القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

المصالح الروسية في ليبيا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-04-10 15:03:00 | 468 مشاهدة

                  مقدمة:

إن موقع ليبيا الاستراتيجي، والثروة النفطية الهائلة التي تزخر بها ، يجعلها في محل اهتمام كل الدول الكبرى، والقوى الصاعدة، المصالح السياسية والاقتصادية في عالم مضطرب تفرض نفسها، وروسيا لديها مصالح في ليبيا ولا يمكن أن تفرط فيها، وهي مصالح تضع روسيا دائما في حالة صدام مع الدول الغربية، في لعبة السياسة الدولية والمصالح،  لا نتوقع أن يكون هناك توافق في المواقف والرؤى  أو تعاون بين روسيا والغرب تجاه ليبيا ، خاصة في ظل كل المؤشرات التي تنبئ بعودة الحرب الباردة بين روسيا والغرب، وسيكون السؤال المهم .. كيف ستدافع روسيا عن مصالحها في ليبيا، ما هي السياسة التي سوف تتبعها في مواجهة الدول الغربية التي تهيمن على الملف الليبي ؟.  على الرغم من  أن ليبيا تعتبر الاتحاد ألأوروبي هو الشريك الاقتصادي الرئيسي  لها ، حيث يبدو ذلك واضحا من خلال حجم التبادل التجاري بين ليبيا ودول الاتحاد ألأوروبي، إلا انه هناك علاقات اقتصادية بين  ليبيا وروسيا ومبادلات تجارية تمثل بعد اقتصادي مهم وله تأثير في رسم سياسة روسيا تجاه ليبيا .

1 / تطور العلاقات الروسية الليبية:

مرت العلاقات الاقتصادية الليبية الروسية بمراحل صعود وهبوط ، وبذلت موسكو في عهد الرئيس بوتين منذ عام 2000م جهودا كبيرة لتطوير العلاقات مع ليبيا. ولم يتسن حل جميع المشاكل التي تشوب العلاقات بين البلدين إلا بعد زيارة الرئيس الروسي آنذاك بوتين إلى العاصمة الليبية  طرابلس في أبريل  2008م ، وشطب الديون المستحقة لروسيا على ليبيا والبالغة 4.6 مليار  دولار مقابل عقود اقتصادية جديدة مربحة للشركات الروسية قيمتها عدة مليارات في مجالات الطاقة والسكك الحديدية والاستثمار. فقد وقعت شركة سكك الحديد الروسية مع ليبيا عقدا لبناء خط جديد في ليبيا بين سرت وبنغازي بطول 500 كلم،  كما وُقعت مذكرة للتعاون بين شركتي غاز بروم الروسية وشركة النفط والغاز الوطنية الليبية. وتسعى روسيا دائما للحصول على عقود الطاقة السخية في ليبيا التي توجد بها أكبر احتياطيات النفط في أفريقيا ، وتبدي شركة غاز بروم الروسية للغاز العملاقة والمملوكة للدولة اهتماما بالمشاركة في بناء خط أنابيب جديد للغاز يربط ليبيا بأوروبا. وبلغ حجم التعاون الاقتصادي والتجاري الليبي الروسي في الفترة من 1970– 1980 حوالي مليار دولار، أقامت روسيا فيها عددا من المشاريع في ليبيا منها مركز للبحوث الذرية وخطان لنقل الطاقة الكهربائية وخط أنابيب الغاز،  كما جرى حفر حوالي 1340 بئرا لاستخراج النفط.  وفي الفترة ما بين 1997–2001 عقدت في عاصمتي البلدين على التوالي خمس دورات للجنة الليبية الروسية للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتقني،  ووقعت في ختامها اتفاقيات التعاون في مجال الوقود وصناعة الطاقة وحول التعاون بين غرفتي التجارة والصناعة في البلدين. وتم الاتفاق مبدئيا على مشاركة المؤسسات الروسية في تنفيذ المشاريع الكبرى في ليبيا في مجال الطاقة والاتصالات والنقل والزراعة واستخراج النفط والغاز ومد أنابيب الغاز ومشاريع البنية الأساسية. وفازت شركة غاز بروم في مناقصة استثمار أحد قطاعات النفط والغاز في ليبيا ، وفي أبريل عام 2007م  تشكل مجلس الأعمال الليبي الروسي، وعقد في العاصمة الليبية طرابلس المنتدى الليبي الروسي "إمكانات روسيا في مجال التصدير. وبلغ حجم التبادل التجاري الروسي الليبي في عام 2006م ما قيمته 130 مليون دولار، ارتفع إلى 231 مليون دولار في عام 2007م، الغالب الأعم منها صادرات روسية تتألف من الوقود المعدني والحبوب والماكينات والمعدات ووسائل النقل. وفي أكتوبر عام 2018م أكد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط  مصطفى صنع الله  بأن  حجم التبادل التجاري بين المؤسسة والشركات الروسية خلال العشر سنوات الماضية بلغ قرابة 11مليار دولار.  وأضاف صنع الله في تصريحات لقناة روسيا اليوم :" أن ليبيا تسعى لإعادة الشركات الروسية وتعول عليها في دعم استقرار البلاد،  إن طرابلس لديها القدرة على المحافظة على معدلات الإنتاج الحالية وزيادتها إذا توفرت الظروف الأمنية.   كما أن الدولة الليبية لديها مصالح اقتصادية في روسيا.

تحت عنوان " الليبيون جاؤوا من أجل القمح ". كتبت ماريانا بيلينكايا  في "كوميرسانت" حول آمال ليبية بتنشيط العلاقات الاقتصادية مع روسيا، والاستغناء عن الوسطاء في شراء القمح الروسي.  وجاء في المقال:" يجري وفد ليبي برئاسة وزير الاقتصاد والصناعة في حكومة الوفاق الوطني محادثات في موسكو حول آفاق التعاون التجاري والاقتصادي ". وجاء في المقال أيضا:"حاليا، المشاريع الروسية الرئيسية في ليبيا، المتعلقة بإنتاج النفط والبناء، معلقة. ولم يتجاوز حجم التجارة في عام 2016م، من  2من يناير إلى نوفمبر 131.8 مليون دولار، هنا الحديث يدور فقط عن صادرات روسية إلى ليبيا. وعلى سبيل المقارنة، تجاوزت صادرات إيطاليا إلى ليبيا في عام 2016م  مليار دولار، وبلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 3 مليارات دولار، كما أن أكبر خمسة مستوردين من ليبيا، إلى جانب إيطاليا، الصين وتركيا وكوريا الجنوبية والإمارات العربية المتحدة. تذهب الصادرات الليبية الرئيسية إلى الإمارات وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وفرنسا. وأضافت ماريانا بقولها : " الغرض من زيارة الوفد الليبي إلى موسكو هو الاتفاق على إمداد ليبيا بالمنتجات الزراعية، خاصة القمح والشعير والذرة ، كما يأمل الليبيون في جذب الشركات الروسية للمشاركة في مشاريع البنية التحتية المتعلقة بترميم صوامع الحبوب في طرابلس ومصراته  الآن، 70٪ من حبوب ليبيا تأتي من روسيا، لكن ليس بشكل مباشر، إنما عبر تركيا ومصر. لماذا لا نقيم اتصالات مباشرة، خاصة أن دولا أخرى تعمل بنشاط على تطوير اتصالاتها مع ليبيا الآن؟" تساءل المدير العام لبيت التجارة الروسي الليبي أليكسي بوتيمكين. وفي مقابلة مع "كوميرسانت " ، قال إن إمكانية توقيع مذكرة تعاون بين وزارة الاقتصاد والصناعة الليبية ووزارة الزراعة الروسية نوقشت أيضا خلال المحادثات.

وفي الوقت نفسه، ذكرت وزارة الخارجية الروسية أن المحادثات شملت "آفاق استنهاض وتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية الروسية الليبية مع استقرار الوضع السياسي الداخلي في ليبيا". كما أن الصحافة الايطالية كانت تراقب وتتابع السياسة الروسية تجاه ليبيا ،  والعلاقات الاقتصادية بين ليبيا وروسيا ، حيث  تطرقت الصحيفة الإيطالية إيل بوست، وهي صحيفة إلكترونية يومية  تهتم بالشأن السياسي والاقتصادي والجيو سياسي والثقافي ،   إلى تنامي الدور الروسي في ليبيا  التي تشهد منذ سقوط نظام معمر القذافي حالة من الفوضى والانقسام السياسي، مشيرة إلى الأسباب التي جعلت موسكو تركز في الآونة الأخيرة اهتمامها بالشأن الليبي .  وأوضحت الصحيفة الايطالية بان  روسيا تسعى إلى تعزيز مصالحها في هذا البلد الغني بالنفط ، فضلا عما لديه من موقع جغرافي هام، من خلال دعم أحد الأطراف الرئيسيين في الصراع، وهو خليفة حفتروأشارت الصحيفة إلى أن توجه روسيا إلى ليبيا  يعود إلى أسباب تتعلق بالمصالح الاقتصادية، ولكن قبل كل شيء بدافع رغبة موسكو في العودة كقوة عظمى، واستعادة المساحات التي كانت لديها قبل سقوط جدار برلينوذكرت الصحيفة بان المصالح الاقتصادية الروسية في ليبيا تتعلق بالنفط وبيع الأسلحة، وقد وقعت شركة النفط الروسية روسنفت اتفاقات مع المؤسسة الوطنية للنفط، هذه الاتفاقات ليس لها أهمية كبرى من وجهة نظر طاقية بحتة، نظرا لأن ليبيا غير قادرة على استغلال مواردها بالشكل الكافي، جراء حالة الفوضى والحرب، لكن لها في نفس الوقت قيمة إستراتيجية كبرى.   

2 / الصراع الدولي على  ليبيا بين  روسيا والغرب

إن نظرة متمعنة وبواقعية لما يجري من صراع في سوريا والمشرق العربي، تجعلنا على يقين بان حروب النفط والغاز التي تفجرت هناك ، وعدم استقرار العراق رغم مرور أكثر 15 عام على غزوه وإسقاط نظام صدام، والتغول الإيراني على الدول العربية الذي سمح له بان يتمدد ، كل ذلك يجعلنا نرى بوضوح مواقع حروب ومعارك المستقبل، أينما وجد النفط والغاز ، وجدت الصراعات وتفجرت الحروب، إن ما حدث في سوريا  يمكن أن يصل إلى منطقتنا في شمال إفريقيا والمغرب العربي ، ثروات هائلة من النفط والغاز في ليبيا والجزائر، والقرب الجغرافي من أوروبا ميزة إستراتيجية كبرى .

 إن روسيا باعتبارها أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم تمكنت  من فرض عنصر تهديد إضافي على دول غرب أوروبا ودول حلف شمال الأطلسي، بسبب اعتماد تلك الدول على الغاز الروسي، إذ تستورد الدول الأوروبية نحو 80% من الغاز الطبيعي من روسيا لوحدها، عبر خط الأنابيب الشمالي المعروف باسم "نورث ستريم" الذي يربط بين حقول الغاز الطبيعي شمال روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق، فيما تحصل باقي الدول الأوروبية على الغاز الروسي من خلال أنابيب الغاز الممتدة من روسيا وعبر أوكرانيا إلى الدول الأوروبية. سعت الدول الأوروبية إلى تنويع مصادرها للحصول على الغاز الطبيعي، والتقليل من اعتمادها على الغاز الروسي إلى حده الأدنى، لتتحرر من التهديد الروسي بقطع موارد الدول الأوروبية من الغاز الطبيعي في حال وقوع صراع شامل مع روسيا. هذا ما دفع الدول الأوروبية لتترجم  رغبتها بالتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي، بتدشين مشروع لنقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين عبر أذربيجان، وعلى طول امتداد الأراضي التركية مروراً برومانيا وبلغاريا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وذلك بتمويل أوروبي مشترك وبدعم أمريكي، إذ أطلق عليه اسم "خط أنابيب نابوكو".

أدرك الروس بأن تنويع مصادر الغاز الطبيعي والاستغناء عن الغاز الروسي، بات هدفاً استراتيجياً للأوروبيين والأمريكيين، إذ لم يبق أمام الأوروبيين من خيارات سوى الحصول على الغاز الإيراني بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها، والحصول على الغاز القطري الطبيعي عبر مد أنبوب عبر السعودية وربطه بأنبوب الغاز العربي الذي أنشئ في عام 2003م  ليتم نقل الغاز المصري من العريش إلى الأردن وسوريا وربطه بمشروع "نابوكو" لتصدير الغاز إلى أوروبا، والخيار الثاني هو الحصول على الغاز القطري المسال ونقله بالسفن إلى الموانئ الأوروبية.  لقد ردت روسيا على مشروع خط الأنابيب الأوروبي بتدشين خط أنابيب روسي منافس، أطلقت عليه اسم "ساوث ستريم"؛ لنقل الغاز من الحقول الروسية الجنوبية عبر البحر الأسود مروراً بالأراضي البلغارية ورومانيا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وبذلك تكون روسيا قد جعلت مشروع خط الإمدادات الأوروبي "نابوكو" غير ذي جدوى اقتصادية تذكر، وتجاوزت المسافة دون الحاجة لمرور خطوط الغاز عبر الأراضي التركية.  وكان لروسيا رد سريع ومتواز على مشروع خط نابوكو، فوقعت اتفاقية مع كازخستان وتركمانستان لإنشاء خط إمداد على طول ساحل بحر قزوين في مايو عام 2007م يصل الى الأراضي الروسية ، محبطة بذلك الخطط الأوروبية.

لمواجهة الإستراتيجية الأميركية بنت روسيا أيضاً إستراتيجية مضادة طويلة الأمد، تهدف لتطويق الخط الأميركي لنقل غاز قزوين إلى أوروبا عبر تجفيف منابعه وقطع خطوط عبوره جغرافياً، بالاعتماد على ثلاثة محاور (قانونية- اقتصادية- عسكرية) وهي :

القانونية: تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الفولجا، وبناء على ذلك فالقانون الدولي يعطيها الحق بتقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به، ما جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحله في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر.الاقتصادية: في خطوة صنفت في خانةالأسلوب الاحتكاريأقدمت روسيا على شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي ضمان بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، فإضافة إلى كونها تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم حيث تمتلك 47 % وتعتبر المنتج الأكبر لهذه السلعة الإستراتيجية 29 % دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى من معظم حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، فقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل من تركمنستان التي تنتج حالياً نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، مع التزام معلن أنه حتى ولو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو”. وارتبطت أذربيجان مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقع البلدان في حزيران 2009م ، اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من الغاز الأذري، من دون تعهد الأخيرة ببيع الغاز لمشروع نابوكو  إذا وجد فائضا لديها. وأقدمت روسيا كذلك على شراء كامل إنتاج أوزباكستان من الغاز التي تمتلك منه احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب، في عقد طويل الأجل ينتهي في عام 2018موبالتالي فإن محدودية الغاز المتاح للتصدير عبر نابوكو لم يعد يعول عليه مما زاد من الغموض في الجهة التي يعتمد عليها في ملء أنبوب غاز نابوكو.

العسكرية: حرب الخمسة أيام في أوسيتيا الجنوبية 2008م  الخوف الجورجي من العبث مع موسكو بعد تلك التجربة، وضم روسيا لجزيرة القرم عام 2013م  بعد الأزمة الأوكرانية، كانتا رسائل قوة لكافة الدول السوفيتية السابقة وبخاصة الأوراسية منها والتي كانت تعول عليها واشنطن لملء نابوكو. الأمر الذي حدا بدول أوراسيا للاستسلام  للقوة الصلبة  الروسية والدخول معها في اتحاد اقتصادي هو الاتحاد الأوراسي مطلع عام  2015م ، وبذلك يكون بوتين قد قطع الطريق ليس على الطموحات الأوروبية والأمريكية فقط في منطقة قزوين بل وعلى الطموحات الإيرانية للتمدد في تلك المنطقة.  من خلال النظر إلى الصراع في سوريا ، نجد أن التمسك الروسي بنظام الأسد يحقق مكاسب إستراتيجية، تتلخص في قطع الطريق على مشروع نقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر الأراضي السورية، ومنع تركيا من الحصول على أية منافع اقتصادية من مرور الغاز القطري عبر أراضيها إلى أوروبا، كما يسمح بقاء الأسد بوصول الغاز الإيراني إلى الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط، إذ تسعى روسيا لإبرام عقود مع إيران طويلة الأمد، تتمكن من خلالها روسيا من تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا، على غرار العقود التي أبرمتها مع تركمنستان وأذربيجان للحصول على إنتاجها من الغاز بأسعار زهيدة، وإعادة تصديرها بالأسعار العالمية للدول الأوروبية. من جهة أخرى كان حلفاء روسيا في الشرق الأوسط يتحركون بقوة بالتوازي مع التحركات الروسية ، وقعت إيران اتفاقية مع العراق وسوريا لإنشاء ما أسمته "خط الأنابيب الإسلامي"، يتم من خلاله نقل الغاز الإيراني من ميناء عسلوجة المطل على حقل غاز الشمال، وهو أكبر حقل غاز في العالم، تتقاسمه إيران مع دولة قطر في مياه الخليج العربي، مروراً بالأراضي العراقية ووصولاً إلى سوريا، إذ أكدت إيران بأن "الأنبوب الإسلامي" سيؤمن كمية 20 مليار م3  من الغاز الطبيعي سنوياً للدول الأوروبية، وهو ما لا يملك خط "نابوكو" تأمينه لأوروبا.إن الدور الجيو سياسي لغاز روسيا واستثماراتها في قطاع الطاقة شكّل نفوذًا عالميًا، وصل إلى أوروبا، وشمال إفريقيا (ليبيا، الجزائر) فتخوّف منه المنافسون والمستهلِكون على حدٍ سواء، معتبرين أن الارتهان للغاز الروسي لا يقل تهديداً عن التمدد الجغرافي أو التهديد العسكري ، هناك مشروعات روسية لمد خط من نيجيريا إلى النيجر ثم الجزائر ومنها إلى أوروبا، كما قامت شركة غاز بروم الروسية بالاستحواذ على نصف حصة شركة إيني الإيطالية  في  ليبيا، وبدأت بالاستثمار في السودان.كل ذلك ينذر بحروب غاز جديدة في شمال إفريقيا على غرار ما يجري في المشرق العربي ، وليبيا الغنية بالنفط والغاز ستكون احد أهم ساحات تلك الحروب القادمة.

3 / حروب الغاز: هل سيتكرر السيناريو في ليبيا المضطربة؟

إن استعراضنا لما جرى من حروب وصراعات على موارد واحتياطيات  الغاز في المشرق العربي ، ووقوفنا على كثير من الحقائق ،  يجعلنا نتوقع أن يتكرر نفس السيناريو في ليبيا . أينما وجد الغاز سيكون هناك صراعات بين الدول الكبرى ، وصراعات إقليمية ، وفي حالة ليبيا حيث تعاني الدولة من ضعف السلطة السياسية والانهيار الكبير ، بسبب الانقسام السياسي والصراعات بين الفرقاء الليبيين ، فان هذه الأوضاع ملائمة لان تكون الأرض الليبية ساحة للصراعات والحروب بين الكبار . "للحفاظ على غازنا ونفطنا والبقية الباقية من نفوذنا الإقليمي لا يمكننا انتظار الفيتو الروسي على مشروع الانتخابات الليبية (الفرنسي) في الأمم المتحدة ". صحيفة ilgiornale الإيطالية. تصريحات قوية لصحيفة ايطالية تؤكد بان الصراع على أشده بين ايطاليا وفرنسا على النفوذ والمصالح الاقتصادية في ليبيا ، والغاز هو من أهم دوافع ومحركات  الصراع ، كما أن الصراع من المتوقع أن يأخذ أبعاد أكثر خطورة حين تدخل إلى حلبته أطراف أخرى لديها مصالح .  إن تتبعنا لاكتشافات حقول الغاز  التي تمت في ليبيا ، والاتفاقيات الموقعة بين ليبيا وعدد من الدول الأوروبية ، وكذلك بعض المشروعات الطموحة لنقل الغاز من قلب إفريقيا إلى ساحل البحر المتوسط ثم أوروبا ، كل ذلك يجعلنا نجزم بان حروب الغاز سوف تدق طبولها على الأرض الليبية، وان الضمان الوحيد لمنع اكتواء ليبيا بنيران تلك الحروب هو نجاح العملية السياسية المتعثرة ، وهو أمر صعب في ظل الانقسامات بين الليبيين ، وعدم جدية الدول الكبرى في حل الصراع الليبي . وفي عام 2007م إيطاليا من خلال شركة  إيني   فازت بعقود ضخمة   لاستثمار الغاز بمنطقة  مليته  التي تحوي على مخزون من الغاز يكفي أوروبا لمدة ثلاثين عاما.

 اكتشفت توتال الفرنسية  قبل سنوات حقل الغاز الطبيعي العملاق في ليبيا (NC7) في حوض غدامس، فاشترت توتال من المؤسسة الوطنية للنفط حقوق الامتياز في حقل الغاز بقيمة 140 مليون يورو، ووقع بروتوكول الاتفاق في أغسطس من عام 2009م  رئيس توتال كريستوف دو مارجيري، والرئيس السابق للشركة الوطنية الليبية للنفط شكري غانم،لكن هذا الاتفاق  يعيق اتفاق الشراكة بين توتال و قطر غاز الذي وقع في عام  2006م   بعد أن اشترطت ليبيا عدم دخول شريك ثالث في الاتفاقية. أعلنت غاز بروم بأنها وقعت اتفاقًاً مع نيجيرية صاحبة تاسع أكبر احتياطي من الغاز في العالم، بقيمة 2,5 مليار دولار يهدف إلى بناء مصافي غاز ضخمة جداً، وأنابيب نقل ومحطات توليد طاقة فيها، وذلك بهدف تصدير الغاز نحو أوروبا بواسطة خط أنابيب يمرّ في ليبيا وصولًا إلى أوروبا عبر البحر, و هنا برز صراع من نوع آخر للتحكّم الغاز من خلال التحكّم بمرور أنابيب الغاز العابرة القارّات، وهذه الأنابيب صارت بمثابة الشرايين للعديد من الدول وبخاصة لدول غرب أوروبا. لذلك قامت غاز بروم الروسية بالاستحواذ على نصف حصة شركة إيني  الإيطالية في ليبيا. وكما يقول الفرنسي  ديغول : " إذا أردت أن تعرف حقيقة الموقف الاستراتيجي فعليك بأن  تبسط خرائط الجغرافيا" .

وهنا السؤال المهم .. ماذا تقول خرائط الجغرافيا؟.

إن خرائط الجغرافيا تقول: " إن الأوروبيين وفي ظل استراتيجياتهم للتخلص من التبعية للغاز الروسي ، فإنهم سوف يركزون بشكل كبير على الغاز الليبي ، إن المشروعات القائمة في دول المنطقة لنقل الغاز من إفريقيا الى أوروبا مثل مشروع المغرب ، ومشروعات الغاز الجزائري ،  تؤكد بأنه ثمة سباق وصراع وتنافس بين الدول الكبرى ، اليوم يستأثر الايطاليون بنقل الغاز الليبي من مليتة عبر البحر المتوسط الى ايطاليا ، ولا  احد اليوم يستطيع أن يرسم خرائط الغاز الجديدة في شمال إفريقيا  ومشروعات الأنابيب الناقلة لهذا المصدر النظيف للطاقة بشكل دقيق ، إلا انه من المؤكد بان ما حدث في المشرق العربي من صراع بين روسيا والغرب ، ممكن الحدوث في شمال إفريقيا ، وان ليبيا ستكون إحدى ساحات الصراع الساخنة خاصة في ظل ظروفها السياسية والأمنية ،  مما يجعل أمنها القومي ومسالة وجودها كدولة أمر مهدد ، إلا أن تنجح العملية السياسية وتستعيد الدولة عافيتها ، إن روسيا لن تترك أي فرصة أمامها للاستئثار بالغاز الليبي ، وتطويق أوروبا من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ، وهي لن تنظر بعين الرضا للمشروع المغربي لنقل الغاز من نيجيريا الى أوروبا ، ولن ترحب بأي مشروع لنقل الغاز الى أوروبا ، وستفعل كل ما وسعها لإجهاضه، إن سياسة روسيا لتطويق أوروبا انطلاقا من ليبيا ودول شمال إفريقيا، وان كانت تمثل  تحدي كبير لروسيا خاصة وانه أمامها لكي تفعل ذلك أن تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، إلا أن الحروب والأزمات والصراعات التي تعاني منها ليبيا ودول المنطقة تعطي فرصة سانحة لروسيا بان تستخدم أدواتها كافة من القوة العسكرية إلى أساليب القوة الناعمة حتى تجد لنفسها موطئ قدم في المنطقة، الرهان الحقيقي لإنقاذ ليبيا وجيرانها من حروب الغاز المتوقع أن تشتعل في شمال إفريقيا ، والتي تظهر إرهاصاتها منذ فترة ، هو تضامن ووحدة دول شمال إفريقيا والتزامها باتفاقيات أمنية للدفاع عن وجودها ، وخلق فضاءات للتعاون والشراكة الاقتصادية، هنا  نؤكد بان احد  أهم الطرق من اجل ذلك هو إحياء اتحاد المغرب العربي .

خط أنابيب الغاز العابر للصحراء ويعرف أيضا باسم خط أنابيب الغاز العابر لأفريقيا NIGAL، هو مشروع لإنشاء خط أنابيب غاز طبيعي من نيجريا إلى الجزائر. وتقدر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 10-12 مليارات دولار لخط الأنابيب وثلاثة مليارات لمراكز التجميع. ومن المتوقع أن ينقل حوالي 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا إلى أوروبا من نيجيريا عبر النيجر والجزائر.

 

تم مساء ألأحد  10  يونيو عام  2018م  في الرباط توقيع اتفاق تعاون ضخم لمد أنبوب للغاز عبر غرب إفريقيا وذلك بمناسبة زيارة رسمية لمدة يومين قام  بها الرئيس النيجيري محمد بخاري إلى المغرب، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء المغربية الرسمية.  وأجرى بخاري الذي رافقه وفد كبير في زيارته الرسمية الأولى إلى المملكة محادثات مع العاهل المغربي في القصر الملكي في العاصمة. ووقع الجانبان ليل الأحد ثلاث اتفاقات تعاون أحدها متعلق بأنبوب للغاز سيربط بين البلدين عبر المحيط الأطلسي في غرب إفريقيا.

 ويقوم المشروع على مد خط إلى المغرب من أنبوب للغاز مستخدم منذ عام 2010م  يربط بين نيجيريا وبنين وتوغو وغانا. وشدد مسؤولون من البلدين الأحد على أنه ولأسباب ذات بعد اقتصادي وسياسي وقانوني وأمني وقع الاختيار على المسار المختلط   لخط الأنابيب برا وبحرا.  وتابع المسؤولون بقولهم : "  إن أنبوب الغاز سيمتد على طول يناهز 5660 كم ، وسيتم  تشييده على عدة مراحل ليستجيب للحاجيات المتزايدة للدول التي سيعبر فيها وأوروبا خلال 25 عاما  القادمة".

 

خاتمة:

يمكن القول إن المصالح الروسية في ليبيا لا تقتصر فقط على مبيعات السلاح المنعشة للاقتصاد الروسي ، وأيضا الحصول على نصيب مجزي من عقود وامتيازات النفط الليبي ، لدى روسيا أهداف إستراتيجية ذات صلة بصراعها مع الغرب ومصالحها في ضمان بقاء أوروبا رهينة للغاز الروسي الذي تستورده من روسيا ، إن سيطرة فرنسا أو ايطاليا على ليبيا ، يعني قدرة الأوروبيين على الاستثمار في الغاز الليبي وضخه إلى أوروبا ، وهو أمر إذا ما حدث سوف يقلص من هيمنة الروس على أوروبا في قطاع الطاقة ، لقد رائنا روسيا وهي ترد وبقوة على أي مشروع ضخم لنقل الغاز إلى أوروبا ، مشروع خط نابوكو مثال على ذلك، هذا يدفعنا إلى القول  بان  الصراع على  النفط والغاز بين روسيا والغرب لن  يقتصر على دول المشرق العربي فقط ، وان تأثيره سوف  يمتد الى ليبيا الغنية بالنفط والغاز ، خاصة مع الاكتشافات الجديدة ما بعد عام 2011م والتي ترجح ارتفاع احتياطي ليبيا من الغاز إلى 177 ترليون قدم مكعب .

 

محمد عمران كشادة ( باحث ليبي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك