القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

هل تنجح الأحزاب السياسية في بلورة برامج اقتصادية واجتماعية تمكّن من الخروج من حالة الإحباط الاجتماعي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-04-19 10:46:00 | 401 مشاهدة

ملخص:

عند اقتراب كل استحقاق انتخابي، تشعر الأحزاب السياسية بحاجتها إلى تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي يعبّر عن مواقفها السياسية وفكرية وينبع من رؤيتها لتشخيص المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وتقديم الحلول لها. وغالبا ما تلجأ هذه الأحزاب إلى تقديم شعارات كبرى متشابهة في برامجها لكنها ترتطم بعد ذلك باستحالة تنزيلها على أرض الواقع. وبعد ثماني سنوات من الثورة، لا تزال الشعارات الرنّانة تسيطر على الخطاب الاقتصادي للأحزاب السياسية في تونس، كالعدالة  والتنمية والتشغيل وغيرها من الشعارات بدون تقديم مشروع متكامل لتنزيلها. فالمتأمل في علاقة الأحزاب السياسية في تونس بعامة الشعب بعد الثورة، يلاحظ وجود أزمة ثقة ناتجة عن عدم قدرة هذه الأحزاب على تجسيد شعاراتها على أرض الواقع حيث يوجد بون شاسع بينها وبين طموحات شعبها وهناك اعتقاد سائد لدى عموم الشعب بأن أكثر ما تطمح إليه الأحزاب وتسعى إلى تحقيقه هو الوصول إلى السلطة والاستئثار بامتيازاتها من أموال وجاه ونفوذ. وإن كان التنافس السياسي قصد الوصول إلى السلطة من الحقوق المشروعة لأيّ حزب سياسي فلا بدّ أن يكون في إطار رؤية اقتصادية واجتماعية تخدم مصلحة الشعب.

 

مقدمة:

تتهيأ أغلب الأحزاب السياسية وبعض المنظمات الوطنية و الشخصيات المعروفة إلى دخول غمار الانتخابات التشريعية والرئاسية والتي ستنطلق في بداية شهر أكتوبر من هذا العام لتكون المحطة الانتخابية الرابعة بعد انتخابات 2011، و2014 و2018. وقد بدأت أغلب الأطراف الفاعلة في البلاد بالتسويق لبرامجها عبر الإعلان عن الخطوط العريضة لها، فالمنظمة الشغيلة أعلنت عبر أمينها العام أنها بصدد الإعداد لبرنامج اقتصادي واجتماعي سيكون المحدد في اختيار القائمات المترشحة من طرف قواعدها وبعض الوجوه السياسية خيّرت تجميع القوى الوطنية حول مشروع موحّد سمّوه قادرون. أمّا الأحزاب السياسية الكبرى في البلاد، فلم تعلن بعد عن ملامح برامجها للفترة القادمة ولا يزال حزب النداء في طور التشكّل السياسي بعد الصعوبات التي صاحبت مؤتمره الأخير والذي لم يفضي بعد عن قيادة سياسية تتوافق عليها كل الأطراف. أمّا حزب تحيا تونس فيعتبر التوجه الاقتصادي والاجتماعي له واضحا حتى قبل الإعلان عليه خاصة وأنه أعلن في العديد من المناسبات على زعيمه السياسي، السيد يوسف الشاهد. أمّا حركة النهضة، فقد أعلنت، في الندوة السنوية الثانية لإطاراتها، أن الحركة بصدد تكوين فريق من الخبراء لإعداد رؤية اقتصادية واجتماعية شاملة لتونس في أفق سنة 2030 ستقوم بعرضها على التونسيين ضمن البرنامج الانتخابي لهده السنة.

 

1 / دورغياب الرؤية الاقتصادية في نزع ثقة الشعب من الأحزاب السياسية:

 

فخلافا للأحزاب السياسية في البلدان الديمقراطية المتقدمة، لم تستطع الأحزاب السياسية في تونس أن توفّر للشعب التونسي ما وعدت به في برامجها الانتخابية من نسب نموّ عالية وتوفير فرص عمل حقيقية لأصحاب الشهادات العليا، بل أقحمت البلاد في دوامة من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية يصعب حلّها وعمّقت أزمة الثقة التي تربطها بناخبيها وحتى بمنخرطيها. ولعلّ غياب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية للأحزاب السياسية في تونس جعلها غير قادرة حتى على تقديم الحلول للمشاكل اليومية التي يعيشها الشعب التونسي. فالأحزاب السياسية بحاجة إلى تحديد رؤية اقتصادية واجتماعية تجمّع بين منخرطيها وتلزم مرشحيها في الحكومات الاقتياد بموجّهاتها.

وإن كان الوصول إلى السلطة من الأهداف المشروعة لأيّ حزب سياسي فلا بدّ أن يكون في إطار رؤية اقتصادية واجتماعية واضحة تخدم مصلحة الشعب. فمن شروط نجاح الأحزاب السياسية، تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي متكامل يعكس التوجه الفكري له ويخدم الصالح العام، إذ لا يمكن أن يُكتب النجاح لأي حزب سياسي، طالما كان بعيدا في أهدافه وسلوكياته عن أهداف الشرائح الشعبية الكبيرة، وخاصة تلك التي عانت من الحرمان والبطالة والفقر. فإذا أراد الحزب كسب شعبية الناس وتأييدهم له عليه أن يقدّم مصالحهم على مصالحه ولا يمكن له أن ينجح طالما توجّهت قياداته إلى استثمار الفرص لصالحها وإقصاء أعضائه وإضعافهم وجعلهم من دون إرادة مستجيبين لكل ما يصدر عن قيادة الحزب. فنجاح البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للحزب يتطلب تشريك القواعد في رسم التوجهات العامة له.

 

2 / البرنامج الاقتصادي والاجتماعي، مهمة ليست بالسهلة:

 

غالبا ما يتعرّض الحزب الذي يشارك في الحكومة إلى ثلاثة أنواع من الضغوطات، ضغط الحكومة، ضغط الشعب وضغط منخرطيه وناخبيه. فللحكومة تعهدات مع المؤسسات المالية المقرضة وتوازنات مالية داخلية وخارجية. وللشعب مطالب اجتماعية لا بدّ من تلبيتها ولمنخرطي الأحزاب مرجعية لا بد من احترامها. وعلى الحزب الذي يخطط على المدى البعيد أن ينجح في كل هذه المعادلات بأن يؤسس لرؤية اقتصادية واجتماعية تلبي احتياجات الشعب وتحترم في الآن نفسه، التعهدات الداخلية من توافقات سياسية واجتماعية والخارجية من التزامات تجاه البلدان والمؤسسات الدولية.

ففي مرحلة الانتقال الديمقراطي، يمكن للحكومة أن تتخذ إجراءات صعبة أو كما يسميها البعض موجعة لكن لا بدّ لها أن تندرج في إطار رؤية سياسية واقتصادية شاملة بعيدا عن الشعارات أو مداعبة الأحلام لدى البسطاء أي عن طريق برنامج واقعي يعكس تلك الرؤية وينطلق من الموارد البشرية والطبيعية والمؤسساتية المتاحة وكيفية إدارتها وفقا للأولويات المدروسة. فالرؤية لها مرجعية معينة تحدد السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتناغمة معها. فتونس تحتاج الى أحزاب واضحة يمكن التنبؤ ببرامجها الانتخابية على غرار ما هو موجود في أعرق الديمقراطيات المتقدمة. فالأحزاب ذو الميول اليمينية المحافظة التي تنحاز للنظام الليبرالي، تلتجئ عادة إلى السياسات التحفيزية للاستثمار كالتخفيض في الضرائب. أمّا الأحزاب التي تؤمن بتدخل أكبر للدولة، تضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية لكنها تلتجئ إلى نظام ضريبي مغاير يوفّر  للدولة موارد مالية أكبر للإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية.

 

3 / البرنامج الاقتصادي والاجتماعي يتطلب مشاركة واسعة لقواعد الحزب:

 

إنّ ما يميّز برنامجا انتخابيا على الآخر، قدرته على تحديد توجهاته العامة وتبسيطها لعموم الشعب دون الخوض في مسائل جزئية أو فرعية تعد في الحقيقة نتيجة أو انعكاسا لها. ولتوفير شروط النجاح لهذا البرنامج، لا بد لقواعد الحزب أن تكون مشاركة في رسم توجهاته العامة حتى يتسنى لها تبنّيه والدفاع عنه. فنجاح أي حزب سياسي يقاس بمدى التفاف قواعده حول توجهاته الاقتصادية والاجتماعية من خلال مشاركته في صياغة البرنامج الاقتصادي والاجتماعي له، ممّا يقلّص من الفجوة التي تفصل القاعدة على القيادة. ويمكن لقيادة الحزب أن تتعرف على مواقف القاعدة من أهم القضايا الاقتصادية والاجتماعية عبر القيام باستمارة يقع استخدام نتائجها لتحديد مواقع الخلل من حيث اتساع الفجوة بين القاعدة والقيادة، بمعنى آخر يمكن تحديد المناطق والمواضيع التي تستدعي تدخّلا من القيادة لتأطير القاعدة أو مراجعة من طرف القيادة لبعض التوجهات البعيدة على رغبات القاعدة. ومن النقاط البارزة التي وجب على البرنامج الانتخابي تناولها، نوع الاقتصاد، نمط الملكية، حرية السوق، وطبيعة دور الدولة. وفى كل هذه الاختيارات لابد أن يكون المنوال الاقتصادي والاجتماعي حاضرا، فالمنوال الاشتراكي يقيّد السوق ويربطه بمركزية الدولة وبدور أكبر للقطاع العام بحيث لا يسمح عادة للقطاع الخاص المشاركة فى القطاعات الإستراتيجية كالتعليم والصحة والبنية الأساسية، لكن ما يعاب على هذا التوجه الدور المحوري الذي يلعبه الجهاز الإدارى بحيث تكون البيروقراطية هى القاعدة الأساسية لهذا النظام ممّا قد يؤثّر على الإنتاجية وعلى معدلات التضخم المالي. أمّا المنوال الاقتصادي الذي يرتكز على نظام السوق الحر، فهو وإن كان أفضل فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي وخلق الثروة فى الاقتصاد عبر القطاع الخاص، إلا أن مخلفاته الاجتماعية، من حيث التوزيع العادل للثروة، قد تكون حجر عثرة في نجاحه ممّا يتطلب البحث عن منوال يحقق المعادلة بين الحرية الاقتصادية والالتزام بالدور الاجتماعي .

 

4 / التمييز بين الحزب والحكومة شرط أساسي لنجاح برنامج الحزب :

 

أثبتت التجربة التونسية بعد الثورة أن الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات لا تستطيع أن تحكم لوحدها ممّا أنتج نمطا جديدا للديمقراطية، وهي الديمقراطية التوافقية. فالحكومة الأولى التي أفرزها الصندوق في انتخابات 2011 وهي حكومة الترويكا، تألفت من ثلاث أحزاب وهي النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات والحكومات المنبثقة من انتخابات 2014 تكوّنت في البداية، مع السيد الحبيب الصيد، من أربع أحزاب وهي نداء تونس والنهضة وآفاق تونس والإتحاد الوطني الحر وتوسعت بعد ذلك في حكومة السيد يوسف الشاهد إلى ستة أحزاب بإضافة حزبي المبادرة الوطنية الدستورية وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي قبل أن ينسحب حزبي آفاق تونس والوطني الحر وينبعث الحزب الجديد تحيا تونس لتبقى هذه الحكومة متكونة من أربعة أحزاب سياسية بعد انسحاب حزب المسار. وبالتالي تجد الأحزاب المتحالفة في الحكم نفسها في وضع يستحيل فيه تطبيق جل النقاط الواردة في برامجها التي وعدت بها قواعدها وكذلك ناخبيها وتضطر للتوافق فيما بينها حول برنامج للحكم قد يكون بعيدا عن توجهاتها المعلنة في برامجها الانتخابية. وعادة ما تضطر الأحزاب السياسية المتحالفة في الحكم للدفاع المستميت على برامج الحكومة في إطار ما يسمى بالتضامن الحكومي وهو ما يؤدي إلى ذوبان الحزب في الحكومة. وفي صورة نجاح الحكومة في مهمتها، يمكن للأحزاب المشاركة فيها أن تجني ثمرة النجاح لكنها تجد نفسها في منافسة سياسية مع بعضها في الانتخابات الموالية حيث يصعب تنسيب النجاح إلى حزب دون غيره. وعادة ما يحسب هذا النجاح الى رئيس الحكومة دون غيره من الوزراء المشاركة معه وبالتالي يستثمر حزبه هذا النجاح في الانتخابات الموالية. أما في صورة فشل الحكومة في تأدية مهامها، وهو الحال بالنسبة لحكومة الشاهد، فكل الأحزاب المشاركة قد تلجأ إلى تنسيب الفشل إلى غيرها من الأحزاب المشاركة معها أو حشر حزب دون غيره في الزاوية لتقديمه ككبش فداء لفشلها وهو ما قد يحدث في الانتخابات القادمة والتي قد تؤدي الى تحميل حزب النهضة هذا الفشل الذريع في إدارة المرحلة الاقتصادية والاجتماعية في صورة تجميع القوى السياسية التي تنتمي إلى نفس العائلة والتي تسمي نفسها ب "العائلة الوسطية التقدمية" وهو ما تسعى إليه بعض الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية ومن بينها رئيس الجمهورية.

وللخروج من هذا المأزق السياسي، وجب عل الأحزاب السياسية المشاركة في الحكم التمييز بين الحزب والحكومة،  فعندما يعكس البرنامج الحكومي القواسم المشتركة بين برامج الأحزاب المشاركة في الحكم، يكون البرنامج الاقتصادي لكل حزب ممثلا فيه بنسبة تعادل حجم تواجد الحزب في الحكومة، وهي الزاوية التي يتحرك فيها الحزب للدفاع عن خياراته في برنامج الحكومة.  فوضوح البرامج الاقتصادية للأحزاب السياسية المشاركة في الحكم تجعل المتابعين للشأن الاقتصادي عارفين بمدى الإسهام في المنجز الحكومي للنقاط المدرجة من برنامج هذا الحزب أو ذاك في البرنامج الحكومي المشترك.

 

خاتمة:

 

بعد تجربة ديمقراطية دامت ثمان سنوات قدمت فيها الأحزاب السياسية برنامجين للحكم، من المنتظر أن تتحسن مضامين البرامج الاقتصادية والاجتماعية في الاستحقاق الانتخابي القادم والمبرمج في أكتوبر 2019. وتصبح أكثر واقعية. وقد تساعد الانتاجات العلمية الأخيرة لبعض النخب المتخصصة في الشأن الاقتصادي من إتاحة الفرصة للأحزاب السياسية لتحسين مضامين برامجها وتقديم الحلول الأكثر واقعية والتي تمكّن في الآن نفسه من الوفاء للتوجهات الفكرية لقواعدها.

 

أ.د. رضا الشكندالي ) الجامعة التونسية)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك