القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

هل يخرج السودان من قمقم المؤسسة العسكرية؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-05-08 12:49:00 | 251 مشاهدة

الملخص

يعتبر بعض المتابعين للشأن العربي أن الحراك الثوري السوداني يعد مثالا من الموجة الثانية للربيع العربي، ويُنظر إليه كأحداث ومسارات تستوجب التفكير في خصوصياته وكشف مميزاته/تعثراته، ويعرض عناصر دسمة لفهم دور المؤسسة العسكرية في السياقات الثورية وأثرها في صياغة المشهد السياسي وفي تسهيل/ تعطيل البناء الديمقراطي.ويبحث المقال في اللحظة السودانية الراهنة وما تحتويه من زخم ثوري، وكيف باستطاعة التجربة أن تشكل بثرائها وتجاذباتها دعامة لنضالات الشعوب العربية وتضحياتها من أجل القطع مع الاستبداد والدخول في دورة تأسيسية للديمقراطية والحرية والكرامة.

مقدمة

تتواتر الأحداث يوميا من السودان، وما تحمله من أمال ممزوجة بتوجس حول مصير الحراك الثوري، يتضاعف مع استمرار حالة الغموض المهيمنة على الأوضاع الداخلية بعد إزاحة عمر البشير ، وتشير التطورات الأخيرة إلى توقع حدوث سيناريوهات مختلفة عما وقع في عدد من البلدان العربية، وأنها ستفرز "نموذجها" الخاص داخل مآلات الربيع العربي وانعكاساته المتنوعة. لئن تمكن البشير من تجاوز عاصفة الربيع العربي التي انطلقت بشكل متقطع وتعامل معها بالقمع الوحشي وقدمت تحركات 2013 ضريبة الدم بعشرات القتلى حسب منظمة "امنستي الدولية"، دون أن تتمكن من الإطاحة بالبشير ووقوف عديد الأنظمة معه وإسناده. إلا أن الاحتجاجات انطلقت مجددا بعد فترة ركود يوم 19 ديسمبر 2018 مع ترفيع أسعار الخبز والمواد الأساسية، لتتحول بمرور الأسابيع إلى ثورة شعبية قاومت بشراسة القبضة الحديدية التي أفضت إلى أكثر من سبعين شهيدا. حاول البشير بأساليبه وعد  في 24 ديسمبر  2019 بجملة من الإصلاحات الفعلية وغير الوزير الأول دون أن تمتص غضب الشارع. وقد عرف البشير بالرقص على حبال عديدة وعسكرة الحياة وثكننة المؤسسات- وتدوير النخب، وما واكبها من قرارات "بهلوانيات" مكنته من إدامة حكمه وسيطرة نظامه الاستبدادي وحمايته من الانقلابات العسكرية قرابة الثلاثين سنة.

حقق ضغط الشارع هدفه "الشعب يريد إسقاط النظام" بإزاحة "دكتاتور" الخرطوم، بدعم جوهري من المؤسسة العسكرية التي انحازت إلى مطالب الشعب وأعلن المجلس العسكري يوم 11 أفريل 2019 عزل الرئيس وترحيله إلى أحد السجون ومطاردة رجاله وتعطيل العمل بالدستور وإقرار المرور بمرحلة انتقالية تدوم سنتين وإعلان حالة الطوارئ  لمدّة ثلاثة أشهر  وحظر التجوال لمدة شهر. فما هي مآلات الحراك الشعبي والشبابي في السودان؟ هل سيؤدي إلى تجديد بنية الدولة وتطوير مؤسساتها وعقلنة الممارسة السياسية والسيادية للشعب أم ستدخل من جديد في قمقم المؤسسة العسكرية؟ هل ستستفيد السودان من "الفرصة التاريخية" وتصوغ تجربة نوعية في البناء الديمقراطي وتجاوز الاستبداد ثقافة وممارسة أم ينحدر مجددا إلى إيقاعات الحذاء العسكري؟ 

ذاكرة الانقلابات العسكرية وبناء مدنية الدولة

تجرع الشعب السوداني مرارة تواتر الانقلابات، وتحولت الى شبه تقاليد لتشكل لدى السودانيين ذاكرة انقلابية مقيتة، فأكثر من نصف قرن وأرض السودان "ملعب" للمحاولات الانقلابية، بعضها بلغ سدّة الحكم وبعضها قاد منفذوها إلى حبل المشنقة. وبالتالي ظل التدخل العسكري في الحقل السياسي السوداني سمة خاصة منذ باكورة الانقلابات في نوفمبر 1957 ليليه انقلاب ثان بعد أشهر قليلة سنة 1958. واستمرت التجارب الانقلابية تجسم تلازم العسكر والسياسة وتبادل الأدوار،الذي أسس لتدخل المؤسسة العسكرية واعتبارها فاعلا محوريا في مجمل العمليات السياسية تقريبا.

والاخطر من ذلك مساهمة الأحزاب في تحفيز خروج العسكر من ثكناته ودخولهم في معمعة الشأن العام، فالحزب الشيوعي مثلا لم يكن بمنأى عن توظيف هياكله ومؤسساته واختراق المؤسسة العسكرية وتنويتها، فقد ساند انقلاب النميري سنة 1969 ثمّ انقلبوا عليه لمدة ثلاثة أيام سنة 1971. واستفحلت الأوضاع  مع تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية وتجربة تطبيق الشريعة "المسقطة" أثارت خلافات كبيرة مع التيارات الليبرالية ومع الجزء الجنوبي المسيحي من السودان، ونتيجة لذلك دخلت البلاد في فوضى عارمة استلم على أثرها الجنرال عبد الرحمان سوار الذهب مقاليد الحكم. ولم يكن الإسلاميين أيضا ضدّ أسلوب "الانقلاب" في التغيير، فقد دعمت بشكل ما "الجبهة الإسلامية القومية" التي يرأسها حسن الترابي انقلاب 30 جوان 1989 الذي قاده عمر البشير ، لينفجر الخلاف بينهما بعد سنوات العسل ويزج بجزء من أصدقائه في السجن، الذين قاموا بمراجعات نقدية لخيار التغيير بالقوة أو ما يسميه الترابي "بالمقاتلة".

هذه الخبرات المتراكمة جعلت المؤسسة العسكرية فاعلا أساسيا في الساحة السياسية السودانية، وتتدخل بأشكال مختلفة في إدارة الشأن العام وتلعب دورا سياسيا حساسا، وعليه يمكن القول أن الانقلابات العسكرية ودخول العسكر في معمعة السياسية أمرا عاديا بصفة تقريبية وغير "مستقبح"، ومعترف به كوسيلة من وسائل التغيير السياسي. وهو ما يجعل النظر في الأدوار الممكنة للمجلس العسكري، فهل يتجاوز عاصفة الاعتصام وتحكم المؤسسة بشكل منفرد مع واجهة مدنية أو سياسية –استمرارا للتقاليد و"وفاء" للذاكرة، أمسيتم تسليم السلطة تماما وإعادة المعتصمين إلى جهاتهم وديارهم وإخلاء ساحة الاعتصام بالقوّة وإعادة سيناريو "رابعة" المصري. قد يحشر البلاد في معضلات لا حدود لها وأزمات سياسية تدفع السودان نحو الغرق من جديد وتفوت فرصة بناء الحرية والديمقراطية والكرامة. أم تجترح المؤسسة العسكرية خيارات أخرى وتنحت استراتيجيات تقطع مع التجارب العسكرية السابقة، وتساهم بكل شفافية في بناء المرحلة الانتقالية وتحميها، ومدى قدرة العسكر في التعبير عن "الحكمة" واستنساخ الروح الوطنية والعسكرية للمرحوم سوار الذهب، أم سيكون مدفوعا وخاضعا لضغوطات بعض البلدان والجهات الراغبة في "إخصاء" الحراك الثوري وتحييد المسار نحو تحقيق الانتقال الديمقراطي وأبعاد قيم الحرية والسيادة الشعبية عن المنطقة وعن أرض السودان.

توجد مفارقة كبرى في ذاكرة السودانيين والعرب عموما تنظر بعين الريبة إلى العسكر، وهناك من يرى أنهم إذا دخلوا قرية أفسدوها وبين من يرى أن المجلس العسكري يمثل فرصة سياسية للتنسيق معه وهو ما أكد عليه السياسي الصادق المهدي من أن المؤسسة العسكرية لم تنفذ انقلابا بل انحازت إلى خيار الشعب.وهو ما يثير تخمينات حول إمكانية التفاف رجالات السياسة المحنكين وتحويل وجهة الثورة من قبل الشيوخ، وتسهيل عودة الشباب إلى ديارهم و"شكر الله سعيكم". وهو ما ستؤكده/ تنفيه الأيام القادمة، فإما ستكون مجرد حلقة من حلقات "مشيئة" العسكر أو ستكون رافعة لاستحقاقات الثورة السودانية ومطالب شبابها ونخبها.

الاعتصام و"أغورا" النقاش السياسي

كان يمكن أن تمر حركة المجلس العسكري إلى خطّة البيان رقم 1 بنعومة، وأن تحتكر السلطة، وتتجمع حولها فئات طامحة/ طامعة وتتهافت عليها مجموعات "الزبونية" السياسية. إلا أن أسباب ذاتية أهمها الاعتصام المتواصل قرابةأربعة أسابيع والذي يشمل "قوى الحرية والتغيير" و"تجمع المهنيين السودانيين" والنخب المؤمنة بالتغيير والثورة من شباب وفاعلين مدنيين، وأسباب موضوعية منها ما يعود إلى سياقات الحراك العربي بخبراته والوعي بمآلات هو ألامه،ومنها التدخلات الإقليمية والدولية المكشوفة جزئيا أوفي جنح الظلام لتكييف الوضع السوداني بما يلائم مصالحها.

هذين السببين وهذا الاعتصام الشعبي خاصة، منع -على ما يبدو-المؤسسة العسكرية من الانفراد بالساحة وتنفيذ خططها،أو أن تكون الصوت الوحيد واللاعب الأوحد في بلاد النيل الأبيض والأزرق. فقد أنشأ الاعتصام حالة من "التفكير الجماعي"، وأرسى جزئيا ديمقراطية مباشرة في الساحات العامة حيث تدور مداولات الخبرات اليومية في إدارة الأنشطة و تسيير النقاش السياسي حول الأولويات ورسم طرق التفاوض وأساليبه مع المجلس العسكري. إضافة إلى "الحرارة" الإنسانية والوطنية التي نحتها، فقد أفرز الاعتصام طرائقه في التسيير الذاتي وارساء تنظيماته الأمنية للحيلولة دون تسرب المخربين والمندسين لا  ثارة البلبلة. وأبدع الشباب الأناشيد الثورية وأغاني الراب، وتنظيم معارض لصور الشهداء ومراسم للتصوير وتغطية الجدران بالغرافيتي، وإقامة منصات الخطابة للتعبير عن الآراء، ورفع الشعارات المعبرة مثل "نأكل عصيدة وطعمية والثورة نحميها" في اشارة ضمنية لرفض كل المساعدات الخارجية المشبوهة.

لقد أضفى الطابع الاحتفالي على الاعتصام جوا من الحميمية والعفوية الثورية، وكأن السودان انتقل من الاعتصامات إلى مخاض سياسي وورشات لإنتاج المقترحات وصياغة التوصيات التي تتماشى مع تفعيل تطلعات الشعب السوداني في حياة كريمة ونظام سياسي يليق بنضالاته المتراكمة والمتفاوتة الزخم،والتي تمتد بجذورها إلى فترة مقاومة الاستعمار الانجليزي وصولا إلى مسلسل الانقلابات العسكرية. ومن المؤكد أن هذه الثورة استفادت من حركة الاعتصام الذي ساهم في توفير شروط تحصين الحراك الثوري والشبابي من أجل مشروع مجتمعي وسياسي متكامل في الحرية والسلام والعدالة، وتأسيس نظام سياسي ومجتمعي جديد يضع السودان على سكّة السيادة الوطنية وإيجاد الحلول للمشكلات الاجتماعية والاثنية والقبلية والشروع في التنمية.

ما يدفعنا للتفاؤل أن الجيل الحالي مسلح بالخبرات النضالية على امتداد عقود عديدة والخبرات الثورية الناجحة والمخفقة في الوطن العربي. ولا يخفى على المتابع للمشهد السوداني أن عددا مهما من القيادات العليا والوسطى وعدد كبير من الجنود متعاطفة مع الشارع السوداني ومطالبه ومنحازة لمطالبه وهو أمر غير خاف على القيادات العسكرية العليا، فكانت الاستجابة بإزالة البشير وخلعه والمرور إلى مرحلة جديدة يشوبها التعقيد والغموض حول المآلات المحتملة للثورة السودانية والجدل المتجدد بين مفارقات المدني/ العسكري والديمقراطية/ الاستبداد والإسلامي/ العلماني. 

ويظل العنصر النوعي الجديد في الحراك الثوري هو وقوف المؤسسة العسكرية –إلى حد الآن- مع المطالب الشعبية وعدم الانخراط في حملات القمع المفتوح والشامل ورفض انسياقها مع دعوة "المخلوع" بفك الاعتصام بقوة الحديد والنار، وتفاعلها الذكي مع الثوار والمعتصمين،كما أنها لم تترك البلاد في حالة فراغ سياسي بإدارتها الشأن العام وتلبية الاحتياجات الحيوية للمواطنين. في المقابل رغم أهمية الاعتصام وتأثيره في بلورة استحقاقات الثورة وتنضيج مطالبها، فإنه ينضوي على نقيصة أساسية، ذلك أن "قوى الحرية والتغيير" لم تبادر بعرض مشاريع سياسية أو استشراف خطط مستقبلية، وإنما جعلت من الاعتصام "قاعة انتظار" ومخبر أفكار، راوحت بين مواقف متشددة أو مشتتة أحيانا ومرنة أحيانا أخرى. لم تكن طرفا فاعلا بل تنتظر إجابات المجلس العسكري، والتعاطي معه كمؤسسة "مرجعية" في الشأن السوداني، وقد يكون هذا المنحى فيه نوعا من الرصانة وعدم المجازفة في مساقات متوترة، خاصة ونحن نعلم الدور التاريخي للمؤسسة العسكرية بحكم تراثها في إدارة الشأن السوداني وفي تماسكها ورمزيتها.

 

المد والجزر: أحلام المستقبل وتحديات المرحلة الانتقالية

تجلت حالات المد والجزر في مسارات المفاوضات المعقدة ورهاناتها العسيرة بين قوى الثورة والمجلس العسكري، مازال النقاش متعثرا ومطروحا بين المطالبة بسلطة مدنية كاملة أو سلطة مشتركة بين المدني والعسكري.تم الاتفاق في نهاية الأسبوع الأخير من شهر أفريل بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير على تشكيل مجلس سيادي بتمثيل عسكري ومدني ، حسب ما عبر عنه أمجد فردي الناطق الرسمي باسم المعتصمين، قد يبدو الاتفاق مطمئنا نوعا ما وأن فترة الخلافات تم تجاوزها وسيتم المرور إلى مرحلة بناء الثقة المتبادلة وصياغة ملامح المرحلة المقبلة، إلا أن هذا الاتفاق في حاجة إلى تدقيق  حول تركيبة المجلس ورئاسته وصلاحياته.كما توجد أمام السودانيين حزمة من التحديات، مثلا كيف سيتم التعاطي مع الدولة العميقة التي تمكنت من دواليب وثروات السلطة وخبرات خفاياها وأسرارها. ما مدى صلابة تحالفات الأحزاب السودانية، وما هي الأرضية التي ستحدد مشتركاتها والقواسم التي تجمع بين "نداء السودان" و"الاجماع الوطني" و"التجمع الاتحادي الديمقراطي" وغيرها. فلا يمكن حل الأزمات العميقة بمجرد حصول تغيير في طاقم القيادة، بل أن حل الأزمات المزمنة تتطلب بناء سياسيا على أسس صلبة وضمن رؤية واضحة وأفق مستقبلي يخرج السودان من مستنقعات الصراعات الإثنية والإقليمية والحزبية والتفكير في مصالح السودان أولا.

وفي الحقيقة تعترض الجهتين المتفاوضتين إشكالات عديدة تخص مواصفات المرحلة الانتقالية، تتعلق بطبيعة الحكومة المقبلة وجغرافيا السلطة وشخوصها وفاعليها وبرامجها وخططها وكيفية التعاطي مع الجماعات السياسية التي تحالفت مع المؤتمر الوطني أو ساندت نظام البشير أو استفادت منه.فهل سيتم المناداة باجتثاثها أم ستنحاز إلى خيار التوافق؟وتوجد عوائق تعمق برزخ الواقع والمأمول، فالمعارضة وقيادة الاعتصام لم تتمكن من تصعيد قيادة كاريزماتية تمتلك قدرات لقيادة المرحلة القادمة وعلى الجذب ولم الشمل وتوحيد الصفوف والتوجهات، بل هناك "شبح" خطير كامن في التجاذبات الإيديولوجية ودور الإسلاميين في النظام السياسي وفي صياغة الواقع الجديد، خصوصا أنه لا يمكن وضعهم في "سلّة واحدة"، فقد وقع جزء من الإسلاميين على وثيقة الجبهة الوطنية التي طالبت بعزل البشير، ومعلوم أن تيار الترابي يتباين مع الإخوان المسلمين وقدم نقدا ذاتيا في بعض خياراته ذات الصلة بنظام عمر البشير. إن التعامل التوافقي مع تيار شعبي واسع في السودان يمثل ضمانة إضافية لمرور الحراك الثوري إلى بر الأمان، وإلا سيعيد الصراع السودان حتما إلى مربع العسكر كشريك أو ميسر وإنما كمتمسك بدفة السلطة وخياراتها.

إنها تحديات عديدة مطروحة على طاولة التفاوض، وكل ملف يختزن صعوباته ومخاطره، ذلك أن الاعتصام الهادر حقق بعضا من أهدافه، ولكن قد ينزلق في متاهات لا قاع لها، إذا لم تحضر "الحكمة" والنظر المستقبلي والبصيرة التاريخية. وشذب "نوازع الثأر" والحذر في ذات السياق من "الثورة المضادة" وانتباه قوى الثورة إلى عودة المنظومة القديمة أو فريق جديد بروح قديمة، وهي بالطبع متغيرات كل حراك ثوري يضم تقريبا نفس ردود الفعل وسلوكات متشابهة تحتاج إلى الرصد وقراءة مؤشراتها ، حماية للشعب وثورة شبابه.

ومع ذلك يظل السؤال مطروحا إلى أي حد يمكن للشعب السوداني أن يعقلن الفعل السياسي و"مدننته" وتخليصه من العسكريارتية ولو بصفة تدريجية ومرحلية في اتجاه بناء سلطة مدنية تعبر عن سيادة الشعب وممارسة سلطته. لقد عبر المجلس العسكري عن استعداده لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية إذا توافقت مختلف الفصائل والحساسيات والفئات، وهي إحدى المعضلات إن لم نقل المفصل الرئيسي الذي تراهن عليه العديد من الأطراف المتربصة بالتجربة السودانية الواعدة. ويسم الاضطراب والتردد مواقف قيادة الاعتصام ودرجة الحذر الذي طبع فيها إدارة الحوارات السياسية وإرساء ترتيبات المرحلة الانتقالية. وهو ما يتيح موضوعيا للمجلس العسكري دورا محوريا أو كمكون من مكونات التغيير / الحراك الثوري، فأين ستقف الدبابة العسكرية وفي أي خطّ؟ ألا يمكن أن تأتيها شراهة الحكم ومتعته فتلتهم كل الزخم الثوري وتجتره وتخرجه في معلبات / نظاما عسكريا في بدلات مدنية. كما أن الحكومة/ السلطة المدنية ليست مجرد حكومة "تكنوقراط" ديمقراطية الشكل والواجهة بل أن تتحمل مسؤولية نقل السودان إلى تحقيق أهداف الثورة.

المسار الثوري السوداني بين المخاوف ووضوح الرؤية

لا نستطيع أن نغلق أنوفنا عن شم رائحة الالتفاف والمناورة عن بعد في اتصالات المجلس وحواراته مع مختلف الأحزاب والتعامل معها ليس على قدم المساواة ولا وفق معايير مضبوطة، وربما في نسج صلات ملتبسة مع القوى الإقليمية والدولية، ويتمسك السودانيون بطيبتهم ولازالوا في لحظة "الإصغاء النشط"، وفي انتظار تجسيد النوايا الحسنة على أرض الفعل السياسي وتطبيقها. والخوف كل الخوف أنه كلما طال أمد المفاوضات ارتخت أوصال الثورة وشرعت النوافذ لدخول خفافيش بث الفوضى،والمطلوب بناء الثقة وهو ما يستوجب بلورة شراكة حقيقية بعيدا عن منطق الالتفاف والمناورة من المجلس أو منطق القفز والحيازة من بعض مكونات قوى التغيير. إن ما يقود الرؤية التفاوضية هي مصلحة السودان العليا وبناء دولة المؤسسات والقانون وإرساء سيادة شعبية تصلح الراهن وتستفيد منها الأجيال القادمة، إذ يعد الاتفاق على ملامح المرحلة الانتقالية ومكوناتها ذات حيوية وحساسية بما أنها لحظة تأسيسية فارقة في التاريخ السوداني.

وهو ما ينبغي التسريع فيه قبل  انفجار الأوضاع الأمنية واتساع رقعة الاشتباكات نظرا لحساسية الوضع السياسي والأمني،إذ تتكشف علامات مقلقة شأن انتشار الإشاعات وإضراب أعوان الشرطة فضلا عن الاعتداءات التي تعرض لها اجتماع حزب "المؤتمر الشعبي"، ودخول السلفيين على الخط بدعوة إلى تظاهرة تحت عنوان نصرة الشريعة. مما يؤشر أن الأيام القليلة القادمة ستشهد تطورات، نأمل أن تكون ضمن أفق وطن يسع الجميع بعيدا عن الأحقاد والالتجاء إلى سلطة القانون وحكم القضاء في مقاومة "الفاسدين" وحل الإشكالات الخلافية بعيدا عن نصب المشانق.المهم أن يحافظ الحراك في الاعتصام أو في غيره من الأشكال النضالية على سلميته، إذ تكفي "شرارة" منفلتة لتحرق كامل الحقل وتدوس على زهور التجربة السودانية الفتية. ونحن لا نريد أن ندخل في "الجرح" السوداني لكن الحذر واجب حتى لا تنساق السودان نحو منزلقات خطيرة، وأن الانفراد بقيادة المرحلة الانتقالية لن يؤدي إلا إلى وضع مأساوي واحتدام الصراعات وانفجارها وإدخال السودانيين في دوامة التقاتل والتحارب وهو ما سيفضي ضرورة إلى "اختطاف" الثورة وتحويل وجهة الاعتصام لفائدة القوى المتربصة.

والمطلوب توضيح الرؤية وإعادة بناء المؤسسات بالكفاءات الوطنية المتمرسة، ووضع "خارطة طريق" والحد من الانفلاتات التي قد تؤدي إلى انهيار المناخ الأمني وفتح المجال إلى انقلاب عسكري " شرس" أو مساند "للثورة المضادة"، وما يسوغ ذلك تفاقم تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار فوق المحتمل وتدحرج الجنيه السوداني وانتشار الطوابير لاقتناء الحاجيات الحياتية الأساسية.والتخوف من ارتخاء الاعتصام وانفضاضه تحت تأثير الحرارة وشهر رمضان قبل تحقيق الحد الأدنى من المطالب، أو أن يتم اللجوء إلى أنموذج انقلاب السيسي والمؤسسة العسكرية المصرية كاطار مرجعي لهذه الشعوب التي يروج البعض زورا وبهتانا أنها لم تنضج بعد لممارسة تجربة الديمقراطية وإنفاذ السيادة الشعبية، وكأن العسكر "قدر" لا مفر منه. 

وتبقى الصورة الجزائرية والصورة السودانية في حالة تراشح، أو الصدى المتبادل، فالشعب السوداني ينظر بإكبار وانتباه لما يجري في الجزائر، والشعب الجزائري أيضا ينظر بإجلال ويقظة لما يحدث في السودان. ومما لا شك فيه أن كلتا المؤسستين العسكريتين تنظران بانتباه وبمعادلات حسابية دقيقة حول أقل الأضرار هنا وهناك. فهل يمكن للحراك السوداني أن "يروض" المؤسسة العسكرية ويقتلع مخالب المجلس العسكري ويعيد السلطة إلى القوى المدنية، وتغيير قواعد اللعبة وصياغة عقد اجتماعي وسياسي سوداني جديد يستند إلى منظومة حكم توافقي وإلى القانون والمؤسسات بما يخصب مناخات ايجابية لتنمية البلد واستثمار ثرواته.

وتبقى مجموعة من التخوفات التي تعيق المسار الثوري السوداني نحو الديمقراطية:

أولا: انفراط عقد التفاوض والحوار بين المجلس العسكري وقوى التغيير.

ثانيا: حدوث انقلاب داخل العسكر إما في المواقف أو في الفاعل العسكري.

ثالثا: عودة الحياة للثورة المضادة والدولة العميقة المتحكمة في دواليب الإدارة.

رابعا: الانخراط في خيار الاجتثاث والاقصاء المؤدي إلى مسالك مسدودة.

خاتمة

تناول المقال حزمة من المفارقات التي تهدد المسار الثوري السوداني، ويشير إلى عناصر أمل أن تنجح التجربة وأن تقدم سيرة ثورية مفيدة في إرساء مرحلة انتقالية تفضي إلى إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية ومؤسساتية وقانونيةـ تتيح التداول على السلطة وتوفير الشروط المناسبة لتحقيق التنمية والرخاء للسودانيين وتحصنهم ضدّ الاستبداد وترسخ قيم الحرية والإسلام وأن تكون حقيقة "سلّة الغداء" لأهلها وللمواطنين العرب . وبينا أن التحدي الرئيسي أمام الثورة السودانية أن تشتغل على بناء التوافقات عنوانا للمرحلة الانتقالية، لأن هناك خيارين لا ثالث لهما، الخيار الأبيض، وهو التقاء جميع قوى التغيير ضمن روح توافقية وخطة انتقالية واضحة المعالم لبناء مستقبل السودان في قوّة تنوعه . أما الخيار الأسود، أن تبرز مخالب العسكر والمرور إلى فترة دموية تنهي التجربة على جسد الشهداء والضحايا وتعيد عقارب الساعة السودانية إلى التوقف مجددا في محطة الاستبداد وماسيه وتداعياتة المشؤومة.

 

د. محرز الدريسي (باحث تونسي)

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك