القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

هل تنجح النهضة في تفعيل سياسة التعاقد

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-11-07 15:26:00 | 310 مشاهدة

ملخص:

القراءة الإجماليّة لممارسة الحكم في تونس بعد الثورة تُثبت دونما شكّ دورا محوريا لحركة النهضة في رسم معالم السلطة السياسيّة وطبيعة الحكومات المتعاقبة، فمن تجربة الترويكا التي تلت مباشرة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي إلى تجربة التوافق مع نداء تونس والرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وصولا إلى مسيرة الشراكة مع يوسف الشاهد وكتلة الائتلاف الديمقراطي والتي جرت تحت شعار الاستقرار الحكومي، كانت بصمات النهضة ورئيسها الأستاذ راشد الغنوشي واضحة وجليّة، وحتى فاصلة الحوار الوطني وحكومة التكنوقراط ما كانت لتمرّ لولا قبول النهضة بتنازلات خارطة الطريق التي أمّنت نهاية معقولة للفترة التأسيسيّة.

مقدمة:

في أعقاب الانتخابات التشريعيّة الأخيرة تجد حركة النهضة نفسها مجدّدا في مهمّة تصوّر طبيعة الحكم للفترة الخماسيّة القادمة، لكن بإكراهات جديدة وصعوبات لا تخفى على أحد بحكم ما انتهت إليه صناديق الاقتراع من معادلات حسابيّة معقّدة ومتداخلة لا تمنحُ النهضة مجالات واسعة للتحكّم في المآلات الممكنة دستوريا سواء في العجز عن تشكيل الحكومة أو الذهاب إلى "حكومة الرئيس" أو انتخابات تشريعيّة سابقة أوانها. فما هي خطوط الترابط أو التقاطعات بين مختلف تلك التجارب في الحكم؟ وما هو المطلوب الآن لضمان فاعلية أكبر لمؤسّسات الحكم وفي صدارتها السلطة التنفيذيّة الأكثر صلاحيات دستوريّة أي الحكومة؟

جرّ الجميع بمن فيهم الإستئصاليّين إلى مربّع الديمقراطيّة:

إنّ المتمعّن في فلسفة النهضة في التعاطي مع مسألة الحكم منذ الفترة التأسيسيّة إلى اليوم يُمكن أن يلحظ أن أكبر الهواجس أو المحدّدات الكبرى كانت تصبّ أساسا نحو المسألة السياسيّة وتحديدا منها استكمال متطلبات الانتقال الديمقراطي وتحقيق أعلى قدر من الوئام الوطني، وفي هذا المستوى يُمكن القول أنّ النهضة قد نجحت في جرّ مختلف الأطراف الوطنية إلى مربّع الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة بل إنّها جرّت ألدّ خصومها الإستئصاليين إلى الإذعان إلى الإرادة الشعبيّة والاندماج في العملية الديمقراطيّة والدخول إلى دائرة السلطة التشريعيّة، وهو مكسب مهمّ أنهى التفكير في الوصول الى السلطة من خارج صناديق الاقتراع وأفشل بشكل يكاد يكون كلّيا مخططات الانقلاب على المسار الديمقراطي أو تخريبه وأطاحت بأجندات الثورة المضادة التي قادتها قوى إقليميّة ناصبت الثورات العربيّة العداء منذ انطلاقها سنة 2011.

لقد نزعت تجربة الترويكا فتيل القطيعة بين الإسلاميّين والعلمانيين وتقدّمت بالحياة الوطنية وبالدولة التونسيّة خطوة مهمّة جدا في درب هضم المشاركة السياسيّة بين أكبر تيارين فكريين في تونس، وقدَّمت تلك التجربة على ما اعتراها من نقاط ضعف ووهن واضطراب في الكثير من محطاتها، تأكيدات على القدرة في تقريب وجهات النظر المتباعدة حيال مسائل الهوية والحقوق والحريات وتنظيم شؤون السلطة والنجاح في وضع تونس على قاطرة الديمقراطيّة.

ولاحقًا كانت سياسة التوافق مجالا لخفض التوتّر بين القوى الصاعدة بعد الثورة وامتدادات ما قبلها من قوى منتمية للنظام القديم تجمّعت في حزب نداء تونس على قاعدة استقطاب خطير سبق انتخابات سنة 2014 كاد يُدخل البلاد في فتنة وحالة انقسام مجتمعي وإرباك لمؤسّسات الدولة، لقد تمّ امتصاص بؤرة استهداف الثورة وبدء تخليص الاستثناء التونسي من مأزق الارتهان إلى محور إقليمي استقصد إعادة أنظمة التسلّط والاستبداد وإحياء الانقلابات العسكريّة، وبرغم ما جُوبهت به سياسة التوافق من عراقيل من داخل النهضة نفسها حيث اعتبرت خضوعا لإملاءات المنظومة القديمة، ومن خارجها حيث رأى فيها خصوم النهضة حبل إنقاذ لها وإبقاءٍ لها في دائرة الحكم، وبرغم المحطات الصعبة التي مرّت بها العلاقة بين الشيخين الغنوشي والسبسي فقد جنّبت تلك السياسة الصدام والقطيعة بين أهم مكونين أفرزتهما انتخابات 2014 ومكّنت لاحقا من المضي في المسار الديمقراطي وتنفيذ مقتضيات الدستور في باب الحكم المحلي حيث تمّ تنظيم أوّل انتخابات بلديّة بعد سنوات من التعطيل والعرقلة.

وبرغم حالة التراجع التي عرفتها سياسة التوافق نتيجة الأوضاع داخل حزب نداء تونس وتوتّر العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذيّة منذ انهيار مسار وثيقة قرطاج، فقد نشأت على أنقاض تلك السياسة شراكة على مستوى السلطة التنفيذية في القصبة بقيادة يوسف الشاهد رئيس الحكومة وأغلبيّة برلمانيّة وحزام سياسي متين قادته حركة النهضة، شراكة لئن فشلت في بلوغ هدفها الاستراتيجي في رسم ملامح الحكم ما بعد 2019 نتيجة الظروف الاستثنائيّة التي أعقبت مرض الرئيس السابق الباجي قائد السبسي فوفاته يوم 25 جويلية 2019، فقد نجحت في تحقيق استقرار حكومي وأمّنت قدرا من التهدئة العامَّة في البلاد وسلامة أداء أجهزة الحكم الرئيسيّة وتصريف شؤون البلاد في ظرف استثنائي على غاية من الصعوبة والتعقيد وتمكّنت من الوصول بالبلاد إلى أوّل استحقاق انتخابي عام في ظل الدستور الجديد.

بسبب سياسة التوافق مع السبسي وحزبه وسياسة الشراكة مع الشاهد وكتلته البرلمانيّة نالت حركة النهضة الكثير من الانتقادات وخسرت جزءا هاما من رصيدها الانتخابي وحزامها الشعبي وعرفت اضطرابات داخليّة أوشكت أن تُوقع انقساما بين أبرز قياداتها، وخسرت أيضا رهانها في الانتخابات الرئاسيّة السابقة أوانها حينما رشّحت، في آخر لحظة بعد عدم الوصول إلى العصفور النادر التوافقي مع بقية الشركاء السياسيّين، عبد الفتاح مورو نائب رئيسها الذي لم يتمكّن من المرور الى الدور الثاني مكتفيا بالمرتبة الثالثة خلف المرشحين قيس سعيّد ونبيل القروي.

 

مستجدّات تقتضي تغيير المناهج العمل:

شكّل الدور الأوّل للانتخابات الرئاسيّة محطّة مفصليّة وقفت فيها حركة النهضة على حجم الغضب الذي باتت تواجهه داخليا وفي أوساط القوى الثوريّة، فتحرّكت بكلّ قواها لاحتواء الوضع مُستعيدة العمق الثوري الذي بقي متجذّرا في قناعة قيادتها وأنصارها ولم يغب بالمرّة بل تلبّست به إكراهات ما آلت إليه انتخابات 2014 من محاذير ومخاطر على تواصل التجربة الديمقراطيّة وخبا بعض الشيء لامتصاص مخططات قوى الردّة والأجندات الانقلابيّة وإفشالها.

انتهت سياسات النهضة من الترويكا إلى التوافق والشراكة الظرفيّة إلى تأمين نجاح الاستحقاق السياسي للثورة بدخول تونس رسميًا نادي الدول الديمقراطيّة، وهذا كان هدفًا مركزيًا قاد العقل النهضاوي طيلة السنوات الفارطة على الرغم من الإقرار بتزايد الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتراجع نسق النمو وجلّ المؤشرات المالية للدولة وانخفاض سعر صرف الدينار أمام أبرز العملات الأجنبيّة.

لا شكّ في أنّ الأحزاب والنخبة السياسيّة في تونس مدينة لحركة النهضة بما تنعم فيه البلاد اليوم من حريّة تعبير وتثبيت المسار الديمقراطي، فقد أمكن لسياسات التهدئة والتوافق بما فيها من تنازلات، البعض منها كان مؤلمًا خاصة في شعبيّة الحركة وحجمها الانتخابي، إذ تراجع التمثيل البرلماني للنهضة من 89 مقعدًا سنة 2011 إلى 69 مقعدًا سنة 2014 فـ 52 مقعدا فقط في أكتوبر 2019.

ولكن هذا التراجع لم يمنع النهضة من موقع الصدارة ومن أحقية تشكيل الحكومة الجديدة مثلما ينصّ على ذلك الدستور، فهي ما تزال المحور الذي تدور حوله الحياة الوطنيّة في جزئها الكبير وهي من تقود الآن مفاوضات أو مشاورات تشكيل الحكومة مع مختلف الأحزاب والأطراف الوطنيّة.

غير أنّ الكثير من المسائل قد تغيّرت، سواء على مستوى الكتل البرلمانية وموازين القوى الناتجة عن الانتخابات الأخيرة أو على مستوى الرهانات الكبرى التي يطرحها الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب وأيضا على مستوى عودة النفس الثوري والذي بات أحد أهم الاستحقاقات الواجب التعاطي معها بجديّة خاصة بعد صعود رئيس جمهوريّة تبنّى في حملته الانتخابيّة شعار الثورة سنة 2011 "الشعب يُريد..".

هذا الوضع الناشئ فرض على قيادات النهضة ضغوطات متزايدة، فالأمر لم يعد يسيرًا ولا سهلًا، فهي محاصرة من أكثر من جانب وعلى أكثر من صعيد، وهذا ما دفعها إلى بلورة رؤية أو فلسفة جديدة ترنو الى التلاؤم مع استحقاقات المرحلة، فكانت فكرة أو سياسة التعاقد الحكومي.

التعاقد من أجل تجاوز سلبيات التجارب السابقة :

التعاقد هو شكل متطور في الشراكة السياسيّة يحرصُ دونما شكّ على تجاوز سلبيات السياسات السابقة بوضع البرنامج الحكومي قاعدة أولى للتفاوض والتشاور ومدخلا لعقد التحالفات أو الائتلافات الحكوميّة، فتجربة الترويكا كانت تخلو من برنامج عملي متفق عليه وهذا ما أحدث الكثير من الاضطراب وعسّر اشتغال حكومة حمادي الجبالي سنة 2012 وبداية سنة 2013 ووضع مؤسسات الحكم حينها، أيّ رئاسة الجمهورية والحكومة والمجلس الوطني التأسيسي في الكثير من المآزق.

كما لم تحتكم سياسة التوافق بين الشيخين وبين النهضة والنداء إلى أشياء مدوّنة أو مكتوبة بل اقتصرت على التزامات أو تعهدات أخلاقيّة وتطلع مشترك لتجاوز المطبات السياسيّة وتحقيق قدر من التهدئة دون تحقيق احتياجات الناس ودون الاستجابة لمطالبهم في التنمية والتشغيل وتحسين ظروف عيشهم، في حين باغتت التطورات المتسارعة والظروف الاستثنائيّة مشروع الشراكة الإستراتيجيّة بين النهضة ويوسف الشاهد وكمال مرجان الذي انطلق مباشرة إثر فشل مسار وثيقة قرطاج  في الثاني من ماي 2018 دون أنّ يتمكّن من الاستمرار والتبلور الى حقيقة واقعة نتيجة المفاجآت التي انتهت إليها انتخابات أكتوبر 2019.

الآن، وكأنّ النهضة تستحضر، وهي تطرح وثيقة التعاقد الحكومي، تجاربها السابقة وتعمل على تجاوز نقائصها ونقاط ضعفها، وتؤكد بشكل واضح على أنّ الأولويّة العاجلة هي البرنامج الحكومي بما يعنيه من ضرورة تحديد الإجراءات الضرورية للإقلاع الاجتماعي والتنموي وللإصلاح المالي والإنقاذ الاقتصادي، وجعل مقاومة الفساد الركيزة الأساسية للبرنامج الحكومي المقبل مع التأكيد على الدور الاجتماعي للدولة ودعم المسار السياسي وتطوير المنظومة الأمنية ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية ودفع الاستثمار وخلق النمو وتحقيق التوازنات المالية الكبرى للدولة، وهي مسائل من المفروض أن تلقى اتفاقا واسعا حولها لأنّها تكاد تكون السبيل الوحيد لإخراج البلاد من أزماتها.

الجديد في الممارسة السياسية لحركة النهضة هي طرح فكرة التعاقد، بما يقتضيه ذلك من:

1- اتفاقات مسبقة واضحة دقيقة ومكتوبة حول بنود البرنامج الحكومي.

2- التزامات وتعهدات مشتركة بين الأطراف المتعاقدة على المضي في الإنجاز والتفعيل.

  1. مجالات للتقييم اللاحق والمحاسبة وتحميل المسؤوليّات.

خاتمة

لقد عاشت بلادنا طيلة السنوات الفارطة حالة من الضياع والتيه بخصوص البرنامج الحكومي حيث غابت الأولويات وتشتّتت المسؤوليات وتداخل التقييم الموضوعي والمحاسبة والمساءلة مع تصفية الحسابات وحروب التموقع، فتزايدت تبعًا لذلك الصعوبات ولم تتحقق الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية للثورة بل وعلى العكس من ذلك تدهورت المقدرة الشرائيّة للمواطنين وتفشّت مظاهر الفساد والتهريب والتهرّب الضريبي والجبائي والاقتصاد الموازي وانخفض مردود الخدمات الإدارية والمرافق العمومية عمومًا.

لذا يكون التعاقد خطوة متقدّمة ومتطوّرة في الفعل السياسي ليس لحركة النهضة وشركائها المفترضين فقط بل للحياة الوطنية بصفة عامّة، بما سيُضفيه على العمل الحكومي من مقروئيّة وشفافيّة وبما سيُتيحه لاحقا من فرص وإمكانات للمحاسبة وتحديد مسؤوليات الإخفاق والفشل وأيضا مجالات لتصويب الخيارات والتوجهات وتأمين نجاعة وفاعليّة أكبر للعمل الحكومي.

وسيبقى السؤال المحوري الآن بعد أنّ تقدّمت النهضة بوثيقة تعاقد الحكومة:

 هل ستتفاعل بقية الأحزاب والأطراف الوطنيّة إيجابيّا مع هذه المبادرة فيتمّ الاتفاق الواسع والملزم على برنامج عمل حكومي ناجع وفاعل؟

أم ستبقى الاعتبارات الإيديولوجيّة ورغبات المحاصصة والتموقع هي الطاغية بما قد يحرم البلاد من فرصة سانحة للانطلاق في مشاريع التنمية والإصلاح؟

 

د. خالد الحداد (كاتب صحفي وباحث)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك