القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

 ادارة التوحّش : السلفية الجهادية نموذجا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-04-08 17:22:00 | 116 مشاهدة

 

مقدمة :

لعل  أهم منتجات الربيع العربي هو سقوط وصاية الدولة على الدين، وهو ما أسهم في تأجيج بعض الجماعات السلفية محاولة استئناف دورها التاريخي مع الإيهام بأنها صاحبة الحق المشروع في تبني تنفيذ إرادة الله في الأرض وفق فهمها المتناسل من التاريخ البعيد .وقد ساهم الدستور الجديد في تونس مثلا من خلال تأكيده على حرية الضمير على تمهيد الطرق لمثل هذه الأفهام المتصدّعة والتي كان المجتمع بمنأى عن مثيلاتها.  وقد أدى إلى ظهور توثب من قبل هذه الجماعات باسم الدفاع عن مكاسبها. ولكنه كثيرا ما يكون من أجل ربح مساحات أخرى هي من صميم مشغل الدولة و المجتمع المدني. وقد ساهم الإعلام في إلباسه لبوس ثقافة وافدة من خارج حدود الجغرافيا والتاريخ، وفي هذا الإطار برز تنظيم السلفية الجهادية بمواصفات خارقة لتصنيف حركات الإسلام السياسي لا تستجيب لهيكلة معلومة في بنية تنظيمية تراتبية . وهي تتبنى تراثا سنيا في فهم الدين وتأويل نصوصه كما تتبنى قضايا المهمشين، ولذلك بدت رافضة للواقع الاجتماعي كثيرة الاحتجاج على السياسي يصل إلى حد الدعوة إلى الخروج على الحاكم ( الطاغوت) وفرض نظم اجتماعية بديلة لا تقوم على التسليم بالأمن بل إن المجتمع ينال قسطا من سلمه بقدر خنوعه لهذه الجماعة التي تسعى إلى خلط الأوراق والدفع إلى الاشتباك الأهلي والاقتتال من أجل بلوغ مرحلة التوحّش [1]وهي المرحلة الحاسمة التي يبدأ منها عمل الجماعات المتطرفة في فرض أجنداتها .

1-  الأمن المجتمعي في الإسلام

. وقد اعتمد أبو بكر ناجي صاحب كتاب "إدارة التوحش" هذا المفهوم ( الهيمنة والخضوع ) في إدارة السلفية الجهادية للأزمة بعد تفكيك دولة الطاغوت [2]. في حين ارتبط مفهوم الأمن في النص القرآني بتهيء  المجتمع وامتثال أفراده للنظام دفعا للخوف واستجلابا للمنفعة وإقامة العمران، وهو ما يؤكده ابن خلدون حينما يربط بين عمارة الكون باستخلاف الإنسان وتحقق الأمن بآلية العدل والمساواة بين أفراد المجتمع [3].ويعدّ الأمن في بابه مصطلح رئيس تكررت استعمالاته في النص القرآني (50 مرة ) ولكن المتصوّر الغالب يدل على هدوء النفس واستقرارها في مستوى أول، وقد يتعدد بتعدد الضرورات التي حرص الإسلام على سلامتها وفرض المحافظة عليها، أمن الدين وأمن النفس وأمن العقل وأمن المال وأمن العرض ومنه النسل. وقد بيّن الرسول ص قيمة الأمن بالمعنى الكلي "من بات آمنا في سربه فكأنما حيزت له الدنيا" وهو ذات المعنى الذي قصدته الآية الكريمة  "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } [الأنعام: 81-82 .

ولكن الإشكال في المتصور المضاد القائم على الهيمنة والخضوع :  هيمنة الفهم والتأويل للنصّ من قبل السلفية الجهادية يقابله خضوع الداصّة الهمج الرعاع.

2- الأمن المجتمعي في تصوّر السلفية الجهادية

           إنّ العرب الذين اصطفوا من بين الأمم بأن يكونوا حملة دين، نجدهم  اليوم أكثر الإثنيات العرقية احترابا.  وتؤكد الأمم المتحد في تقريرها لسنة 2016 أن العرب وإن كانوا يمثلون 05 في المائة من سكان العالم إلا أن 80 في المائة من القلاقل واضطراب الأمن وانتشار الخوف في أرض العرب والبقية المسلمون فيها طرف وأن أكبر نسبة من مبيعات السلاح تذهب إلى البلاد العربية. " ولكن الغريب أن هذا السلاح يستعمل في الاقتتال الداخلي بين العرب أنفسهم أو بين شعب من شعوب العرب يقاتل بعضه بعضا بكل شراسة حتى صُنفت البلاد العربية ب "غير الآمنة" ونُصح السواح بعدم التوجّه إليها وقد أدى ذلك إلى تهالك الاقتصاد وانتشار الفقر بين الناس وعمّ الجهل لتكون البلدان العربية صاحبة الرقم القياسي في انتشار الأمية والجهل والخوف والبطالة ...الخ ، وهو ما سيكون له استتباعات جمّة في النسيج المجتمعي وفي الوحدة الترابية لغالبية البلدان  العربية. ونشوء جماعات خارقة للهيكلة التقليدية للأحزاب السياسية تماما كما خرقت مفهوم الدولة بما هي مؤسسات مستقرة هدفها تحقيق الأمن لمواطنيها بمفهوم الثورة بما هي طريق إلى إعادة هيكلة الدولة وفق صيغة جديدة . ولعل السبب يعود إلى أن هذه الأحزاب تأسست على عجل من أجل وظيفة معينة ظلّت غير معلنة وقد حيّرت الدارسين في سرعة التشكّل والتنظّم وسرعة التسلّح بآليات تفوق تسليح الجيوش النظامية كما تميّزت بقوة الفتك ب"العدوّ القريب" ابن البلد شريك العرق والدم والدين .  كما تميّزت بانتساب منخرطييها إلى عطوبة ما سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تعليمية .

ومن هنا برزت أسئلة عند الباحثين "هل إن داعش طفرة في تاريخ جماعات الجهاد العالمي،  ومن ثمة فإن أي قالب تفسيري وأدواته المألوفة تعجز عن استيعابها وفك شفرتها وذلك لما يتميز به هذا التنظيم من وحشية في إزهاق الأرواح وتفرّده في   مستوى التركيبة التي تبدو هي الأخرى ملغزة إذا ما قورنت بتاريخ الحركات الجهادية في التاريخ  الإسلامي. لكن في المقابل يتميز هذا التنظيم بجاذبية الصورة برع فيها حتى بذّ بها أعتى المؤسسات الإعلامية، إضافة إلى البراغماتية العالية التي يتميز بها في علاقته بالتنظيمات الجهادية الأخرى،  مما جعله يقبل ببعضها رغم كونها أقرب إلى قطاع الطرق منها إلى التنظيم الجهادي  ويرفض أخرى وهي التي كانت يوما ما متكأه مثل تنظيم القاعدة. وقد وجدنا هذا التصدّع في العلاقات بين تنظيم الدولة والقاعدة في رسائل بين المنظرين لهذه الحركات الجهادية ، يقول العدناني في إحدى رسائله إلى أيمن الظواهري: "إننا لا نترك السلاح حتى يحكم الشرع ، ولنقاتلنّ لإقامة الدولة الإسلامية ، وإن الأنظمة والجيوش التي تدافع عنها كلها كافرة وأن الجهاد فريضة"[4]   ويعدّ أبو بكر  ناجي مرجعا من مراجع تنظيم الدولة وهو الذي رسم استراتيجية داعش من خلال إطلاقه لمصطلح "إدارة التوحش" وخصّ بها المرحلة التي تنهار فيها الدول ولا يتم التمكن من السيطرة عليها من قبل قوى أخرى ، وهنا تتقدم السلفية الجهادية بمشرعها لإدارة حاجيات الناس وحفظ أمن المجتمع ما أدوا الولاء والبراء،  والقضاء بين الناس وتأمين الحدود وغير ذلك من حوائج الناس .

ويبدأ أبو بكر ناجي بتشخيص المسألة بدءا من سقوط الخلافة العثمانية وإقرار اتفاقية سايكس بيكو ونشوء النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية ومع استتباب أنظمة فرضت قيما مغايرة لقيم المجتمعات خالفت العقيدة التي تحكمها وضيّعت المقدرات ونشرت المظالم وأحكم النظام الجاهلي السيطرة على العالم بأنظمة الجنسية والحدود المسيحية ولذلك يرى ناجي أن الدولة الإسلامية ستقوم على أنقاض الأمم المتحدة لتخرج الأمة من حالة الهوان وتقود البشرية للهداية والمشروع الوحيد المؤهل لذلك هو مشروع السلفية الجهادية لأنه الوحيد الذي وضع مشروعا شاملا للسنن الكونية والسنن الشرعية .

السلفية الجهادية:  تيار يتبنى الجهاد آلية للتعبير وفق منهج مضبوط ينطلق من التنظير والتكفير وينتهي إلى القيام بعمليات ميدانية مسلّحة تستهدف الأمن العام للدول ومصالحها الاقتصادية ومرافقها الحيوية لتحقيق غايات سياسية محلّية أو دولية ويتم ذلك وفق مبدأي الولاء والبراء

-البراء : ويعني برئ التنزّه كما يعني البعد والبرء يفيد السلامة من المرض والبراءة من كل مكروه وهو في باب الاصطلاح في موضوعنا يعنى التبرؤ من الحكومات الرافضة لشرع الله والموالية لليهود والنصارى. أو تحت مبدأ نصرة المسلمين والمستضعفين من أبناء جلدتهم من المدينين بالإسلام

-الولاء ؛ الوليُّ لغة يعني القرب . يقول تعالى "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، ومن يتولّى الله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " [5] وتسمى آية الولاية . وقد فسرها ابن تيمية بقوله إن المؤمنين أولياء الله وبعضهم أولياء بعض والكفار أعداء الله وأعداء المؤمنين وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين وبيّن أن ذلك من لوازم الإيمان ونهى عن موالاة الكفار وبيّن أن ذلك منتف في حقّ المؤمنين "[6] ويعني الولاء عند السلفية الجهادية مجرد التعامل ولا يكون عندهم الا للمسلمين وقد اختص داعش خاصة بقتل المسلمين الذين يحكم عليهم بالردة في حال خالفوه او لم يعلنوا الولاء و هم يمثلون عنده العدو القريب، بل إن مقاتلة تنظيم الدولة تعتبر عندهم مناط تكفير يستوجب الحكم على صاحبه بالردة وبذلك فإن السلفية الجهادية عموما قد حصرت الولاء في الجماعة بعد ان كان محصورا في الامة . والولاء عندهم مناط الشوكة . 

الشوكة : المقصود بالشوكة لدى صاحب نظرية إدارة التو حش الموالاة الإيمانية، أي أن يحصل كل فرد في المجموعة أو في منطقة التوحش مهما قل شأنه على الولاء من باقي الأفراد ومن ثم يعطي هو الولاء للباقين بحيث يكون هو فداء لهم وهم فداءله ، فتتكون على ذلك الأساس من الولاء رابطة جماعية من نوع خاص يختلط فيها العقدي بالوجداني و السلوكي والتنظيمي تسمى شوكة؛ هدفها الذي نذرت حياتها له هو مواجهة الأعداء، ويتحقق بذلك التضامن والثقة والقوة الجماعية التي لا تتم إلا عبر ما أطلق عليه المؤلف تحقيق الشوكة. ومن ثمّة إعلان الجهاد ضد هذه الحكومات . وفي المحصّلة فإن السلفية الجهادية تهدف إلى تغيير البنى المجتمعية والسياسية والثقافية والدينية بآلية قوة السلاح ، يقول أبو بكر ناجي "إن معركتنا هي معركة توحيد ضدّ كفر وإيمان ضدّ شرك وليست معركتنا معركة سياسية ولا اقتصادية أو اجتماعية..." [7]

وقد فتحت الثورة التونسية وما استتبعها من ثورات الربيع العربي مفاهيم مستنبطة حسب أصحابها من النص ولعلّ أخطرها هو المفهوم الذي يطرحه فقهاء داعش في تحقيق الأمن المجتمعي الذي ينطلق من قراءة مسطحة للقرآن، وهي كثيرا ما تكون تالية للفعل تبررية لقناعة الجماعة التي أجمع الدارسون على أن اختيار قضاتها يكون في الغالب الأعم من ذوي الاختصاصات العلمية وهو ما يساير تصوّرهم الفقهي المتشدد والقائم على الحسم، إذ ليس هناك منطقة وسطى " الحلال بيّن والحرام بيّن..."  ويؤكد بعض الدارسين أن عدد الجهاديين ذوي المرجعية العلميّة أو الدارسين للاختصاصات العلميّة أكثر بضعفين من الذين درسوا علوم الشريعة أو أي مواد متعلّقة بالإسلام، في حين أن الجهاديين الذين درسوا العلوم الإنسانية و الاجتماعية يمثلون 11% منهم. و أن 29% من المنظّرين الجهاديين لهم شهادات علمية، في حين أن 18% فقط منهم لهم شهادات في الدراسات الشرعية. وهذه الأرقام، تؤكد النظرية القائلة بأن تكوين العقل الجهادي عادة يسعى إلى تبسيط القضايا بطرحها في شكل ثنائي البنية، فإما اللون أبيض أو أسود، و إما صحيح أو خاطئ، بعيدا عن الجدل و الحوار. [8]" ومن ضمن هذه المفاهيم التي تطرحتها الحركات الجهادية نذكر :

*العدو القريب : ويقصدون به النظم العربية والإسلامية وقد يمتدّ إلى عامة الناس من المسلمين، وقد أباحوا في أدبياتهم :

-قتل الحاكم : معتمدين في ذلك على فتوى ابن تيمية في أهل ماردين المعروفة بفتوى التتار

-قتل المسلم : اعتمادا على قاعدة التترّس ، أي جواز قتل المسلم إذا تترّس به الكافر وهي أساس شرعي عندهم لتبرير بعض العمليات العسكرية التي يترتب عنها قتل المسلمين ،  وهو ما يشي بوهم المطابقة بين الأمر اللغوي و الأمر الشرعي عند منظري هذا التيار  وهو وهم قائم على اعتبار كل  صيغة لغوية للأمر؛ أي كل تصريف للفعل في الأمر يحيل على حكم شرعي بالوجوب أي أمر إلهي بالفعل، وهو تصور سطحي للحكم الشرعي يكون فيه الحكم مطابقا للخطاب. بينما المسألة على غير ذلكالنحو؛ حيث يتشكل الأمر الشرعي من النظر العقلي الموضوعي في النص ضمن سياقه النصي

 د. محمد التومي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك