القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

ناغورنو قرة باخ حرب المائة عام

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-10-12 11:36:00 | 717 مشاهدة

ملخص:

لا تعتبر المعارك الأخيرة حول ناغورنو كاراباخ طارئة بالنظر إلى أنها استئناف حرب بدأت من ثلاثين سنة ولم تتوقف إلا بهدنة هشة منذ ست وعشرين سنة. بدأت تلك الحرب بتوازن قوة في صالح الأرمن ويبدو أنها تستأنف على تغير في تلك الموازين. وهي ذاتها ليست حربا طارئة بالنظر إلى أنها استئناف لخلاف بدأ منذ مائة سنة ولم يجد حلا جذريا.

تتعدد أبعاد هذا الصراع وتتداخل فيه الجغرافيا (الطاقة خاصة) والتاريخ (الموروث الإثني والديني والسياسي العائد إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى (1920) إثر انهيار الإمبراطورية الروسية). ويتعقد بصراع المصالح بين القوى المحيطة بطرفي النزاع.

في هذا المقال نحاول التذكير بأبعاد النزاع، وموقف مختلف الأطراف الفاعلة فيه، محليا وإقليميا ودوليا، لنستكشف آفاقه.

 

مقدمة:
أفاق العالم منذ 27 سبتمبر 2020 على اندلاع معارك جديدة بين أذربيجان من ناحية وإقليم ناغورنو كاراباخ ذي الغالبية السكانية الأرمينية داخل أذربيجان مدعوما بأرمينيا التي تحتل عشر الأراضي الأذرية منذ 1994. يحيلنا هذا على امتداد النزاع في الزمن إلى نهاية الحرب الباردة وذيول انهيار الإمبراطورية السوفياتية. كما يحيلنا على تعقيداته التي صعبت حله بعد قرابة ثلث قرن من اندلاعه. وكل من يقترب من المسألة لفهمها يجد نفسه ينزلق إلى مائة سنة من التاريخ حين تأسس المشكل، وإلى عمق الجغرافيا التي وزعت موارد الطاقة واستهلاكها بشكل جعل إعادة توزيعها بين القطبين رهانا جيوستراتيجيا وجعل القوقاز في قلب ذلك الرهان.

ما هي رهانات الأزمة الحالية في القوقاز؟

وكيف انعكست على مواقف الفاعلين فيها؟

هل ستكون المعارك الأخيرة مجرد حلقة جديدة من المناوشات التي لم تتوقف منذ هدنة 1994 أم ستكون الحاسمة نحو حل جذري ونهائي للأزمة؟

أبعاد الصراع:
تمتد جذور الصراع الحالي بين الجمهورية الأذرية وإقليم ناغورنو قرة باخ الذي يعتبر متمردا بالنظر إلى القرارات الدولية، حسب عدد من الدارسين إلى ما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى مباشرة بين 1918-1920. فقد تحررت كل من أرمينيا وأذربيجان من الإمبراطورية الروسية التي تهاوت بسبب الحرب ثم الثورة الروسية (1917).ومع ذلك الاستقلال ولد الخلاف بين البلدين حول إقليم ناغورنو كاراباخالواقع داخل الأراضي الأذرية والمعمور بسكان من أصول أرمينية.
وقد عاد المشكل إلى الكمون بضم الاتحاد السوفياتي للبلدين منذ بداية عشرينات القرن الماضي وإعطاء الحكم الذاتي للإقليم ضمن جمهورية أذربيجان في 1923. إلا إن بداية انحلال الإمبراطورية السوفياتية مع سياسة الانفتاح التي اعتمدها غورباتشيف أحيى من جديد الخلافات القومية الكامنة ومنها مشكل إقليم ناغورنوكاراباخ. فقد طالب سكان الإقليم بالانضمام إلى أرمينيا وبدأت هجرة الآلاف من الأذريين للإقليم خوفا من الاعتداءات. واندلعت مواجهات مسلحة بين 1989 – 1994 بين أذربيجان الباحثة عن استعادة السيطرة على الإقليم وأرمينيا الداعمة له. واستغلت أرمينا الدعم الخارجي (خاصة الفرنسي) لتبسط سيطرتها على الأراضي الممتدة بين الحدود الأرمينية وإقليم ناغورنو كاراباخ (9% من الأراضي الأذرية) (الخريطة المرافقة). وتوقفت الحرب بهدنة (بروتوكول بيشكاك) لكن الجرح لم يلتئم لأن أسبابه أعمق من مجرد معركة على إدارة الإقليم.فالصراع معقد وتتداخل فيه أبعاد هيكلية وسياسية واقتصادية وثقافية.


هيكليا، تواجه السلطة الأذرية صعوبة التعامل مع تجمع إثني متمرد في إقليم جغرافي واحد. وهي مسألة عمقتها السياسة السوفياتية التي قامت على مبدأ "فرق تسد" وأعطت الإقليم الحكم الذاتي لجعله أداة تحكم في النزعات الاستقلالية الأذرية.
ثقافيا يتغذى الصراع من التباين الديني والعرقي بين الطرفين (الأرمن المسيحيون والأذريون الأتراك المسلمون). كما تتغذى الذاكرة الجماعية الأرمينية من سردية الاضطهاد التركي تحت الحكم العثماني وما تروجه تلك السردية وداعموها (خاصة الفرنسيون) حول تعرضهم للتطهير العرقي خلال الحرب العالمية الأولى.كما تروج الرواية الأرمينية إلى سياسة التمييز التي تمارسها السلطة الأذرية تجاه سكان الإقليم الأرمن لكسب الدعم الأرمني والدولي.
ومنذ 1994 (تاريخ عقد الهدنة) سعت مجموعة مينسك (الولايات المتحدة، روسيا، فرنسا) إلى إيجاد حل للمشكل لكنها لم توفق في ذلك بسبب تضارب المصالح بين الوسطاء أنفسهم وتصلب موافق المتصارعين من ناحية أخرى. وتعرضت الهدنة إلى الخرق في عديد المرات. ويبدو أن جمود الوضع وعجز مجموعة مينسك قد أفقد أذربيجان صبرها ودفعها إلى تغيير استراتيجيتها في التعاطي مع الوضع.
فقد سعت الدولة الأذرية إلى تطوير قدراتها العسكرية لخلق توازن جديد يسمح لها بوضع أفضل في الصراع. وأثمر ذلك فعلا تفوقا طفيفا يظهر في المعطيات المرافقة.

 

https://www.statista.com/chart/23056/estimated-military-strength-of-armenia-and-azerbaijan/?utm_source=browser&utm_medium=push-notification&utm_campaign=cleverpush-1601460851

رهانات إقليمية ودولية تعقد الوضع:

تتداخل في الأزمة جملة من المصالح الجيوستراتيجية لدول المنطقة والعالم والتي تجعلها بدرجة عالية من التعقيد. وهو ما يمكن إدراكه من خلال دراسة مواقف الأطراف المتدخلة في الأزمة:

  • روسيا:

يبدو موقفها محكوما بالحفاظ على نفوذها الجيوستراتيجي في منطقة القوقاز من ناحية وتأثيرها في السياسة الدولية من ناحية أخرى.

في المستوى الأول تواجه روسيا تحديين متناقضين: أنبوب الغاز (نابوكو) الذي ينطلق من أذربيجان نحو أوروبا عبر جورجيا وتركيا، وسياسة التغريب التي تعتمدها النخبة الأرمينية الحاكمة الحالية. فأنبوب الغاز الأذري تأسس على فكرة تحرر أوروبا من النفوذ الطاقي الروسي بعد أن وظفته في معاركها الجيوستراتيجية للضغط على أوروبا بقطعه عن أوكرانيا مثلا. وتحولت الشركة الروسية غازبروم إلى رأس حربة تلوي بها روسيا ذراع الاتحاد الأوروبي. ونجاح الخط الجديد يعني ارتخاء هذه القبضة وتصلب السياسة الأوروبية تجاه فضاء النفوذ الروسي مثل الأزمة الأوركرانية واحتلال القرم. لذلك يبدو موقف روسيا، مؤقتا على الأقل، غير حازم في حل الأزمة لتفهم الأوربيين أن أمنهم الطاقي لا يخرج عن نفوذها حتى لو لم يمر غازهم من أراضيها. وإذا لم توقف روسيا هذه الحرب فقد يتوقف الغاز بالحرب عندما يتحول أنبوب الغاز الأذري-الأوروبي إلى هدف عسكري للأرمن.


من جانب آخر، تواجه روسيا نزعة استقلالية لدى قادة أرمينيا الجدد. وتبدو هذه النزعة من خلال محاولات التقليل من النفوذ الروسي عبر الاعتماد المتزايد على الدعم الغربي. وعليه، يبدو الموقف الروسي المتراخي أمام التقدم الأذري في الحرب الحالية تعبيرا عن الغضب تجاه النخبة الحاكمة الأرمينية لتظهر لهم أن أمن أرمينيا بيد روسيا، وأن الغرب بعيد عنهم.
وبحكم هذا التحدي المزدوج تسعى روسيا إلى إظهار أنها على نفس المسافة من طرفي النزاع من خلال تسليحهما والسعي إلى لعب دور الوساطة بينهما (عضوية مجموعة مينسك). وعليه فإن موقف روسيا سيتطور نحو الحفاظ على توازن الطرفين ومنع تفوق أحدهما على الآخر وخاصة تفوق أذربيجان حليف تركيا، منافسة روسيا في الإقليم.
يجرنا هذا إلى محاولة فهم البعد الإقليمي والدولي للموقف الروسي. فتركيا تتحول يوما بعد يوم إلى قوة إقليمية مؤثرة في تناسق وتنسيق مع القوة العظمى المهيمنة في العالم، والراغبة في الانسحاب من المنطقة والتفرغ لمواجهة الخطر الصيني. وهي مشغولة من ناحية أخرى بالنفوذ الروسي ولا تريد أن تترك فراغا يملأه الروس. وربما كانت تبحث عن قوة موازنة له ووجدتها في تركيا. وتبدو هذه الأخيرة معنية بهذا الدور بعد أن هيأت شروطه الاقتصادية والعسكرية. وقد ظهر هذا الدور في الأزمة الليبية وأزمة شرق المتوسط. ومن هنا يرى البعض أن ارتخاء الموقف الروسي هو استدراج لتركيا نحو المزيد من الانخراط في حرب القوقاز لاستنزاف قوتها من ناحية وملاعبتها في الملفين السوري والليبي.

  • تركيا:

تنخرط في الأزمة بكل وضوح إلى جانب حليفها أذربيجان. وهي تبني ذلك على أساس التعاطف القومي بناء على مقولة "شعب واحد في بلدين". وهي تعلن أن موقفها لن يقتصر على الدعم السياسي بل سيذهب إلى الدعم الميداني إن لزم الأمر. ويظهر تأثير هذا الدعم في المعركة الحالية من خلال دور المسيرات التركية في مسار المعارك الحالية. وتذهب الرواية الأرمينية إلى اتهام تركيا بالحضور المباشر في المعارك من خلال سلاحها الجوي (أف 16) وخبرائها العسكريين فضلا عن استقدام المرتزقة من سوريا.
لا يمكن طبعا الاكتفاء بالتفسير القومي لاندفاع تركيا. فالملف الطاقي حاضر بقوة من خلال شبكة أنابيب الغاز الأذرية– الأوروبية (الخريطة أعلاه) والتي تحتل فيها موقعا مركزيا استثمارا وإنجازا ومعبرا، وما لكل ذلك من تبعات جيوستراتيجية بوراثة النفوذ الروسي على الاتحاد الأوروبي. ومن هنا فهي معنية بتأمين حليفها مصدر هذا الغاز، ووشبكة الأنابيب ذاتها. وهي إلى جانب ذلك قوة إقليمية صاعدة مهتمة بتثبيت نفوذها في المنطقة لحماية امتداداتها الخارجية. فهي تهدف من خلال موقفها الحازم إلى جانب أذربيجان إلى تأمين ظهرها من أرمينيا التي اختارت العداء المباشر لتركيا وتغذية رواية المذابح. وهي كذلك ترسل برسالة إلى العمق التركي في آسيا الوسطى، أصل العثمانيين، وحيث تقوم شعوب الترك (الطاجيك والقرغيز والتركمان...)، هذه الشعوب التي قد تتحول إلى رصيد خلفي للقوة التركية. ولا يمكن أن نستبعد كذلك مشاغلة روسيا في مجال نفوذها القريب وملاعبتها في ملفات أخرى وأساسا الملفين السوري والليبي. ويمكن بسط هذه الفكرة إلى العلاقات الإيرانية التركية ذاتها بالنظر إلى الخلفية التاريخية (صراع الدولتينالعثمانية والصفوية) والواقع الحالي (امتدادات الربيع العربي وأبرزها الملف السوري). فموقف البلدين متمايز في الأزمة القوقازية الحالية. ومن هذه الناحية تبدو تركيا معنية بالتوازن الجيوستراتيجي من خلال حليفتها أذربيجان المحادة لإيران من الشمال.

 

الرئيس رجب طيب اردوغان (وسط) خلال تدشين "انبوب الغاز الطبيعي العابر للاناضول" في 12 حزيران/يونيو 2018 إلى جانب رؤساء اذربيجان الهام علييف، واوكرانيا بترو بوروشنكو، وصربيا الكسندرفوتشيتش في منطقة أسكي شهير في جنوب شرق اسطنبول، احدى المحافظات العشرين التي يعبرها الانبوب. (المصدر: https://www.swissinfo.ch/ara/اردوغان-يفتتح-انبوبا-جديدا-لضخ-الغاز-من-اذربيجان-الى-اوروبا/44186704 )

  • إيران:

تساند إيران المسلمة الشيعية أرمينيا المسيحية الأرثودكسية متجاوزة بذلك الرابط الديني ومقدمة المصالح الجيوستراتيجية. تبدو إيران منشغلة بأمنها إذ تتخوف من الاختراق الأمريكي الإسرائيلي لأمنها القومي عبر حدودها الشمالية بعد أن اختارت أذربيجان أن تعزِّز أمنها وأن تربط مصالحها بالناتو، مقابل تقارب إيران مع روسيا وابتعادها عن المحور الأميركي. ورغم أن أرمينيا اختارت نفس النهج بالاقتراب من الناتو لموازنة النفوذ الروسي، ورغم وحدة الدين والمذهب مع أذربيجان، فقد اختارت إيران الجانب الأرمني ولم تخف مساندتها له. وهي بذلك تلعب على التوازن مع المنافس التركي في الإقليم. وتؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين (تصريح علي أكبر ولايتي مستشار خامنئي ليوم 06/10/2020 نموذجا) على حق أذربيجان في استعادة أراضيها لكنها تدعو إلى عدم إراقة دماء الأرمن. وتعتبر دخول أي طرفثالث (والمقصود تركيا) في الأزمة تعقيدا لها.

  • الاتحاد الأوروبي:

 يبدو منشغلا بأمنه الطاقي بدرجة أولى (ومصدره أذربيجان). لكن تزعم فرنسا للمبادرة الأوروبية في هذا الملف يزيد من تعقيده. فهي تتدخل لا بوصفها وسيطا بل طرفا متحمسا مستعديا لطرف آخر هو تركيا. وهي تبدو متأثرة بالتقدم التركي على حسابها في مواقع أخرى خاصة المغرب العربي بعد الثورات العربية. ويبدو الملف الليبي أكثر مواقع هذا التوتر. وقد عقد تدخلها أزمة شرق المتوسط بين تركيا واليونان لاختيارها الانحياز بدل التوسط. الأمر الذي جعل الاتحاد الأوروبي يقدم ألمانيا للتوسط وهو ما أحدث انفراجا ودفع الطرفين إلى التفاوض بعد أن لامست العلاقة بينهما التصادم.
في الأزمة القوقازية لم تخف فرنسا انحيازها منذ بداية الأزمة في تسعينات القرن الماضي وإقامة جسر جوي لتسليح الأرمن، وتبنيها الرواية الأرمينية حول التصفية العرقية من قبل الأتراك. ولعل عضويتها في مجموعة مينسك قد تكون عطلت الحل الديبلوماسي بعد ست وعشرين سنة من توقف المواجهات. وقد يدفع ذلك مرة أخرى الاتحاد الأوروبي إلى تقديم عضو آخر أكثر توازنا تجاه أطراف النزاع لحل الأزمة كما فعل في كل من الملف الليبي (مؤتمر برلين) وأزمة شرق المتوسط. وحينها ستكون السياسة الخارجية الفرنسية قد سجلت فشلا آخر وتتأكد زعامة الديبلوماسية الألمانية للاتحاد الأوروبي.

  • الولايات المتحدة:

يطغى على موقفها الانتظار والانسحاب. فهي تبدو منشغلة مرحليا بالانتخابات الرئاسية التي أدخلت سياستها الخارجية في حالة انتظار لمآلاتها. بينما فرض الصعود الصيني عليها تغيير أولولياتها والتوجه الاستراتيجي نحو الانسحاب من المنطقة. وفي كلتا الحالتين يبدو ذلك إلى جانب الموقف الروسي الغاضب من القادة الأرمن دافعا إلى استئناف الحسم العسكري للأزمة منذ 27 من سبتمبر 2020.وقد تكون الولايات المتحدة ترى في أزمة أخرى كبحا لجماح القوى الإقليمية المختلفة وشغلها ببعضها واستنزافها كلها واللعب على التوزازنات للتغطية على انسحابها وخلق الحاجة لها حتى وهي تبتعد عن المنطقة.

 

أي أفق للأزمة؟

هل هي الحاسمة هذه المرة؟

هذا ما قد يظهر من الإصرار الأذري المتبدي في قوة الهجوم واتساعه وحجم الأسلحة المستعملة والشرط الذي وضعه الرئيس الأذري لإيقاف الهجوم والمتمثل في انسحاب القوات الأرمينية من الأراضي الأذرية والتزام القوى الوسيطة بجدول زمني واضح لذلك. وقد يكون تشجع على ذلك بالتقدم الذي يحققه جيشه على الأرض وقوة الموقف التركي الداعم له مقابل ارتخاء موقف داعمي الأرمن. وقد يكون إعلان القادة الأرمن عن قبولهم لمفاوضات بدون شروط وقبول الوساطة الروسية، وإعلان القوات الأرمينية في إقليم كاراباخ عن انسحابات تكتيكية (رديف الهزيمة في لغة الحرب)، ثم إعلان أرمينيا (07/10/2020) عن استعدادها لتقديم تنازلات في كاراباخ إذا فعلت أذربيجان بالمثل، زاد من إصرار قادة أذربيجان على التمسك بالحسم العسكري. وقد تكون ذات التطورات هي التي تدفع داعمي أرمينيا إلى رفع الصوت بالتنبيه إلى مخاطر الحرب وتواصلها على المنطقة (مثل تصريحات المسؤولين الإيرانيين) وإصرار تركيا في المقابل على أن الحل الوحيد هو انسحاب أرمينيا من الأراضي الأذرية المحتلة، ودخول الناتو على خط الأزمة ومحاولة حلها.

يبدو الموقف الأذري كذلك مدعوما بالشرعية الدولية على اعتبار أن الأمم المتحدة، وأرمينيا ذاتها، لم تعترف أبدا باستقلال إقليم ناغورنو كارا باخ. وهو ما يجعل إيران مثلا تعبر عن حق أذربيجان في استرجاع أراضيها لكنها تعمل على ألا يكون ذلك بإراقة دماء الأرمن.

لكن في المقابل، يبدو الوضع أكثر تعقيدا. فلعبة التوازنات، وعودة قادة الأرمن إلى "رشدهم" من زاوية النظر الروسية، قد يدفع بروسيا إلى موقف أكثر حزما، ومن ثمة تعود الأزمة إلى موقعها. ومن هنا تبدو المفاوضات التركية الروسية الجارية على أعلى المستويات ضرورة لضمان مخرج مرض للجميع. وقد يكون في الحكم الذاتي للإقليم واستعادة أذربيجان أراضيها من القوات الأرمينية حلا مرضيا للجميع.

لكن الوصول إلى هذا الحل يقتضي قناعة من الجميع أن الحرب لا أفق لها، وأن استقرار المنطقة ومصلحة الجميع يكمنان في إنهاء حرب المائة سنة.

 

الخاتمة:

مثل كل مناطق تماس القوى الفاعلة تبدو منطقة القوقاز منطقة زلازل سياسية، أحدها الصراع الأرميني الأذري حول إقليم ناغورنوكاراباخ. وهو جرح مفتوح منذ 1920، تتداخل فيه الجغرافيا والتاريخ، يتغذى من الدين (الإسلام الأذري / المسيحية الأرمينية) والاقتصاد (ملف الطاقة) ويتعمق بلعبة التوازنات الإقليمية والدولية.

وإذا كان الخيار العسكري هو الطاغي اليوم فإن مآل الأزمة محكوم بالضرورة بالحل السياسي. وقد يكون الخيار العسكري لفرض شروط سياسية جديدة نحو حل ما. لكن المؤكد أن التحكم في الصراع ومنعه من الخروج عن السيطرة يقتضي قناعة من القوى الخارجية الفاعلة في الملف وطرفي الصراع المباشر بضرورة الاستناد إلى الشرعية الدولية واعتبارها غطاء مقبولا من الجميع.

الدكتور عبد الرحمان الهذلي (باحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك