القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

بورقيبة و الاخوان المسلمون : وثائق و معطيات

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-07-14 16:21:00 | 1400 مشاهدة

الملخص:

يخفي الصراع الحالي في المنطقة والمطاردة الشرسة للإخوان حقيقة تاريخية نقيضة تماما لما هو واقع اليوم. ذلك أن تنقيبا علميا موضوعيا في الأرشيف وذاكرة الفاعلين الذين عاشوا مرحلة أواسط القرن الماضي تكشف عن علاقة تضامن كبير بين التونسيين وحركة الإخوان المسلمين في خدمة القضية الوطنية التونسية. وهو ما أكسب الحركة موقعا متميزا في وجدان التونسيين وذاكرتهم قبل أن ينزلق بعض الطارئين على السياسة في استعداء الإخوان لأسباب طارئة حولتهم إلى موضوع تجاذب. لقد لعب الإخوان دورا فاعلا في خدمة القضية الوطنية التونسية مثلما فعلوا مع كل قضايا التحرر بالعالم الإسلامي، فرد التونسيون الجميل بانتحال أفكارهم، والاصطفاف معهم ضد اضطهادهم من السلطة المصرية منذ 1948.

فاتحة:
ليس هناك دعوة يمكن أن تنجح إلا إذا جاءت من مصر، ومصر ليس فيها أحد مهتم بالقضايا الإسلامية إلا الإخوان (بورقيبة، 1945).

التقديم:
تحولت جماعة الإخوان المسلمين في العشرية الأخيرة إلى مشغل تجاوز المدى المحلي والإقليمي إلى العالمي. ولا يمكن للملاحظ المتابع أن يخطئ العلاقة بين هذا الثقل في الحضور وثورات الربيع العربي. وقد يكون من الطريف التأكيد على العلاقة الوثيقة بين هذا الصعود وما فتحته تلك الثورات من آفاق أمام الشعوب العربية لممارسة دور الحَكَم بين القوى السياسية عبر انتخابات ديمقراطية تفلت لأول مرة من رقابة الأنظمة العربية المستبدة. وقد تحول "الإخوان المسلمون" إلى موضوع تداول في الدراسات والخطاب على حد السواء على مستوى عالمي. وهو أمر ليس بالجديد لكنه احتد أكثر بعد الثورات العربية التي فتحت أمامهم بابا كان مغَلَّقا إلى زمن قريب: الحكم من باب الديمقراطية أي على أساس الخيار الشعبي.
وفي تونس لم يشذ الأمر عما هو سائد في الإقليم كما في العالم. لكن وعلى عكس ما هو سائد من استعداء للإخوان في الخطاب السياسي والإعلامي، فإن الوقائع التاريخية تثبت أن العلاقات بين التونسيين والإخوان المسلمين، وإلى تاريخ قريب، كانت علاقة تضامن متبادل بدأت باحتضان الإخوان للحركة الوطنية التونسية ودعمها منذ أواسط الأربعينات، وتواصلت بتحولهم إلى جزء من المشهد الوطني وتسربهم بفعل ذلك الدعم إلى الوجدان التونسي والذاكرة الجماعية للتونسيين إلى درجة التعاطف معهم في معركتهم مع السلطة في مصر منذ 1948، وحفظ أهل السلطة الجديدة بعد الاستقلال لذكراهم والاعتراف بجميلهم ومبادلتهم التضامن في مواجهة ما تعرضوا له بعد 1954.
في هذا المقال نحاول استكشاف اللقاء بين الإخوان المسلمين والتونسيين: جذوره، تمظهراته بدءا باحتضان الإخوان للحركة الوطنية في المشرق وصولا إلى رد التونسيين لجميلهم وحفظ ذكراهم قبل أن ينزلق بعض الطارئين على السياسة في تونس إلى استعدائهم.

أولا: الإخوان حين آووا ونصروا تونس.
تأسست حركة الإخوان المسلمين بمصر سنة 1928. لكن بخلاف جمعية الشبان المسلمين التي تأسست قبلها بسنة واحدة (1927) ووجدت صدى مباشرا لدى التونسيين فقد تأخر تفاعل التونسيين معها إلى فترة الحرب العالمية الثانية على حد ما اطلعنا عليه من مصادر. فمنذ 1928 (أي سنة تأسيس الإخوان) بادر التونسيون إلى إحداث جمعية باسم الشبان المسلمين واعتبروها فرعا للمركزية المصرية. ويذهب المؤرخ يوسف مناصرية في ربط ظهور مشروع الشبان المسلمين التونسي بمشروع آخر لدى الزعيم الدستوري محيي الدين القليبي وعلاقته بالإخوان المسلمين إذ اعتبر أن جمعية الشبان كانت من دون شك نواة لجمعية الإخوان المسلمين بتونس بناء على انخراط محيي الدين القليبي في الثلاثينات والأربعينات في جماعة الإخوان المسلمين بمصر والشام. (مناصرية، 181). وهو أمر نعتبره مبالغا فيه بالنظر إلى الوقائع وحداثة جماعة الإخوان.
لكن ما توفر لدينا يعطي رواية أكثر مقبولية وتناسقا مع تطور الأحداث. فحركة الإخوان تطورت تدريجيا من الانشغال ببنائها الذاتي والانفتاح على الواقع المصري المحلي قبل أن تتجه نحو الإقليمية والعولمة. وتعود أول إشارة توفرت لدينا إلى الإخوان في اهتمامات التونسيين إلى الحرب العالمية الثانية. فقد أورد أحد نشطاء الحزب الدستوري الجديد وهو السيد الحبيب نويرة (شقيق الهادي نويرة) في مذكراته شهادة لصديقه محمد بسباس وهو بدوره أحد شباب الحزب الجديد يذكر فيها أن "أحدهم «كان مغرما بالجمعيات فكون "جمعية الإخوان المسلمون" وطلب مني أن أرسل له بعض الطلبة ليتعاونوا معه فأرسلت له بعضهم منهم محمود بسباس فاستمال بعضهم». (نويرة، 160). وقد جاء ذلك في ظل وجود قوات المحور بتونس (نوفمبر 1942-ماي 1943). وفسرناه على أنه في سياق مماحكة جمعية الشبان المسلمين التي رفض رئيسها الشيخ محمد الصالح النيفر التعاون مع الألمان في تجنيد الشباب لصالحهم. أي أن أول محاولة لاستنساخ حركة الإخوان (إذا ما لم تثبت تجربة أخرى سابقة) كانت في سياق استجلاب النموذج المصري القائم على ثنائية الشبان-الإخوان. وقد يكون من أسباب الاختفاء السريع لهذه المحاولة حتى قبل أن تبدأ نجاح محاولة أخرى وهي "شباب محمد" برئاسة عبد المجيد بن جدو. وهي بدورها في الأصل مجموعة انشقت عن جماعة الإخوان المسلمين سنة 1939 .
أما العلاقات الموثقة والوثيقة بين التونسيين وجماعة الإخوان المسلمين فستبنى مع نهايات الحرب العالمية الثانية حين تحولت القاهرة إلى مركز النشاط العربي من أجل التحرر بتأسيس الجامعة العربية (22 مارس 1945). فقد سافر عدد من القيادات الوطنية من الحزبين الدستوريين إلى القاهرة في محاولة لتدويل القضية الوطنية. وهناك وجدوا في حركة الإخوان المسلمين حاضنا لهم وداعما لمطالبهم. نذكر من هؤلاء الحبيب بورقيبة ومحيي الدين القليبي والرشيد إدريس وعلي البلهوان والحبيب ثامر وآخرون.
وترافق هذا التكثف مع بلوغ حركة الإخوان المسلمين درجة من الاكتمال والنضج على مستوى الهيكلة والمشروع وشبكة العلاقات المحلية والإقليمية. ويمثل تأسيس قسم الاتصال بالعالم الإسلامي عام 1944 مؤشرا على هذا الوعي لدى الحركة بعمق التحولات الدولية واتجاه مشروعها نحو الانفتاح على المحيط الإقليمي والدولي.
يمكن القول إذن إن لقاء التونسيين بالإخوان تم في سياق تحرر وطني شمل المنطقة وجعل الطرفين يتضامنان.
وقد قدر القادة الوطنيون هذه الميزة في الإخوان المسلمين، ميزة انخراطهم في دعم قضايا التحرر الوطني في العالم الإسلامي، وأهميتها في دعم القضية الوطنية. لذلك لم يتوانوا عن استثمارها. ومما توثقه الشهادات التاريخية ما ورد على لسان أحد قادة الإخوان عن تقدير بورقيبة لأهمية ذلك الدور حين قال في حديث مع حسني عباس: "ليتني أستطيع أن أذهب معك لأتعرف على الإخوان المسلمين". فلما سأله: "وماذا يعنيك من الإخوان المسلمين؟" قال: "ليس هناك دعوة يمكن أن تنجح إلا إذا جاءت من مصر، ومصر ليس فيها أحد مهتم بالقضايا الإسلامية إلا الإخوان".
لم يكن هذا الموقف من بورقيبة نابعا من فراغ بل مبنيا على معلومات كانت بالتأكيد تصله عما يقوم به الإخوان لنصرة قضايا التحرر الوطني بالعالم الإسلامي عامة. ولعب قسم الاتصال بالعالم الإسلامي (المحدث عام 1944) دورا بارزا في هذا الدعم. وهو ما يؤكده عبد الحكيم عابدين بالقول: "بدأنا نستقبل شخصيات شمال إفريقيا، وبدأنا نقدمها للخطابة في دار الإخوان المسلمين والتحدث في الدار عن قضاياهم في مركز الإخوان المسلمين، فكان القادم من ليبيا ومن تونس ومن الجزائر ومن المغرب لا يجد مطمعًا من أن يسمع صوته في طلب تحرير بلاده إلا من دار الإخوان المسلمين، فجاءنا يومئذ ممثلاً عن تونس وهو الرجل العالم التقي النقي الشيخ محيي الدين القليبي وغيره".
ولقد دعم الإخوان المؤتمرات والهيئات المطالبة بالاستقلال، والمناهضة للاحتلال، مثل "مؤتمر الهيئات العربية للدفاع عن بلاد المغرب"، والذي عقد في دار جمعية الشبان المسلمين في جويلية 1945، وحضره الإخوان المسلمون ومنظمات إسلامية عديدة إلى جانب شخصيات عامة. وصدرت عن هذا المؤتمر لائحة في سبع نقاط تحوم كلها حول دعم استقلال بلاد المغرب العربي والتنديد بسياسة القمع والتشفي التي تلجأ إليها فرنسا ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخل لإيقاف ذلك القمع ودعم حقها في الاستقلال. (انظر نقاط اللائحة مفصلة في الهوامش)
وفي سياق هذا الدعم والتأطير يمكن أن نشير إلى دعم الإخوان لإحداث مكتب المغرب العربي (16 فيفري 1947) بالقاهرة. وهو ما يثبته حضور حسن البنا نفسه في الصورة الجماعية لمؤسسي المكتب والتي ضمت بورقيبة والرشيد إدريس إلى جانب عبد الكريم الخطابي وقادة مغاربة آخرين.


وبادر الإخوان أنفسهم بتاريخ 27 جوان 1947 إلى عقد مؤتمر إسلامي جامع بمقرهم بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج ودعوا إليه ممثلي الهيئات الإسلامية وكبار الشخصيات العربية والشرقية ونظم حفل تكريم لزعماء طرابلس وأقطار الغرب وفلسطين وسوريا وإندونيسيا. وصدرت عن هذا الاجتماع لائحة من نقطتين:

1-       يعلن الحاضرون أن حق ليبيا والأقطار الغربية (تونس والجزائر ومراكش) في الحرية كاملة والاستقلال التام ثابت مقدس مهما أنكره المستعمرون وحاولوا كبت الشعور الوطني بالحديد والنار وإن الوحدة العربية لن تكون وحدة كاملة حتى ينضم إليها جناح العروبة الأيسر من أقطار المغرب حرة مستقلة، كما يستنكرون بكل شدة ما يرتكب الفرنسيون والإسبان من فظائع في هذه الأوطان العزيزة.

2-       ويحيي المجتمعون حضرة صاحب الجلالة ملك المراكش العظيم سيدي محمد بن يوسف باعث النهضة الوطنية في المغرب الأقصى. كما يتوجهون بالتحية والإجلال إلى حضرة صاحب السمو محمد المنصف باي تونس وملكها الشرعي في منفاه بفرنسا .

وبعد وفاة المنصف باي أرسل حسن البنا برقية تعزية نشرت بالصحافة الوطنية . وكان نص البرقية كما يلي:

"يتقدم كافة الإخوان المسلمين بمنظماتهم المنبثة في كافة أنحاء العالم العربي إلى العائلة الحسينية وإلى تونس والمغرب العربي بالتعازي الحارة بمناسبة وفاة المقدس المبرور سيدي محمد المنصف باشا باي التي تعتبر نكبة عربية وإسلامية.

 مرشد الإخوان المسلمين، حسن البنا".

إلى جانب عقد المؤتمرات ساهم الإخوان المسلمون في إيواء قادة النضال الوطني. وتتفق الشهادات التاريخية على أن بورقيبة أوى إلى مقر الإخوان المسلمين بالحلمية عندما التحق بالقاهرة. واستفاد من رفادتهم فكانوا ينفقون عليه. وبذلك كانوا عند ظنه بهم الذي أعلنه لحسني عباس. وزار عديد المرات مؤسس الحركة حسن البنا في بيته واشترك مع سيد قطب في تنظيم حملة مكتب المغرب العربي للتعريف بقضية تونس والجزائر والمغرب مع عبد الكريم الخطابي الذي كان لا يخفي انتماءه للإخوان مثله مثل مصالي الحاج .
ويذكر القيادي الإخواني توفيق الشاوي في كتابه "مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي" أنّه كلف من قبل الحبيب بورقيبة المقيم بالقاهرة ومن جلولي فارس المقيم بفرنسا، في صيف 1948 بنقل رسائل شفوية ومكتوبة إلى قادة الحزب الدستوري، وبالفعل فقد وصل الشاوي في رحلة بحرية إلى تونس والتقى قادة الحزب في تونس الطاهر قيقة والطيب السحباني والمنجي سليم، كما التقى أيضا الباهي الأدغم.
وكان توفيق الشاوي، الإخواني، وسيطا بين الحزب الدستوري والجامعة العربية، حين توترت العلاقة بين الطرفين بسبب دخول الحزب الدستوري الجديد في التفاوض مع فرنسا على استقلال تونس بمعزل عن القضية المغاربية، كما عمل الشاوي على إقناع ظفر الله خان وزير الخارجية الباكستانية بتقديم شكوى لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة دفاعا عن القضية التونسية، بعدما أحجمت الدول العربية عن ذلك، وهو ما تم، وكلف أمين عام الجامعة العربية عبد الرحمن عزام، توفيق الشاوي بإعداد ملف الشكوى، فبادر إلى وضع قضية المنصف باي ضمن بنود الشكوى، وكان من المفترض أن يكون الشاوي ضمن الوفد الباكستاني لعرض شكوى تونس أمام الأمم المتحدة، غير أنّ إدارة كلية الحقوق بالقاهرة رفضت الترخيص بسفره .
ويذكر الرشيد إدريس في مذكراته تبادل الزيارات بين القيادات الوطنية وقيادات الإخوان. فأشار مثلا إلى زيارته يوم 27 جانفي 1947، صحبة المناضلين يوسف الرويسي وحسين التريكي، للأستاذ أحمد السكري أحد قادة الإخوان المسلمين. وكان موضوع اللقاء قضية شمال إفريقيا. كما أشار إلى زيارة حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين مع أعضاء من قسم الاتصال بالجماعة لمقر مكتب المغرب العربي يوم 14 ماي 1947 .
ومن الشخصيات التي بنت علاقة وثيقة مع الإخوان نجد محيي الدين القليبي زعيم الحزب الدستوري جناح اللجنة التنفيذية الذي التحق بالقاهرة بعد تأسيس مكتب المغرب العربي بها (16 فيفري 1947). فقرر الحزب إرساله ليمثله في المكتب. وهناك انضم إلى جماعة الإخوان مثله مثل زعماء مغاربة آخرين أشرنا إليهم منهم إلى عبد الكريم الخطابي ومصالي الحاج.
قام الرجل بنشاط ملحوظ في صفوف جمعية الاخوان المسلمين وتوطّدت علاقاته بمرشدها العام الشيخ حسن البنّا قبل أن يقفل عائدا في نهاية جانفي 1949. وفي بداية 1952 عاد إلى القاهرة ليقضي فترة قصيرة في النضال ضد الاستعمار انتقل بعدها إلى فلسطين للمشاركة في أعمال المؤتمر الاسلامي الثاني بالقدس، وانتخب عضوا في المكتب الدائم للمؤتمر، فاستقرّ بالقدس وركّز نشاطه على القضية الفلسطينية. كما استعاد نشاطه ضمن الإخوان المسلمين فشارك مع بعض قادتهم في تكوين مجموعات من الفدائيين الفلسطينيين للقيام بعمليات فدائيّة داخل الأراضي العربية المحتلّة. وهو ما ضايق الملك الأردني عبد الله بن الحسين الذي أوعز إليه بمغادرة القدس حالا، لتحاشي إثارة المشكلات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، فارتحل إلى دمشق واستقرّ بها إلى أن أدركته المنية (1 ديسمبر 1954) .
ولا يزال محيي الدين القليبي يحظى بمكانة بارزة في ذاكرة الإخوان. وهو ما يمكن أن يلحظه المطالع لأدبياتهم بيسر من خلال تمجيده. وقد خصصت موسوعة الإخوان مقالا باسمه دليلا على تلك المكانة ووصفته بالزعيم المجاهد .
كما تعامل الإخوان مع شخصيات مدنية تونسية منهم قادة الشبان المسلمين بتونس. ففي 1946 تقابل الشيخ الشاذلي النيفر في حجته الأولى مع مرشد الإخوان المسلمين حسن البنا الذي دعم مطالب الحركة الوطنية وحصل على دعم الملك سعود لصالح عرض القضية الوطنية في اجتماع الجامعة العربية في شهر نوفمبر 1946. وفي هذا اللقاء سأل البنا الشيخ الشاذلي النيفر عن رئيس جمعية الشبان التونسية وطلب اللقاء به في السنة القابلة. وهو ما يمكن فهمه على أن الإخوان كانوا يبحثون عن التأسيس لفرع تونسي. لكن التحاق رئيس الجمعية بالقاهرة لم يتحقق إلا في 1954 أي بعد وفاة البنا بست سنوات. وهناك القى سيد قطب. وإن كنا لا نعرف فحوى هذا اللقاء فإن الانطباع الذي خرج به الشيخ وذكره في سياق مقارنته بين جمعية الشبان المسلمين وجماعة الإخوان المسلمين يميل لصالح الجماعة على حساب الجمعية. فجمعية الشبان نخبوية وقريبة من السلطة إذ يترأسها عسكري (صالح حرب)، بينما كانت جماعة الإخوان جماهيرية يغلب على عناصرها الانتماء إلى الفئات الشعبية. (النيفر، 174-175)
أكسب هذا الدور الحاضن للنشاط الوطني التونسي جماعة الإخوان المسلمين قدرا من التعاطف والاهتمام ظهر في تفاعل التونسيين معها كنوع من الاعتراف ورد الجميل.

ثانيا: التونسيون حين آووا ونصروا الإخوان.
تنوع تفاعل التونسيين مع حركة الإخوان المسلمين وتطور حسب تطور وضعهم ووضع الجماعة نفسها خاصة مع بداية توتر علاقاتها بالسلطة المصرية منذ 1948. ويمكن ابتداء أن نشير إلى أن هذا التفاعل انقسم بين تبني أفكار الإخوان والاستشهاد بها وتوظيفها في الواقع التونسي من ناحية، والانحياز إليبهم في صراعاتهم مع السلطة المصرية سواء قبل 1952 أو بعدها. كما تنوعت طرق التفاعل من الدعم الإعلامي الدعائي سواء في وسائل الإعلام أو المحاضرات من ناحية إلى إيوائهم عندما اضطروا إلى الهجرة من وطنهم هربا من الاضطهاد.

1-     فكر الإخوان يتحول إلى مرجع للحركة الوطنية:
تزامن انتحال الفكر الإخواني وإدراجه ضمن النشريات التونسية مع تكثف علاقاتهم بالحركة الوطنية منذ نهايات الحرب العالمية الثانية التي أشرنا إليها أعلاه. ويمكن القول من الآن إن فكر الإخوان وفر للتونسيين الذين لم يبلوروا بعد مشروعهم الوطني مادة تستجيب لحاجتهم إلى فكر يحول الإسلام إلى محرك للفعل الوطني. وتزخر الصحافة الوطنية بمقالات الإخوان في موضوعات شتى.
فقد أظهرت الحركة الوطنية نزعة إلى إدماج المرأة في نشاطها لكن ما أثاره كتاب الحداد حول المرأة من ردود فعل خلق أجواء محترزة من طرح الموضوع فضلا عن المعارضة الاجتماعية في الأوساط التقليدية المحافظة. وهو ما جعل أول المشاريع تنبع من بعض الأوساط المتدينة مثل مشروع الاتحاد النسائي الإسلامي برئاسة بشيرة بنت الشيخ محمد الصالح بن مراد منذ 1936 والذي لم يكتسب فاعلية إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وأحدثت جمعية الشبان المسلمين فرعا نسائيا في نفس السياق منذ 1945. وإلى جانب الاستنجاد بالنصوص الدينية (القرآن والسنة) والتراث الإسلامي اعتبرت نصوص الإخوان في موضوع المرأة مرجعا يستند إليه. وهو ما يكشف المقبولية التي أصبحت الجماعة تتمتع بها في الأوساط التونسية ومنها المحافظة. فقد نشرت مجلة الشبان المسلمين نصا لحسن البنا حول دور المرأة في سياق الترويج لمشروعها النسائي أثناء تأسيسه .
وفي سياق البحث عن خطاب يشرع للمقاومة بعمق ديني استنجدت الصحافة التونسية بكتابات الإخوان مثل سيد قطب. فقد نشرت صحيفة لواء الحرية الناطقة بلسان الحزب الدستوري الجديد بتاريخ 9 سبتمبر 1951 نصا لسيد قطب بعنوان "الإسلام يكافح". ودبجته بتقديم استثنائي للرجل وصفته بـ"علم من أعلام العربية في الثقافة" وعلم من أعلام العروبة في الأدب" و"علم من أعلام الإسلام في الدفاع على الإسلام وتطهيره من أدران الدجل والمنافقين".

 ومما ورد بمقدمة النص التي حملت إمضاء "عبد الصمد" نقتطف ما يلي:

"...لقد قرأنا كتابيه (أي سيد قطب) العدالة الاجتماعية في الإسلام ومعركة الإسلام والرأسمالية. فوجدنا فيهما الإسلام الحقيقي وتطلعنا على أفق يشعر به كل مسلم ولا يفر عنه". وبعد الإشادة بنضال الرجل العملي إلى جانب الفكري يوجه إليه الخطاب ومن وراء ذلك يتوجه ربما إلى بعض الزيتونيين الذين قصروا في توفير السند النظري الديني للمقاومة فيقول: "إن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ليشعرون شعورك يا سيد قطب ويحسون إحساسك وإن كتبك كانت دواء العروبة في الأدب وعلم من أعلام ناجعا لما في قلوبنا من أمراض وحمى في عقولنا من حيرة وبلبلة سببها علماء السوء والدجالون والمنافقون والخائبون الذين أغفلوا عن قصد تعليمنا مرامي الإسلام وفلسفته الاجتماعية ونظرته إلى هذه الحياة بما فيها من مادة وروح تواطؤوا مع المستعمر تارة ومع رؤساء الأموال أخرى.

سر في طريقك أيها الأستاذ أعانك الله على جهادك العظيم وأمدك بروح منه وأعان كل من لف لفك وانتهج نهجك".

إن أهم ما شد انتباهنا في هذا النص إذا ما تجاوزنا الروح الإيجابية في النظرة إلى الإخوان لدى التونسيين بدون استثناء، هو هذا الدور المرجعي الذي افتقده التونسيون في الفكر الزيتوني ووجدوه لدى الإخوان. وهو دور يتجاوز مجرد البحث عن خطاب التحريض بالدين على مقاومة المستعمر إلى البحث عن البدائل عن نظمه في وقت بدأت تلوح بشائر الاستقلال (في تاريخ نشر المقال كانت البلاد تخوض تجربة مفاوضات مع فرنسا من أجل الاستقلال الذاتي بقيادة حكومة محمد شنيق التي شارك فيها صالح بن يوسف بصفة وزير للعدل). ولعل هذا البحث عن البديل المتأسس على الإسلام هو الذي أعطى قيمة لكتابي سيد قطب في المسألتين الاقتصادية والاجتماعية (العدالة الاجتماعية في الإسلام والإسلام والرأسمالية).
إلا أن هذا التمجيد لم يتطور إلى تبني الحزب لفكر الإخوان. فحين استأذن القيادي الإخواني توفيق الشاوي من قادة الحزب في تونس في جلسة جمعتهم في حلق الوادي بتونس العاصمة سنة 1947، بأن تنشط جماعة الإخوان بين الشبان التونسيين الناشطين في باريس وتونس “باعتبار فكرة الإخوان لا تتعارض مع الحركة الوطنية ولا مع التزام الشباب نحو الحزب”، وفق تعبيره، كان ردّ الباهي الأدغم بأنّ التوقيت غير مناسب وقد يتسبب في انشقاق داخل الحزب، وأشار بأنّه يستحسن تأجيل الموضوع .
لكن في المقابل كان فكر الإخوان يكسب مريدين له في البلاد خارج المسيسين من الحزبين. يدفعنا إلى قول ذلك ما اكتشفناه خلال بحثنا عن جمعية الشبان المسلمين في الأرشيف الشخصي لبعض الشهود ونشطاء الجمعية. وسنخص هنا شخصية سيكون لها شأن بعد الاستقلال في ربط الأوساط الشعبية بفكر الإخوان ألا وهو عبد القادر سلامة صاحب مجلة المعرفة وأحد مؤسسي الجماعة الإسلامية التي تطورت لاحقا إلى الاتجاه الإسلامي ثم حركة النهضة. وتعد رسالته إلى صديقه المرحوم أبي القاسم كرو بتاريخ 21 جوان 1954 علامة بارزة في هذا السياق. في هذه الرسالة يعتبر حسن البنا من نماذج المجددين .

2-     الانحياز إلى الإخوان:
أصبحت حركة الإخوان في مرمى النار بعدما أظهرته من مقاومة عند الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني والبطولات التي شهد لها بها الأعداء قبل الأصدقاء بشكل أحرج الأنظمة العربية نفسها التي بدت ضعيفة مفككة أو متخاذلة، قبل الاحتلال وداعميه أنفسهم. لذلك تقاطعت مختلف الإرادات الدولية والإقليمية في تصفيتها. وقد كان قرار حل الجمعية (8 ديسمبر 1948) بطلب بريطاني للنقراشي باشا بحسب رواية الإخوان مدعاة لتدهور الأحداث باغتيال النقراشي باشا (28 ديسمبر 1948) ثم حسن البنا ذاته (28 فيفري 1949). وبذلك بدأت مسيرة طويلة من الشد والجذب مع الحكام.
كان محيي الدين القليبي أول من دفع ثمن علاقته بجماعة الإخوان المسلمين من التونسيين. فمباشرة إثر حلّها واغتيال رئيس الحكومة المصرية النقراشي باشا، قررت الحكومة الجديدة التي ترأسها إبراهيم عبد الهادي باشا إبعاد محيي الدين القليبي الذي غادر القاهرة يوم 27 جانفي 1949 باتجاه تونس التي وصلها في فيفري. ولم يكن الأمر مصريا بحتا بل التقى مع رغبة فرنسية في كتم صوته الذي أحرجها بنشاطه المناهض لها. وهو ما وضحه الصحفي محمد علي الطاهر في مقال بعنوان: "إبعاد مجاهد تونسي كبير عن مصر" صدر في جريدة "الانشاء" بدمشق بتاريخ 10 فيفري 1949, ومما جاء فيه: "غادر الاستاذ محيي الدين تونس حاجّا، ثم ربض في القاهرة أكثر من سنة يحارب الاستعمار الفرنسي ويصليه نارا بقلم بليغ شاف للغليل. فقد ملأ أوساط الشرق العربي، بالدعاية الشديدة ضدّ فرنسا وفظائعها، فخطب وكتب ونشر ما يملأ مجلدات ومنها كتابه مأساة عرش وكتابه الثاني تونس وكتابه الثالث ملك تونس وكتابه الرابع تونس والحماية الفرنسية. وهناك مقالات وتقارير ونشرات شتّى عن تونس نشرها بالعربية والفرنسية والإنجليزية وأرسلها إلى هيئة الأمم المتحدة في أمريكا وقصر شايو بفرنسا وإلى مؤتمر اليونسكو بلبنان وإلى جميع أنحاء العالم. لذلك طلبت فرنسا من الحكومة المصرية أن تشلّ هذا الجهاد وأن تعطّل حركته بإبعاد المحرّك عن البلاد المصرية، ففعلت، وهو أمر يدعو إلى شدّة الأسف والاستنكار من الجميع".
رجع القليبي حينئد إلى تونس في شهر فيفري 1949، فاستأنف نشاطه السياسي والثقافي، وتولّى بالخصوص إلقاء سلسلة من المحاضرات العامة على منبر "معهد البحوث الاسلامية" التابع للجمعية الخلدونية، حول حاضر العالم الاسلامي، تلبية لدعوة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور رئيس الجمعية.

الأسبوع 2/2/1949

الزهرة، 24/8/1952

وفي تونس، وبمناسبة اغتيال حسن البنا نشرت الصحف الوطنية مقالات تعرف به وبالجماعة بطريقة إيجابية. فوصف بـ"البطل" . ونشر آخر بيان ألقاه بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيس الإخوان المسلمين، ورأي "أقطاب العروبة" في الإخوان المسلمين، وصورة محيي الدين القليبي مع حسن البنا. وقد قدم هذا الأخير بالخلدونية تحت إشراف الشيخ الفاضل بن عاشور محاضرة بعنوان "الإخوان المسلمون بعد النكبة" . بينما واصلت جريدة الأسبوع دعايتها للجماعة. فكتبت مقالا بعنوان "الإخوان المسلمون فكرة لن تموت" . وبعد سنة نشرت جريدة الزهرة إشهارا لكتاب عن الجماعة . وكان مراسلها، وهو ليس إلا الرشيد إدريس، أحد قادة الديوان السياسي السري المعتقل في 1941 واللاجئ إلى القاهرة متهما بالتعاون مع المحور، ينقل أخبارها التنظيمية وعلاقاتها بالسلطة . واللافت هي النزعة التمجيدية لتلك المقالات والتي تدعم النظرة الإيجابية للرأي العام التونسي تجاهها. فقد كانت توصف بعبارات مثل "الجمعية الموقرة"، و"الجمعية المباركة"، و"العصبة الإسلامية المباركة" . وتعكس بعض المقالات تفاعل التونسيين بنوع من الإحساس بالانتماء والقرابة مع تلك الجماعة. فلم تكن تنقل أخبارها فقط بل تتفاعل معها وتتعاطف وتبدي تألمها لما قد يصيبها. فزيادة على ما ذكرناه في متن هذا النص وهوامشه من مقالات الأسبوع والزهرة، نشير إلى مقال ورد بجريدة الزيتونة التي يديرها عمر شاشية وهو أحد أنصار الديوان السياسي المتحمسين والذي انسحب من صوت الطالب الزيتوني ليؤسس مع آخرين منظمة مضادة وهي كتلة الدفاع عن المطالب الزيتونية، ويرأس تحريرها الشيخ الشاذلي النيفر كاتب عام جمعية الشبان المسلمين والمنخرط بدوره في حزب الديوان السياسي. في هذا المقال تنقل الجريدة أخبار خلاف داخل جماعة الإخوان المسلمين. لكن صاحب المقال لا يكتفي بنقل تلك الخلافات بصفة محايدة بل يبدي إشفاقا على الجماعة من التأثر بالخلافات ويبرز دورها في الحفاظ على الإسلام... ويصف اغتيال حسن البنا بـالاستشهاد . وعندما دب الخلاف بين الجماعة وجمال عبد الناصر تفاعلت الصحافة التونسية بشيء من التعاطف مع الجماعة فنقلت أخبار تنفيذ حكم الإعدام على ستة من الإخوان يوم 07 ديسمبر 1954 بعد ثلاثة أيام فقط من صدور الحكم عليهم. ونقلت وقائع التنفيذ مظهرة الأسى لذلك وأوردت كلمات المنفذ فيهم والتي تحمل بعضها نزعة بطولية .
وتواصلت تغطية محاكمات الإخوان في نهاية تلك السنة . وهو ما يعكس انشغال الرأي العام بها. ولم تنقطع تلك التغطية بعدها وامتدت إلى مختلف الصحف بما في ذلك صحف الحزب مثل الصباح والعمل والزيتونة التي نشرت نصا حول المجتمع الإسلامي لسيد قطب .
إن ما بسطناه لا يمثل مسحا شاملا لكل ما كتب عن الجماعة بالصحف التونسية بل عينات معبرة من صحف مختلفة المشارب والتوجهات الوطنية وممتدة على فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى مطلع الاستقلال. وهي تعكس حضور الجماعة لدى الرأي العام التونسي والنظرة الإيجابية الغالبة  التي كانت تحظى بها لدى التونسيين.
وسعى بعض التونسيين للتدخل لدى السلطة المصرية لصالح الإخوان سواء قبل الاستقلال أو بعده. فقد سعت جمعية الشبان المسلمين إلى إيقاف حكم الإعدام في حق عدد من عناصر الإخوان المسلمين. ففي اجتماع عقدته لتكريم أحد أبنائها العائد مجازا في الفلسفة من مصر وهو محيي الدين عزوز اقترح الصحبي فرحات، وهو بدوره أحد قيادات الجمعية ومن عناصر الحزب الحر الدستوري جناح اللجنة التنفيذية (المعروف بالقديم)، إرسال برقية إلى مصر ضد إصدار حكم الإعدام في جلسة المحكمة المقرر انعقادها من الغد (04/12/1954)، وعدم تنفيذه إن صدر . وتبنى الحاضرون القرار. وفعلا أصدرت الجمعية تلك البرقية . وعندما زار الشيخ أحمد الباقوري (وهو أحد قدماء الإخوان انسحب عند المواجهة مع النظام المصري) جمعية الشبان المسلمين (سنة 1955) عبر له الشيخ محمد الصالح النيفر (رئيس جمعية الشبان المسلمين) عن رفضه مصافحته لتلطخ يده بدماء الإخوان.
بعد الاستقلال لم تتنكر السلطة الجديدة برئاسة بورقيبة لجميل الإخوان في دعم الوطنيين. وتدعم ذلك بانخراط السلطة المصرية في الصراع البورقيبي اليوسفي. ومن بين ما يمكن ذكره في هذا السياق لجوء عدد من قيادات الإخوان مثل يوسف ندى بعد أن قضى قرابة السنتين من السجن (1954 - 1956) وهروبه من تضييقات الحكم الناصري وحصوله على الجنسية التونسية وجواز سفر تونسي بأمر من بورقيبة. كما حفظت مذكرات الإخواني المصري توفيق الشاوي جملة من الوقائع عن علاقته بالرئيس بورقيبة والتي استندت إلى ما قدمه الإخوان وهو شخصيا للحركة الوطنية التونسية من خدمات أثناء مرحلة الكفاح الوطني. وقد جمع الصحفي لطفي الحيدوري من بين مذكرات الرجل عددا من الوقائع في هذا الإطار نوردها فيما يلي:

•         دعوة توفيق الشاوي لتونس سنة 1960 ليحضر خطبة بورقيبة من على منبر جامع عقبة التي دعا فيها إلى الإفطار في رمضان. وكان بورقيبة ينتظر سندا من الزعيم الإخواني لاجتهاده، فلم يجده، ولم يصادمه الشاوي.

•         تضامن الحزب الاشتراكي الدستوري مع الإخوان المسلمين خلال محاكماتهم سنة 1966 ودافعت عنهم وسائل الإعلام التونسية ومجلس النواب.

•         رسالة من الاتحاد القومي النسائي التونسي برئاسة راضية الحداد تندد بإعدام قطب.

•         رسالة وجهها مفتي الجمهورية التونسية الفاضل ابن عاشور إلى جمال عبد الناصر. ولم يتحرج ابن عاشور أن يتحدث في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء إثر تنفيذ حكم الإعدام في قطب، عن علاقته الشخصية بالرجل فقال: ”كان رجلا سامي القيمة متعدد نواحي العظمة، فهو زيادة على كونه مجاهدا كاملا في قضية الإسلام، كان إلى جانب ذلك شاعرا وكاتبا خياليا وقصصيا وناقدا أدبيا وحكيما إسلاميا وباحثا في الثقافة والاجتماع (…) وإنّي اعتدّ بالفقيد سيد قطب صديقا تربطني به صلات شخصية، زيادة على الاعتداد به مفكرا من مفكري الإسلام”.

•         نشر مجلة الفكر بإدارة الوزيرين السابقين محمد مزالي والبشير بن سلامة في عدد أكتوبر 1966 رسالة سيد قطب من سجنه إلى شقيقته، وقدّمت للنصّ على النحو الآتي: “الرجل صريع من أجل مبادئه وعقيدته.. إنّها شهادة إنسان في شؤون الإنسان الوجودية ودليل على الرجل يتمسك بما يعتقد فيناله العذاب والسجن.. فما بالك اليوم والرجل يستشهد من أجل ما يراه الحق ولا يفزع من الموت من فرط إيمانه”.

 

الخاتمة
في ختام هذا المقال، لا يمكن إلا أن نتساءل عن الانزلاق من هذا التضامن المتبادل بين التونسيين والإخوان المسلمين إلى العداء المستجد والذي استفحل أكثر في المرحلة الحالية.
ما دور القوى المتطرفة داخل الحزب الحاكم وعلى رأسهم الراحل محمد الصياح (الذي استورد على ما يشاع عبارة الخوانجية الناصرية لوصم الإسلاميين) في هذا الانزلاق؟
هل يتحمل الإسلاميون أنفسهم مسؤولية في ذلك بتحولهم إلى معارضة سياسية تتبني الفكر الإخواني؟
ما دور القوى الإقليمية والدولية المناهضة للإخوان في تغذية هذا العداء المستجد لهم لدى التونسيين؟
وفي كل الأحوال نختم بإشارة ذكية للصحفي لطفي الحيدوري يذكر فيها أن بورقيبة ذاته لم يذكر في حياته الإخوان بسوء. وأنه حافظ على علاقاته بقياداتهم مثل توفيق الشاوي الذي حاول التوسط للإسلاميين التونسيين لديه. ويذكر أن بورقيبة لم يكن يربط بينهم وبين الإخوان بل يعتبرهم امتدادا للزيتونيين الذين لا يحتفظ لهم بذكرى جيدة سواء قبل الاستقلال أو بعد انخراطهم إلى جانب صالح بن يوسف. بل إنه اعتبر الإخوان المصريين متنورين مقارنة بإسلاميي تونس الذين يراهم رجعيين. إن هذا الإنكار لأي علاقة بين إسلاميي تونس والإخوان المسلمين المصريين هو في حد ذاته وفاء لذكراهم وحفظ لجميل خدماتهم للقضية الوطنية. وهو مدعاة لمن يجيرون ذكرى الرجل في معركتهم الداخلية ويستدعون صراعا إقليميا يصم الإخوان بالإرهاب إلى مراجعة سلوكهم احتراما لذكراه، إن كانوا يعيرون اهتماما بذكراه.

الدكتور عبد الرحمان الهذلي ( باحث تونسي)
المراجع:
موسوعة الإخوان المسلمين:

https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=الصفحة_الرئيسية

مناصرية (يوسف)، الحزب الحر الدستوري، 1920-1934، دار الغرب الإسلامي،

نويرة (الحبيب)، ذكريات عصفت بي، دار سيراس للنشر، 1992، 333 صفحة.

الهذلي (عبد الرحمن)، جمعية الشبان المسلمين بتونس 1936 – 1959، أطروحة دكتوراه، كلية العلوم الإنسانية (9 أفريل)، 2017.

النيفر (أروى)، من رواد الصحوة الإسلامية في الجزائر وتونس: الشيخ محمد الصالح النيفر، دار الرسالة، 2007.

الشاوي (توفيق محمد)، مذكرات نصف قرن من العمل الإسلامي، 1945 – 1995، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1998.

الهوامش

[1] "جماعة شباب محمد"، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. http://www.anhri.net/reports/islamic-map/map/07.shtml.

2 https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=تاريخ_الإخوان_في_تونس

3 https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=تاريخ_الإخوان_في_تونس

وأصدر المؤتمر بالإجماع القرارات الآتية:

أولاً: إن المأساة المؤلمة التي ترتكبها فرنسا في هذه الأيام في بلاد إفريقيا الشمالية الشقيقة: تونس والجزائر ومراكش بمختلف وسائل الإرهاب من قتل وسجن وتجويع، وبالحصار الذي ضربته على هذه البلاد حتى تنفذ كارثة إدماجها في فرنسا رغم إرادتها -في غيبة عن العالم المتمدين- مما يخالف أصول الإنسانية المجردة، فضلاً عن قوانين العدالة فيها، لذلك نستنكر -باسم الشعوب العربية والإسلامية وباسم الضمير الإنساني- هذا التصرف الوحشي، ونطلب من الدول العربية والدول المتحالفة التي زودت فرنسا بالأسلحة التي تستعملها الآن في هذا الإرهاب أن تتدخل سريعًا لإيقاف هذه السياسة الهمجية التي أثارت نفوس النواب الفرنسيين أنفسهم، ونددوا بها في جلسات الجمعية الاستشارية الأخيرة.

ثانيًا: مطالبة الحكومات العربية والديمقراطية بالعمل السريع على إنقاذ أرواح المحكوم عليهم بالإعدام، وإعادة المبعدين والمنفيين، وإطلاق سراح المسجونين من زعماء تلك البلاد، وكذلك إرسال لجان تحقيق دولية للكشف عن الفظائع التي ارتكبها الفرنسيون المستعمرون في تلك البلاد.

ثالثًا: العمل على إيفاد بعثة تمثل الهيئات العربية الممثلة في هذا المؤتمر للإعراب عن توثيق روابط الأخوة بين تلك الأقطار وبين الشعب المصري.

رابعًا: مطالبة الحكومة المصرية وجمعية الهلال الأحمر ومبرة محمد علي بإرسال بعثات طبية لإنقاذ منكوبي الثورة الأخيرة في الجزائر، وكذلك إيفاد بعثة طبية على نفقة الهيئات الممثلة في هذا المؤتمر.

خامسًا: تأييد إخواننا العرب في مراكش والجزائر وتونس في مطالبهم، وهي الاستقلال التام لهذه الأقطار، وانضمامها للجامعة العربية بناء على حقها الطبيعي في تقرير المصير.

سادسا: مطالبة الحكومات العربية والديمقراطية بالاعتراف باستقلال هذه الأقطار ومساعدتها فعليًا في تحقيق حريتها واستقلالها، وشكر الصحافة العربية على اهتمامها بهذه الأقطار، مع رجاء زيادة العناية بقضيتها وتنبيه العالم إلى حقوقها.

سابعا: العمل على عقد مؤتمر عام للدعاية لقضية هذه البلاد، وإطلاع العالم على حقيقتها، وتكوين لجنة لتنفيذ هذه القرارات، والتمهيد لهذا المؤتمر وإعداد برامجه.

4 https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=تاريخ_الإخوان_في_تونس.

5 "القاهرة"، الأسبوع، 12/09/1948، ص 5.

6 الشابي (أنس)، "عن الزيتونيين وجماعة الإخوان المسلمين مجدّدا (2/2)"، جريدة الصريح، 16 سبتمبر 2016؛ شهادة أحمد القديدي على صفحته الخاصة بفايسبوك بتاريخ 28/04/2020،
https://www.facebook.com/ahmed.kedidi.31/posts/279617586374705).

7 الحيدوري (لطفي)، بورقيبة والإخوان: حقائق أنكرها مريدوه وخصومه https://tadwinet.net/2018/05/01/بورقيبة-والإخوان/).

8 الحيدوري (لطفي)، بورقيبة والإخوان: حقائق أنكرها مريدوه وخصومه https://tadwinet.net/2018/05/01/بورقيبة-والإخوان/).

[1] http://www.mawsouaa.tn/wiki/محمد_محيي_الدين_القليبي#.D8.B1.D8.AD.D9.84.D8.AA.D9.87_.D8.A7.D9.84.D8.A3.D9.88.D9.84.D9.89_.D8.A5.D9.84.D9.89_.D8.A7.D9.84.D8.B4.D8.B1.D9.82

[1] https://www.ikhwanwiki.com/index.php?title=محيي_الدين_القليبي

9 البنا (حسن)، "الأم أستاذ العالم"، مجلة الشبان المسلمين عدد3، ماي 1947، ص 10. وتضمن المقتطف الفقرة التالية: «الأم أستاذ العالم. والمرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها. فلأجل أن نصلح الرجل يجب أن نصلح المنزل. ولا نصلح المنزل إلا متى أصلحنا الأم التي هي روحه وقوامه. وحري بمن يطرق سمعه لأول مرة تلك الأغاني الخليعة والترنيمات الغثة التي يداعب بها أمهات العصر أبناءهن أن ينشأ ماجنا خليعا فاتر الهمة ضعيف النفس».

10 الحيدوري (لطفي)، بورقيبة والإخوان: حقائق أنكرها مريدوه وخصومه

https://tadwinet.net/2018/05/01/بورقيبة-والإخوان/).

11 من أبرز ما ورد بتلك الرسالة المطولة نقتطف ما يلي: «... وإنكم لتلاحظون أني متمسك بالقديم وبالكتاب القديم وبالقرآن العظيم... فهو الجديد الذي لا يبلى... ولم يعد اليوم بعد أن انتشر العلم والثقافة من يتمسك بالقديم من غير حجة إذ من غير المقبول أن ينكر الناكر ما لاقاه من الجاهلين أمثال المرحومين الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده. أما الآن... [فـ]إن العقلاء المجددين قليل فلم نر مصابيح تلمع إلا الفينة بعد الفينة وإنه ليعجبني المرحوم حسن البنا فأمثال هؤلاء الرجال إن عدوا من المجددين كان لكم ذلك ...».

12 "موت بطل"، الأسبوع، 28/02/1949، ص 5+6.

13 "الجمعية الخلدونية، معهد البحوث الإسلامية"، الزهرة، 07/05/1951.

14 "الإخوان المسلمون فكرة لن تموت"، الزهرة، 07/05/1951.

15 "صورة كتاب: "الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة تأليف الدكتور إسحاق موسى الحسيني"، الزهرة، 24/08/1952. وكان مرفقا بدعاية أبرز ما شد انتباهنا فيها: «هذا كتاب جميل الطبع غزير المادة يكشف لك الأسرار التي من أجلها تكونت جمعية "الإخوان المسلمون"...». وكلمة الأسرار لوحدها توحي بما يحيط بها من غموض لدى الرأي العام التونسي وما بلغه اهتمامه بها لمتابعتها.

16 "الإخوان المسلمون يطلبون"، الزهرة، 24/08/1952؛ "الإخوان المسلمون ينتخبون مرشدهم العام والمجلس الإداري لجمعيتهم الموقرة"، الزهرة، 25/09/1952.

17 الزهرة، 25/09/1952.

18 "الإخوان المسلمون"، الزيتونة، 13/12/1953.

19 "تنفيذ حكم الإعدام على الإخوان المسلمين"، الزهرة، 19/12/1954. وقد كانت فاتحة المقال على النحو التالي: «لقد كانت الساحة الممتدة حوالي وأمام سجن القاهرة ساكنة وتكتنفها الكآبة وتتخللها أشباح الوحشة وهياكل الحزن ويرقص في عرصاتها غول الفناء والموت الزؤام...». ومما نقلته الجريدة كلمة عبد القادر عودة: «إني أحمد الله الذي منحني الشهادة. وإن دمي سيظهر على الثورة وسيكون سببا في نزول الغضب عليها».

20 "محاكمة الإخوان المسلمين بمصر"، الزهرة، 31/12/1954.

21 الأستاذ سيد قطب، "نحو مجتمع إسلامي"، الزيتونة، 08/02/1956.

22 استعملنا هنا كلمة الغالبة إذ لاحظنا في بعض الحالات اعتماد الصحف للبلاغات الرسمية للداخلية المصرية آخر سنة 1954. بينما تتميز المقالات التي يكتبها التونسيون وأحيانا بصفة متزامنة مع تلك البلاغات أي في نفس الأعداد بمسحة منحازة للجماعة.

23 "تكريم الأستاذ محيي الدين عزوز"، الصباح، 10/12/1954، ص 03.

24 "جمعية الشبان المسلمين، برقية إلى مصر"، الزهرة، 08/12/1954، وكان نص البرقية كما يلي: «جمال عبد الناصر، القاهرة، مصر. رجاؤنا ألا يسجل التاريخ على مصر حكما بالإعدام على الإخوان المسلمين ولا يسجل تنفيذه إن صدر"
. عن جمعية الشبان المسلمين، تونس، الرئيس محمد الصالح النيفر»

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك