القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

“التحديث” تحت “التهديد” .. عقود من «الوصاية الكومبرادوريّة» !

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-12-18 09:59:00 | 566 مشاهدة

                 

ملخّص:

لن يكون هناك تحريف أو متاجرة بشرف الحقيقة إذا قلنا إنّ تقرير لجنة الحريات الفرديّة والمساواة ليست في النهاية سوى تطوّر طبيعي لعقود من المعالجات الاجتماعيّة والثقافيّة المحيِّدة لمفردات الهُويّة الجماعيّة في دولة “محدَّثة” باصطلاح هشام شرابي أو "تحديثيّة" باصطلاح برهان غليون، أي دولة ذات “حداثة قشْريّة/ مُسقطة” كانت ولا تزال تقودها نخبة/طُغمة حاكمة كومبرادوريّة متغربة لا يمكن أن تستمرّ على رأس السلطة الموازية (أي “الدولة العميقة”) دون نوازع “التحديث” تحت “التهديد”، ويحتاج هذا النزوع الإملائي العمودي بداهةً إلى خطاب "ثقافي" يوفّر تأصيلا نظريّا وتحييثا سياسيّا وفكريا يسنُد تقدّم "الطرح التحديثوي" بين الناس خاصّتهم قبل عامّتهم ..

مقدّمة :

رغم أنّ لجنة الحريات الفرديّة والمساواة هي نقطة على خط "سلوك سلطوي" متصاعد، إلّا أنّ دورها  هو شكل متقدّم من أشكال «التنميط العلماني/التغريبي» يستثير بشكل غير مسبوق منطق “التدافع الاجتماعي من حيث يُعتقَد أنّه ضمانة إضافيّة لبقاء هذا الشعب خاشعا في محاريب ثلاثة :
الوطنويّة”(تغليب الانتماء الوطني على الديني)، الدستوريّة”(علويّة الدستور والتشريعات الوضعيّة بشكل عام) ، السلمويّة”(تغليب المستويين الأوّليْن من هرم ماسلو”) ..

مقولة الشعوب تقاد إلى جنّة الحداثة بالسلاسل:

 كثيرا ما يستدعي "الحدَثوت" تجربة بورقيبة "التحديثيّة" للتدليل على أنّ الشعوب تُقاد إلى جنّة "الحداثة" بالسلاسل، هذا الكلام ساقط على وجهين ؛ أوّلا بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور مجتمعيا بعد نحو 60 عاما من مجلّة الأحوال شخصيّة وثانيا من بالإحالة على وجود مغالطة منطقيّة ثاوية في هذدا الخطاب مفادها "معارضو التقرير هم من العامّة الساذجة وعلماء الدين الأصوليّين/المتخلّفين" ، كأنّ "الأنتلجنسيا"أو "الصفوة المثقّفة" مُجمِعة كلّها على أهميّة التقرير وجدواه الاجتماعيّة، وهذا بالتأكيد نابع عن نِظرة فوقيّة تعبّر عن "وعي نخبوي/اغترابي" لا يكتفي بتقويل "الشعب" ما لم يقله بل يتجاوز ذلك إلى ادّعاء معرفة المصلحة العليا لذلك "الشعب"، ما يجعلنا في النهاية أمام عمليّة إلحاق كلاسيكيّة ل"الآخر الفكري" ب"العوام" لكيْ يسهُل تقزيم مواقفهم والتشنيع عليها !..    

ثمّ إنّه للأفكار شرطيّات تاريخيّة أي إنّها تفرض نفسها أفقيا بشكل طبيعي سلس ، ف"التفكير" بالنسبة إلى "الدولة" ليس ترَفا أو هو آليّة لحلّ المشكلات أو للتعصير الاجتماعي الحقيقي لا المستنسخ، فليس أخطر من تقاطع "الإصلاحات الاجتماعيّة" مع أهداف "النيوكولونياليّة الثقافيّة" ..  

"العلمانية" في العالم الإسلامي غير وفيّة لدلالاتها "الأصيلة":

هناك خلْط بين الانتماء الديني الغالب على المجتمع التونسي وبين الانزياحات أو التحوّرات الفكريّة داخل هذا الانتماءوتأسيسا على هذا الخلط يشكّك البعض إمّا تصريحا أو تلميحا بحقيقة وجود “أغلبيّة مسلمة، فالعلمانيّة في العالم العربي والإسلامي عموما يغلب عليها التلفيقأي إنّها غير وفيّة لدلالاتها الأصيلة الدائرة حول فكرة فصل الدين عن الحياة (لا عنالدولةفقط) والّتي ظهرت في بيئتها الأصلية (الحاضنة الغربية كنتاج للكنسية القروسْطيّة)، فالعلمانية Secularism في معجم "أوكسفورد" (ص897)هي تأسيس الأخلاق والتعليم على أساس لا متعال” (غير ديني) بل إنّ دائرة المعارف البريطانيّة تعرّف المصطلح بشكل أكثر فجاجة بتقديمه كاتّجاه مضادّ للدين (م 2 ص 66)، وعليه فإنّ مفهوم العلمانيّة لدينا مشوّشيداخله الكثير منالدينيوحتى ما يبدو تجرّؤا مبالغا فيه من العلمانيينعلى المقدّسات مقارنة بالغرب فإنّه (بمنطق التناسب) ليس كذلك لسبب بسيط وهو فرادة الإسلامباعتباره دينا شاملا يفتح على جميع المجالات بما يجعل الخطاب العلماني يبدو بالنسبة إلى المزاج الشعبي الإسلامي(“العفوي”) صادما نظرا لتماسه المباشر و المتكرّر بهوامش الكراهة والتحريم، وقد أثبتت اختبارات الهُويّةفي مناسبات عديدة أخرها تقرير لجنة الحريّات أنّ نواة المرجعيّة الفكريّة للسواد الأعظم من هذا الشعب هو الدينرغم التشوّهات اللاحقة بفهمهم لهذا الدين نتيجة التغريب والاستلاب الثقافي، فالشارع أكّد هذا الانشداد الأصيل إلى المرجعية الدينيّة كما أكّدت عمليات سبر الآراء المتعلّقة بالتقرير رفض أكثر من 90 بالمئة من المستطلعة آراؤهم له (استطلاع الراصد التونسينموذجا)، كما يمكن اعتبار تفاعل روّاد مواقع التواصل الاجتماعي السلبي مع مُخرجات اللجنة التساعيّة واعتراض بشرى بلحاج حميدة على مقترح إجراء الاستفتاء قرائن تدلّل (بشكل ما) على إسلاميّةالمجتمع التونسي ..  

القول بحياديّة "الدولة":

أمّا عن الإشارة إلى “الدولة” كجهاز محايد لتبرير "حياد التقرير" تجاه "المواطنين" بمحتلف توجّهاتهم العقديّة فهذا يستدعي تحديدا مفهوميًّا عاجلا، الدولة مُعجميّا هي إقليم وشعب في كنف سلطة تمارس سيادتها عليهما عبر نظام سياسي وقانوني، فرغم الطابع المجرّد العام للتعريف فإنّه لا يخلو من إحالة على لاحياديّة المضامين إذ لا يمكن بداهةً تصوّر منظومة تشريعيّة لا تستند إلى مرجعيّة فكريّة ما، وحتّى قاعدة التساوي أمام القانونلا تعني أنّ القانونمحايد بل تعني أنّ تطبيق القانونمحايد، فالفقه الإسلامي هو مصدر من مصادر التشريع في تونس يستأنس به المشرّع ولا يُغفله ، فعن ايّ حياد تجاه كل المواطنين بتوجهاتهم الدينية و غير الدينيةنتحدّث ؟ !!..
لكن في المقابل ما يجب أن نُقرّ به هو أنّه وعلى عكس الطرح الإسلامي تتحدّد الدولة الحديثةنقيضا بل ضديدا للتقسيمات العمودية وتعمل دائما على التجميع الأفقي (قيَم المواطَنةنموذجا) مع ضوابط لإدارة الاختلاف وضبط التوازنات عبر آليات استثنائية كالتمييز الإيجابي والمحاصصة وما إلى ذلك..  

استدعاء آية : “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”:

أمّا عن الاستشهاد المتكرّر بآية “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” في سياق تبرير "الازدواج التشريعي" الّذي يُراد تثبيته في مادة المواريث فإنّه مُسقَط وفي غير محلّه لأنّ المعنى لا يتعلّق بحرية الاختيار للمسلم بل بحرية الاختيار للإنسان قبل أن يُسلم فبمجرّد إسلامه يُحمَل عليه واجب الاتّباع انسجاما مع معنى “الإسلام” نفسه الّذي يعني “الانقياد”، فنحن نملك أن نختار في أي بلد نُقيم لكن فور أن نختار نصبح ملزمين باحترام قوانين ذلك البلد، وعلى “الحاكم” كمؤسسة وظيفيّة وباسم “الشرعيّة” أن يضع تشريعات تحترم دين “الأغلبيّة” التي تحكمها.. بعيدا عن التأصيلات الشرعيّة والسجالات الفقهيّة نقول إنّ للدولة (الحاكم) “سلطة الإكراه” الامتداد الطبيعي لما يسمّيه ماكس فيبر “العنف الشرعي” ،إذ إنّ لها (بل عليها) أن تفرض نظاما اجتماعيا محدّدا يتلاءم مع الهُويّة الجماعيّة (الغالبة) مع مراعاة الاستثناءات بتشريعات استثنائيّة داخل المنظومة التشريعيّة نفسها، فالنمذجة منْ صميم دور «الدولة» (و”الدولة” هنا ليست بالمفهوم المعجمي/المنضبط بل الوظيفي/السياسي) ، فهي مطالبة بقوْلبة المجتمع مرجعيًّا أي تنظيمه على أساس “مشترك ثقافي” يشكّل “الديني” دون شك أبرز مفرداته وذلك حتّى يتهيّأ للمحكومين الدوران في فلك الحاكم تنظيميًّا بما يضمن حدًّا أدنى من الانسجام الداخلي يكون بمنزلة السياج الطبيعي الّذي يحول دون تفجّر “النسيج العلائقي” فانهيار «الدولة» بمفهومها الكلاسيكي .. ففضلا عن مزالق التشغيب على المُحكمات فإنّ منح الأفراد حريّة الاختيار في مسائل ذات طبيعة سوسيو_دينيّة عميقة هو “استقالة خطيرة” ممّن هم في “السلطة”، وهذا في معناه السياسي العميق «جريمة دولة» يُلوَح بارتكابها مع سبق الإصرار والترصّد لضرب ثوابت اجتماعيّة راسخة تواضع عليها الناس بغضّ النظر عن طبيعتها العقَديّة/الدينيّة!..  

الطرح المثنوي (أقلّيّة/ أغلبيّة):

بالنسبة إلى الطرح المثنوي (أقلّيّة/ أغلبيّة) فتجدر الإشارة إلى أنّ هناك ثوابت مجتمعيّة ومنظومة قيميّة سائدة يجب مراعاتها وإلا فتحنا الباب للتصادم الاجتماعي ولضرب مبادئ التعايش السلمي خاصة أنّ الازدواج التشريعي المتعلّق بالمساواة في الميراث سيُذكي المشاكل العائليّة ويُفاقمها ويدقّ أسافين في النسيج العلائقي الأسري ، فالمسألة لا تخلو من بُعد اجتماعي/أمني/تنظيمي، كما يُفترَض بالتشريعات أن تعبّر عن هويّة الشعب (“الأغلبية”) ، لأنّ “الأقليّة” هي من يجب أن تتكيّف مع “الأغلبية” وليس العكس، فحتّى لو انتهجنا منهجا مقارنا لا نعثر على ما يعضد فكرة نُصرة الأقليات ولو على حساب الأغلبية في أيٍّ من الديمقراطيات الكبرى الّتي يسبّح بحمدها هؤلاء ممّن باتوا “ملَكيّين أكثر من الملك”، فهل جرّم الأمريكيون والبريطانيون ذبح الأبقار من أجل عيون آلاف الهندوس الذين يعيشون بين ظهرانيهم؟!!! .. هل احترمت سويسرا آلاف المسلمين القاطنين بها حين منعت بناء المآذن؟ !!.. ألا يُحْرم الملحدون في إيرلندا من التدريس؟!..  

الذهول عن قاعدة: "سدّ باب الذرائع":

يقول قائلٌ منهم: «الدولة عندما تسمح للمسلمة بالزواج من غير المسلم ، هي لا تلزمها بذلك و لا تدعوها إليه، و عندما لا تقوم بفحص شرجي لمثلي هي لا تدعوه المثلية . و عندما تفتح المقاهي في رمضان هي لا تجبرك على الإفطار» .. هذا الكلام يذهل صاحبه عن قاعدة من قواعد "العقل العملي" استعارها الفقهاء لاحقا وهي قاعدة “سدّ باب الذرائع” ، فعلى”الدولة” احترام الواجب الديني المحمول على “الأغلبيّة” وعدم ترك الباب مفتوحا لمخالفة نصوص قطعيّة الثبوت وقطعيّة الدلالة، أمّا عن قوله تعالى :”أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون” (العنكبوت -2-) فالمقصود هو ابتلاء الله لعباده لا ابتلاء العباد (“الحاكم”) للعباد (“المحكومين”) ، ونصيحة البعض ب”عدم انتظار الفضيلة من الدولة” تنطوي على مغالطة “رجُل القش” ، فلا أحد في الأقدمين أو الأحدثين نظر إلى الدولة بهذه النظرة اليوتوبيّة الحالمة، دور “الدولة” هو عقلنة صراع المصالح والقيم داخل المجتمع وترشيد العلاقات بين المتصارعين لا أكثر ولا أقل ، ومن صميم دورها التعاطي مع موضوع الحكم (الشعب) بمنطق درء المفاسد ..  

"المجتمع المتوتّر" لا يبرّر "التحديث القسري":

مفارقة الاعتراض على “المساواة في الإرث” وتجاهل عدم تطبيق "الحدود" لا تبرّر سنّ قوانين أخرى مشاققة للدين كما يدّعي البعض، لاشكّ أنّ هناك إشكالا يتعلّق ب”الانسجام” في موقف الشعب المسلم ، لكن ما يجب أن نراه في المقابل هو أنّ هذا "البارادوكس" له حيثيّاته وتفسيراته السوسيو_تاريخيّة، فتقرير "لجنة الحريّات"عموما (وفي القلب منه مقترح المساواة في الميراث) ليس سوى امتداد للتعاطي السلطوي الوصائي الّذي مافتئت تمارسه “النخبة الحاكمة” منذ أكثر من ستين عاما تحت عنوان «الحداثة» بمرجعيّة «الاستبداد المستنير» الضمنيّة الّتي يُزكّى من خلالها «التحديث القسْري»، هذا الإسقاط الحداثي الّذي بدأ بمجلّة الأحوال الشخصيّة أنتج مجتمعا “متوتّرا” ويجب أن يُحمَل هذا “التوتّر” على معنى التمزّق المرجعي بين الوافد الغربي بما يقترحه من متطلّبات تعصير حقيقي عميق وبين الرافد التاريخي بما راكمه من مفردات هُويّاتيّة (لا “هوويّة”) شكّلت في النهاية وعي الإنسان في تونس، ومن ناحية أخرى يجب أن يستدعيَ توصيف «التوتّر» دلالاته المباشرة المُحيلة على معاني التفكّك الاجتماعي (ارتفاع نسب الطلاق نموذجا) وتهرّؤ النسيج العلائقي الإنساني (ارتفاع نسبة العنوسة مثالا) واستباحة المحرّمات (المراتب الأولى في نسب شرب الخمر وأطفال الزنا …إلخ) وغياب الثقافة الدينيّة الصحيحة (تفاقم ظاهرة “التنطّع الديني”) ..  

"العقل الجمعي التونسي" يعاني «تشوّها إدراكيًّا عميقا» :

يمكن اعتبار مفارقة الاحتجاج الشعبي الواسع على تقرير لجنة الحريات غيرةً على الدين دون الخروج للمطالبة بتحكيم الشريعة الإسلاميّة أبلغ تعبير عن «المجتمع المتوتّر» الّذي تحدّثنا عنه آنفا، كما يمكن تفسير هذه المفارقةبالخشوع ثلاثي الأبعاد (المذكور آنفا) ولاسيّما الخشوع في محراب السلمويّة الاحتماعيّةحيث يلعب هاجس «الاستقرار» دورا كبيرا في توجيه تحرّكاته وهو خشوع ظهر حتّى في الفعل الثوري نفسه عندما لم يذهب الشعبفي وبثورته إلى النهاية لأنّه ضحيّة نمذجة ممنهجة، فالتونسيون (عموما) أو العقل الجمعي التونسيالّذي شكّلته الوصاية الكومبرادوريّة على مدار عقود يعتقد في كونه «مسلما» ولا مشكلة في تشريعاته لأنّها مستمدّة من الدينرغم أنّ هذا الاستمداد جزئي مبتور ومشوّه (بنصْب الواو وكسرها) وهو ما أنتج في النهاية مفردات تلبيس مثل «الإسلام الزيتوني» و«التديّن التونسي» و«الإسلام المقاصدي» إلى غير ذلك من المصطلحات الّتي تقطع الطريق على كل دعوة إلى «الإسلام (الحقيقي،، فالمجتمع نفسه بات كذلك المنحرف الّذي يغار على دينه أو السكّير الّذي يبسمل قبل أن يشرب الخمر !…  

"العقل الجمعي التونسي" يعاني «تشوّها إدراكيًّا عميقا» جرّاء عقود من «التحديث القسري» و«الوصاية الكومبرادوريّة» ،، التونسيّون "صُمِّموا" لكيْ يُثيرهم «تقرير» ولا يستفزّهم «نظام» ! ..  

إذن الخشوع المثلّث هو الظهير العمَلي للنظام ووجه الإعضال هنا أنّ هذا الظهير يشكّل عائقا موضوعيا يحول دون اندلاع ثورة حقيقيّةلكنّه في الآن نفسه غير قابل للتقويض دون ثورة حقيقيّة” !..  

وكما هو معلوم لا يبدو واضحا تعارض ما جاء في تقرير لجنة الحريات مع ما جاء في الدستور، فالفصل الأول (“الإسلام دينها”) توصيفي أكثر من كونه تقريريّا ولا يشير من قريب أو بعيد إلى ضرورة الالتزام بأحكام الإسلام، وحتى الديباجة تتحدّث عن تعاليم الإسلام ومقاصده وهذه عبارات عامة عائمة غائمة فضفاضة ، أما الفصل (6) والحديث عن الدولة الراعية للدين فيد أُفرغ من مضمونه بالحديث عن حرية الضمير في نفس الفصل وحتى التنصيص على حماية المقدّسات يبقى قاصرا لأنّ الباب مفتوح على مصراعيه لتأويل كلمة مقدّسات، ولا وجود للشريعة لا لفظا ولا معنى وكل ما هنالك هو مجرّد تعويمات وتلبيسات تخدم الطروح الشاذّة وليس العكس من قبيل تعاليم الإسلامومقاصده”…إلخ، ويأتي الفصل الحادي والعشرون الّذي ينصّ علىا لمساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات لمزيد التعمية والتلبيس، وعليه؛ تبدو مشكلتنا مع منظومة تشريعية كاملة يسنُدُها "نظام فاسد"وليس مجرّد "انحرافات" تُعالَج موضعيّا ..  

الخطاب الساند للتقرير و"الاستعلاء الإيديولوجي":

 مازال البعض يردّدون إمّا معنى ما قالته رئيسة لجنة الحريات الأستاذة بشرى بلحاج حميدة حول ما كشفه تقرير اللجنة من «“حقد طبقي” تجاه متساكني المدينة و الاثرياء و "الطبقة المثقفة"» !!!..

بعيدا عن مضمون التصريح الّذي لا يخلو من تسطيح واختزاليّة هناك ما لا يقلّ عن ثلاث معالطات منطقيّة من جنس المصادرة على مطلوب في الكلمات القليلة أعلاه:

_ أوّلا؛ تصنيف نفسها ولجنتها ضمن “الطبقة المثقّفة” وهذا في حدّ ذاته يحتاج إلى برهنة ..

_ ثانيا؛ تعميم الموقف الداعم للتقرير على كلّ أهل الحضر وجميع الأثرياء ..

_ ثالثا؛ سحْب الموقف المناهض للتقرير على غير متساكني المدن وغير الأثرياء حصْرا ..

وإذا سلّمنا جدلا بصحّة ما أعربت عنه المدعوّة بشرى فإنّنا سنخرج باللوازم التالية:

_ إذا صحّ أنّ هناك “حقدا طبقيًّا” على “متساكني المدينة والأثرياء” ففي ذلك اعتراف ضمني بفشل “دولة الاستقلال” في خلق مجتمع متجانس دون فجوات طبقيّة عميقة ..

_ إذا كان هناك “حقد” من “العامّة” على “الطبقة المثقّفة” فذلك يعني بكلّ بساطة أنّ علاقة هذه الطبقة بالثقافة كعلاقة إبليس بالإيمان ، باعتبار أنّ “المثقّف الحقيقي” رغم كوْنيّته إلّا أنّه في النهاية ابن بيئته يعبّر عن مشاغلها بل إنّ “الخصوصيّة” هي شرط من شروط “الكونيّة” (نجيب محفوظ من الحارة المصريّة إلى العالميّة نموذجا) ..

و”المثقّف” وإن كان لا يساير بالضرورة الرأي السائد فإنّه لا يتعالى على شعبه بالدوران في فلك السلطة ويبحث في ممكنات التجديد من داخل هُويّة المجموعة لا من خارجها ويعمل دائما على الحفاظ على الحبل السُّرّي النفسي بينه وبين العوام بعيدا عن نوازع “المغايرة” أي الاختلاف لمجرّد الاختلاف !.

الفصل 230 ومغالطة “رجُل القش”!:

كثيرون يدافعون عن مقترح إلغاء الفصل 230 من الم.الجزائيّة المتعلّق ب«الشذوذ الجنسي» (الّذي يسمّونه “مثليّة”) بالدّوران حول فكرة مفادها أنّ إلغاء العقوبة السجنية لن يؤدّي إلى زيادة عدد “المثليّين” والحال أنّ هذا الزعْم ينطوي على مغالطة منطقيّة شهيرة تُسمّى مغالطة “رجُل القش” أي ضرب الحجج المقابلة بتشويهها أو (وهذا اجتهاد شخصي لتوسيع المفهوم) باختيار أضعفها لتسهيل تقويضها ..

في الحقيقة مدار التجريم القانونيّ ليس “النزوع الجنسي الشاذ” بحدّ ذاته بل التعبير عن ذلك “الشذوذ” عمليًّا أيْ ممارسته على أرض الواقع، فالردع لا يستهدف التقليص من عدد “الشواذ” بل يستهدف أساسا التقليص من “الممارسات الشاذّة ..

خطاب "علماني" لا يهُمّ "الإسلاميين":

كتب أحدُهم ناصحا : «لا تعش تناقضا بين القرآن و الدستور لأنهما مستويان مختلفان لا يمكن مقارنتهما فالدين مرجعية قيمية و الدستور مرجع قانوني تحكيمي» !...
هذه النصيحة لا تلائم سوى دعاة “فصل الدين عن الدولة”، "الإسلاميون" يعيشون هذا التناقض وبعمق، فما يميّز الدولة –إسلاميّا- هو موازنتها بين الفردي و الجماعي على عكس الطرحيْن الليبرالي والماركسي، وهي “دولة” وإن كانت دينيّة التشريع فانّها في المقابل مدنيّة السلطة بمعنى أنّ الإمام يجب أن يكون من اختيار الأمّة ببيْعة تكون بعبارة الماوردي “عقد مرضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار” ..  

خطاب «الغرف المغلقة» :
تواجه “السلطة” وما جاورها دعوات الخروج للاحتجاج ضدّ تقرير لجنة الحريّات بخطاب خنفشاريّ يحصُر حقّ المطالبة بإسقاط مشاريع القوانين في مجلس النوّاب بزعْم أنّ وظيفة المجتمع المدني هي تقديم المقترحات ومناقشتها فقط؛ ما يجب أن نقوله رغم “زئبقيّة” المفهوم (وخلافيّته) إلّا أنّ هناك إجماعا على أنّ “المجتمع المدني” هو مكوّن أساسي داخل ما يُسمّى «الجماعات الوسيطة» ويضطلع بدور مفصليّ في ما يُسمّيه البعض “تصويب أخطاء الصندوق” وذلك عبر عقلنة العمل الحكومي وترشيد الممارسة النيابيّة وله في سبيل حماية المجتمع من «القهر المؤسّسي» أن يطالب بما يراه مناسبا لحماية المصلحة العامة وهو ما يُسمّى في “السوسيولوجيا السياسيّة” ب«تصويب أخطاء صندوق الاقتراع»، أيّ طرح مقابل هو قطْعا مصادرة لدور الفضاء العام ومحاولة مكشوفة  لقصْر صناعة القرار على «الغرف المغلقة» !..

بقلم: صابر النفزاوي –كاتب سياسي-

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك