القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

هكذا ينبغي أن تحكم حركة النهضة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-10-21 11:45:00 | 1007 مشاهدة

 

الملخص

         شهدت الساحة السياسية التونسية زلزالا كبيرا بمناسبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية بما يمكن وصفه بالموجة الجديدة للثورة التونسية. لقد كنست الانتخابات عديد الأحزاب والتيارات المؤثرة في العملية السياسية الماضية منها الحزب الحاكم السابق نداء تونس ومنها الجبهة الشعبية ذات التوجه اليساري وغيرها، بالمقابل حصلت النهضة على المرتبة الأولى ما يخول لها تشكيل الحكومة، وهو فوز بطعم الولادة وانتصار بطعم الثأر من المنظومة القديمة واستمرار في القيام بدورها حماية التجربة الديمقراطية، لكن هذا الموقع المهم يضعها أمام تحدي تشكيل الحكومة في ظل تشتت البرلمان بتذرر الكتل الحزبية القديمة وصعود كتل جديدة. كيف سترفع حركة النهضة هذا التحدي؟ هذا ما تسعى الورقةإلى النظر فيه.

مقدمة

بعد السادس من أكتوبر يوم الانتخابات التشريعية في تونس وهو يوم العبور على حد قول الأستاذ العويديدي تشبيها بعبور الجيش المصري قناة السويس في حرب عام 1973،استعادت الثورة التونسية أنفاسها مع انتصار النهضة وشركائها في المد الثوري على أنقاض أحزاب المنظومة القديمة. لقد أخذ الغنوشي بثأره القديم من مخلفات سيستام بن علي القديم المرسكل والاستئصالي. لهذا يمكن وصف هذا الفوز بالفوز السياسي الاعتباري والرمزي وليس فوزا انتخابيا لأن النتائج حقيقة لا تحيل إلى انتصار كاسح وماسح، إذ المقاربة العددية لا تميل لكفة الفوز الانتخابي المعتبر، من أجل ذلك يصف أبو يعرب المرزوقي حركة النهضة باعتبارها قاطرة التغيير في تونس، بـ «سفينة نوح" للربيع العربي"، ليس في تونس وحدها بل في كل الأقاليم وربما في العالم الإسلامي كله وأضاف إن ما حدث في تونس بفضل دور النهضة مثال ينبغي أن يحتذى بهمن جميع الإسلاميين في بلاد العرب للوصول إلى ما تحقق في تونس من بداية مشجعة للمسار الديمقراطي.

وفي ذات المغزى يقول الكاتب والسياسي الجديد الأستاذ عبد اللطيف العلوي: كان للنهضة الفضل الأكبر في تدمير السيستام، وكان الثًمن في ذلك تدمير جزء من بنيانها هي أيضا. لا تستطيع أن تدخل الحرب وتخرج منها بلا جراح وبلا دماء وبلا خيانات، لكنّه ثمن معقول ونبيل، كان لا مفرّ منه، في معركة سيسجّل التّاريخ أنّها كانت هي الأقسى منذ الاستقلال...خمس سنوات مضت، والنهضة تحارب وحدها بظهر مكشوف، وبمسدّس في الرّأس. وكان هدفها الأكبر ألا يسقط المسار. وبعبارة أبو يعرب ألا يقضي على التجربة الوحيدة ذات النجاح النسبي في ثورة الربيع العربي.مع ذلك تتجه بعض التعليقات حتى من الطيف الإسلامي العربي على تنسيب هذا الفوز كما جاء بقلم الأستاذ المغربي بلال التليدي أن المؤشرات الرقمية، تقول كل شيء عن مستقبل الديمقراطية في تونس، فلا يمكن تشكيل حكومة إلا من عدد كبير من الأحزاب، فإذا انضاف إلى ذلك تراجع نسبة المشاركة التي لم تتعد 41 في المائة، فمعنى ذلك أن الديمقراطية في تونس لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أما إسلاميو النهضة، فتصدر المشهد يخفي أزمة كبيرة، تتمثل في التراجع السياسي والانتخابي الظاهر ولا يمكن أن يبرر هذا التراجع بأي مسمى كان حتى ولو كان مسمى تحصين التجربة وتقديم كلفة التوافق وغيرها من العناوين.

في ضوء هذه اللحظة السياسية التونسية، كيف ستتعاطى حركة النهضة مع المشهد السياسي وكيف ستعمل على هندسته بما يخدم موجة الثورة والعدالة؟ وما هو الخطاب الجديد التي ستقدمه للشعب التونسي بعدما بعث برسالة القطع مع الماضي ومنظومته المهترئة؟ وما هي الوجوه والدماء الجديدة المرتقبة من حركة النهضة لتشكل حكومة ونخبة سياسية جديدة تنهض بالبلاد في الفترة القادمة؟

كيف ستهندس النهضة المشهد السياسي المقبل؟

موجهات التحالف ولاءات النهضة

لقد أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة نوعا من الشتات الحزبي من خلال تعدد الكتل وكثرة المستقلين بما يصعب معه تشكيل حكومة مستقرة. هذا ما يجعل المرحلة القادمة المباشرة لإعلان النتائج هي مرحلة البحث عن التحالفات. في هذا الإطار يثار سؤال عفوي وبديهي وهو مع من ستتحالف حركة النهضة؟ هذا السؤال بدوره يحيل على سؤال آخر يطرح بشدة لدى الملاحظين وهو؛ هل أصبحت الأحزاب تخشى من التحالف مع حزب حركة النهضة لأنها آكلة الأحزاب بوصفها الغول السياسي كما طرح بعض الإعلاميين؟ قد تكون هذه الظاهرة صحيحة لكن السؤال ما هي أسبابها الحقيقية؟ بالنظر إلى تاريخ المشهد السياسي التونسي القريب يلحظ كل متتبع للمسار السياسي التونسي ما بعد الثورة إلى شبه تلاشي أحزاب قادها زعماء محترمون يشهد لهم بالنضالية مثل حزب المؤتمر برئاسة الرئيس الأسبق والمناضل الحقوقي محمد المنصف المرزوقي وحزب التكتل بقيادة المناضل الديمقراطي مصطفى بن جعفر الذين شكلا مع النهضة حكومة الترويكا عام 2011. كما يلحظ أي متتبع مصير حزب نداء تونس الذي توافقت معه النهضة بعد انتخابات 2014 وكيف اندثر في انتخابات 2019 بعد تشقق وانقسامات وقصة التوريث والمعارك العائلية. لكن هذه الحقيقة الثابتة في واقع حال تلك الأحزاب لا تعني دخل حركة النهضة في نهاياتها المأساوية كما يقول بعض الملاحظين "لأن أحزابا أخرى كثيرة لم تتحالف مع النهضة بل ناصبتها العداء قد أكلتها الأيام هي أيضا. فأين الحزب الجمهوري الذي قرر معارضة النهضة قبل الصدور الرسمي لنتائج انتخابات 2011؟ وأين الجبهة الشعبية التي جعلت همها الوحيد القضاء على النهضة وتشويهها مقدمة لإعدامها؟ وأين العريضة الشعبية؟ واين الاتحاد الوطني الحر؟ واين حزب المشروع؟"

لا يمكن اليوم  التحالف مع النهضة وبعد تسونامي الانتخابات دون الاعتراف بها كجزء أصيل من المشهد السياسي واعتراف بجهدها وعملها من أجل استقرار الوضع في تونس.وقد دعت النهضة أكثر من مرة طوال تواجدها في السلطة "خصومها بالانصراف عنها للعمل والتوجه للجماهير والسعي إلى طلب الرزق السياسي من أبوابه المشروعة" والابتعاد عن المناكفات السياسية والأيديولوجية ودعوات الإقصاء والاستئصال المدفوعة بأجندات لإفشال الثورة والمسار الديمقراطي وخدمة لفئة من الوصوليين والانتهازيين الذينخسروا مواقعهم وامتيازاتهم التي كانوا ينعمون بها قبل الثورة والتي لم تربح منها تونس إلا الهشاشة الحزبية وترذيل الطبقة السياسية والتردي الاقتصادي.

جاء في بيان حركة النهضة الأخير إن الحركة لا تتحالف مع أحزاب الفساد ولا تتحالف مع دعاة الاستئصال والإقصاء. هذه اللاءات التي ستشكل طبيعة المشهد السياسي الجديد مادامت النهضة هي المحدد الرئيسي والمهندس الأول للمشهد السياسي التونسي المقبل ما يعني الفيتو يتجه نحو عدم التحالف مع حزب قلب تونس وحزب الحر الدستوري الذين هما عبارة عن أحزاب إحيائية للمشروع النوفمبري وفلوله المتبقية.

ربما النهضة بهذه اللاءات ضيقت عن نفسها هامش المناورة، فالسياسة مثل الحرب لا تسمح باللعب في الأزقة المغلقة ولكن للأخلاق والمواقف والمبادئ والوعود والتعهدات ثمن قد يكون مكلفا. فلقد مات المتنبي من أجل بيت قاله يسم شخصه بالشجاعة. إن ضيق الإمكانات قد يفوت فرص تشكيل الحكومة إذا لم تجد سندا من العائلة الثورية وعندها يسقط المعبد على الجميع.

  1. برنامج حكومي وطني مشترك

ترى النهضة أن تحالفها مع الأحزاب وتشكيلها لحكومة في المستقبل سيقوم على أرضية مشتركة بين الكتل القريبة منها في الخط السياسي وعلى قاعدة برنامج حكومي مكتوب أساسه ومرتكزاته محاربة الفساد ومقاومة الفقر واحترام مكتسبات الثورة وقاعدته التقدم بالتجربة الديمقراطية التونسية وترسيخها حتى تصبح ثابتا من ثوابت البلاد. هذه الموجهات التي ستعمل الحركة على اعتمادها في هندسة المشهد السياسي الجديد مع شركائها المؤمنين بالرفاه للشعب تحت السيادة الوطنية. ولكن رغم ما يلوح من بعض مبادرات الماركاتو السياسي الذي يقوم به بعض الأطراف في محاولة لتسعير المشاركة السياسية بكم وزير وكم موقع فإن هذا الوضع غير الطبيعي في مرحلة التأسيس لديمقراطية جدية ووطنية لن يستمر مع وجود قارب النجاة السياسي في تونس الذي دائما ما يخرجنا من الأزمات وهو العقل الجمعي التونسي الذي يعمل دائما على تخطي الأزمات في ظل قيم التعايش والوطنية. 

إن أهم شرط حقيقي في التحالفات من أجل تشكيل حكومة هو استجماع كل إمكانات النجاح وهو تحقق شرط الخبرة السياسية والإدارية والقدرة على إدارة دفة الحكم التي تختلف عن المهارة في الكلام والخطابة الجذابة، فما يهم المواطن هو القدرة على إدارة ملفات شؤون البلاد من دحر الفقر والبطالة والهشاشة الاقتصادية التي ذهبت بقدرته الشرائية. المطلوب القطع مع المعارك الوهمية الهووية والاندراج في ملحمة النهضة الاقتصادية. وفي خطاب أخير لرئيس حركة النهضة يقول: إذا جدّد الشعب ثقته في النهضة فإن التحالفات ستكون على تفاهمات واضحة تضع في أولويّاتها القضاء على الفساد والفقر وتلبية احتياجات الناس الذين نعرف جيّدا حجم ما يُعانونه في معيشهم اليومي من غلاء للأسعار وبطالة وتدهور البنية التحتية.

لكن مرة أخرى ألا يحتاج هذا البرنامج الإصلاحي الوطني المشترك إلى التوافق حوله؟ ألا تحتاج الحكومة التي ستنفذه إلى حزام سياسي قوي؟ أليست تونس مازالت في حاجة إلى سياسة التوافق؟ كثير من المثاليين يعتبرون أن التوافق هو تحيل على الثورة وتبييض لأعدائها وتطبيع مع المنظومة القديمة. في الواقع الأمر ليس بهذه الطوباوية. التوافق هو رؤية في التعايش السلمي وتفكيك لغم الانفجار الاجتماعي والسياسي ولكنه أيضا حتمية أفرزها القانون الانتخابي الذي يقوم على التمثيلية النسبية ولا يعطي الأغلبية لأي حزب ليتفرد بالحكم ويتغول على حساب فرقاء العمل السياسي. هل النهضة يمكنها بعد أن نجحت في بلوغ أهداف الثورة من خلال كتم طوفان فكرة العزل السياسي أن تحكم لوحدها وتصنع خريفا سياسيا على أنقاض التجربة التونسية الفريدة؟ ما هو الاستثناء التونسي لولا التنازلات من أجل العيش المشترك والبيت الذي يسع الجميع؟ الخشية أن ينزلق الجميع باسم "الشعب يريد"ويتسارع إلى التصفية السياسية لخصوم البارح. الاختلاف جيد وحدود التحالفات المبدئية أيضا لكن لا يجرن ذلك إلى ردود الفعل الفاشية التي تنقض غزل الكرامة والحرية. على النخبة السياسية الجديدة أن تبقي رأسها بين كتفيها ولا تنحاز إلى الكره والحقد على حساب الوئام السياسي والانسجام من أجل السلم الاجتماعي والسياسي. هذا تحدي لحركة النهضة التي يعول عليها الداخل والخارج كضمان للاستقرار والامن. سنرى احتدام المنظومات الجديدة والقديمة داخل البرلمان وما دور النهضة في التحكيم وعقلنة الحياة السياسية.

  1. البناء والتعايش السلمي مع الرئيس الجديد

من شروط نجاح المرحلة القادمة التعايش السلمي والبنَاء بين الحكومة ورئيس الدولة والقطع مع واقع الصراعات السياسية  بين رأسي التنفيذي في أعلى مناصب الدولة أيام الشاهد والرئيس الباجي.وهو ما أكدت عليه حركة النهضة في بياناتها وخاصة في بيان أعلى مؤسسة في الحركة حيث جاء في بيان مجلس الشورى لحركة النهضة عند البحث عن الموقف من الانتخابات الرئاسية في الدور الثاني وبعد النقاش والتداول:تؤكد  أن حركة النهضة تلقّت بكل اهتمام رسائل الشعب التونسي من خلال نتائج انتخابات الدور الأول وخاصة ما تعلق منها بالتجديد والإصلاح ومحاربة الفساد كما يعلن مساندة الأستاذ قيس سعيد في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية ويدعو عموم الناخبين إلى التصويت له.لقد كانتإستراتيجية النهضة الانتخابية هي ان يكون سعيد رئيسا والنهضة الحزام البرلماني من أجل حكومة مستقرة. وما يعلل هذا الخيار حسب ما ورد عن رئيس الحركةمن أن الشبابانتَخَبَ قيس سعيد لأنّه رأى فيه الرّجُلَ المتعفّفَ الذي رفض تسلّم مِنْحةَ الانتخابات وخاض حمْلتَه الانتخابية بإمكانيات "الزوالي" دون لافتات عملاقة، ولا مكاتب أنيقة، فكسب القلوب ببساطتِه وتواضعِه في مقابل طبقةٍ حاكمة لا همّ لها إلّا الإثراء على حساب الشعب، وتعظيم أرصدتِها الشخصية... قيس سعيد يجسّد بسلوكه في حمْلتِه القدوة المتعفّفة عن المال العامّ، والتي لن ترتعش يدُها أمام محاربة الفساد والزّبونية.

ما ينبغي العمل عليه من برنامج واضح بين مؤسسة الرئاسة والحكومة في المرحلة القادمة هو "حماية دستور 2014 عنوان الثورة التونسية وعنوان الحرية والديمقراطية والدولة المدنية وأول الأوليات التعجيل بإرساء المحكمة الدستورية، والعمل على استقرار الدولة ومؤسساتها وخاصة الحكومة في إنجاز البرنامج الاقتصادي العاجل لإنقاذ البلاد من الفقر والتهميش في ظل الوحدة الوطنية والسلم الأهلية".

  1. بأي خطاب ستستمر حركة النهضة في الحكم؟

1-خطاب ثوري وخطاب قيمي:

  • الثورة وإنجاح المسار الديمقراطي

يتهم البعض حركة النهضةأنها لم تعد حركة ثورية الأهداف، هنا يقتضي الامر توضيحمقاصد الثورة و مضامينها.هل هدف إنجاح المسار الديمقراطي يمكن أن يكون مضمونا للثورة؟وهو ما تقوم عليه النهضة منذ اندلاع الثورة. معلوم أن النهضة منذ تأسيسها تقاوم الاستبداد والفساد، وقدمت من أجل ذلك الغالي والنفيس،وكانت صرخة شبابية عالية في وجه الطغيان والانفراد بالسلطة ونظام الحزب الواحد، ودعوتها كانت دائما من أجل الحرية والكرامة.هل قرار النهضة اليوم الرجوع إلى خطابها الأصيل النابع من تاريخها ومن سجل نضالاتها العتيق بروح الشهداء الأبرار من أجل تونس عزيزة كريمة مشرقة ساطعة بين الأوطان قرار براغماتي؟ أم هو نابع من إيمان عميق بالثورة ومبادئها اقتضت السياسة التوافقية أن يرحل إلى حين الفرصة المواتية أم أن النهضة الان تقوم بنفس الدور النضالي البطولي ولكن بتعبيرات أخرى مفرداتها "حماية الدولة منالسقوط والدفاع عنمكتسبات الشعب التونسي والنأي به عن المغامرات غير المحسوبة وهذا يقتضي كفاءة في تقدير الواقع الوطني والإقليميحتى تراكم الثورة أهدافها وتنتصر على قوى الشد والتعطيل".

  • الرجوع إلى الأصل فضيلة

في لائحة الرؤية الفكرية للحركة ورد أنها:" باعتبارها حزبا ديمقراطيا ذا مرجعية إسلامية تكون في أشد الحرص إلى ترجمة هذه المرجعية في منظومة قيمية وتمثُلها في مختلف تعبيراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية حتى لا تظل مرجعيتها شعارا فارغا لا مضمون له في الواقع. وتأتي في مقدمة هذه القيم العليا قيم الحرية والكرامة والعمل والاستقامة والأمانة والتكافل.

لقد كانت رسائل الشعب التونسي واضحة بخصوص قيم التواضع والاحترام والوئام وقيم العائلة المحافظة.  ويعتبر أحد المحللين "إن من أكبر التحديات هي مقاومة انحدار قيم العمل والبذل والتضامن والاستقامة، وأزمة القيم هذه لها تأثيرات سلبية كبيرة وكثيرة وهو ما يستدعي خطة عامة تتعاون في رسمها وتنفيذها مجالات التربية والتعليم والإعلام والثقافة والشؤون الدينية والعائلة". إن درس الانتخابات هو الانتصار للقيم وهي التعفف والاستقامة والرحمة وهي قيم أصيلة في أدبيات الحركة، مطلوب من النهضة أن تؤكد على مرجعيتها الدينية والفكرية والقطع مع كل شبهة في ذلك،كمسألة الميراث والمثلية والقضية الفلسطينية.

في عالم السياسة، الأخلاق تكلف مسافات شاقة ولكنها حتما تبلغك محبة الشعب ولو لحين. كل الشعوب تحب الصدق والصراحة يقول المثل العربي "الكذب حباله قصيرة ". لعل هذا المثل قطع مع بعض الأحزاب في تونس. والتاريخ يحكم.

2-مقاومة الفساد

خلال ندوة صحفية عقدها بمقر الحزب رسم رئيس حركة النهضة الأستاذ الغنوشي خطه السياسي قائلا: “إذا جدّد الشعب ثقته في النهضة في الانتخابات التشريعية، فإن تحالفات الحزب ستكون على أساس القضاء على الفساد والفقر”،وأضاف: “سنتحالف مع القوى الثورية التي ليس لها تحالفات مع الفساد”. ولاحظ أن برنامج النهضة الانتخابي “يقوم بالأساس على الجانب الاقتصادي ومقاومة التفاوت بين الجهات".

السؤال الذي يطرح نفسه ؛هل يعتبر هذا الخطاب جديدا في أدبيات حركة النهضة ومن ثمة ركوبا على موجة مقاومة الفساد تلبية لرغبة شبابية انتخابية؟ بالرجوع إلى نصوصها في علاقة بمقاومة الفساد يعتبر  هذا الخطاب امتدادا لموجة الإصلاحات التي أتى بها مؤتمرها العاشر سنة 2016 والذي يعتبر أن من أولويات التنمية لدى الحركة كما بينته لائحتها الاقتصادية هو " مقاومة الفساد وتجسيد الحوكمة الرشيدة ومأسستها وإرساء الآليات الضامنة لحسن التصرف في المال العام وتعزيز نظم الرقابة والتقييم والتحفيز والمساءلة ".

ولكن عمليا وحسب البعض ينبغي أن يترجم هذا الخطاب إلى شن حرب على الفساد جادة وطويلة بتغيير المشتبه بفسادهم الإداري والمالي بتعيين الأكفأ والأنظف،الذين بدورهم يساهمون في مقاومة الفساد في من هم تحت إشرافهم، ويندرج في هذه الحرب أيضا تقوية أجهزة الرقابة ووسائلها ورقمنة الإدارة ودعم القطب القضائي المالي وتطوير التشريع فضلا على الأدوار الإعلامية والثقافية والتربوية.

أما الآن، فلا نعلم مدى قدرة حركة النهضة على التعافي من الايادي المرتعشة التي وسمها بها أصدقاؤها قبل خصومها؟ أظن أن تجربة السنوات الأخيرة في الحكم علًمت حركة النهضة أن تحكم بيد من حديد وأن قطع دابر الفساد يحتاج إلى قلب جلد مثل الطبيب الجراح الذي يقطع الداء ولا يرتعب. سنرى ذلك ونتابع.

3-مقاومة الفقر والتهميش

 يقوم البرنامج الاقتصادي للحركة في الانتخابات التشريعية، على “تركيز سياسة اجتماعية مندمجة والاستثمار في منظومة الموارد البشرية وترشيد صندوق الدعم وجعل فوائده تتجه أكثر نحو مستحقيه من الفئات الضعيفة والمتوسطة، فضلا عن إحداث صندوق زكاة وطني يخوّل لكل التونسيين الراغبين في القيام بالأعمال الخيرية من ترشيد تبرعاتهم، ودعم المؤسسات غير الربحية، بالإضافة إلى إحداث بنك الجهات وهو مشروع يهدف إلى تخصيص جزء من الثروات الطبيعية للجهات لتنميتها وخاصة منها الجهات الأكثر فقرا”.

وسبيل ذلك شن حرب علي الاحتكار والغش في الأسعار وذلك بتكثيف فرق مراقبة الأسعار ومسالك التوزيع والضرب بقوة على أيدي المتلاعبين بقوت الشعب وتشديد العقوبات لتكون رادعة والتنسيق الكامل بين وزارات الفلاحة والتجارة والديوانة والداخلية لتفكيك شبكات الاحتكار والتهريب، وإحكام التخزين لتزويد السوق وتعديل الأسعار عند الحاجة. إن الجولة الثّانية اجتماعيّة اقتصاديّة بامتياز حتّى لا يضطرّ البؤساء والجائعون لمقايضة أصواتهم بالغذاء في غياب صارخ للدّولة والمجتمع المدني ذي الأدوار الاجتماعيّة.

وقد نادت الحركة منذ عهدتها الأولى بإعداد إطار تشريعي ينظم الأوقاف والزكاة ويعيد لها دورها المدني بما يقوي المؤسسات المدنية الناهضة بالشأن الديني ويمنحها الحصانة المجتمعية والاستقلال المالي.

البلاد في هذه اللحظة تحتاج إلى جهة قوية تخدم بيد من حديد من أجل إنجاز الإصلاحات ومنها إصلاح الصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية وسياسة الدعم والسياسة الجبائية والوظيفة العمومية والإدارة برقمنتها وطرق تمويل الاقتصاد وتشجيع الاستثمار. وكل هذه الإصلاحات ضرورية لتوازن المالية العمومية والخفض من الاقتراض ومن عجز الميزانية ولتعافي الدينار والرفع من نسبة النمو. ويندرج في هذا أيضا إصلاحات تتعلق بالتعليم والصحة والنقل والفلاحة"

  1. بأي وجوه ستستمر حركة النهضة في الحكم؟
  1. التشبيب أو تجديد الدماء

لقد انخرط في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة عدد كبير من الشباب في اللحظة التي خلناه قد عزف عن السياسة ولكن رجوعه هذا جاء برسالة واحدة وواضحة وهي رغبته الجامحة في التغيير.  مما رسمته ملحمة الرئاسيات في موجتها الأولى،هو الحاجة إلى إفراز قيادات جديدة يحتاجها فضاء الحكم تجمع بين الاقتدار السياسي والكفاءة وحسن التصرف. وهو ما نبهت إليه لوائح الحركة سابقا وجعلت من شروط الإصلاح "وضع القضية التنموية وقضايا الشباب على رأس الأولويات". وأفضل جملة معبرة في هذا الصدد في اللائحة ذاتها هي "الاستثمار الاستراتيجي في تجديد الأفكار والقيادات ووسائل العمل السياسي والتنموي في اتجاه صعود وطني للشباب والكفاءات والمبدعين لان عكس ذلك أي الإبقاء على الفجوة واتساعها بين الفضاء السياسي وقوى الشباب يفتح المجال أمام انخراط الشباب في المجهول أو اليأس من القدرة على التغيير وتحقيق الانتظارات المؤدي إلى الاستقالة والانتحار والإدمان فضلا عن الاصطفافات البدائية الجهوية والفئوية دون مراعاة المصالح الوطنية ". أن تجربة وزيرة الشغل الشابة ووزير التكنولوجيا أو كتاب الدولة الشبان وبعض مستشاري وملحقي وزارات الدولة من الحركة هو تطبيق فعلي وإيمان عملي بهذا المسار السياسي ،وهو ما يجدر  الاستمرار فيه.

أن من أهم أهداف حركة النهضة هو "المراهنة الإستراتيجية على الشباب والاستثمار في تكوينه وإشراكه وتوريثه أمانة المشروع الحضاري المستقبلي باعتباره الثروة الوطنية والقيمة الثابتة بين يدي حركة النهضة والوطن" . هذه المراهنة لا تقطع مع استمرارية الخبرة والحكمة والتجربة، إن قيادات الصف الأول تبقى الدليل على خط المرجعية والعقل المرافق الذي يرعى التواصل بين الأجيال ويكفل تسليم الأمانة وربما تكون المرحلة السياسية القادمة عنوان التعايش والمرافقة بين جيل التأسيس وجيل الأمانة، وأرى ألا تقل عن عشرية كفيلة باستكمال الدائرة الحضارية.

  1. نحو سياسة إدماجية؛ التكنقراط الوطنيون

تسعى الحركة منذ مؤتمرها العاشر على تبني إستراتيجية تواصلية جديدة إزاء نخبة المجتمع الوطنية والفكرية والثقافية والاجتماعية والمالية والسياسية ضمن مشروع وطني إدماجي منفتح يجعلها عنصرا حيويا في حماية الوطن من مخاطر الاستهداف واستراتيجيات الاختراق والدفع إلى الاستقطاب وحرب الكل ضد الكل.

إن دعوة الانفتاح تتطلب إدماج الكفاءات الوطنية والطاقات والمثقفين والسياسيين بما يستفيد من خبراتهم المتولدة عن مسارهم السياسي والاجتماعي. يعتبر تشكيل الحكومة الجديدة بعد أكتوبر فرصة كبيرة لانفتاح الحركة على الكفاءات الوطنية والاستفادة من الخبرات خاصة الموجودة في الأحزاب التي يمكن أن تتحالف معها حركة النهضة وهذا وجه من وجوه الإصلاح والتغيير والانفتاح على طاقات البلاد بكل أطيافها والاستفادة من قدراتها لصالح الوطن بما في ذلك النخب التونسية بالخارج دون محاصصات حزبية أو ولاءات شخصية ضيقة، فأينما ثمة مصلحة البلاد والوطن أينما تكون حركة النهضة منفتحة ضمن سياسة الإدماج والانفتاح ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

 

د. كمال الصيد (باحث تونسي)

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك