعة وجادة، واجتمع رئيس الدولة السيد رجب طيب أوردغان بحكومته الجديدة وأعلن برنامج المائة يوم، وبعد إعلان الحكومة لبرنامج المائة يوم مباشرة بدأت الليرة التركية في هبوط مروع أمام الدولار الأمريكي وبوتيرة سريعة جدا. هذا مع بدء العمليات الإرهابية مجددا في جنوب وجنوب شرق البلاد. وأصبحت أخبار الشهداء تأتي يوما بعد يوم. سرعة هبوط  سعر الليرة التركية أمام الدولار كانت غير منطقية،  حيث أكد الخبراء الاقتصاديون إن مثل هذا الهبوط مفتعل قصد به تضيق الخناق على حكومة حزب العدالة والتنمية وقفل باب الاستمرار أمامها، حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية متمثلة في رئيسها إن علاقتها مع تركيا تمر بأسوأ مراحلها وأن الليرة التركية تفقد قيمتها يوميا أمام دولارهم القوي، وان على تركيا إطلاق سراح القس الأمريكي الذي في قبضة الحكومة التركية والمتهم في قضية المحاولة الانقلابية التي نفذها تنظيم فتح الله جولن الإرهابي.

ما هو متوقع حدوثه في الأيام القادمة:

لا شك في إن الولايات المتحدة الأمريكية تريد تركيا مطيعة ومستقرة غير مستقلة، وبالتالي كل  مواقفها  الحالية حيال تركيا هي محاولات لتطويعها وكبح نشطها في المنطقة من حولها والعالم الإسلامي بصورة عامة، خصوصا في سوريا والعراق والخليج العربي وشرق أفريقيالذلك ستستمر في استخدام كروت الضغط تجاه حكومة حزب العدالة والتنمية لتطويعها أو تغيرها قبل مجيء عام 2023، وهذا ما ترمي له الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الذين تشملهم اتفاقية لوزان والتي  ستنتهي في عام 2023، لأن من الواضح إن رضوخ أوردغان وحكومته وانصياعهم لأمريكا أمر صعب تحققه نسبة لتوجهاتهم وطبيعية شخصية أوردغان نفسه. الأمر الذي يؤكد استمرارية الضغوط على حكومته والسعي لتغير الحكم بنظام يضمن تجديد اتفاقية لوزان بعد انتهائها، لأن عدم تجديدها مخاطرة يصعب علىأطرافها من الدول الغربية الدخول فيها، إذ انتهاء لوزان يجعل من تركيا قوة اقتصادية دولية مسيطرة على أحد أهم المضايق المائية في العالم ومصدرة لمواردها الطبيعية التي حرمت من  استغلالها بموجب اتفاقية لوزان لمدة مئة عام.

المواقف الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية حيال الجمهورية التركية ليست وليدة اللحظة وإنما هي سلسلة من الضغوط تطرح تدرجيا، بدأت بالقبض على الرأسمالي التركي إيراني الأصل "رضا ضراب" ونائب المدير العام لبنك الشعب "محمد هاكان أتيلا" بتهمة خرق الحصار الذي فرض على إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، ثم فرض العقوبات على وزيري العدل والداخلية لجمهورية تركيا فيما يتعلق بقضية حراس الرئيس رجب طيب أوردغان وأخيرا قضية القس، جمعيها أسباب ظاهرية أريد بها تغطية الأهداف الحقيقة للضغوط على الحكومة التركية  والأهداف الفعلية وراء ذلك.

لذلك من المتوقع أن يكون للضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على تركيا، دورا أساسيا في دخولها في تحالفات اقتصادية جديدة تقلل من أثر تلك الضغوطات والأزمات التي تخلفها على منظومتها الاقتصادية. وواحدة من تلك الدول التي قد تنشئ تركيا معها تحالفا اقتصاديا قوي مبني على التبادل التجاري القائم على المصالح المتبادلة وبالعملات الوطنية، هي دولة روسيا وإلى  حد ما الصين. وتصريحات السيد رئيس الجمهورية رجب طيب أوردغان فيما يخص خططهم للخروج من الأزمة خير برهانا على ذلك.

وروسيا واحدة من الدول التي تخشى الولايات المتحدة الأمريكية تحالفها مع تركيا، وتدرك تماما أن أي تحالف اقتصادي روسي- تركي يقلل من مدى تأثير ضغوطها على تركيا، ومن هذا المنطلق ينبغي أن لا تنسى محاولات توتير العلاقة بين البلدين، مثل إسقاط الطائرة الحربية الروسية في سوريا في 24 نوفمبر 2015، وحادثة اغتيال السفير الروسي لدى أنقرة "أندريه كارلوف" بتاريخ 19 ديسمبر 2016، والتي كشفت التحقيقات إن تنظيم فتح الله جولن الإرهابي الذي يقيم رئيسه حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية كان وراء كلا الحادثتين. ونلحظ هنا أن تركيا سعت إلى تجاوز الأزمة مع روسيا وبادرت عبر الناطق الرسمي باسم الرئاسة التركية إلى التواصل مع الجانب الروسي  بخلاف الحال في الأزمة الأخيرة مع الولايات المتحدة. أما فيما يخص التحالفات الاقتصادية بين تركيا والإتحاد الأروبي، وبالرغم من تصريحات رئيسة الوزراء الألمانية "أنغيلا ميركل" الإيجابية في موقفها مع تركيا في الأزمة الأخيرة، قد لا تكون هناك تحالفات حقيقية، وذلك للمواقف السالبة للدول الأوروبية تجاه مجهودات تركيا ضد عناصر تنظيمي فتح الله جولن وحزب العمال الكردستاني، حيث تأوي كثير من الدول الأوروبية اليوم عناصر تنظيم فتح الله جولن وتنظيم حزب العمال الكردستاني. هذا بالإضافة لمنحهم الأقامات الدائمة وأذونات تنظيم الندوات التعبوية وجمع الأموال لصالح الحزب خصوصا عناصر حزب العمال الكردستاني. لذلك حتى إذا حصل تحالف من المتوقع أن يكون هشا إذا لم يصل الطرفان إلى اتفاق مقبول حول نقاط الخلاف هذه.

بجانب روسيا تعتبر إيران وبعض دول الخليج خيارا وحليفا تجاريا لتركيا، ولكن إدراك الولايات المتحدة لمدى تأثير التقارب التركي مع ايران ودول الخليج التي لها تحالفات إستراتجية مع تركيا كدولة قطر التي لتركيا فيها أحد أهم وأكبر القواعد العسكرية التركية حول العالم، جعلها تلعب دورا أساسيا في الأزمة الخليجية التي استهدفت الدولة القطرية بكل وضوح. تدخل تركيا الصادق بجانب حليفها الإستراتيجي قطر ومبادرتها بإرسال قوة عسكرية لقطر بجانب تعاطي قطر الذكي مع الأزمة أفشلت المخطط، أحست بعض الدولة الغربية بخطورة دور تركيا القوية المستقلة في تغير مجريات الأحداث في المنطقة التي كانت خالصة للنفوذ الغربي لعقود وبالتالي كان من الضروري أن تمارس الضغوط على الحكومة التركية وكبح محاولات استقلالها وإعاقة توجهاتها في السياسة الخارجية.

أخيرا، حتما ستواصل الحكومة التركية كل محاولاتها وسعيها الجاد في الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية أو "الحرب الاقتصادية" (إن صح التعبير) التي تواجهها، ومن المنتظر أن تنجح في الخروج منها عن طريق إتباع الإستراتجية الاقتصادية الجديدة التي أعلنت مؤخرا بواسطة وزير الخزانة والمالية  "بيرات البيرق" ، وباستثمارات حلفاؤها الأخيرة داخل تركيا،  فإن منتظر كذلك ظهور  بدائل وتحالفات جديدة في المنطقة في المرحلة المقبلة وتركيا ستكون عمودا فقريا لتلك التحالفات الاقتصادية الجديدة. هي معركة للتحرر والكرامة والاستقلال سيصمد الشعب التركي أمامها رغم أن الضغوط ستستمر وستتبدل كروت وسبل ووسائل الضغط في الفترة المقبلةلأن الهدف المنوط لم يتحقق بعد وهو إخضاع تركيا .

الدكتور/ تيراب أبكر تيراب ( خبير إستراتيجي وأمني سوداني )

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك