القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

هل كان بورقيبة وفيا للحداثة وأفكار التنوير؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-02 20:02:00 | 78 مشاهدة

 

ملخص:

لقد احتلّت آراء كل من منتسكيو وروسو، مكانا لها في نفس الزعيم وعقله أو هكذا كان يُعتقد§، لكن هل تمّ التزام بنظريتيهما اللتين تعدان من أبرز ما أثر في الممارسة السياسية للدول المسماة ديمقراطيات حديثة؟ وهل كان الزعيم يعتقد فيما يقوله حين يتحدث عن هاجس خوف خيانة نصوص الفيلسوفين أثناء الإعداد لترجمة برنامج الفلسفة للقسم الأول من الباكالوريا التونسية ؟ هل وفّى "الزعيم المتنور" بعهده لتلك الثقافة الحداثية حين كان يفاوض المستعمر أو حين كان يبني دولته؟

مقدمة:

لا أحد ينازع في حب بورقيبة لوطنه تونس إلا سياسيّ ممار، كذلك لا أحد يستطيع إثبات عكس المقولة : إنّه "جاهد لتحرير هذا الوطن"، على الرغممن حب تعلق بنمط عيش محتله الفرنسي. بيد أن شعور الزعيم يبدو أحيانا من الجهة الأولى وكأنه حالة مرضية يقترن شعور الحب لدى صاحبه بالساديّة، فيضحى حبّه حبّا ساديّا، وهو "حبّ مشوّه، لأنّه في الحقيقة حبّ للموت وليس حبّا للحياة"[1]، تصل درجة  هذا الحب حد أوهام الرغبة في التملك أو هو الوهم الذي يصنع فيه المحب أعداء ينازعونه حبه ، حتى إذا ما طال مرضه استعصى، عاد يرى ما صنع خيالا، واقعا ماثلا وشخوصا حية تستوجب الاستئصال، لكن هل الحب حد الشعور بالامتلاك إلاّ شكل من أشكال مرض حب الذات حد الجنون ؟

ثم إنّه لا يمكن نفي حالة من الشعور أخرى لازمت المجاهد ، أعظم فيها ذاته المناضلة حد البطولة الأسطورية، مرسّخا صفة "المجاهد الأكبر"، ميزته التي حلّ فيها فأضحى بها يُعرف في الداخل والخارج . لكن كيف أثرت هذه النفسية التي تلك علاماتها الفارقة على العلاقات داخل حزب الدستور وعلى خارطة دولة الزعيم ؟ هل كانت الدولة التي أنشأها دولة الحداثة أم طاغية مستبد ؟ هل توفر للزعيم النفوذ والهيمنة في غياب شَرْطَيْ الاستبداد: السرية والغموض ؟ وأي دور لعبه الخطاب السياسي في تحقيق ذلك ؟

 هل كانت تلك الدولة، دولة علمانية أم دولة علموية ؟ أم هي دولة حداثة مسترشدة بالدين ؟ هل كانت الإصلاحات ذات الصلة بالدين إصلاحات ذات طابع تحديثي أم طابع سلفي إصلاحي ؟ وهل كانت الإصلاحات نتيجة لتحقق الدولة وقيامها أم كانت سببا من أسباب تأسيس كيانها وتمكينها من سيادتها ؟

  1. بورقيبة وابن يوسف والعودة إلى الماضي الاصطلاحي للاستبداد:

يتحدث بورقيبة، في خضم سجاله ضد سياسة "مصر عبد الناصـر" عن "الطغيـان الفرعوني" ، ورد ذلك في معرض حديثه عن الأزمة مع النظام الناصري ، وتورط هذا الأخير في التواطؤ مع اليوسفيين لاغتيال الزعيم وزعزعة النظام التونسـي، رغم "سعي تونس للتهدئة"، يقول بورقيبة "كان الطغيان الفرعوني يحـول دون أي تهدئة " ([2]) في إشارة إلى التهدئة التي سعى إليها الوسيط العراقي بين البلدين . بيد أنه وفي إطار السجال، تلحق صفة الطغيان بورقيبة ذاته، وسوف لن يطلقها أحد "طغاة الاستعمار الفرعوني"- على حد تعبير المجاهد الأكبر - فحسب ، بل ستصدر عن زعيم لا يقل أهمية على المستوى المحلي هو صالح بن يوسف، وسوف تتزين الصفة تلك ، بمسوح وأصباغ دينية )الإلحاد، الفجور، المقدسات، جهاد في سبيل الله ، الكفار(، يقول بن يوسف: "إن الساعة دقت للتخلص من الطاغية بورقيبة الذي يحكم الشعب بالحديد والنار ويرمي به في هاوية الإلحاد، والفجور، وينهب أمواله ويعيث بمقدساته، فمقاومة بورقيبة هي جهاد في سبيل الله لأنه صديق الكفار" ([3])،

لكن هل يدل هذا القاموس الديني على أن صاحبه )بن يوسف( ، يفوق غريمه )بورقيبة( تدينا ؟ هل يكفي تأييد الزيتونيين له حتى يعدّ أكثر تدينا ؟

خارج إطار الممارسة السياسية للخطاب لا نعثر على علامة فارقة على تدين متميز للزعيم بن يوسف بالمقارنة مع بورقيبة ، لأنه في الواقع "لم يكن أحدهما متدينا أكثر من الآخر" ([4])

يصعب التسليم لفعل التسمية الصادر عن الخطاب السياسي بصفته "سلطة تلفظ " بحد تعبير أوستين، لأن هدف ذاك الفعل إنّما الحط من الخصم وتعييره، هو خطاب سجالي ضديد لصدوره عن باث وفاعل سياسي )في السلطة أو في المعارضة( يعيش الصراع على جغرافية الحكم والنفوذ .

  1. الخطاب السياسي بين الوفاء للغة الآخر وخيانة الفلسفة:

يقدم بورقيبة دولته على أنها دولة الحداثة التي تطمح لأنّ تكون ندّا لدول مثل سويسرا أو بلجيكا، فالقفز إلى مصاف الدول المتقدمة لا يحتاج سوى إعمال الرأي، الذي يعتقد القائد جازما أنه ينتصب واقعا ماثلا على الأرض، بمجرد بثه خطابا وتحقيقه تلفظا، فإخراجه سريعا نصّا في مدوّنة (كتاب)، ذلك" أن حياة الشعوب رهينة تفكير الأفراد والمسؤولين وأن في مستطاعنا[...]أن نجعل بلادنا لا تقل رفاهية ومستوى عن بلجيكا أو سويسرا أو الدنمارك" ([5])، معولا في ذلك على الحفاظ على النهج الحداثي من خلال الخطاب السياسي، والذي تدفعه إلى منتهاه آلته الإعلامية أحادية اللون، وكذلك على جملة النصوص المبثوثة في الخطاب المدرسي والخطاب القانوني، للإقناع باتجاه الدولة نحو فكر ثلة من التنويريين الفرنسيين أهمهم : منتسكيو وروسو. لأجل ذلك كان أسى الزعيم عظيما، بحيث ظل يأسف على ذهاب روح نصّي الفيلسوفين بفعل الترجمة المعتزم إدراجها[6]. لكن هل كانت المسألة تتعلق بخشية خيانة اللغة (بوصفها حلية للخطاب السياسي المضمن في البرنامج المسمّى "فلسفي") ؟ أم هي الخشية من ضياع الفلسفة القائمة عليها الدولة ؟ وهل قامت دولة بورقيبة على نظرية فلسفة سياسية لبرالية ؟ هل وفّى الزعيم بوعده الذي قطعه قبل ولادة دولته، بالحفاظ على الثقافة الفرنسية ومكانتها على مستوى مؤسسات التعليم؟، في حوار مع بيار كارفال(Pierre Corval)في جريدة العالم (Le Monde) بتاريخ 2 أوت 1955، يرد الزعيم عن سؤال حول مستقبل الثقافة الفرنسية في تونس بعد تحقيق السيادة، يقول : "بالتأكيد سوف نبقى أوفياء للثقافة الفرنسية [...] وستظل اللغة الفرنسية تحظى بالأهمية في التعليم في مدارسنا "([7])، لأجل ذلك كانت اللغة والثقافة الفرنسيتين ومازالتا تحظيان بالأولوية وتنافسان العربية في مجال التعليم بل كانتا تمثلان لدى الزعيم حالة مرضية من "الشعور الحاد بالتأخر الحضاري الذي يغذي إرادة مهوسة بالتقدم لا تسلم من التظاهر المسرحي " ([8]) لكن هل أثرت تلك الثقافة في الزعيم حين باشر المفاوضات الأولى مع المستعمر.

  1. بورقيبة بين احتكار القرار الحزبي والارتهان لاستراتيجيات المستعمر:

تبدأ رحلة بورقيبة في السير ضدّيا عن تعاليم الفلاسفة مبكّرا. لقد ظُنّ طويلا وعبر تكرار الخطاب السياسي، أنها صلب تكوينه الشخصي، بدأ هذا السير منذ المراحل المتقدمة في البحث عن "الاستقلال"، أي حين كان على رأس قيادة حزبه، ذلك أنه استبد بالرأي، معرضا عن استشارة قيادات حزبه في أول إشارة التقطها من المفاوض الفرنسي، حين تم اختياره من دونهم للإمضاء على اتفاقيات "الاستقلال الداخلي"، حينها "دون العودة إلى قيادة حزبه فرض رأيه وخاطب المنجي سليم بالهاتف بحدة وطالبه بالتلطيف من تصلبه وكان استقبال بورقيبة من رئيس الحكومة الفرنسية إدغار فور§(E.Faure) في 21أفريل1955 ليس فقط تخطيا للخلاف العالق بين الطرفين المتفاوضين بل دعم فرنسي رسمي لموقف بورقيبة. وهكذا تم التوقيع بالحروف الأولى على اتفاقيات الاستقلال الداخلي يوم 21 أفريل" ([9])، بيد أن المفاوض الفرنسي كانت عينه متجهة إلى الموقف السياسي الدولي إذ كان يقصد إلى تحاشي "الشجب من مؤتمر عدم الانحياز المنعقد في باندونغ آنذاك 18-24 أفريل" ([10]). لكن ما الذي جعل فرنسا تختار من وصفه أحد رجالها (المقيم العام مارسيل بيروطون) من قبل، بـ"الشاب المندفع غاية الاندفاع" ([11]). هل برهن أخيرا على أنه من أنصار روسو ومنتسكيو لدى أحفاد الثورة ؟ لكن هل كان الأحفاد السياسيون أوفياء للفلاسفة أم أوفياء لروبسبير ؟ وهل حملت تعاليم فلسفة التنوير وصايا باستعمار الشعوب ؟

ظلّ الخطاب السياسي للزعيم المناضل، يؤكد ولاءه الإيديولوجي للفلسفة الفرنسية، منذ صعوده إلى الساحة الوطنية، في هدف إلى إقناع أعدائه بالانتساب الروحي لفرنسا إذ ما انفك يؤكد مذكرا، ومن منفاه أحيانا "ألست أحد أبنائكم الروحيين ؟ ألم أتكوّن معكم جنبا إلى جنب" ([12]) .

يبدو أن المتلقي الفرنسي صاحب القرار، قد استمع جيدا للرسائل المكررة، بل إن له جهازا خاصا لالتقاط أنفاس الوطنيين والزعماء على وجه الخصوص، فهذا الجهاز مكّن فرنسا من معرفة "كل التفاصيل عن الزعامات الوطنية وبناء شخصياتهم وأفكارهم السياسية وحتى حياتهم الخاصة"([13])، بيد أن الوضع الدولي لم يسمح آنئذ بالضغط الكافي لمنح الشعوب المستعمرة شيئا من "استقلالها الداخلي" إلى حدود مؤتمر عدم الانحياز.

إنّ الشاب "المشاغب" سابقا، قد ألقى كل أوراقه في الممانعة، إلى درجة أضحى يؤكد على المطالبة بتطبيق اتفاقيات باردو (الشوكة العالقة بحلق فرنسا)، والتعاون بنيابة فرنسا في مقاومة المقاومة الوطنية، وقد صرّح للصحافة يوم 22 نوفمبر 1954: "نطالب بالتطبيق الحرفي لاتفاقيات باردو. إن المفاوضين الفرنسيين يختفون وراء الأمر الواقع الذي أنشأه نظام الإدارة المباشرة، لمعارضة حقنا المشروع، نطالب ببعث جيش وطني صغير ستة آلاف رجل على الأكثر تحت قيادة فرنسية [...] والاقتصاد التونسي؟ يبقى ملحقا بمنطقة الفرنك [...] إن تحويل مصالح الأمن للحكومة التونسية ضروري حتى لحل مشكلة الفلاقة" ([14])، إنّ هذا التصريح يوصم بالخيانة بالمعنى الأخلاقي الوطني، وهي صفة يطلقها رفقاء النضال غالبا حين يدب الشقاق بينهم، وهو ما فعله بن يوسف ردا على مسألة الإقرار باتفاقيات باردو، ومسألة تسليم سلاح المقاومة، وتنازلات أخرى كان يخشى وقوع المفاوض التونسـي ضحيـة لها. يقول بن يوسف مذكرا (في نص الخطاب الذي ألقاه يوم 1/1/1956، بمناسبة المؤتمر التأسيس لجامعة تونس والأحواز) : "في 10 نوفمبر 54 و24 نوفمبر 54 وجهت رسالة إلى الديوان السياسي قلت فيها إذا وافقتم على تسليم السلاح فهذا يعد منكم خيانة وإذا أقررتم معاهدة باردو في الاتفاقيات يعدّ منكم خيانة وعارا وإذا سلمتم في حقوقنا في الأمن والتمثيل الديبلوماسي والخارجية فهذا عار وخيانة أمام العالم وأمام الشعب" ([15]).

لكن إن كانت الخيانة بالمعنى الأخلاقي (الوطني( تهم وتشغل الوطنيين من منطلق نضالي سياسي- وهو أمر لا يسلم غالبا من الوجهة العلمية من تصنيفات إيديولوجية-، فإن خيانة ترجمة الولاء لفلسفة الأنوار التي تشربها بورقيبة يمكن مساءلتها، فحيث أن اتفاقية باردو اتفاقية تم توقيعها باسم الشعب التونسي ونيابة باطلة عنه لا محالة، لأنها وقعت في غيابه أو غيبوبته التاريخية، فإنه لا يُلزم العقلانية إقرارها وتثبيتها في مفاوضات بشأن استقلال ينتظر منه تحقيق تحرير الشعب من أسره، إلا إذا كانت "عقلانيّة" مستبدّ (أو مشروع مستبد) يتربص ترصدا لأن يكون حاكما بأمره .

  1. بورقيبة والوقوع رهينة استراتيجيات المفاوض الفرنسي:

إنّ خيانة الخطاب للوقائع التاريخية، هو تكراره الممل بهدف التثبيت للباطل من الأفعال الكلامية والمنافي للحوادث، بالقول بالضرورة السياسية في اصطياد تنازل فرنسا المباغت§ سببا دافعا لقبول وثيقة "استقلال" غامض، يقول: " وقد اضطررت إلى قبول هذا الاستقلال الغامض، لأنه بدون غموض لا سبيل إلى الاستقلال، ولأن البرلمان الفرنسي لم يكن ليصادق عليه بدون غمـوض" ([16]). في حين أن كل المؤشرات كانت تدل علـى أن تونس سيعترف لها بمبدأ "الاستقلال"، حيث لم يكن الأمر"مفاجئا لأحد، ذلك أن رجال الإعلام الفرنسيين كانوا يتوقعون ذلك قبل إعلانه وقبل استئناف المفاوضات التي شرعت فيها حكومة "بن عمار" يوم 25 فيفري، حيث نشرت جريدة المساء الفرنسية (France soir) في أوائل شهر فيفري عنوانا بارزا "هل تعترف فرنسا بمبدإ استقــلال تونـس يوم 6 مارس؟"([17]). من خلال مقارنة الممارسات النصية اللصيقة بتلك الحقبة، وبينها وتلك المتباعدة عنها قليلا والمعولة على فعل الزمن في الذاكرة بالمحو، نكتشف كيف يحاول الخطاب السياسي الرسمي أن يذكر متلقيه بأن استراتيجيات الخطاب التي انتهجها إنما تصدر عن "زعيم فذّ"، وقائد قارئ جيد لمنعرجات المستقبل، ومستشرف عليم بالحوادث قبل وقوعها، والظن يذهب إلى أنه سوّق تخوفه من تراجع فرنسا عن اختيارها له، على أنه تنازل عمّا منحته لتونس من وعد بـ"الاستقلال"، في خطاب يتوسل بالمقارنة مع موقفه المتميز في الحرب العالمية الثانية حيث اختار الورقة الفرنسية على الألمانية في ظرف يتوجب فيه الوقوف مع عدوّ العدوّ المباشر اهتبالا لضعف الموقف العسكري الفرنسي.

 يبدو أحيانا أن مستبدي العالم الثالث من ورثة تركة الاستعمار وصنيعـة خطابات سياسية للمستبدين من مستعمريهم-أو هكذا يعتقد معارضوهم-يستندون إلى خطابات تكشف أحيانا (في النموذج التونسي مثالا) عن تواطآت غير خافية ، ودعم صريح أحيانا ليس أقله ما كشف عنه إدغار فور (Edgar Faure) أمام البرلمان الفرنسي يوم 2 جويلية 1956، حيث قال "وقد أعطينا حكم تونس إلى "الحبيب بورقيبة" صديق فرنسا لتعزيز جانبه أمام غريمه "صالح بن يوسف" الذي يقود ثورة ضده وضدنا متحالفا مع الإرهابيين في الجزائر، والكولونيل "عبد الناصر" الذي يتزعم المد القومي العربي الذي يمتد إلى كل الشمال الإفريقي ويقضي على وجودنا فيه" ([18])، من هنا نفهم كيف أن الإستراتيجية الخطابية تكشف عن إحدى معانيها بوصفها "الطريقة التي يتصرف بها أحد الشركاء، في لعبة معينة، تبعا لما يعتقد أنه سيكون تصرف الآخرين"([19]).

لكن ألا يعني ذلك في وجه من الوجوه إتقان المفاوضين : الفرنسي (ادغار فور) والتونسي (الحبيب بورقيبة) للعبة السوبر ، بحيث نجحا في تجنب اتخاذ الطريق المسدود، وتوصلا إلى الحل العقلاني الوسط، وهما في ذلك متسلحان بـ"قناعة تامة بأن هناك خطرا أكبر ينتظر كليهما في المستقبل البعيد وأن وصولهما إلى الطريق المسدود سيتسبب في خسائر فادحة لكل منهما" ([20]). لكن ألم يكن المفاوض الفرنسي، بل خطابه هو من حدد الهدف من اختيار بورقيبة(المنهك آنذاك جرّاء الحصار) دون سواه، وكذلك هو من وضع استراتيجية التفاوض بقوله "لذلك دعمنا صديقنا، بورقيبة ليكون السد المنيع ويقطع الطريق على كل خطر من المشرق العربي " ([21]) ، فيضحى "الزعيم الفذ" أداة (سدا منيعا) في إطار صراع إقليمي، تبحث فرنسا فيه عن قطع الطريق على استبداد شرقي، بصناعة استبداد مغربي، يتلاءم وأطماعها في حفظ مصالحها في المنطقة الغربية من العالم العربي.

الخاتمة:

تأخذ الإستراتيجية الخطابية معنيين ممكنين : الأول بوصفها "اختيار الوسائل المستخدمة للوصول إلى غاية معينة" ([22]) والثاني هو حسن "اختيار الحلول الرابحة " وهو هنا بورقيبة بوصفه زعيم ينتمي إلى جغرافية الخصم (نظام عبد الناصر وحليفه بن يوسف)، بحيث تكون بيد الأول القدرة على امتلاك واستخدام الأساليب الإيديولوجية ذاتها "لحرمان الخصم من وسائله القتالية وإرغامه على الاستسلام " ([23]) . يجدر إذا وضع مشروع الدولة البورقيبة في الإطار العام، أي في إطار الممارسة الخطابية التي حفت بمنح بورقيبة الوعد بـ"استقلال" تونس. والواقع أن ذلك الوعد ظل معلقا حلما، لم يتحقق بعضه إلا بعد مرور ما يزيد عن خمس سنوات أي تاريخ الجلاء عن مدينة بنزرت. وفي هذا الإطار يمكن التساؤل عن أي شكل من أشكال الدولة هو ذاك الذي تم تأسيسه أو تسويقه ؟ وإلى أي مدى وجدت الإستراتيجية الخطابية التي تضمنها خطاب "فور " المسالك داخل الممارسة الخطابية للزعيم بورقيبة وخارجها ؟ وهل وفت هذه الممارسة بعهدها لأحفاد فلاسفة التنوير أم لأحفاد روبيسبير ؟ هل كانت دولة بورقيبة دولة علمانية، أم لائكيّة، أم علمانية نضالية ؟ هل كانت الإصلاحات ذات الطابع الديني إصلاحات دينية أم لغايات سياسية ؟ ما طبيعة تلك الغايات وما علاقتها بـ"الاستقلال" والسيادة ؟

 

سالم صمود (باحث في الحضارة)

 

 

§تجمع جل الدراسات على تأثر بورقيبة بأفكار التنوير الفرنسية، لا سيما أفكار منتسكيو وروسو، ينظر على وجه الخصوص :

C. Begué : Une politique de l’Homme, le message de Bourguiba, Paris, Hachette, 1972

[1]- باولو فرابري: تعليم المقهورين، ترجمة يوسف نور العوض، ط 1، دار القلم، بيروت، 1980، ص 39.

[2]- الحبيب بورقيبة : نصّ بيان الرئيس في جلسة افتتاح المؤتمر السادس للحزب الدستوري بسوسة ، 1959 ، كتاب مؤتمر النصر ، نشر وزارة الثقافة والأخبار ، تونس ، 1971 ، ص 43 .

[3]- عبد الجليل بوقرة: هل بورقيبة مستبد ؟ ضمن أعمال المؤتمر العالمي الثالث: السلطة وآليات الحكم في عصر بورقيبة بتونس والبلاد المغربية ، مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، ط 1، تونس 2003 ، ص 58 . نقله عن : كتاب أبيض في الخلافات بين الجمهورية التونسية والجمهورية العربية المتحدة ، ص 49 114 .

[4]- Toumi (Mohsen) : La Tunisie : de Bourguiba à Ben Ali, Press Universitaires de France, 1989, Paris, P19.

[5]- الحبيب بورقيبة : خطاب 5 فيفري 1960، ضمن كتاب "الثورة الكبرى القضاء على التخلف الاقتصادي والفكري"، منشورات الديوان السياسي للحزب الدستوري التونسي، مطبعة العمل، تونس، 1960. ص 14- 15 .

[6]يقول الصياح "في إحدى مقابلاتي الشخصية مع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة طرحت قضية تعريب الفلسفة. وقال لي : هل تعلمون بأن تعريب الفلسفة يعني بأنه قد أصبح من غير الممكن تدريس فلسفة منتسكيو ونظرية روسو ؟ ثم أردف : إن هذا الوضع يعلن عن تلاشي أسس النظام الحالي القائم على الحداثة السياسية. فأجابه أحد الحاضرين في مكتبه، بأنه قد تم الاتفاق على ترجمة هذه الأفكار فأجابه بورقيبة "الترجمة خيانة". نقلا عن آمال موسى: "بورقيبة والمسألة الدينية" دار سيراس للنشر، تونس 2006، ص 94 .

 

[7]- Louis Périllier : La Conquête de l’indépendance Tunisienne : Souvenir et témoignage, Edition Robert Laffont, SA, Paris, 1979, P.226.

[8]- هشام جعيط : الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، نقله إلى العربية: منجي الصيادي، ط1، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1984، ص 150-151.

§إدغارفورFaure Edgar (1908-1988)، محام ورجل سياسي فرنسي، تولّى عدّة مناصب في حكومات الجمهورية الرابعة، وزير الميزانيّة (1950-1951)، وزير المالية (1953-1955)، وزير الشؤون الخارجية (1955)... لعب دورا هاما في منح تونس استقلالها الدّاخلي. نقلا عن:

Michelle Monne : Dictionnaire de l’histoire, La rousse-Bordas, Paris, 1998, P.375.

[9]- عميرة علية الصغير : اليوسفيون وتحرير المغرب العربي، ط 1 ، دار النشر المغاربية للطباعة والإشهار، تونس، 2007، ص 20 .

[10]- المرجع نفسه، ص 20 .

[11]- محمود الماطري : مذكرات مناضل، تعريب : حمادي الساحلي، ط 1 ، دار الشروق، القاهرة، 2005 ، ص 51 .

[12]- عميرة علية الصغير: اليوسفيون وتحرير المغرب العربي، مرجع سابق، ص 72. نقله عن الحبيب بورقيبة: تصريحات وأحاديث، نشر وزارة الإعلام، تونس، 1963، ص 19. والاقتباس في أصله منشور بجريدة "لوموند" (Le Monde) في 5 مارس 1952 .

[13]- المرجع نفسه ، ص 72 .

[14]- عميرة علية الصغير: اليوسفيون وتحرير المغرب العربي، مرجع سابق، ص 18 .

[15]- المرجع نفسه، ص 267 .

§ هذا التعبير متكرر في خطب بورقيبة، وهو يكشف عن اعتقاد لديه في أن حصول تونس على استقلال، إنما أتى على وجه المنحة مما يتوجب الحفاظ عليه، يقول في مؤتمر النصر: " ولو تبين أن حكومتي عاجزة عن وقاية حياة الفرنسيين، لقامت على ضعفها حجة تحلم بها فرنسا للرجوع في جميع ما تنازلت عنه لفائدتنا " الحبيب بورقيبة  بيان الرئيس في جلسة افتتاح المؤتمر السادس للحزب الدستوري بسوسة، 1959، كتاب مؤتمر النصر، نشر وزارة الثقافة والأخبار، تونس، 1971 ، ص 41.

[16]- المرجع نفسه، ص 43 .

[17]- عمار السوفي : عواصف الاستقلال : رؤية في الخلاف اليوسفي البورقيبي، جذور وتداعيات، من الحبيب ثامر (1946) إلى الأزهر الشرايطي (1962) ، د. دار النشر المغاربية للطباعة والإشهار، تونتس، د.ت، ص 197 .

[18]- المرجع نفسه، ص 197 .

[19]- عبد الهادي بن ظافر الشهري : استراتيجيات الخطاب، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2004، ص 53. نقله عن أوبييردريفوس وبول رابينوف : ميشال فوكو (مسيرة فلسفية)، ترجمة جورج أبي صالح، مركز الانماء القومي، بيروت، ص 200 .

[20]- المرجع نفسه ، ص 31 .

[21]- عمار السوفي ، عواصف الاستقلال، مرجع سابق، ص 197 .

[22]- عبد الهادي الشهري : استراتيجيات الخطاب، مرجع سابق، ص 53 .

[23]- المرجع نفسه، ص 53 .

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك