القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

موقف رئيس الحكومة وتصريحاته في الوضع الحكومي

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-07-10 11:30:00 | 1463 مشاهدة

المقدمة:
منذ تكوين حكومة الياس الفخفاخ، بل ومنذ المفاوضات السابقة لتكوينها رسميا من خلال منحها الثقة في المجلس النيابي، ما فتئت حركة النهضة تدعو إلى توسيع التركيبة الحكومية وتوفير أوسع حزام برلماني ممكن لمساندة هذه الحكومة وفسح المجال لمشاركة كل القوى القابلة بالبرنامج الحكومي باستثناء من يقصي نفسه أو من لا يكون متفقا مع البرنامج الحكومي المقترح.
وفي موازاة مع موقف حركة النهضة، لم يفتأ رئيس الحكومة الياس الفخفاخ يردد أنه مقتنع بأهمية توسيع الحكومة وتمكينها من حزام برلماني واسع، لكنه قبل ذلك يعمل من أجل ترسيخ مناخات الثقة والعمل المشترك بين مكونات الائتلاف الحالي الذي كون منه السيد الفخفاخ حكومته بعد ما اختاره رئيس الجمهورية من بوابة الشخصية الأقدر حسب الفصل 89 من الدستور.
غير أنه، منذ حوالي شهر، وتحديدا منذ إلقائه خطابه يوم 14 جوان 2020، برز السيد الفخفاخ في خطاب جديد ناقد لمطلب النهضة بتوسيع الحكومة. ومنذ ذلك الخطاب أخذ موقف رئيس الحكومة يتحول من مقتنع بالتوسيع بعد ترسيخ مكونات الائتلاف الحالي وتدعيمه بالثقة وبوثيقة التضامن، إلى رافض للتوسيع متمسك بائتلافه الحالي مع توجيه إشارات "انتقادية" ومتعالية للنهضة ولزعيمها.
ما الذي فعل في الأثناء؟ ما هي حقيقة دوافع الموقف المستجد لإلياس الفخفاخ؟ ما هي تداعيات هذا الموقف وانعكاساته على الوضع الحكومي وعلى علاقة الفخفاخ بالنهضة؟

جوهر المسألة وبيت القصيد: 
منذ إسقاط حكومة الحبيب الجملي في مجلس النواب بعدم منحها الثقة بالأصوات المطلوبة، بات واضحا أن التيار الديمقراطي وحركة الشعب في خيار إضعاف التأثير الحكومي لحركة النهضة مع التمسك بدفعها إلى المشاركة في حكومة "الشخصية الأقدر" التي أطلقوا عليها مسمى "حكومة الرئيس". لقد كان واضحا للتيار ولحركة الشعب تحديدا ولرئيس الجمهورية وللسيد الفخفاخ أنه لا إمكانية لتأليف الحكومة دون مشاركة النهضة ... ولكن مشاركتها مع التيار وحركة الشعب ومجموعة من المستقلين المحسوب أغلبهم على رئيس الحكومة المكلف سوف يجعل الأغلبية المؤثرة مكونة أساسا من كل شركاء النهضة في الحكومة وربما في مواجهتها... علما بأن مشاركة تحيا تونس وكتلة الإصلاح متماهية مع التيار وحركة الشعب، وقد كانت النهضة واعية بهذا الوضع ومقتنعة بأن شركائها في الائتلاف الحكومي الجديد يسعون ليس فقط إلى تحجيم مدى تأثيرها بل والأكثر من ذلك إلى إضعافها وتهميش مشاركتها مقابل الأدوار السياسية الكبرى المعطاة لوزراء التيار وحركة الشعب وتحيا تونس وبعض المستقلين.
كانت النهضة كذلك مقتنعة بأنه لا يمكنها عدم المشاركة في الحكومة كما لا يمكنها عدم منح الثقة لها لأن الأيدي سترتفع في وجهها محملة لها تحديدا مسؤولية إفشال تأليف الحكومة ودفع البلاد إلى أزمة سياسية ربما يكون من عواقبها حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة سابقة لأوانها... مع تعاظم تأثير الأزمة المالية والاقتصادية والاحتقان الاجتماعي ... وبروز مخاطر الوباء الجائحة الذي كان يطل على الحدود من كل النواحي.
لذلك اختارت النهضة التصويت بمنح الثقة للحكومة والمشاركة فيها مع التمسك بمطلب توسيعها من خلال ذلك توسيع الحزام النيابي المساند لها لتمكينها من فرص أفضل للعمل والاستقرار والنجاح.
هذان رأيان مختلفان وموقفان متباينان في المنهج وفي المقصد ... رأي يغلّب الأبعاد الحزبية السياسوية الانتخابية (التيار وحركة الشعب) ورأي يغلب البعد الوطني والمتمثل في الحرص على الاستقرار الحكومي والقدرة على العمل في أجواء مريحة وبعيدة عن التجاذبات والحسابات الضيقة (موقف حركة النهضة)
هذا هو لب المسألة وهذا هو بيت القصيد .. وكل الحيثيات والتفاعلات والمواقف كانت تتحرك في تلك الدائرة.

ثبات النهضة على موقفها وانزعاج الرئيسين:
لم تتوان النهضة ولم تتراخ أبدا في مواصلة الدعوة إلى توسيع الحكومة .. وقد أكد لها مسار الوضع الحكومي وعلاقة الحكومة بالبرلمان من خلال التصويت على مشاريع ومقترحات القوانين واللوائح أن هناك حقيقة خللا بارزا في العلاقة بين الأطراف الحكومية .. فكم من قانون أو لائحة كان فيها التصويت علامة بارزة ودالة على حجم الخلافات بين الأطراف المشاركة في الائتلاف الحكومي.
لقد وصل الأمر إلى تصويت نواب من التيار وحركة الشعب وتحيا تونس والإصلاح والمستقبل ضد مشاريع قوانين ومع لوائح في تعارض تام مع تصويت نواب النهضة بل وفي تناغم تام مع نواب الدستوري الحر عكس نواب من المعارضة خاصة من قلب تونس وائتلاف الكرامة.. 
لقد أكد هذا المسار لحركة النهضة صحة مطلبها ومشروعيته بضرورة توسيع الحكومة .. كما أكده لها الوضع الحكومي الداخلي في قراءة لتعامل رئيس الحكومة مع الوزراء حسب أحزابهم وكتلهم.

جائحة الكورونا .. وبلية تضارب المصالح:
صوتت حركة النهضة بمنح الثقة لفائدة الحكومة وشاركت في تركيبتها آملة في إقناع رئيسها بتوسيعها خدمة لمصلحة البلاد ولصالح الحكومة ذاتها.
ولكن وصول جائحة كورونا إلى البلاد زاد في اقتناع النهضة بتقديم الأهم على المهم في تلك الوضعية فدعمت منح الحكومة التفويض لإصدار المراسيم وفي العمل على تعزيز أواصر الثقة والتضامن بين أطراف الائتلاف الحاكم مع تأجيل فكرة التوسيع دون التنازل عنها.
ولكن مجريات مناقشة وثيقة التضامن الحكومي زادت النهضة اقتناعا بأن للأطراف الشريكة ولرئيس الحكومة ولرئيس الجمهورية "حسبة" أخرى وأنها عمليا لا تريد بل وترفض التوسيع معتقدة بأن ذلك "سينفس" على النهضة وسيمنحها دعما حكوميا وبرلمانيا هم أبعد ما يكون عن قبوله..
وفي غمرة التطورات التي وقعت في علاقة بالتصويت على القوانين واللوائح والتصعيد المسترسل لكتلة الدستوري الحر ضد النهضة وضد زعيمها رئيس مجلس نواب الشعب، ارتأى السيد الفخفاخ أن التوقيت ربما مناسب لتوجيه رسائل مشفرة إلى حركة النهضة بضرورة القبول والرضا ودخول "بيت الطاعة".
كانت رسائل يغلب عليها ريح التعالي والتحدي وربما "اللمز" حسب قراءة بعض المتابعين والملاحظين ..
وقد عبر السيد الفخفاخ عند لقائه بأعضاء كتلة حركة النهضة في مكتبه بالقصبة أنه مستغرب من غياب "العقل النهضاوي" هذه المرة ومن إصرار الحركة على التوسيع في الوقت الذي كان عليها دعم الائتلاف الحكومي والعمل على ترسيخ الثقة بين مكوناته بدل جعل كل الوزراء قلقين وغير مطمئنين على بقائهم أو مغادرتهم في علاقة بالإبقاء على التركيبة الحالية للحكومة أو توسيعها .. وهو كان ينتظر من النهضة أن تكون دائما الأحرص على المصلحة الوطنية وعلى الاستقرار الحكومي (من خلال تقديم التنازلات والتضحيات ؟ !) ثم جاءت بلية قضية تضارب المصالح "فملأت الدنيا وشغلت الناس" وصارت قضية "وطنية" مرتبطة بالسيد الفخفاخ شخصيا وبمدى نزاهته وشفافيته .. وتضاربت المواقف بين مدين ومندد وبين منتظر ومتردد .. لكن السيد الفخفاخ خير الهروب إلى الأمام .. والقضية على ما يبدو الآن مطروحة أمام القضاء وأمام رقابة وزارة الحوكمة ومقاومة الفساد وأمام لجنة التحقيق البرلمانية ..
وقد أكدت النهضة أنها متمسكة بالبقاء في الحكومة وبضرورة توسيعها وستتعامل مع قضية تضارب المصالح حسب مخرجات التحقيقات..
ومن الملاحظ أنه في خضم هذا الجدل حول مصير رئيس الحكومة، واصل السيد الفخفاخ "الضغط" على النهضة وعلى رئيسها الذي هو في نفس الوقت رئيس مجلس نواب الشعب، ودعا في حوار تلفزي حركة النهضة إلى "الاستثمار في الائتلاف الحكومي" وتركه يعمل عوض الحرص على تعديله وتوسيعه. وقد كانت رسالة السيد الفخفاخ واضحة جدا لشركاء النهضة في الحكم والذي يريد من النهضة أن ترسخ الثقة معهم وأن تستثمر فيهم عندما صوت نواب التيار وتحيا تونس والإصلاح والمستقبل مع الدستوري الحر وضد النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة داخل مكتب مجلس نواب الشعب بمناسبة التصويت على عرض لائحة الدستوري الحر حول تصنيف الإخوان المسلمين حركة إرهابية على الجلسة العامة من عدمه. وكان هذا على ما يبدو نعم الاستثمار؟! وكانت هذه الدعوة للنهضة نعم رسالة التوجيه لشركائها في الائتلاف الحاكم!!

على هامش التوسيع وفي صميم التجاذبات: ما هي الآفاق؟
لا يبدو المشهد واضحا بما فيه الكفاية، وهناك عدة عوامل متداخلة وللآراء مرجعيات مختلفة نظرا لتنوع المتدخلين وطنيا وإقليميا ودوليا.
الوضع ليس مختلفا حكوميا عن نهاية سنة 2019 اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا بمناسبة حكومة الجملي، إضافة للحالة الوبائية التي اجتاحت البلاد تقريبا منذ تكوين حكومة الفخفاخ.
والمتأمل في خطاب الفخفاخ يوم 25 جوان 2020 يلاحظ أنه لا يختلف عن خطابه يوم 14 جوان 2020 .. هناك أشياء معلومة وأخرى خفية وغامضة.
كان يمكن لهذه الحكومة أن تستثمر فيما لديها من إيجابيات أكثر مما هو سلبي. إنها حكومة مؤلفة من أطراف كانت متنازعة طيلة خمسة عقود مما جعلها بمثابة "الإخوة الأعداء"!  ولو تآلفت هذه الأطراف وخاصة حركتي النهضة والشعب لكان أفضل بكثير للحكم وللبلاد. كنا نتمنى حصول نوع من التصالح بين القوميين والإسلاميين في تونس على الأقل...
كان يمكن أيضا أن يتواصل الاختلاف داخل نوع من التعايش وضمن صراع سياسي غير استئصالي.
صحيح أن تركيبة الحكومة ضعيفة وينقصها حزام نيابي قوي .. ولكن كان يمكن أن تكون أقوى وفاعلة عندما تعي أطرافها بأهمية تجنب الروح الحزبية والأبعاد الإيديولوجية التي ترتبط بصراعات الماضي..
إن ما حدث في ليبيا ومصر وسوريا هو نتيجة لغلبة الروح الاستثصالية وتغليب الصراع الإيديولوجي. إن تونس قدمت وتقدم تمرينا جيدا للقوى الإسلامية والقومية لتجاوز الخصومة التاريخية والعقلية الاستئصالية.
لقد صوت جزء من اليسار الاستئصالي ومن النقابيين لفائدة حركة الشعب والتيار الديمقراطي عن وعي وعن اختيار سياسي استئصالي للدفع بحركة الشعب والتيار الديمقراطي إلى قبة البرلمان بشكل أقوى من ذي قبل لتكونا في مواجهة النهضة.
كان يمكن الاستفادة مما فرضته بدايات معالجة أزمة الكورونا من توجه نحو الفئات الاجتماعية المعوزة والدفع بهذا الاتجاه بقوة وتحويل النوايا الحسنة إلى أفعال ... ولعل المصادقة على قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والمبادرة التشريعية المطروحة لتشغيل من طالت بطالتهم من أصحاب الشهائد العليا تندرجان في هذا التوجه الاجتماعي. وكان يمكن أيضا أن يكون التوجه لإيقاف نزيف الاقتراض من عناصر تغليب الإيجابي على السلبي لولا بقاء الحسابات الحزبوية والإيديولوجية طاغية وغالبة في اعتبارات التيار وحركة الشعب أساسا، في حين أن النهضة قدمت دائما الدليل على استعدادها على التوافق والتفاهم مع "الخصوم الشركاء" على غرار ما فعلته مع نداء تونس بين 2014 و 2015 وفي دعمها لحكومة الفخفاخ رغم خيبة إسقاط حكومة الجملي.
إلى جانب التيار وحركة الشعب، ومعهما خاصة تحيا تونس، يتحرك الفخفاخ ورئيس الجمهورية في مسار تتلازم فيه الحاجة إلى مشاركة النهضة مع الرغبة في تحجيمها وتقزيمها. إن الذي أزعج التيار وحركة الشعب والفخفاخ والرئيس أن النهضة لم تقبل ولن تقبل أن تكون دائما "أم الولد" الذي لا مفر لها من التنازل والتضحية. لقد انزعج كل هؤلاء من رفض النهضة الرضوخ وتمسكها بأن تأخذ حقها كاملا كأكبر حزب وأكبر كتلة وكحليف لكتلتين نيابيتين مهمتين هما قلب تونس وائتلاف الكرامة وأنه لا يمكن ضمان استقرار الحكومة دون مشاركة النهضة. تضاف إلى ذلك الضغوطات الإقليمية ذات العلاقة بالحلف الإماراتي السعودي المصري وبالتدخلات في ليبيا وكذلك المواقف الدولية غير المتجانسة من التجربة الديمقراطية التونسية.
هناك من الدوائر الداخلية من يلعب في ساحة النهضة الخاصة ويناور بمحاولة استثمار ما تعيشه من خلافات. كما أن هناك أطراف دستورية في الحكم وفي المعارضة تبدي تخوفها من خطر اكتساح الدستوري الحر لقواعدها ولحزامها الانتخابي. ولذلك نراها مهادنة للدستوري الحر أو ساعية للتفرب منه في الكثير من المسائل.
وفي خضم هذا الأتون يبدو أنه لا مفر من خيارين أحدهما قبول فكرة توسيع الحكومة، أما الثاني فيتمثل في صعوبة بقاء هذه الحكومة بالشكل الحالي التي هي عليه .....

الخاتمة:
لم تكن تصريحات السيد الفخفاخ من فراغ أو انقلابا في الخطاب. لقد كان واضحا منذ البداية أنه لا رغبة لديه ولا لدى شركائه ولا لدى رئيس الجمهورية في إشراك قلب تونس وائتلاف الكرامة في الحكومة. لقد كانت رغبتهم جميعا واحدة وتتمثل في مجرد الاستعانة بالنهضة اعتبارا لحجمها البرلماني واعتمادا على "عقلها" و "تفهمها" واستعداده الدائم للتضحية والتنازل مع العمل على إضعافها وعزلها في الحكومة والبرلمان.
ولكن الذي فاجأ الفخفاخ والرئيس وشركاء الحكم أن النهضة لم تقبل بالأمر الواقع ولم تستكن للتنازل. إنها مدركة بأن ما تتعرض له من محاولات إضعاف وعزل ستكون له عواقب وخيمة في علاقتها بهياكلها وقواعدها وحزامها الانتخابي وفي علاقتها بحليفيها في مجلس النواب.
النهضة لم تقبل وواصلت الدفاع عن موقفها في حين أراد الفخفاخ أن يكشر عن أنيابه في وجهها ... ولكن البلية غير المنتظرة والمتمثلة في قضية تضارب المصالح قد جاءت على ما يبدو لتقلب المعادلة وتعود بالوضع الحكومي إلى نقطة الصفر.

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية (وحدة التقدير السياسي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك