القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

هل تعيد ليبيا رسم العلاقات التونسية الفرنسية؟

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-05-09 14:15:00 | 322 مشاهدة

ملخص:

نتناول في هذا المقال آثار الأوضاع العسكرية في ليبيا على مستقبل العلاقات الفرنسية التونسية بعد الكشف عن عناصر استخبارية فرنسية حاولت دخول تونس بما تملكه من أسلحة  تحت غطاء دبلوماسي في ما عده التونسيون انتهاكا لسيادتهم. ونقصد بالآثار المستقبلية خروج تونس من حالة التماهي غير المعلنة مع السياسة الفرنسية ووضع حد لغياب الندية والمعاملة بالمثل بين البلدين ،إلى أي مدى نحن نسير في هذا الاتجاه.ما مدى واقعية هذه الخيارات؟ومادى جدية الدواعي التي بنيت عليها هذه الأسئلة ؟

المقدمة:

نفت الرئاسة التونسية ما نقلته إذاعة فرنسا الدولية عن مصدر رئاسي تونسي من أن المجموعتين الفرنسية والأوروبية اللتين اوقفتا بمعبر رأس الجدير والحدود البحرية هم عناصرٌ استخبارية وليسوا دبلوماسيين  . وكانت الإذاعة الفرنسية نقلت عن المصدر الرئاسي أن الفرنسيين الثلاثة عشر الذين تم اعتراضهم بمعبر رأس جدير الحدودي مع ليبيا، ينتمون إلى جهاز المخابرات الفرنسية وليسوا دبلوماسيين كما أعلنت فرنسا سابقا. وعبّر المصدر للإذاعة عن استيائه من هذا التصرف الفرنسي الأوروبي الذي اعتبر أنه يمسّ سيادة تونس. وقال المصدر إن مدينة جربة التونسية أصبحت قاعدة خلفية لأجهزة المخابرات الدولية.

1 / السياق والدلالات:

جاءت حادثة العناصر الفرنسية والأوروبية وسط جدل كبير حول السياسة التونسية في ليبيا ،إذا اختلفت مواقف التونسيين  اختلافا بينا فرأى كثيرون أن الدبلوماسية التونسية في الموضوع الليبي غاب عنها تقدير الأمن القومي لتونس وملاءمة روح الثورة التونسية وهما عنصران يفترضان أن تعبر تونس بكل وضوح ودون مواربة عن مساندتها لقوى السابع عشر من فبراير في ليبيا الذين يمثلون  الثورة وكذلك لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا و أن يدينا كل تدخل أجنبي خاصة من الدول التي عرفت بمعاداتها لثورات الربيع العربي  في حين يذهب آخرون إلى أن الموقف الدبلوماسي التونسي موقف سليم منسجم مع تاريخ الدبلوماسية التونسية التي اعتادت الوقوف على الحياد وعلى مسافة واحدة من كل الأطراف و أنه لا توجد ضرورة لتغيير هذه السياسة بعد الثورة . وإذا صرفنا النظر عن بعض الآراء التي تدعو تونس للاصطفاف علانية مع اللواء المتقاعد خليفة حفتر  في مواجهة ما يزعم أنها ميليشيات ارهابية تسيطر على طرابلس ،وهو موقف عبر عنه حزب مشروع تونس بقيادة محسن مرزوق  وبعض النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي فإننا نميل  إلى  القول بأن حجج الفريق الأول الذي يدعو إلى خروج تونس من سلبيتها تجاه ما يجري في ليبيا  تكتسب معقوليتها من جهة مساسها بالأمن القومي التونسي لما تمثله سيطرة مفترضة لقوات حفتر على طرابلس من خطر على الحضور التونسي في ليبيا من جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والأمنية فلا يختلف اثنان في أن حفتر لا يشعر  بالارتياح تجاه الموقف التونسي عموما  وقد عبر عن ذلك في مناسبات مختلفة وبطرق مختلفة ،والناظر إلى تاريخه وموقفه من الثورات العربية عموما وعلاقته بالنظام الليبي المخلوع  تؤكد أهمية الموقف الداعي الى ضرورة أن تمنع تونس كل محاولة من حفتر لحسم النزاع عسكريا في طرابلس لفائدة قوات حفتر . غير أن المشكل المثار هنا لا يتعلق بحفتر وقواته فقط بل يمتد إلى أعمق من ذلك و أكثر تعقيدا ،فحفتر في نهاية المطاف ليس إلا واجهة لأطراف أجنبية  تسعى للهيمنة على مقدرات ليبيا وفرض أجندتها السياسية بناء على ما ستفرزه معركة طرابلس التي جاءت خلافا لكل توقعات المراقبين الذين كانوا يرقبون لقاء غدامس الجامع للحوار الوطني بين مختلف الفرقاء الليبيين  ،لكن يبدو أن القوى الدولية وعلى رأسها الفرنسيين الذتي تدعم حفتر كانت مستعجلة في قطف ثمرة دعمها لكن حسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر كما يقول المثل العربي وظهر لهذه القوى ما لم يكن في حسبانها ،من ذلك عودة الوحدة بين مختلف الفصائل المسلحة المنتمية لقوى الثورة   برغم الاختلاف البين بينهم والذي طال أمده .،هذه الوحدة أثمرت قوة على الأرض ودفعت بالفرنسيين والأوربيين الذين جاؤوا لتقديم الدعم لقوات حفتر إلى الخروج من طرابلس ومغادرة المعركة خاصة بعد الضغط السياسي الناجح الذي مارسته حكومة الوفاق الليبية وحلفائها كايطاليا مثلا .لكن لماذا اختار هؤلاء تونس؟

2 / لماذا تونس:

لا يمثل التفسير الجغرافي لهذا الاختيار الذي يستند للتقارب الحدودي بين طرابلس وتونس،أي قيمة في التحليل هنا  ،ذلك أن الرواية الفرنسية نفسها ناقضته دون أن تشعر حين ذكرت أن الفريق معني بحماية السفيرة الفرنسية في ليبيا  والحال أن السفيرة تقيم في تونس ،لكن يرى مراقبون للعلاقات الفرنسية التونسية أن حالة من التماهي الكلي بين المواقف وسكوت السلطات التونسية عن التدخل المباشر في الشأن الداخلي التونسي للسفير الفرنسي الذي صار نحل تندر ساخر  لدى التونسيين بحضوره في كل المحافل ،هذا السكوت شجع فرنسا على اعتباره موافقة ضمنية من تونس على ممارسات فرنسا في ليبيا وعلى استباحتها للسيادة التونسية. غير أن انفتاح  المجال العام  التونسي وقوة الرفض التي عبر عنها جزء هام من التونسيين لهذا التدخل وانتشار المعلومة  دفع بالسلطات التونسية إلى الخروج من حالة البين بين تجاه السياسة الفرنسية في تونس . وفي هذا الصدد يقرأ بعض المحللين دلالات تصريح المصدر الرئاسي لإذاعة فرنسا الدولية على أنها تبادل أدوار  داخل أجهزة السلطة التونسية رفضا للموقف الفرنسي الذي ضاقت به تونس وخروجا من دائرة الحرج الدبلوماسي  باجتناب مواجهة مباشرة مع فرنسا يبدو أن السلطة الحالية في تونس غير جاهزة لها . نقرأ ذلك من خلال مؤشرات مختلفة أهمها لقاء الرئيس الباجي قائد السبسي برئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري الذي عقد مؤتمرا صحفيا في السفارة الليبية في تونس  أكد فيه  رفض الحوار مع حفتر الذي أطلق عليه صفة المجرم منددا بالجامعة العربية التي اعتبرها موظفا في وزارة الخارجية المصرية في المقابل تم إلغاء مؤتمر صحفي كان من المفروض أن يعقده بتونس العاصمة  وزير خارجية الحكومة الليبية المؤقتة غير المعترف بها دوليا عبد الهادي الحويج. وقال ممثلو الحكومة المذكورة في بلاغ مقتضب إن أسباب التأجيل تعود الى ما سمتها "المستجدات الواردة اليهم من ليبيا وتطورات الاحداث الايجابية المتسارعة ". على حد تعبيرهم في المقابل رجحت مصادر مطلعة أن يكون سبب المنع هو رفض السلطات التونسية منح ترخيص لعقد المؤتمر المذكور. هذه المؤشرات وغيرها تجعلنا نقف على دلالات التصريح الذي نقلته اذاعة فرنسا الدولية عن مصدر في الرئاسة التونسية  و أولها:الجرعة الملحوظة من الوضوح والجرأة على التنديد بتجاوز فرنسا الخط الأحمر المتعلق بالمس بالسيادة الوطنية أولاها فهذه أول مرة تتحدث فيها تونس بهذه الطريقة،وثانيا القلق الذي تسببه هذه التحركات للسلطات التونسية التي من الواضح أنها أدركت خطورة  هذه التحركات على أمنها القومي  وهي تعلم أن استقرار ليبيا جزء من استقرار تونس.

3 / الرئاسة التونسية بين النفي والمواربة:

مثلما اعتبرنا تبرير  السفارة الفرنسية لوجود المسلحين الفرنسيين غير ذي معنى وكذلك حجج القائلين بالعامل الجغرافي في اختيار تونس لا يستقيم أمام النقد والتمحيص فإننا نرى أن نفي الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية التونسية لما نقلته اذاعة فرنسا الدولية لا يعدو أن يكون دورا ضمن الأدوار التي قلنا إن الدبلوماسية التونسية لجأت إلى تبادلها بين مختلف أجهزتها خروجا من حالة الاختناق الدبلوماسي التي أِشرنا إليها جراء ادراك السلطة التونسية أهمية الخطر الاستراتيجي على الأمن القومي الذي تمثله سيطرة حفتر على طرابلس مقابل "ضعف"  واضح في مواجهة ضغوطات محتملة من فرنسا في حال كان موقف تونس حادا ومباشرا ومحرجا لفرنسا .

3 / إشكالية العلاقة التونسية الفرنسية:

تعتبر العلاقات التونسية الفرنسية علاقات معقدة وليس من الهين تفكيكها أو قراءتها من خلال بعد واحد فذلك أمر غير متيسر ولا منصف في آن واحد ،فهي علاقة متلبسة بوزر التاريخ الاستعماري الطويل  لفرنسا في تونس ،وهو تاريخ ما يزال إشكاليا لدى التونسيين قراءة وفهما وموقفا ،فالتخلص منه لم يكن محل اجماع و إنما صار كذلك بفعل الأمر الواقع وليس بفعل القناعة المبدئية وهو ما أثر على الموقف من فرنسا ومن الحضور الفرنسي عموما في الحياة المدنية والسياسية في تونس . لقد انتهى الاستعمار العسكري الفرنسي المباشر من خلال اتفاقية حكم ذاتي لم يرض عنها كل التونسيين وظلت آثارها بادية في مختلف مجالات الحياة المدنية التونسية خاصة على المستوى الثقافي وقد برز هذا الاختلاف إلى السطح بعد الثورة حتى صرنا إلى مجتمع منقسم على نفسه شق موال بل منخرط تماما في المشروع الثقافي الفرنسي و آخر رافض لهذا المشروع رفضا كليا.  هذا الانقسام الداخلي التونسي  يسير بالتوازي مع رغبة فرنسية لم تنقطع في الهيمنة على مستعمراتها القديمة وكذلك مع سياسة دبلوماسية تونسية أسست على الحياد وعدم المواجهة.  ولأن الثورة بعثت برسائل تحذيرية لفرنسا تخص مستقبل هيمنتها فإن هذه الأخيرة وجدت في ليبيا فرصة هامة للحفاظ على مصالحها في تونس  خصوصا وفي منطقة المغرب العربي عموما ،وذلك منذ مشاركة فرنسا في دعم الناتو للثورة الليبية ضد نظام القدافي،ولأن مسار الثورة الليبية نفسه لم يتلاءم مع الحسابات الفرنسية فقد  غيرت فرنسا من حليفها الليبي في اتجاه حفتر الذي يبدو الحليف الأمثل لتحقيق  الأهداف الفرنسية في حال هيمنته على الوضع في ليبيا إذ سيشكل الخنجر القاتل في خاصرة الثورة التونسية  بما يضيق من مجالها الحيوي خاصة في ظل دبلوماسيتها الخجولة وهو ما يزيد من فرص الحضور الفرنسي في الحياة السياسية التونسية . ويبدو أن الإدراك المتأخر للتونسيين لخطورة هذا الحضور الفرنسي والمتغيرات التي تشهدها ليبيا أطلق لسان الدبلوماسية التونسية على خجل تعبيرا عن نفاذ صبرهم تجاه سياسة فرنسية فجة لم تترك لحلفائها من التونسيين مجالا للمناورة وتقديم المبررات لمجتمع تغير بعد الثورة تغيرا يبدو أن الفرنسيين لم يدركوا حجمه ولا عمقه بعد.

خاتمة

عرفت الدبلوماسية منذ نشأتها جملة من القواعد الإيطيقية والبروتوكولية التي تحدد تصرف دولة إزاء أخرى ترتبط معها بعلاقة دبلوماسية ،لكن هذه القواعد لا تمنع توجيه رسالة شديدة الوضوح  ولا اتخاذ موقف صارم تجاه أي تصرف ينتهك السيادة من أحد الأطراف تجاه الآخر ، وهذا ما ساد وما يزال كل العلاقات الدبلوماسية بين مختلف دول العالم ،غير أننا شهدنا في السنوات الثلاث الأخيرة بعد انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهجا جديدا في الدبلوماسية يعتمد على خرق كل الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها وانتهاج لغة فجة ووقحة في بعض الأحيان ،وهو ما يعني أن هذه القواعد ليست مقدسة إلى الدرجة التي تمنع دولة ما من تجاوزها إذا اقتضت الضرورة السيادية ذلك

ويبدو أن الدبلوماسية التونسية تحتاج إلى درجة من الجرأة تزيد عما هي عليه الآن وتستجيب لروح الثورة التونسية دون الوقوع في النمط الأمريكي الجديد الذي يخرق القواعد الأخلاقية للأعراف المتداولة ،وقد وفر الوضع في ليبيا التي تشكل عمقا استراتيجيا

لتونس وفر  فرصة هامة لتحرير الدبلوماسية التونسية من أسر الخجل الموروث في مواجهة من ينتهك سيادتها مثلما وفر فرصة لإعادة ضبط العلاقات الدولية  وفق لمعايير جديدة تقطع مع منطق الهيمنة والتدخل ومعاداة  حق الشعوب في الاختيار وهي القيم الجديدة التي تأسس عليها النظام السياسي بعد الثورة في تونس وعلى الدبلوماسية أن تعمل على ترسيخه .

الدكتور سمير ساسي ( باحث وأكاديمي تونسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك