القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

إسلام السّلطة وإسلام الجماعة

مقدّمة

يعيش مجتمعنا قضايا دينية تسارعت خطواتها بعد الثورة وأثارت جدلا فكريا وسياسيا لم يهدأ إلى اليوم ، بدا فيها الناس وكانهم في لحظة تُعيد  تعريف العلاقة مع المفاهيم والمجال وعالم الاشياء والافكار والاشخاص. وتعدّ قضية  التكفير، ومراجعات الحركات الإسلامية وقدرتها على الاندماج في العملية الديمقراطية بالتركيز خاصة  على التجربة التونسية قبل الثورة وبعدها، وقضايا تنظيم الفضاء الديني على ضوء ما عاشته تونس منذ الثورة إلى اليوم من خلافات عميقة وتجاذبات حول هذه المسألة. بالإضافة إلى الفصول التي خصصها المؤلف لطفي الحَجي  للتجديد في الفكر الإسلامي، والبحث عن الصيغ التي تمكن المسلم من أن يعيش تديّنه دون أن يشعر بالتناقض مع عصره.  وتناول الكاتب تلك القضايا ضمن رؤية تعتمد منهج التجديد من داخل النص الديني ودعوة إلى تعقل الاختلاف القائم بين المسلمين والناتج في جوهره عن قراءات مختلف للنص الديني.

إسلام واحد وفُهوم جَمّة 

 على قَدر القرائح والفُهوم يكون التاويل، إذ "لم يختلف المسلمون على مرّ قرون قدر اختلافهم في تفسير إسلامهم. فرغم  تبنّي الخطاب السائد لصيغة التوحيد والجمع كالقول بالرسالة الواحدة، وبمصادر التشريع الواحدة، وبالأمة الإسلامية الواحدة، وبالقبلة الواحدة إلى غير ذلك من مظاهر التوحيد المعلنة، إلا أنّهم يختلفون فيما بينهم وينقسمون مللا ونحلا ويتصارعون بل يتقاتلون بما أضعف جاههم وأذهب ريحهم. وحسب الكاتب، فإن ظاهرة الاختلاف والتقاتل في ديار الإسلام ازدادت تجذرا في السنوات الأخيرة التي شهدت ميلاد حركات تكفيريّة متطرفة تشرّع للقتل، وتتفاخر بارتكاب جرائم تعاقب عليها كل القوانين والشرائع، بل الأخطر من كل ذلك ادعاؤها أنها تقوم في أفعالها على تعاليم الإسلام، ممّا عمق الإرباك في الفهم لدى عامّة المسلمين وزاده غبَشا ، وروّج صورة سوداء للإسلام في البلدان الغربية فبات ينظر إلى الدول الإسلاميّة على أساس أنّها مَعين  التطرف الاول والإرهاب المرتكب باسم الدين. وإذا كانت تلك القضايا انتشرت اليوم على نطاق كبير، بفعل الأسباب التي تعرض لها الكاتب، فإنّها قضايا شغلت مفكري الإسلام منذ زهاء  قرن، منها ما حسم بمبدأ الأمر الواقع وليس بإرادة ذاتية من المؤسّسة الدينيّة، ومنها ما لم يحسم بعد، مما يتسبّب في تمزّق مضاعف للمسلم بين عقيدته وواقعه الجديد ليستفحل لديه الشعور الغربة. و يبقى  الخيط الناظم بين جميع فصول الاثر، كما أورده صاحبه، هو السعي إلى إبراز مأزق فهم الإسلام في دياره فما بالك بغيرها. وهذا المأزق يتضمّن أبعادا مختلفة منها النظري، كما تجسده الكتابات والخطب التي يتمّ ترويجها ، ومنها المرتبط بالحركات السياسيّة المصنّفة في خانة الحركات الإسلاميّة، لأنّ كل ما تمارسه يُردُّ إلى الإسلام، لذلك كلما كانت الممارسات متطرفة وعنيفة، كانت تشويها للإسلام باسم الإسلام نفسه. توزّعت مباحث الكتاب بين هذين البعدين، فالفكر النظري الإسلاميّ المنتشر على نطاق واسع، وتؤطره مؤسّسات رسمية يحتاج إلى تجديد يكون أساسه العقل ومكتسبات العلوم الإنسانية، كما أن الحركات الإسلامية بحاجة بدورها إلى إعادة تصنيف بموضوعيّة  تراعَى فيه الفروق حقنا للدماء، ومزيدا من  الإدماج الديمقراطي لعدد كبير من فصائلها.

 من التكفير إلى المراجعات

 جاء الباب الأوّل من الكتاب تحت عنوان "الإسلام الواحد والأفهام المتعددة " تعرض فيه المؤلف إلى القراءات المختلفة للإسلام رغم وحدة النص. ركز فيه بالخصوص على تجنب منطق الفرقة الناجية عند التعامل مع الإسلام. لأنّ ذلك المنطق هو الذي دفع المسلمين منذ القرن الأوّل للهجرة للتقاتل في ما بينهم،  فكلّ فرقة تعتقد أنّها هي الناجية وغيرها في النار. والمخرج المٌقترح  هو تعقّل تلك الاختلافات باعتبارها أمرا واقعا، لأنّ في تعقّلها يمكن التعايش المشترك والانتقال من أسلوب النفي المعتمد إلى الإقرار بحقّ الاختلاف. وتعرض الباب الثاني إلى"المسألة الديمقراطية في علاقتها بالإسلام" من خلال الغوص في مفاهيم الشورى ومقارنتها بالديمقراطية، ليستنتج أن عددا لا يُستهان به من الدول الإسلامية بقية في مرحلة "قياس الشاهد على الغائب" أي المقارنة بين الديمقراطيّة والشورى مع العجز عن إقامة تجارب ديمقراطية تطور فهم المسلمين للإسلام وتبرزه كقوّة متناغمة مع الديمقراطيّة. وأفرد للباب الثالث عنوان "الإسلام السياسي زمن المراجعات"،  خصّصه لمراجعات الحركات الإسلامية وبالأساس حركة النهضة،  ربط  فيه  في هذا الفصل بين المسائل النظرية والتطورات السياسية التي عاشتها تونس قبل الثورة وبعدها، وخاصة ما عرف بالتعايش الإسلاميّ العلمانيّ أو بالتوافق الحزبي في مرحلة لاحقة. وقد عُدت تلك التجربة التونسيّة في التعايش رائدة في سياق عربيّ إسلاميّ، ولاقت اهتماما كبيرا من الباحثين والسياسيين معا، وخاصة الهيئات الدولية التي قدّمتها كنموذج في التعايش بين المختلفين سياسيا وايديولوجيا. ونجد في هذا الباب معالجة لمسألة القضايا الدينية في الدستور التونسي من خلال النقاشات التي دارت قبل المصادقة على دستور 26 جانفي 2014 ، وأبرزت غَوْرَ الخلاف  القائم بين فئات من التونسيين في تلك المسائل. وقد عالج الكاتب ذلك الخلاف من خلال موقفيْن راجا حينها وأبرزا عمق التناقض القائم بين الطرفين. الموقف الأول كان للكاتب الصحفي ذي التوجهات اليساريّة الهاشمي الطرودي، والثاني للنائب عن حركة النهضة ومقرر الدستور بالمجلس الوطني التأسيسي الحبيب خذر. وتناول المؤلف  في الباب الرابع الذي جاء تحت عنوان " تكفيريون خارج التاريخ" ظاهرة على غاية من الخطورة شغلت التونسيين في السنوات الأولى من الثورة هي ظاهرة التكفير. وتناول هذه الظاهرة من خلال النصوص الدينية ذاتها ومراجع من عُرفوا  بالشباب السلفي التكفيري، ليصل إلى استنتاج أن هذه الظاهرة وافدة على المجتمع التونسي وأنّ  التيارات التكفيرية ، مثل التيّار الوهّابي، استغلت أجواء الحريات السائدة في تونس بعد الثورة، وما عُرف بالانفلات الأمني في الأشهر الاولى من سنة 2011 لتروّج فكرها، وتستلفت  شبابا، به لمعان العزم وفورة الاندفاع ولكن كان امره فُرطا ، مغترا بالمدرسة الظاهرية في التفسير والتاويل. واعتمد الكاتب في استنتاجه بأنّ الفكر التكفيري هو فكر وافد على الساحة التونسيّة اتسمت معه العلاقة بالرفض منذ البداية في  رسالة وجهها علماء الزيتونة إلى "محمد بن عبد الوهاب" يرفضون فيها نزعته التكفيرية الواردة في رسالته التي وجهها إلى الدول الإسلامية في المشرق والمغرب يكفّر فيها صراحة من لم يسيروا على  نهجه في الاصلاح.

قضايا التجديد الاسلامي

خصص  الكاتب لقضايا التجديد الإسلامي  الفصل الخامس،  تطرق فيه الى فكرة محورية تتلخص في سؤال : كيف يمكن للمسلم أن يعيش عصره دون أن يشعر بالتناقض مع معتقداته؟ وجوابا على هذا السؤال المحوري، سعى  إلى تبني منهج وسطيّ بين الدعوة إلى التجديد في قراءة النص الديني وبين حث الصفوة  على الابتعاد عن ظاهرة الاسلاموفوبيا التي انتشرت في أوساط فئة من نخبة عربية تؤمن يقينا أن العلمانية  نقيض الدين. وقد بيّن الكاتب كيف أن العلمانية هي أداة وإطار مؤسساتي لتنظيم الفضاء الديني بعيدا عن كل مظاهر الإلغاء التي يروّج لها دعاة الفهم المغلوط للعلمانية. وتناول الفصل السادس والأخير تجارب عدد من المفكرين العرب الذي سعوا الى تجديد الفكر الإسلامي" ودعَوا إلى القراءات التأويلية المختلفة للفكر الديني من أمثال محمد الطالبي، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد. وقد خصّص هؤلاء المفكرون حياتهم لدعوة المسلمين إلى عدم الاكتفاء بالمدوّنة الفقهيّة القديمة باعتبارها مرجعا وحيدا في قراءة الإسلام. ولحثّهم على ضرورة الانفتاح على التأويل في قراءة النص الديني باعتماد آخر ما توصلت إليه العلوم الإنسانيّة، وبمراعاة الفوارق القائمة بين النص والواقع وضرورة التوفيق بينهما. غير أن هذه التجارب واجهتها المؤسسة الدينيّة الرسميّة بالرفض وبالتكفير، وكان مصير المفكرين الذين تناولهم الكاتب بالدراسة والتحليل كمصير شيوخ أزهريين سابقين حاولوا التجديد من داخل الفضاء الدينيّ منذ ثلاثينات القرن الماضي ، كخالد محمد خالد، وعلي عبد الرازق، وعبد المتعال الصعيدي ، وغيرهم ، فرفضتهم المؤسّسة الدينيّة وهمّشتهم،  فحرمت الأمة من مدارس إسلامية مستنيرة كانت قادرة على أن تقف سدا منيعا أمام كل مظاهر التكفير والتشدّد في الدين. فوحدانية الإسلام لم تمنع تعدد الأفهام وذلك منذ القرن الأول للهجرة. فعوض الارتكاز على مفهوم الفرقة الناجية التي تبذل من الجهد في تدمير غيرها أكثر مما تبذله في تنمية مجتمعها ، علينا أن نتعقل اختلافاتنا، لأنّ تعقّلها وحده يضمن فضاءات العيش المشترك. و تعدّد أبواب الكتاب و فصوله لم تمنع الكاتب من المحافظة على منهجيّة موحدة افضت به الى استنتاجات يقدّمها على أساس أنّها لبّ الكتاب، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

*  لا معنى لفكر، مهما كانت قداسته ، ما لم يطبق في مجتمع يضمن الحريّة والديمقراطيّة. بل إن تلك المفاهيم العصريّة التي لم تعد المجتمعات قادرة على العيش دونها لا بدّ أن تستمدّ منها روح الرسالة الإسلامية.

 * التكفير أخطر ظاهرة عرفتها مجتمعاتنا فعرقلت نهضتها ونموّها وأعاقت تطوير الفكر الإسلاميّ لما تشيعه من ظواهر الخوف من استعمال العقل والصداع بنتائج الفكر الحرّ.

*  المسلم المعاصر بدا تائها ممزّقا بين روح رسالته وعمق تديّنه، وبين الظواهر العصريّة الجديدة، ومن هنا فإنّ الواجب الأكبر لمنتجي الأفكار في المسائل الإسلاميّة هو إبداع موادّ تشدّ المسلم وتوجهه حتى لا يشعر بأيّ تناقض بين إسلامه وعصره.

* الحركات الإسلاميّة تحتاج بدورها إلى مراجعات عميقة لمواكبة سريع  المتغيّرات. وتلك المراجعات كفيلة  بجعلها قادرة على الاندماج في المجتمع بطريقة سلسة وتشارك في الاستحقاقات السياسيّة. وواقع الحركات يقتضي إعادة تصنيفها، لأنّها لم تعد جميعا تحمل نفس التصوّرات والمواقف من المجتمع ككلّ ومن المشاركة في المسار السياسيّ الديمقراطيّ خاصة.

خاتمة

كل تلك القضايا المرتبطة بواقعنا المعيش في تونس دفعت المؤلف  الى دعوة النخب الفكريّة والسياسيّة الى مناقشتها بعيدا عن مظاهر الاستفزاز السياسي، لأنّها قضايا لا تهمّ الأحزاب فحسب، وإنّما هي في الأساس تهمّ واقع مجتمعنا وصفْوته.

 

عن مركز الدّراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية ، هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك