القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

الاستقلالية مبدأ من المبادئ الدستورية للسلطة المحلية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-02-07 11:22:00 | 743 مشاهدة

 

الملخص:

مبدأ الاستقلالية من المبادئ الدستورية للسلطة المحلية وهو مبدأ كرسه دستور 27 جانفي 2014 . يوضح المقال الجوانب الأساسية التي يعتمدها مبدأ الاستقلالية المنصوص عليها في الدستور من تمكين الجماعة المحلية من الشخصية القانونية المستقلة وتدعيم استقلاليتها الإدارية بإسنادها صلاحيات ذاتية وصلاحيات مشتركة بينها وبين السلطة المركزية وأخرى منقولة  وأيضا تدعيم استقلاليتها المالية من خلال مواردها الذاتية و موارد محالة وأخرى مقترنة بصلاحيات.

المقدمة:

إن مختلف تجارب الانتقال الديمقراطي الحديثة في العالم أثبتت وفق قاسم مشترك موضوعي بينها أن بناء الدولة الديمقراطية يكون من القاعدة إلى القمة وليس العكس بما فرض الحاجة إلى التعويل على الجماعات المحلية في إرساء الديمقراطية. وفي هذا الإطار خيرت تونس بمختلف مكوناتها الحزبية  والسياسية الفاعلة في المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا التنظيم اللامركزي وذلك من خلال توجه نواب المجلس التأسيسي المنتخبين للإبقاء على التنظيم اللامركزية وتفعيل مبادئه وهو ما كان فعلا من خلال تكوين اللجنة التأسيسية للجماعات العمومية والمحلية. وكتنزيل أول لهذا الموضوع  فإن الباب السابع من الدستور،"باب السلطة المحلية "، له تسمية ملفتة للانتباه ،إذ لأول مرة تقع تسمية التنظيم اللامركزي في تونس بهذه التسمية فهي تعكس دلالة كبيرة. فالجماعات المحلية هي السلطة الأقرب  وهي الأرضية الصلبة التي تنبني عليها الديمقراطية وهي الإدارة الأقرب للمواطن واللصيقة باهتمامه وهي أفضل مكان ومجال يمارس فيها المواطن المحلي حقوقه السياسية من المشاركة في القرار وانتخاب ممثليه في المجالس النيابية وهي تكون بذلك خير مدرسة لتعليم مبادئ وقيم الديمقراطية. إن تعدد المبادئ والأفكار التي وردت بالباب السابع من دستور27 جانفي 2014 تطرح نمطا جديدا للامركزية في تونس، ولكن بقراءة كلية للدستور أي من التوطئة وحتى التوقف عند الفصل 14 والذي جاء بباب الأحكام العامة، يقرَ أنه من بين المبادئ العامة التي تقوم عليها الدولة التونسية هي اللامركزية ولكنها في إطار وحدة الدولة. هذه الوحدة ليست ترابية فقط وإنما وحدة قانونية. تعتبر اللاَمركزية جوهر كلَ بناء ديمقراطي، فهي خيار سياسي أساسه وجود مصالح محلية متميزة يتعيَن إدارتها من قبل متساكني الجهة أنفسهم. وتمثَل الجماعات المحليَة اللَبنة الأولى لبناء نظام ديمقراطي تشاركي يفعَل فيه دور المواطن وتعزَز فيه مواطنته. وذلك من خلال تفعيل مبادئ اللاَمركزية لتحقيق سياسة محليَة ووطنيَة رشيدة. ولتفعيل سلطة محلية ذات جدوى وجب تدعيم مبدأ الاستقلالية

1/ تمكين الجماعة المحلية من الشخصية القانونية المستقلة:

تحتلَ الجماعات المحلية مركزا هاما في التنظيم الإداري حيث تقوم بدور فعال في تحقيق مختلف برامج التنمية المحلية. وتتمتع هذه الأخيرة بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، ومن هنا كان لزاما على واضعي دستور 2014 التنصيص والتأكيد على هذه الاستقلالية الإدارية والمالية وعلى الشخصية المعنوية ،وهو ما تبلور في فصول الباب السابع من الدستور من تمكين للجماعة المحلية من الشخصية القانونية المستقلة ومن الاستقلالية الإدارية والمالية. يتحقق استقلال الجماعات المحلية بتشكيل إدارة محلية مستقلة عن السلطات  المركزية تقوم بإدارة الشؤون والمصالح المحلية والإقليمية. والشخصية القانونية كما عرفتها محكمة التعقيب الفرنسية هي "إمكانية التعبير القانوني عن مصالح شرعية تستحق حمايتها قانونيا".هكذا عرفتها محكمة التعقيب الفرنسية. ويمكن أن ننطلق من هذا التعريف لغياب تعريف في التشريع التونسي أو في فقه القضاء، إن الشخصية المعنوية للجماعات المحلية هي الركيزة الأساسية لاستقلالهم والنواة الأولى التي تمتعهم بالذاتية المنفردة، فالبلدية مثلا هي الخلية الأساسية في تنظيم البلد فهي قريبة من المواطنين في حياتهم الاجتماعية بحيث تشكل القاعدة النموذجية للهيكل الإداري وتتمتع بالشخصية المعنوية. ولعل من آثار الاعتراف بالبلدية لكونها شخص معنوي عام، يعني الاعتراف بوجود كيانات قانونية تستقل بموطنها الخاص وبأجهزتها الإدارية وذمتها المالية و مواردها البشرية و تتمتع بأهلية قانونية وأخرى للتقاضي و نائب يعبر عن إرادتها. إن الشخصية المعنوية للجماعات المحلية هي الركيزة الأساسية لاستقلالهم والنواة الأولى التي تمتعهم بالذاتية المنفردة ، فالبلدية مثلا هي الخلية الأساسية في تنظيم البلد فهي قريبة من المواطنين في حياتهم الاجتماعية بحيث تشكل القاعدة النموذجية للهيكل الإداري وتتمتع بالشخصية المعنوية،التي تمثل للجماعات المحلية ركيزة أساسية لاستقلالهم والنواة الأولى  التي تمتعهم بالذاتية المنفردة، فالبلدية مثلا هي الخلية الأساسية في تنظيم البلد، فهي قريبة من المواطنين في حياتهم الاجتماعية بحيث تشكل القاعدة النموذجية للهيكل الإداري. وبشكل عام فإنه لا يمكن أن تتحقق الديمقراطية المحلية دون التنصيص عليها صراحة بدستور البلاد نظرا لطابعه الإلزامي. والتالي كان من الطبيعي أن تكون للجماعات المحلية مكانة هامة في دستور الجمهورية الثانية من خلال التنصيص صراحة  على انتهاج الجمهورية التونسية مبدأ اللامركزية الإدارية كنظيرتها فرنسا، وذلك من خلال الفصل 131 الذي جاء فيه أن اللامركزية تتجسد في جماعات محلية تتكون من بلديات وجهات وأقاليم يغطي كل صنف منها كامل تراب الجمهورية. ثم كان من الإجباري ذكر مقومات هذه اللامركزية من شخصية قانونية واستقلالية مالية وإدارية كما وردت بالفصل 132 من دستور الجمهورية الثانية "تتمتع الجماعات المحلية بالشخصية القانونية" وهو اعتراف دستوري يجعل الجماعات المحلية في وضعية مساءلة ومسؤولية تتحملها بمفردها وتتحمل عواقبها.ومن أهم المكتسبات الجديدة للجماعات المحلية، لتكون لها صبغة مستقلة عن المركز، هو وضع حد للرقابة الخانقة على هذه الجماعات وتقنينها ووضع حدود لها لضمان حرية هذه الهيئات المحلية. ومما سبق يستخلص استقلال أعضاء السلطة اللامركزية عن السلطة المركزية، بمعنى أن يكون ذلك مقررا من المشرع ويخضع لمقتضيات القانون، ولا يراد بذلك الاستقلال الفصل المطلق بين المصالح المحلية ودائرة المصلحة الوطنية . كما لا يراد بذلك الاستقلال جعل كل جماعة محلية في معزل عن الأخرى، وإنما ثمَة صلة تربط تلك الجماعات مع بعضها البعض في إطار مبدأ التعاون والتكامل والتعايش لأنها تمثل في الواقع جزءا من جماعة أوسع نطاقا وهي المجتمع الوطني.

هذا المعطى الدستوري الهام،أي التمتع بالشخصية المعنوية، هو وثيق الارتباط بمعطيين  هما الاستقلالية الإدارية والاستقلالية المالية.

2/تدعيم الاستقلالية الإدارية:

ويرمي الدستور إلى تعديل موازين القوى داخل الدولة بين المستويين المحلي و الوطني من خلال مراجعة العلاقة بين الهياكل المركزية ونظيرتها اللاَمركزية. وقد صنف الفصل 134 من دستور2014 صلاحيات الجماعات المحلية ضمن ثلاث فئات:"صلاحيات ذاتية وصلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية و صلاحيات منقولة منها "،على أن "توزَع الصلاحيات المشتركة والصلاحيات المنقولة استنادا إلى مبدأ التفريع".وهو تعريف ترك المجال للسلطة التشريعية لتقسيم الأدوار، وأعطى هذا الفصل للجماعات المحلية ذاتيَة في نطاق الصلاحيات وكيفية ممارستها سواء بالاعتراف لها بكتلة من الصلاحيات التي تمنح لها مبدئيا وهي الصلاحيات الذاتية أو بقية الصلاحيات  التي سوف نتطرق إليها على التوالي.

أ-الصلاحيات الذاتية:

عند هذه النقطة يجب التأكيد على أن اللامركزية هي تنظيم إداري وليس تنظيم سياسي، يعني أن السلطة المحلية التي سوف تتمتع بها الجماعات العمومية المحلية بأصنافها الثلاث، بلديات وجهات وأقاليم هي سلطة إدارية وليست سلطة سياسية، فالقرار السياسي يبقى قرارا وطنيا والصلاحيات الذاتية هي في مجملها صلاحيات إدارية محلية تحدد حسب خيارات وتوجهات المشرع وحسب ما يفرضه الواقع. وصلاحيات الوحدات الإدارية المحلية لم تحدد بالدستور وإنما تركت لتحدد بقانون مما يعكس أن اللامركزية ستعتبر متوسطة وليست قوية، وتفترض اللامركزية وجود مصالح محلية متميزة ينجرَ عنها إسناداً لشخصية قانونية مستقلة وإقرار لاختصاصات ذاتية. ويمكن أن توزع الاختصاصات على الجماعات المحلية بالشكل الآتي. فبالنسبة للبلديات يمكن أن يسند لها الاختصاصات المتأتية من قربها من المستهدفين أي المواطنين  وأما الجهة فهي الحريصة على التوازن والتكافئ بين مختلف أجزاءها  بما تمثله من إطار للتضامن وكصاحبة الدور التعديلي ،وأما الإقليم فعليه أن يعتني بالتهيئة الترابية وبالتالي التخطيط الإقليمي وبالتنمية الاقتصادية في مختلف المجالات.

ب-صلاحيات مشتركة:

إن الصلاحيات المشتركة التي أقرها الفصل 134 من الدستور الجديد ،وكذلك الصلاحيات المنقولة تخضع إلى مبدأ التفريع. ويعتبر هذا الأخير من الآليات الحديثة المتبعة في الأنظمة اللامركزية،فالإقليم وتبعا لمبدأ التفريع يقوم بما لا يمكن للجهات أن تقوم به، والجهة تتكفل بما لا يمكن إسناده للبلديات  والدولة تمارس الاختصاصات التي لا يمكن إسنادها للجماعات الترابية في مستوياتها الثلاث، أي سيتم تشييد الدولة من القاعدة إلى القمة ويسمح مبدأ التفريع أيضا بتنظيم القدرة على اتخاذ القرارات بشكل سريع وفوري دونما الحاجة إلى انتظار توجيهات وأوامر آتية من المركز.الشيء الذي يجعل الجماعات المحلية قادرة على إغناء نفسها عن طريق اتساع الخبرات مع المكونات المجتمعية الأخرى الفاعلة على المستوى المحلي.وهو بهذا المعنى يطرح بشكل طبيعي تنظيما ترابيا بسيطا وملائما كأحد الشروط المهمة للتنمية المحلية.

ج- صلاحيات منقولة:

تتدعم بما أسماه الفصل134 "الصلاحيات المنقولة إسنادا إلى مبدأ التفريع" والتي تكون في الأصل من اختصاص السلطة المركزية،لكن هذه الأخيرة تنقلها للجماعات المحلية في إطار اللامحورية بمقتضى تفويض بحيث تصبح من قبيل الصلاحيات المحلية الأساسية، وتجدر الإشارة أن كل نقل صلاحيات تكون مرفوقة بما يقابلها من موارد لازمة للاضطلاع بمهمة تسيير المصالح. ويمكن اقتراح بعض الاختصاصات  القابلة للنقل في عدة ميادين و منها مثلا أحداث  وصيانة المدارس ومؤسسات التعليم الأساسي والمستوصفات والمراكز الصحية،انجاز برامج التشجير وتحسين المنتزهات التابعة لنفوذ الجماعة المحلية، حماية و ترميم المواقع التاريخية والتراث الثقافي والحفاظ على المواقع الطبيعية، تكوين المواطنين و الناخبين و توعيتهم بالعمل التشاركي، تكوين الإطارات والموظفين المحليين دوريا. إن الاستقلالية الإدارية التي ضمَنها المشرّع للجماعات المحلية لا يمكن لها أن تكون ذات مكانة أو جدوى إلا باقترانها الاستقلالية المالية وهو ما سيتم إبرازه في العنصر التالي.

3/ تدعيم الاستقلالية المالية:

إن النظر في مالية الجماعات المحلية يمكن أن يعتمد فيه على مبدأين اثنين مختلفين:استقلالية مالية الجماعات العمومية عن مالية الدولة من جهة،ومبدأ ارتباطها بنفس هذه المالية من جهة ثانية. وقد درج الفقه على اعتبار أن لا وجود للاستقلالية المالية إلا إذا توفر شرطان هما أن تكون بحوزة الجماعات المحلية موارد مالية ذاتية كافية لمجابهة النفقات التي تحتمها ممارسة مهامها المختلفة وأن تكون لهذه الجماعات حرية ضبط مواردها ونفقاتها. وقد مثل غياب الاستقلالية المالية للجماعات المحلية في تونس أبرز معوقات التنمية و أحد أهم أسباب التوتر الاجتماعي و السياسي، وعلى الرغم من أهمية الاستقلالية في تدعيم اللامركزية و تكريس الديمقراطية المحلية، فإنها لم تحض باهتمام السلطات التأسيسية المتعاقبة التي لم تقم بتكريسها لا في دستور 1861 ولا في دستور 1959 ، كما تعاملت السلطة السياسية معها طويلا بكثير من التهميش و عدم المبالاة رغم التفاوت الجلي في مستوى النمو بين مختلف الجهات والبلديات واشتداد الفقر والبطالة خاصة في المناطق الريفية داخل البلاد. وبالرغم من ذلك لم يقطع المجلس الوطني التأسيسي عقب الثورة مع سياسة الحذر التي توختها الحكومات السياسية السابقة في تعاملها مع اللامركزية ،فلئن احتوى الدستور على تكريس للاستقلالية المالية للجماعات المحلية ، فإن النقائص التي تشوبها من شأنها أن تقلل من أهميتها في النهوض بالديمقراطية المحلية.  

ويدل تكريس الاستقلال المالي للجماعات المحلية في دستور2014 على جرأة كبيرة من طرف المجلس الوطني التأسيسي رغم النقائص. فهذا المبدأ غاب في دستور 1959 كما أنه غاب في بعض الدساتير الديمقراطية بالرغم من عراقة التجربة اللامركزية فيها، فالدستور الفرنسي مثلا لم ينص صراحة حتى بعد تنقيحه في 28 مارس 2003 بمقتضى القانون الدستوري المتعلق باللامركزية على الاستقلالية المالية للجماعات المحلية على الرغم من تداول استعمال هذا المفهوم من قبل النواب بمناسبة مناقشة القانون الدستوري السابق الذكر. والاستقلالية المالية تتجلى في الموارد الذاتية التي تتوفر عليها الجماعات المحلية،  لكن في ظلَ  الوضع الحالي فإن التوازنات المالية تُخضع إمكانات أخرى مثل الموارد المحالة والموارد الإضافية.

أ-الموارد الذاتية: 

لا بد من التأكيد أنه إذا كان من صلاحيات الجماعات الإدارية المحلية تجميع استخلاص ضرائب الدولة المختلفة في المناطق التي تمارس فيها صلاحياتها تكون اللامركزية قوية، أما إذا اقتصرت صلاحياتها في هذا المجال على استخلاص الضرائب المحلية فتكون اللامركزية متوسطة وإذا لم تمتلك هذه الجماعات أي صلاحيات في استخلاص الضرائب تكون اللامركزية ضعيفة. ومن هنا تكون درجة الاستقلالية المالية مرهونة في القوانين التي ستحفظها فالدستور ترك المجال للمشرع للاجتهاد في تدعيم اللامركزية لكن يبقى هذا رهين الإرادة السياسية، فمن المعلوم أن الجباية في منطقة ما لا تستخلصها الجماعات المحلية لفائدتها وإنما هي لفائدة الدولة وهو ما يجعل موارد هذه الجماعات محدودة ومرهونة.

وأقرَ المشرع في الفصل 135 أن"للجماعات المحلية موارد ذاتية ...وتكون هذه الموارد ملائمة للصلاحيات المسندة إليها قانونا." وهذا التنصيص حمَل الجماعات المحلية مسؤولية تحصيل الموارد المالية. لكن التفاوت الذي تشهده الجماعات المحلية في المداخيل يعود لأسباب طبيعية واقتصادية وسياسية جعل الفرق بينهم شاسعا-بين ثراء في مداخيل جبائية وضعف شديد في الموارد – وهو ما حث واضعي دستور 2014 على إقرار مبدأ التضامن بين الدولة والجماعات المحلية صلب الفصل 136 منه فقد أكد هذا الفصل أن السلطة المركزية تعمل" على بلوغ التكافؤ بين الموارد والأعباء المحلية مع إمكانية تخصيص نسبة من المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطبيعية للنهوض بالتنمية الجهوية على المستوى الوطني." وعموما تساعد اللامركزية المالية على استغلال القدرات المحلية لتلبية الاحتياجات الأساسية، والتقليل من التباينات والفوارق الاقتصادية في ما بين الأقاليم، وتقريب الإدارة من السكان عن طريق خلق هياكل محلية كالبلديات وأجهزة الحكم المحلي.

ب-الموارد المحالة:

 تكون ميزانية الجماعات المحلية حسب الدستور الجديد من ضمن الموارد المحصلة لديها من الموارد المحالة إليها من السلطة المركزية ويمكن اعتبارها أنها"كل الموارد الصادرة عن الدولة والناتجة عن الاعتمادات التي تضعها السلطات المركزية على ذمة الجماعات المحلية ". ونجد في هذه النقطة سكوتا من قبل المشرع عن تحديد سقف الموارد الذاتية اللازمة بالمقارنة مع الموارد المحالة و الحال أن هذه المسألة ضرورية  لضمان فاعلية ونجاح اللامركزية ،إذ يصعب أن تتحقق الاستقلالية المالية إذا كانت نسبة الموارد المحالة في ميزانية الجماعات المحلية عالية جدا مقارنة بالموارد الذاتية. وللتذكير فإن تمويل ميزانية البلديات و المجالس الجهوية بواسطة اعتمادات الدولة متأتية أساسا من الصندوق المشترك للجماعات المحلية ومن صندوق القروض والدعم  شكَل عائقا يحول دون تمتع هذه الجماعات بالاستقلالية.إذ تشكو الجماعات المحلية في تونس من تبعيتها الحقيقية و المفرطة للسلطة المركزية.

ويمكننا الاستئناس بالقانون الفرنسي الذي كرس بمقتضى التنقيح الدستوري المؤرخ في 28 مارس 2003،آليات تهدف إلى تحقيق الاستقلالية المالية و الإدارية للجماعات المحلية، فاعتبر الفصل72-2 من الدستور الفرنسي أن الموارد الذاتية لكل صنف من الجماعات المحلية يجب أن تمثل" نسبة حاسمة" من مجموع مواردها . يعود ضعف الموارد الجبائية للجماعات المحلية لعدة أسباب منها التي تتعلق بالقانون الجبائي ومنها ما يتعلق بالجماعات المحلية. فالقانون الجبائي ذو الطابع المركزي يجعل الجماعات العمومية عاجزة عن تقدير الجباية المحلية، فالسلطة المركزية وحدها قادرة على ذلك خاصة و أنها من العناصر الأساسية لسيادة الدولة. ومن جهة أخرى يرجع ضعف المردود الجبائي للجماعات المحلية في عدم تمكينها من آليات قانونية لمكافحة الغش الجبائي والدي أصبح ثقافة سائدة في المجتمع. إن عدم كفاية موارد الجماعات المحلية يجعلها ملزمة  بأن تلجأ لموارد أخرى خارجية أقرها لها المشرع صلب الفصل 140 وذلك بإمكانية"ربط علاقات خارجية للشراكة و التعاون اللامركزي"وهنا يجب أن نشير إلى أن هذه الآلية موجودة في التنظيم الإداري اللامركزي القديم إذ تبرم البلديات عقود التوأمة بين البلديات  الأخرى خارج التراب الوطني وهو ما ساهم في تمويل عدة مشاريع من الخارج وتتقبَل عدَة هبات  في شكل أموال أو تجهيزات. لكن التقنين الدستوري سيوسع من دائرة هذه العلاقات ولما لا يكون موردا مساعدا على التنمية المحلية في ظل العجز المحلي.

ج-الموارد المقترنة بإحداث ونقل صلاحيات:

يمكن للجماعات المحلية أن تتلقَى، زيادة على الموارد الذاتية و الموارد المحالة بصفة أصلية من الدولة، موارد إضافية وفق صيغ التسوية و التعديل و ذلك حسب الفصل 136 من الدستور، ذلك أن الموارد تهدف إلى تحقيق نوع من التكافؤ بين الجهات والبلديات على مستوى النمو. ويعدَ تكريس التسوية والتعديل أمرا إيجابيا، فهذه الأخيرة هي تقنية ترمي إلى تجاوز الاختلال الحاد في النمو بين الجهات الداخلية والشريط الساحلي وهي بذلك تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية التي من أجلها انتفض الشباب التونسي ولكن رغم أهمية هذه الآلية فإنها تطرح إشكالا نظرا لضبابية مفهومي التسوية والتعديل، ولعلَ النصَ القانوني المحدد للنظام المالي سوف يتضمن توضيحات حول كيفية تطبيقه. إن تنوع تصنيفات هذه الموارد و النظم و الإجراءات التي تتبع كل صنف منها يجب أن يقترن بمبدأ أساسي نص عليه الفصل 137 من الدستور وهو الحوكمة الرشيدة إذ جاء به:"للجماعات المحلية في إطار الميزانية المصادق عليها حرية التصرف في مواردها حسب قاعدة الحوكمة الرشيدة .."وهو مصطلح اقتصادي حديث يتضمن عددا من التعاريف غير المحددة كونه يتداخل في العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وقد عرفه البنك الدولي بأنه الأسلوب الذي تمارس به السلطة إدارة مصادر الدولة الاقتصادية {الموارد المالية} من أجل التنمية .وقد خص المشرع هذا المبدأ بهيئة دستورية مستقلة وهي هيئة الحوكمة الرشيدة و مكافحة الفساد وهي مكلفة ب"تعزيز مبادئ الشفافية و النزاهة والمساءلة".

الخاتمة :

تبقى مشكلة الموارد المالية للجماعات المحلية عائقا هاما لتنفيذ البرامج والإنجازات التي في عهدتها و ليس من الغلو القول أنها العائق الأكبر لتفعيل الخيار اللامركزي .فالاستقلالية المالية من أهم عناصر تكريس مبدأ التدبير الحر المنصوص عليه صلب أحكام باب السلطة المحلية في الدستور.

لكن السلطة التأسيسية عند وضعها الدستور توقّعت هذه الإشكاليات فكرّست لمعالجتها آلية التسوية والتعديل والمتمثلة في تحويل فائض الموارد المالية، إمّا من الميزانية العامة للدولة إلى الجهات والبلديات أو من الجهات والبلديات الغنية إلى الضعيفة منها بناء على مبدأ التضامن على أن تكريس هذا المشروع الطموح والموسّع والمعقّد للامركزية يتطلّب الوقت الطويل لإنجازه.بل من الضروري تجنّب التسرّع في إنفاذه، لأنه يتطلّب تهيئة مناخ سياسي واجتماعي موات، ورصد الموارد البشرية والمالية وخصوصيات الجهات المعنية.

 

منى كريفي باحثة تونسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك