القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

2018 : السّياسة في تونس و الرّمال المتحرّكة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-02-01 10:30:52 | 171 مشاهدة

ملخص :

شهدت تونس مع مطلع عام 2018 عديد الاحتجاجات الرامية إلى اسقاط قانون المالية بحجة أنه يزيد في تدهور المقدرة الشرائية لعموم الشعب التونسي . و استغل البعض هذه الاحتجاجات للسطو ليلا على الممتلكات العامة و الخاصة في حين استغلتها بعض القوى السياسية في تصفية حساباتها مع خصومها في حين اعتبرها البعض الآخر فرصة مواتية  للإجهاز على النظام  السياسي التونسي برمته فهل ستنجح  تونس  حكومة و أحزاب و منظمات في  معالجة هذه الأزمة و افشال رغبة  البعض في الزج بالبلاد في أتون حرب و فوضى لا تخدم سوى أعداء الشعب و الدولة ؟.


مقدمة

 يجمع أغلب المحللين الاقتصاديين و السياسيين على أن عام 2018 سيكون صعبا و مقلقا للحكومة و الأحزاب المشاركة فيها و الداعمة لها و للمعارضة و لعموم الشعب التونسي  على حد السواء . بالفعل إن ارتفاع أسعار العديد من المواد الاستهلاكية و بقاء نسب البطالة مرتفعة و اختلال الميزان التجاري وضخامة  الدين الخارجي… كلها عوامل من شأنها أن تزيد في تأزم الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية في تونس. إلا أن تردي المقدرة الشرائية للمواطن التونسي  ليست المصدر الوحيد للقلق الذي ينتاب الجميع مما ستؤول إليه الأوضاع  عام 2018. إذ علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أنه العام الذي ستتم فيه الانتخابات البلدية التي من المرجح أن تكون نتائجها مخيبة لآمال العديد من الأحزاب و القوى السياسية. و بناء على ما سبق سيكون من باب سوء التقدير اغفال أو اخفاء مثل هذه الصعوبات كما سيكون من باب التضليل القول بتوفر  حلول سهلة كفيلة بمعالجتها في زمن وجيز. و من الواضح إن خطورة الأوضاع في تونس لا تكمن في وجود هذه الصعوبات الاقتصادية و الاجتماعية  في حد ذاتها بل في كيفية ادارتها و تشعب الحلول المقترحة لمعالجتها من جهة ،ورغبة البعض في استثمارها سياسيا و انتخابيا من جهة ثانية .و بشيء من التبسيط يمكن القول أن تخوف البعض من أن يشهد عام 2018  أحداث مؤلمة يمكن تفسيره بأمرين اثنين : الأول اقتصادي و اجتماعي يتلخص في ارتفاع تكلفة العيش  الناتج عن الزيادة في الأسعار و الترفيع في الضرائب وهي اجراءات قد تؤدي إلى حدوث احتجاجات عنيفة . أما الأمر الثاني فهو سياسي و يتمثل في اقتراب المواعيد الانتخابية ( البلدية عام 2018 و الرئاسية و التشريعية عام 2019 ) إذ تحرص الأحزاب على تعبئة الرأي العام ضد بعضها البعض مما يخلق مناخا سياسيا متوترا و قابلا   للتفجر .

و على الرغم من أن هذه التوقعات ممكنة الحدوث  فإننا سنبحث في الظروف  الموضوعية السياسية منها و الاقتصادية التي  يمكن أن تجعل منها واقعا معاشا  من جهة ، كما سنعمل على النظر  فيما إذا عمد البعض من السياسيين إلى المبالغة في تقدير مخاطر الصعوبات  التي ستعيشها  تونس خلال عام  2018  من أجل تحقيق أهداف سياسية  من جهة أخرى .

أولا  أحزاب الحكم : يجمعهم الحكم و تفرقهم الانتخابات.

 إن  تقييم العديد من القوى السياسية لحصيلة مشاركتها في حكومة يوسف الشاهد أو دعمها  لها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار عند محاولة رسم صورة تقريبية لما ستؤول إليه الأوضاع في هذا العام .لقد قيم الحزب  الجمهوري سلبا مشاركته في الحكومة فقرر الانسحاب منها و كذلك  فعل حزب آفاق تونس من بعده ،كما أن  اقتراب تاريخ الانتخابات البلدية دفع كل من حزب  حركة النهضة و نداء  تونس ، الشريكان  الرئيسيان في الحكومة ، إلى التصريح بأن شراكتهما في الحكم أضرت بهما سياسيا.   فلقد اتخذ حزب نداء تونس من هزيمته في الانتخابات البلدية في ألمانيا مؤشرا على أن شراكته مع حركة النهضة أضرت به و لم ينتبه إلى امكانية أن تكون مشاكله الداخلية سببا لهذه الهزيمة. و من بناء على هذا التقييم أكد ناء تونس في الوثيقة السياسية الصادرة عن الندوة الوطنية الاولى لإعداد الانتخابات البلدية ( 6  جانفي 2018 ) أنه يدافع على المشروع الوطني العصري المدني في منافسة رئيسية للمشروع الذي تمثله حركة النهضة . يدرك الجميع أسباب   اصرار بعض قيادات النداء على إعادة التذكير  بانقسام التونسيين إلى حداثيين  و اسلاميين إنه  باختصار الاعتقاد في أنه العامل الذي مكنهم من كسب انتخابات 2014  و هو ما دفعهم إلى  إعادة تعريف  حزبهم كنقيض للنهضة بهدف استعادة ثقة الناخبين. و مع أننا نعتقد أن هذا التقسيم متخيل ،و إن وجد فهو مصطنع ،فإن حزب النداء لا يمكن أن يكون وفق هذا التقسيم خصما كفئا  لحركة النهضة و لذلك ليس من المرجح أن يحرص على فك شراكته معها . أما قول حركة النهضة أن شراكتها مع النداء   أثرت سلبا عليها فليس هناك مؤشرات موضوعية تؤكده و من الواضح أنه مجرد خطاب يهدف  إلى  اعادة كسب ود أنصارها المعترضين منذ البدء على هذه الشراكة من جهة ، و التأكيد  مجددا على أن وجودها في الحكم لا يحقق  لها مكاسب  سياسية ضيقة كما يصر على ذلك خصومها من جهة ثانية .  و لئن كان من حق الأحزاب المشاركة في حكومة الشاهد أو الداعمة  لها أن   تقيم حصيلة هذا الخيار فإن انسحاب البعض منها  من الحكومة و تبرئها  من وثيقة قرطاج  و تزامن كل ذلك  مع الاعلان على تاريخ الانتخابات البلدية  يدعم شكوك البعض في أن هذه الأحزاب  تعمل على التنصل من المسؤولية و أنها معنية في المقام الأول بتحقيق مصالحها الضيقة لا غير ، كما يعزز وجهة النظر القائلة أن حكومة  الشاهد عاجزة  على معالجة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية  المتردية و أنها قاب قوسين أو أدنى من  الانهيار  .

بالفعل لقد أثرت هذه التقييمات السلبية  في تماسك حكومة الشاهد و قلص من مصداقيتها لدى العديد من المواطنين و بشر البعض بانهيارها الوشيك خصوصا بعد انسحاب الجمهوري و آفاق تونس منها و انضمام حزبا المبادرة و المسار إلى التحالف الانتخابي المشكل حديثا  من قبل 10 أحزاب اتفقت على تقديم قائمات موحدة في الانتخابات  البلدية القادمة.  عمليا  ستؤدي  كل هذه المستجدات إلى خلق وضع سياسي غير مستقر قوامه حكومة فاقدة للسند السياسي و أحزاب منشغلة بكسب الانتخابات القادمة وشريحة عريضة من الشعب تشكو الفقر والخصاصة. إن وضعا كهذا مرشح بالفعل للانفجار في أية لحظة لا فقط بسبب هاجس الخوف من الفقر بل أيضا و ربما أساسا بسب شعور البعض أن الطبقة السياسية ،سواء منها الحاكمة أو المعارضة ،ليست جادة في تلبية احتياجات المواطنين بقدر ما هي معنية بكسب الانتخابات  القادمة و الاستجابة إلى مصالح  المنتسبين إليها.

 مع أننا لا ننوي رسم صورة مشوهة للأحزاب السياسية في تونس فإنه لا يمكن أن ننكر أن مثل هذه الصورة بدأت في التشكل بالفعل في أذهان الكثيرين و خصوصا الشباب منهم. و ليس هناك من شك قي أن مخاطر رسوخ مثل هذه الصورة السلبية للأحزاب السياسية لا تكمن في امكانية عزوف الشباب عن التصويت في الانتخابات القادمة ، فهذه هواجس  حزبية لا غير،بل تكمن تحديدا في عجز الأحزاب عن القيام بمهمة تأطير المواطنين سياسيا و تنظيم احتجاجاتهم و ضبط اندفاعاتهم. هذه نتيجة لم تعد خافية على أحد إذ نشهد هذه الأيام أحداث ليلية مروعة خارجة بالفعل عن سيطرة جميع الاحزاب  . و  من ثم ، و على عكس  الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب ، يمكننا القول أن حوادث الحرق و الخلع و النهب  و الاحتجاجات السلمية التي اجتاحت البلاد أعمق بكثير من أن تكون مجرد استجابة لإرادة أحزاب راغبة في البقاء في الحكم أو لإرادة أخرى طامحة إلى الوصول إليه .إننا على ما يبدو إزاء قوى تتحرك خارج السياق المتعارف عليه وتنشط باستقلالية عن جميع الأحزاب و القوى “النظامية ” و لن يتم القضاء عليها بالإطاحة بالنهضة أو النداء أو تفكيك الجبهة الشعبية … و ربما سيكون صادما للبعض القول أن هذه القوى ” الخفية ” هي التي تستغل العداء بين هذه الأحزاب وتحرص على تعميقه من أجل أن تستثمره في تحقيق مآربها و ليس العكس. ومهما يكن الأمر فإن الأحزاب لا يمكن أن تلوم إلا نفسها عند الحديث عن ضعف قدرتها على التأثير  إذ يتبنى أغلبها قناعة خاطئة مفادها  أن السبيل الموصل إلى  كسب أصوات الناخبين هو القدح في مصداقية منافسيها  و التشكيك في وطنيتهم .

ثانيا .احياء العداء بين النهضة و الجبهة  الشعبية لصالح من؟

  لا نكاد نجد تفسيرا عقلانيا لإحياء و تعميق الصراع العقائدي  القديم بين النهضة و أحزاب  الجبهة الشعبية و الحال أنها جميعا عرفت تجديدا في رؤاها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية يمكنها ، نظريا ،من التعايش معا بعيدا عن سياسية الاقصاء و الاستئصال . و من المرجح أن تكون الرغبة في كسب الاستحقاقات الانتخابية لعام 2018 و 2019 أحد أهم العوامل الدافعة لإحياء مثل هذا العداء. لا اعتراض على مثل هذه الرغبة غير أن الوسائل و الطرق المعتمدة لتحقيقها تبدو لنا غير منسجمة  مع ثقافة الديمقراطية إذ يتم في هذه الأيام  تبادل تهم تجاوزت المشادات الكلامية و الاحتجاجات الفظية المعهودة في النظام الديمقراطي. و من الواضح  اليوم أن أغلب الأحزاب السياسية في تونس تدفعها الرغبة في كسب المعارك الانتخابية  من دون أن تأخذ حذرها من الانزلاق في مرجل صراع تحكمه مفردات التخوين و التكفير يعلم الجميع مألاته المدمرة. فلقد زادت الاحتجاجات السلمية و العنيفة التي تشهدها تونس مع بداية عام 2018 و الرامية إلى اسقاط قانون المالية في  تعميق الهوة بين النهضة و أحزاب الجبهة بعد أن أخذ النقاش بين الطرفين أبعادا عقائدية و أخلاقية لا علاقة لها  بالخيارات السياسية التي تحتمل  الخطأ و الصواب و النجاح و الفشل و من شبه المؤكد أن استمرار مثل هذه الخصومة سيجعل من عام 2018 عاما صعبا فعلا  لا لأن الجبهة الشعبية قادرة على تعبئة جزء هام من الشعب ضد الحكومة فقط بل لأن العديد من المتربصين بالدولة سيستغلون هذا المناخ السياسي المأزوم من أجل قضاء مآربهم المشبوهة  .يصدق هذا على الارهابيين و المهربين و قطاع الطرق و الفاسدين و المتهربين من أداء الضرائب الذين يريدونها فوضى عارمة و “دولة ” لا رقيب فيها و لا حسيب.

   و لقطع الطريق أمام هؤلاء يتعين على أحزاب الجبهة الشعبية  و حركة النهضة  و النداء و غيرها من مكونات المشهد السياسي أن تأخذ حذرها وأن  تتصرف وفق ما يقتضيه وضعها و مسؤوليتها  بما هي أحزاب تنشط في اطار النظام السياسي التونسي  الرسمي و الشرعي .و المقصود من أخذ الحذر هو تحديدا ترك محاولات الاقصاء و الاجتثاث  و الاستئصال جانبا ، و  الوعي بحقيقة أن ابطال العمل بقانون المالية لن يؤدي  إلى انهيار النهضة ، و أن تمريره والسيطرة على الاحتجاجات لن يفضي إلى تفكك الأحزاب المكونة للجبهة الشعبية و لن يخفي المصاعب الاقتصادية التي تعاني منها تونس . بالفعل لقد بينت التجربة أن الانسياق التلقائي و والساذج و راء الدعوة إلى التصادم بين الأحزاب القانونية لا يخدم سوى  القوى التي تعمل خارج النظام السياسي الرسمي و تنشط  من أجل الإطاحة به من خلال الحرص على النفخ في جذوة هذه الصراع بهدف التخفي و راء الفوضى و توسيع دائرة النهب و السطو و الحرق.

غير أن كل هذا لا يعني أن الصراع بين أحزاب الحكم و أحزاب المعارضة هو المتسبب الرئيسي في الازمة الاقتصادية و الاجتماعية التي تعيشها تونس اليوم ،فهذه الأزمة سابقة لهذا الصراع و ليست نتيجة  مباشرة له . هذا استدراك ضروري لإقامة الدليل على أن حسم الصراع لأحد الطرفين لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق التنمية لعموم الشعب التونسي كما يتوهم البعض ،كما أنه مهم أيضا  لتنزيه الصراع السياسي السلمي و الديمقراطي من أن يكون عامل تخلف و تفكك كما يدعي أنصار الاستبداد . إلا أن هذا لا ينفي  أيضا حقيقة أن استمرار الصراع  الإقصائي  بين الأحزاب  من شانه أن يعمق الأزمة و يهدد المكتسبات  لكونه يتضمن دعوة خفية للاقتتال الداخلي .  هذا على ما يبدو ما يدركه  عقلاء هذه القوى و ما يعمل على تجنبه  الاتحاد العام التونسي للشغل من خلال  اتباع  سياسة  عقلانية  تسعى إلى الحفاظ على المكتسبات و تطالب بما هو ممكن .

الاتحاد العام التونسي للشغل . الحفاظ على المنجز و المطالبة بما هو ممكن

    على  الرغم من اخفاقات حكومة يوسف الشاهد في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي لم ينخرط الاتحاد العام التونسي للشغل في أي توجه يرمي إلى الاطاحة بها .و مع أن هذا الموقف لم يرق لبعض  السياسيين فإنه كشف عن حرص الاتحاد  على ترسيخ فكرة كونه منظمة اجتماعية مستقلة يدعم الاستقرار السياسي و الاجتماعي وأنه  ليس حزبا سياسيا  معنيا مباشرة بتغيير الحكومات. و إذا كان من الواضح أن هذا النهج جلب للاتحاد الكثير من الانتقاد فإنه قاوم  بكثير من الواقعية  رغبة بعض القوى السياسية ،سواء منها التي في الحكم أو في المعارضة ،في توظيفه أو تطويعه لخدمة أهدافها و رؤاها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية. فلقد حرص أمينه العام على  بعث عديد الرسائل مفادها   أن  الاتحاد لا يساند الحكومة بل يساند الاستقرار السياسي و من له القدرة على التقدم بتونس و السير بها نحو الأفضل و أنه ،و في نفس الوقت ، يتفهم غضب الجماهير الشعبية و يدعو الحكومة إلى مزيد الشفافية و الوضوح عند اتخاذ القرارات.و يمكن أن نفهم من هذه الرسائل المزدوجة أن الاستراتيجية  التي يتبناها الاتحاد العام التونسي للشغل  اليوم تتلخص في النقاط التالية  :

  • المحافظة على المكتسبات الاجتماعية لمنظوريه و لعموم الشعب التونسي
  • دعم الاستقرار السياسي والعمل على تجنب الهزات السياسية التي يمكن أن تقوض الاستقرارو تهدد المكتسبات .
  • ترشيد المطالب الاجتماعية و الوعي بحقيقة أن تونس تعيش بالفعل أزمة متعددة الأوجه .
  • المساهمة في ايجاد الحلول والبدائل والخيارات التي يمكن أن تحقق أهداف الشعب التونسي من خلال الدعوة إلى عقد حوار اقتصادي و اجتماعي
  • الالتزام بالعناوين الرئيسية التي تضمنتها وثيقة قرطاج على الرغم من انسحاب بعض الأحزاب منها .

و إذا تركنا جانبا التقييمات  المتسرعة أو الكيدية يمكننا القول أن عناصر هذه الاستراتيجية هي التي جعلت الاتحاد يمتنع عن المطالبة  بإلغاء قانون المالية و يتجنب  الدعوة إلى تنظيم  أي احتجاج في هذا الشأن و اكتفى ، على عكس العديد من الأحزاب المعارضة ،بالدعوة إلى اتخاذ إجراءات موازية تلطف من أثر الأزمة الاقتصادية على الطبقات الاجتماعية  ضعيفة  أو معدومة الدخل.و تنم هذه الدعوة عن وعي حاد بعمق الأزمة الاقتصادية  التي تعيشها تونس وخطورة الزج بالبلاد في تجاذب سياسي لا طائل من ورائه .سيكون من الصعب القبول بالرأي القائل أن استراتيجية الاتحاد  الحالية مشوبة بشبهة  الرضوخ إلى وجهة نظر الأحزاب الحاكمة (النهضة و النداء ) ،ذلك أن مواقف الاتحاد التاريخية و حتى التوجهات الاقتصادية و الفكرية لقياداته الحالية تستبعد فرضية أن يتحول الاتحاد إلى أداة طيعة في يد هذا الحزب أو ذلك.

و إذا كان من  الواضح أن الاتحاد العام التونسي للشغل لا يشاطر أحزاب المعارضة  موقفها الداعي إلى ابطال العمل بقانون المالية و يعترض على محاولات الاطاحة بالحكومة المنبثة عن وثيقة قرطاج فإنه حرص على توضيح أنه لا يتبنى السياسة  الاجتماعية و الاقتصادية التي تتوخاها الحكومة و لا يدافع عليها .  لن تروق هذه المواقف لأحزاب المعارضة التي تدرك أنها ، ومن دون مشاركة الاتحاد ، لن تستطيع تعبئة الشعب ضد الحكومة و من ثمة فإنها لن  تمكن من احداث تحولات جوهرية في الحياة السياسية خلال عام 2018  ، كما أنها لن تروق لأحزاب الحكم التي ستبقى متوجسة من امكانية أن يغير الاتحاد مواقفه في أية لحظة .

تكشف لنا المواقف التي اتخذها الاتحاد العام التونسي للشغل من قانون ميزانية  2018  و من الأحداث التي شهدتها العديد من المدن التونسية  أنه حريص على تقديم نفسه ،في هذه المرحلة ،كعامل استقرار و تهدئة و كقناة حوار و أنه معني بتجنيب تونس هزات سياسية و اجتماعية تقوض الاستقرار وتهدد المكتسبات . و لهذا السبب لم ينخرط الاتحاد في السعي للإطاحة بالحكومة أو انهاء العمل بوثيقة قرطاج  و سيعمل ، على الأرجح ، على توظيف جميع امكانياته في سبيل اقامة حاور اجتماعي و اقتصادي يلطف من حدة الأزمة الاقتصادية و ينزع شيء من العداء القائم بين أحزاب الحكم و أحزاب المعارضة .

 الخاتمة.

  كشفت الاحتجاجات التي عرفتها تونس مع مطلع عام 2018 عن عمق الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية التي تعيشها البلاد كما كشفت عن انعدام الثقة بين أغلب مكونات الطبقة السياسية مما يوحي أن الأزمة ليست مرشحة للحل قريبا خصوصا مع وجود  من يريد أن يعمقها أكثر . غير أن  معالجة الأزمة يبقى أمرا  ممكنا إذ ما تعلقت همة الحكومة و الأحزاب الداعمة لها و الأحزاب المعارضة و المنظمات الوطنية بالبحث عن مخرج لها يجنب تونس هول ما نشهده من فتن في أكثر من دولة عربية .

شفيع بومنيجل

 عن مركز الدّراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك