القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الهويّة مدخلا للتّعايش و الانتقال الدّيمقراطي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-11-05 13:57:00 | 127 مشاهدة

ملخص:

لا يزال البند الأوّل من الدّستور التّونسي يثير جدلا حتّى بعد الإجماع الحاصل على الإبقاء عليه و إقرار الهويّة العربيّة الإسلاميّة هويّة للتونسيين ... و يتركّز هذا الجدل على معنى التّنصيص على هويّة الدّولة " دينها الإسلام " و تبعاته في مستقبل الحياة السياسيّة ... فهل هناك فرق بين دولة الإسلام دينها و دولة إسلاميّة ؟؟؟ و هل للدّولة دين يؤثّر على أدائها ؟؟؟ أي هل هذا التنصيص على هويّة الدّولة التّونسيّة العربيّة الإسلاميّة في الدّستور مجرّد ملاحظة سوسيولوجية  من باب الشهادة على وضع تاريخي و راهن  يتعلق بما عليه غالبيّة أفراد المجتمع من اعتقاد شخصي و مظاهر ثقافية بالمعنى الانطربلوجي للثقافة ؟؟؟

أم له استتباعاته على مستوى تأسيس أوّل اجتماع سياسي متحرر بعد الثورة على مستوى تحديد النموذج المجتمعي و نمط الدّولة و سياساتها؟ أي هل للبند الأول ترجمة في السياسة ؟؟؟

مقدمة:

إن الإشكال المطروح في هذا الجدل : هل نفصل بين الهويّة ( اللغة والدّين و التّاريخ أهمّ مكوّناتها) و الشّأن العام (  السياسة ) أو نصل بينهما؟ وينقسم التونسيون إلى فريقين يعتبر الأوّل الفصل شرطا للتعايش و الانتقال الدّيمقراطي إذ الهويّة شأن شخصي لأفراد المجتمع تندرج ضمن حريّة الاعتقاد الفردي الذي يجب احترامه وحمايته طالما بقي فرديا فالهويّة إذا هي المشترك المعطّل سياسيا. بينما يرى فريق آخر أنّ الوصل بين الهويّة والشّأن العامّ شرط للتعايش و الانتقال الدّيمقراطي  على اعتبار أنّ الفاعل في الشّأن العام لا يمكن أن ينسلخ عن هويته وهو يمارس الشّأن العام كما أنّ الفصل يتناقض مع مقتضيات البند الأوّل من الدّستور المنصّص على هويّة الدّولة ومرجعيتها العربيّة الإسلاميّة. ونحن نريد في هذا المبحث أن ننأى بأنفسنا بعيدا عن بعيدا عن جدل الوصل والفصل حيث يمكن طرح الإشكال من مدخلين آخرين :

مقومات الهوية ودورها في الانتقال الديمقراطي:

1 ما الذي في الهويّة من عوائق يمكن أن تعرقل ترسيخ مسار الانتقال الدّيمقراطي والتعايش بحيث إذا وُصل بين الهويّة و الشّأن العام وقع تخريب مسار الانتقال الدّيمقراطي والتعايش؟ وإذا فُصل بينهما تحقق خلاص المجتمع وتحقق التعايش والانتقال الديمقراطي؟ وهل هذه العوائق من روح الهويّة وأصولها و مقاصدها التي عبّر عنها منطوق النصّ المؤسس للهويّة وفحواه أم هي من القراءات والتّأويلات التاريخيّة التي تعبّر عن تمثّل من تمثلات الهويّة؟ وهل يمكن تجاوز هذه العوائق من خلال مجهود معرفي نقدي يبدع قراءات أخرى تثوّر هذا المشترك المعطّل وتفعّله لصالح تأسيس سياسي قوامة التعايش؟

2 ما الذي في الهويّة من قيم يمكن أن تساهم في ترسيخ التعايش والانتقال الدّيمقراطي بحيث إذا وصل بين الإسلام و السياسة اقتربنا أكثر من تحقيق التعايش و الانتقال الدّيمقراطي ؟؟؟ و إذا فصل بينهما فوّت على الشّأن العام فرص الاستفادة من حوافز تسرّع نسق الانتقال الدّيمقراطي والتعايش وترسخه في الوعي و الوجدان و التاريخ ؟ وللجواب عن هذين السّؤالين نجد أنفسنا بين سلفيتين أو أصوليتين أو أصلانيّتين الأولى دينيّة متشدّدة والثانية وضعانيّة علمانيّة متطرّفة تختلفان في المرجعيّة ولكنها تتفقان في جملة من آليات التفكير النتائج أهمّها  :

1- انغلاق الهويّة على دلالات محددة : انغلاق يقتضي الالتزام الحرفي بعناوين الهويّة عند السلفيّة  الأولى ويقتضي إقصاء الهويّة بكلّ عناوينها عن الشّأن العامّ عند السلفيّة الثّانية

2 - خطّة فكّ الارتباط لدى كلى السلفيّتين : الأولى مع الحداثة وثقافة العصر والثّانية مع التراث و ثقافة المجتمع

3 - التمثّل الحرفي الانتقائي للنصوص سواء لتكريس الاتّباع أو الانقطاع

4-  عدم التّمييز بين القطيعة المعرفيّة مع التّراث التي تعني استيعاب إشكاليّاته ضمن مقاربة تاريخيّة نقديّة تقوم على قاعدة الحفظ و التجاوز " حفظ الإنساني و نبذ المحلّي "  والانقطاع عن التراث الذي يعني فكّ الارتباط معه دون استيعاب لقضاياه و إشكالياته وهو وضع يحسم الأمر سياسيّا ويبقي الوضع الثقافي للمجتمع على حاله وبين هاتين السلفيتين مسارات رحبة للوسطيّة والتّنوير في السياسة والثقافة وتأويل النصوص واخترنا المدخل الثّاني لمحاولة مقاربة الموضوع ضمن خطة منهجيّة قوامها: ترك المجال للنصوص والمدوّنة التراثيّة لتعبّر عن منطوقها في أدنى درجات التّأويل و بعيدا عن الإنشاء الأدبي الدّعوي السياسوي الحافّ بتلك النّصوص إذ الغاية لدينا إجرائيّة و هي الجواب عن سؤال : ما الذي في الهويّة من قيم يمكن أن تساهم في ترسيخ التعايش و الانتقال الدّيمقراطي ؟؟؟

و يمكن أن نختزل الجواب في جملة من العناوين التي يحتاج كلّ واحد منها لبحث مستقل بذاته

1 الكرامة الآدميّة :

(ولقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البرّ والبحر و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )

 يستفاد من منطوق الآية تكريم الإنسان من حيث هو إنسان أي باعتبار انتمائه إلى الآدميّة التي يشترك فيها جميع البشر ممّا يعني أنّ التّكريم متأصّل فيه ابتداءً قبل أيّ اعتبار آخر ديني أو ثقافي أو عرقي أو جنسي .. والتكريم يعني الحُرمة الذّاتيّة للنفس البشريّة : أي عصمة الدّم و المال و العرض  الحقّ في الأمن على ذاته.

2 الاختـــلاف

 (ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك و لذلك خلقهم)

التعايش في أدبنا السياسي الحديث والمعاصر يقتضي القبول بمبدأ الاختلاف باعتباره مطلبا أخلاقيا سياسيا وحق طبيعي يعكس استعداد الإنسان بطبعه للتميز عن غيره والاختلاف عنه فالإنسان مجبول على الاختلاف ولكنّه ليس مجبولا على احترام المختلف إذ هو بطبعه نزّاع للتسلط من خلال إبراز هويته و طمس هويّة الآخرين، ويرد التنصيص على الاختلاف في المنظومة الدولية للحقوق باعتباره حقا إنسانيا  مكتسبا و مظهرا من مظاهر التطور العقلي والأخلاقي و المدني و الحضاري. في مقابل ذلك يستفاد من هذه الآية و نظيراتها أنّ لدلالات الاختلاف في النصّ المؤسس للهويّة خصوصيّات حيث الاختلاف في منطوق النص المؤسّس ليس غريزة أو حقّا إنسانيا مكتسبا بل هويّة كونيّة أصليّة متجذّرة في أصل الخلق وما الاختلاف في عالم البشر إلا امتداد لذلك المبدأ الذي عليه أو وفقه تأسست هويّة الكون فالاختلاف مقصد قبل الخلق أي ابتداء لا اكتسابا وهو إرادة إلهية و سنّة كونيّة خلقيّة قصديّة ، هو حكمة الخلق ممّا يعني أنّ الاختلاف ليس انحرافا و ليس وضعا تاريخيّا عارضا بل مشيئة إلهية فالاختلاف أسّ الوجود بل الوجود هو الاختلاف أي حركة المختلفين في الزمان و المكان ضمن طاقتهم على الحركة و الفعل.

3 التعــــــارف ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا )

التعارف كما الاختلاف مبدأ قصدي يقوم عليه الخلق حيث الاختلاف دافع للتعارف لا للتنازع إذ التنازع يفضي إلى المماثلة و بالتّالي القضاء على الاختلاف و هو مناقض للمبدأ الذي قام عليه الوجود ، و التعارف أوسع من المثاقفة التي تقتضي تبادل الخبرات والمعارف ... بينما التعارف هو الانخراط في سلوك تفاعلي حيّ قوامه التواصل و الحوار الوجداني و الاجتماعي الإنساني و الثقافي بالمعنى الأنطربولوجي العام للثقافة و هو نتائج التعارف على مستوى توثيق عرى الرّابطة الإنسانيّة أمتن و أدوم و أكثر ضمانا للتعايش  ...   

4 الحريّــــــة ( لا إكراه في الدّين )

أثارت هذه الآية الكثير من الجدل و تشكّل هي و آيات أخرى قطبا دلاليّا يكرّس مبدأ الحريّة الإنسانيّة في اختيار المعتقد و البقاء عليه حيث لا معنى لقبول الأمانة التي عرضت على السّماوات و الأرض فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان بدون معنى الحريّة التي بمقتضاها تأسس الوجود البشري عبر المعصية الأولى التي ميّزت البشر عن الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم بينما جبل الانسان على الحريّة و الاختيار بما ركّب فيه من قدرة ذاتيّة على القبول و الرّفض و الاكتساب ...

وقد أورد الرّازي في سياق تفسيره للآية قوله" لمّا بيّن دلائل التوحيد بياناً شافياً قاطعاً للعذر، قال بعد ذلك : إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك ممّا لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء ، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان ، ونظير هذا قوله تعالى: { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن  وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف : 29 ] وقال في سورة أخرى { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } الشعراء43     

وتجدر الإشارة في هذا السّياق أنّ التنصيص على عدم الإكراه في الآية ورد عامّا حيث دلّ منطوق الآية على عموم عدم الإكراه الذي يشمل عدم الإكراه في الدّخول للدّين والبقاء فيه على حدّ سواء رغم التهديد و الوعيد الأخروي الذي ألحق بهذا السلوك ممّا يحيل على أنّ مسألة الردّة بما تعنيه من عدم البقاء في الدّين بعد الدّخول فيه ليست مسألة مستثناة من منطوق الآية على خلاف ما عليه الأمر في بعض بلدان المسلمين من قوانين زجريّة تجرّم التفكير وتعاقب أصحاب الآراء المخالفة للسّائد بعقوبات تسيء لقيم الإسلام و مقاصده وفلسفته التشريعيّة من قبيل التطليق القسري و سحب الشهادات العلميّة و قطع الأرزاق والنفي و القتل، بينما الردّة التي هي محلّ تجريم أمر آخر أقرب في القوانين الحديثة إلى العصيان المدني المسلّح أو النّزعة الانفصاليّة المسلّحة لفئة من المجتمع تحت عنوان ديني أو عرقي أو قبلي أو جهوي أو طائفي أو مذهبي أو ثقافي أو سياسي متعلّق بالسّلطة ... و قد كانت كلّ هذه العناوين حاضرة في التاريخ الإسلامي لكن تحت الغطاء الدّيني العقائدي لذلك كان لتجريم الردّة أبعادا سياسيّة أكثر منها عقائديّة.  

5 المعاملة   (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) (الدّين المعاملة ) حديث نبوي شريف.

 أساس مشروع الهويّة وفق منطوق الآية أن لا تفاضل بين النّاس في الاجتماع البشري على أساس صحّة المعتقد ومدى التزام الشعائر و الطقوس التعبّدية  بل على أساس حسن المعاملة في ما بينهم ...قد ورد هذا المعنى صريحا في الآية الكريمة " وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ  وقد رأى الرّازي في ذلك  أنّ الله" لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم والحاصل أن عذاب الاستئصال لا ينزل لأجل كون القوم معتقدين للشرك والكفر، بل إنّما ينزل ذلك العذاب إذا أساءوا في المعاملات وسعوا في الإيذاء والظلم. ولهذا قال الفقهاء إن حقوق الله تعالى مبناها على المسامحة والمساهلة. وحقوق العباد مبناها على الضيق والشح. ويُقال في الأثر الملكُ يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم "

 6 الشريعة و المصلحة

الشريعة في التصوّر السّائد هي مجموع العقوبات المغلظة أي القصاص و الحدود ممّا يستتبع أنّ  السياسة الشرعيّة هي تطبيق الشريعة بما يعني إخضاع الناس طوعا أو كرها للقوانين الإلهية المنصوص عليها في الوحي الإلهي. والملف أن ليس هناك في منطوق النص ما يدعم هذا التصور عن الشريعة إذ الشريعة هي منهج حياة يقوم على قيم ومبادئ وسلوكات وأحكام   و تطبيقها يعني أن تكون حياة الناس وفق ما يقتضيه هذا المنهج ، و تقوم الشريعة على ثوابت ومتغيرات وجميعها خاضعة أثناء تنزيلها على أرض الواقع إلى مجهود عقلي في تقدير المصالح والحاجات والمآلات.  وقد أورد ابن قيم الجوزيّة في كتابه "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية أنّ " السياسة الشرعية مدارها العدل، ولو لم ينصّ عليه وحي، ذلك أن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت إمارات الحق وأسفر وجهه بأي طريق كان فثمّة شرع الله ودينه؟ وعرف السياسة بأنها "ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه رسول ولا نزل به وحي، فأي طريق استخرج بها العدل فهي من الدين".كما أورد ابن القيّم في على لسان ابن عقيل في تعريف السّياسة الشّرعيّة ضمن مناظرة بينه و بين أحد فقهاء أهل الحديث أنّها " ما كان من الأفعال بحيث يكون النّاس أقربَ معه إلى الصّلاح وأبعدَ عن الفساد وإن لم يشرّعه الرّسول صلّى الله عليه و سلّم و لا نزل به وحي " و يوجّه ابن عقيل الحديث لمناظره قائلا " فإن أردت بقولك – لا سياسة إلاّ ما وافق الشّرع – أي لم يخالف ما نطق به الشّرع فصحيح و إن أردت ما نطق به الشّرع فغلط و تغليط للصّحابة " ممّا يعني أنّ السياسة الشرعيّة أو تطبيق الشّريعة في الشّأن العام وحياة الناس ليست ما نطق به الشّرق بل وافقه و الموافقة باب واسع من النظر والفهم والتّأويل يحتل كامل المدوّن الأصوليّة .كما أورد ابن القيم في كتاب أعلام الموقّعين عن ربّ العالمين أنّ "الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه " وبستفاد من عديد النًّصوص أنّ العقل شريعة والواقع شريعة والنصّ شريعة أي مصادر للتشريع حيث لله كتابان كتاب تدويني هوالنصّ المكتوب وكتاب تكويني هو النصّ المشهود و كلاهما نصّ مقروء بالعقل. هذا التحليل هو الذي يمكن أن يقود إلى فهم موضوعيّ سليم للآيات التي تجرّم عدم الحكم بما أنزل الله حيث الحكم بما أنزل الله يتوقّف على معنى حرف التّعدية بـ والذي يستفاد من ذلك أنّ المؤمن بمرجعيّة النصّ مكلّف لا بتحصيل حكم الله في ذاته وإنفاذه في الواقع بل بما يقدّر بمقتضى المقاربة والفهم و التّأويل والاجتهاد أنّه الحكم المحقّق لقصد الله والقريب من عدله وحكمته وهي مسألة محلّ نظر اجتهاديّ يختلف باختلاف زوايا النّظر و الأفق المعرفي و مناهج النظر.

7 الشريعة و الحقوق

اختلف الأصوليّون في تعريف الحكم التشريعي بين من طابق و ماهى بين الحكم و الخطاب حيث الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، و بين من فصل بينهما و اعتبر الحكم هو ما يفهم من خطاب الله. وعلى المستوى الإجرائي الموضوعي يتبيّن لنا التّمايز بين الأمر أو النّهي اللغوي الوارد في النصّ و الأمر أو التشريعي الذي عليه مدار التّشريع والإفتاء والتقاضي. فهل  الشريعة هي الأوامر والنواهي المنصوص عليها في منطوق النصّ أم هي ما يتوصّل إليه أهل النّظر من أوضاع تشريعيّة بحسب الجدل الذي يعقدونه بين النص والواقع ضمن قواعد و ضوابط عقلية و أفق مقاصدي يراعي المصالح؟  واقع الحال يؤكد أن الأوامر اللغويّة لا تمثّل أحكاما و قوانين في حدّ ذاتها بل تحتاج إلى مجهود معرفي واسع لنقلها من وضع الأمر اللغوي إلى وضع الأمر التشريعي أي القانون القابل للاعتماد في الشّأن العامّ..مع ضرورة التمييز بين قائمة المحرّمات المنصوص عليها و لكلّ ثقافة محرّماتها و منظومة الأحكام والقوانين المنظّمة لحياة النّاس وللشّأن العامّ والمتعلّقة بمنظومة العقوبات والزّواجر التي تحقّق العدل و الأمن والسّلم. ومحصّل القول أنّ الشريعة في جانب منها وضعيّة أي هي نتاج نظر عقلي في النصوص يراعي المصالح و التاريخ والأعراف و حاجات المجتمع.

8 الدّيني و المدني أو مدنيّة الدّين

انتجت كلّ الثقافات أزواجا دلاليّة تعبّر عن الجدل الدّائر في داخلها و الحراك الفكري النظري و الواقعي العملي الذي شهدته و هي تؤسّس للشّأن العامّ ... و قد أنتجت الثقافة العربيّة الإسلاميّة أزواجها الدّلاليّة من قبيل العقل ونقل/ الحكمة وشريعة/ أهل الرّأي وأهل الحديث / الاجتهاد و التقليد / التجديد والمحافظة / الأصالة والمعاصرة / وكلّ هذه الأزواج التي تعكس جدلا فكريّا وعمليا نشأت داخل جدلية الدين والشّأن العامّ حيث لا فصل بين الدّيني والمدني إذا كان الدين في المدينة وكانت المدينة في الدّين أي أنّ الدّين كان ينظّم شأن المدينة و كان منظوروه أفرادا من المدينة غير منفصلين عن مناشطها المدنيّة وكانت المدينة تساهم في تطوير مسائل الدّين من خلال الحوادث و النّوازل التي تطرأ على نشاطها وتدعو إلى تجديد مسائل الدّين و تطويرها بحيث تراعي مصالح المدينة ونسق تطوّرها ... و في خضمّ هذا النشاط الجدلي التفاعلي بين الديني والمدني لم ينشأ زوج دلالي قائم على التقابل بين الدّيني والمدني أو الدّيني و السياسي، إذ هذا الزّوج الدّلالي نشأ ضمن مسارات ثقافية أخرى لها سياقاتها و ملابساتها الخاصّة.

خاتمة     

إنّ الخلاف الجوهري اليوم ليس بين الدين والمدينة أو الدّيني والمدني  بل بين قراءة للدين تساهم في صلاح المدينة و الانتصار للمدنيّة بما تعنيه من  ترسيخ للحسّ المدني وقيم المواطنة والتعايش والحريات العامّة والأساسيّة والمعارف العقلانيّة، وقراءة أخرى تساهم في تخريب المدينة وتدمير إعماؤها المادي والمعنوي والقيمي والرّوحي، وفي تقديرنا أنّ كلى السّلفيّتين أوالأصوليتين الدّينيّة الحرفيّة المتشدّة واللائكية اليعقوبيّة المتطرّفة تكرّسان قراءة للدين تفضي إلى خراب العمران و تكريس الاستبداد السياسي و الإرهاب الفكري. وبينهما مسارات للمدنيّة  تستثمر أفضل ما في ثقافة الذّات التّونسيّة الرّاهنة من قيم تراثيّة أصيلة لها راهنيّتها وأفضل ما في الروافد الثقافية المعاصرة من قيم كونيّة إنسانيّة.

سامي براهم ( باحث في الحضارة)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك