القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

موقف النظام المصري من الاحتجاجات الشعبية في السودان

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-02-14 12:22:00 | 608 مشاهدة

 

 

 

ملخّص:

نحاول في هذا المقال الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يتشكل موقف النظام العسكري في مصر من الاحتجاجات الشعبية السودانية؟ وهو ما يدعونا إلى الفصل بين العوامل أو العناصر التي تتفاعل لتنتهي إلى تشكيل موقف سياسي ما من أحداث معينة. ولكن يمكن نظريا الإشارة إلى محددات رئيسية تحكم موقف النظام المصري الحالي من مسار الاحتجاجات الشعبية التي قد تفضي إلى انتفاضة شعبية تعصف بأركان نظام "البشير" العسكري. سنركز في هذه الورقة بإيجاز على العناصر الموضوعية التي تتحكم في بلورة موقف النظام المصري من مسار الأحداث في السودان.

مقدمة:

 عندما اندلع الحراك الشعبي في السودان في 19/12/2018 لم يكن يخطر ببال الكثيرين أن تتواصل الاحتجاجات وتتطور نوعيا وكميا. وكان أشد المتفائلين يتوقع قمعها كما اعتاد النظام على ذلك في كل مرة وكان آخرها في جانفي/ يناير 2018 . وإن العسكر في مصر من أكثر المهتمين بتطور الوضع في الجارة الجنوبية. فما هي المحددات الموضوعية لموقف النظام في مصر من الاحتجاجات الشعبية السودانية و كيف تبدو معالمه الرئيسية؟

 

أولا/ محددات موقف النظام المصري:

 وتتمثل أهم محددات هذا الموقف في المحاور التالية:

1 – المحدد الأمني:

ككل نظام عسكري استبدادي، يمثل الاستقرار ببعده الأحادي الأمني المحدد الرئيس في تشكيل الموقف المصري من الأحداث المتسارعة في الجارة الجنوبية.

لا يحفل العسكر مطلقا بتطلعات الشعب السوداني للانعتاق من هيمنة الحكم العسكري على الحياة العامة والتأسيس لنظام ديمقراطي وتمكين الشعب من المشاركة في صياغة نموذج التنمية الاقتصادية الاجتماعية المستقلة..ولعلّ ما يخشاه العسكر في مصر ألا يفضي مسار الأحداث إلى فوضى مسلحة آو حرب أهلية آو فراغ في السلطة. إن خطرا كهذا يمكن التفكير فيه بجدية بالرجوع إلى غياب مأسسة أجهزة الدولة وجمود أو تكلس نخب المعارضة وهشاشة قوى المجتمع المدني.. ولا يمكن لنظام العسكر أن يتجاهل مثل هذه المخاطر التي قد تقود إلى مرحلة جديدة من تقسيم السودان في ظل انتشار التوترات ووجود فصائل مسلحة (إقليم دارفور نموذجا) بعد انفراط عقد الجنوب سنة 2011 الذي اضطرت القاهرة في النهاية لقبوله مكرهة. وما يروق العسكر في مصر أن بواصل "البشير" إحكام قبضته على الدولة والمجتمع بالتوازي مع إدخال إصلاحات اقتصادية استعجالية من قبيل خفض الأسعار ولو بصفة مؤقتة وتعليق إجراءات خفض أو الدعم أو رفعه عن المواد الأساسية وتوفير الخدمات.. وإذا كان "البشير" أفضل الخيارات المرة بالنسبة إلى مصر، فإن أي مال آخر للأحداث الجارية في السودان (غير الفوضى والحرب الأهلية والفراغ) يجب أن يقترن بترتيبات سياسية وقانونية قد تدفع ببديل مريح من وجهة النظر المصرية (و غالبا من العسكر) لا يشكل نظامه قطيعة بالنسبة إلى سابقه..وتصنف مصر ضمن مخاوفها الأمنية أيضا نزاعها المستعصي مع السودان حول مثلث "حلايب و "شلاتين" و "أبو رماد"، و كذا " انحياز" السودان لإثيوبيا في ملف سد النهضة.. كما يتبادل النظامان الاتهامات بإيواء معارضين ودعم متمردين وكذا بالتجسس والتدخل في الشؤون الداخلية.. ويدخل ضمن هذا المحدد الأمني كذلك علاقات السودان بما يسمى المحور التركي القطري...

2 – المحدد الإيديولوجي:

هل يمكن للتباينات الإيديولوجية أن تقود إلى الصراع أو العداء بين أنظمة عربية يفترض أن القواسم المشتركة بينها أكثر من نقاط الاشتباك؟ يتجه منهجيا الإشارة إلى مفارقة عجيبة. فرغم ما يبدو من تباين إيديولوجي ظاهر بين النظامين، فإن كليهما نظام عسكري، اغتصب السلطة بقوة السلاح تحت عنوان "الثورة" أو " الإنقاذ"، وأمم المجال العام والمجتمع ووظف الدين لتجيير الاستبداد.. ورغم اختلاف مساريْهما، فان النتائج كانت متشابهة على مستوى الأداء والانجاز إذ أن الفشل كان العنوان الأبرز بالرجوع إلى مؤشرات التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في كلا البلدين. تاريخيا، مثل انقلاب "البشير" مدعوما بالحركة الإسلامية على حكومة "الصادق المهدي" العام 1989 تحوّلا " إيديولوجيا" انتقلت بموجبه حكومة "الإنقاذ" من مرجعية علمانية إلى ما اعتبر مرجعية (إسلامية) . وشكل مشروع ما سمي بالإسلام (السياسي) مصدر قلق لمصر (ذات النظام العلماني العسكري) ولدول الخليج ( ذات الأنظمة التقليدية). فقد احتضن "البشير" "أسامة بن لادن" زعيم تنظيم "القاعدة" لمدة خمس سنوات. وترك الأخير 12 مليون دينار لاستخدامها في عمليات "جهادية". كما انقلب الرجل القوي في السودان بعد ذلك على شركاء الانقلاب وأطاح ب"حسن الترابي" سنة 1999 ليلحقه ب"الصادق المهدي" في صف المعارضة.

كما عززت علاقات السودان مع الجمهورية الإسلامية في إيران ( ونظام ولاية الفقيه) أسباب قلق النظام المصري وممالك الخليج (خاصة السعودية) بعد تمكين الجار الفارسي من قواعد عسكرية وفسح المجال إعلاميا لبث قناة المنار التابعة لحزب الله. وقد أدى السلوك المذكور إلى تعريض البلاد إلى عقوبات عربية عمقت من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وساهمت العقوبات الأمريكية المفروضة منذ 2009 جزئيا في استفحالها. ولطالما اتهمت السلطات المصرية نظام الجارة الجنوبية بإيواء ودعم مجموعات من قيادات "الإخوان المسلمين" الذين أمكن لهم الهروب من بلدهم خشية القمع والتعذيب. وقد ازداد هذا الخلاف بعد انقلاب 2013 عندما اتهمت القاهرة "البشير" بالعضوية في "التنظيم الدولي" للإخوان المسلمين وباستقبال أعضاء من الإخوان على التراب السوداني وكذا تسهيل هروب بعضهم إلى الخارج. وقد أدت هذه الاتهامات إلى استدعاء السفير السوداني في القاهرة للتشاور في الخرطوم، وأثر ذلك في حينه على حجم التوتر الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين وعكسه مثلا تلويح السفير السوداني بالحرب كأحد الخيارات المستقبلية. وينطلق النظامان العسكريان من أرضيتين مختلفتين لجهة تعريف الإرهاب. فعلى عكس نظام " البشير"، صنف العسكر جماعة الإخوان المسلمين التي فازت بكل الاستحقاقات الانتخابية في مصر بعد ثورة يناير كجماعة إرهابية يجب محاربتها بكل الوسائل. ويمثل تشدد نظام الانقلاب العسكري في مصر ضد الإخوان المسلمين في كل موضع وساحة، واصطفافه إلى جانب الموقف الخليجي (السعودي الإماراتي البحريني) الراديكالي إزاء الجماعة إحدى العوائق التي تحول دون اتفاق البلدين، في ظل العسكر، حول كثير من القضايا وتأجيل الخلافية منها ربما إلى حين ولادة قيادة جديدة في أحد البلدين أو كليهما تعلي مصالح الشعبين الشقيقين على أي اعتبارات سياسية أو شخصية أو إيديولوجية. وليس الماضي وحده هو الذي يلقي بظلاله على موقف العسكر من النظام السوداني وعلى العلاقات بين البلدين، بل كذلك احتمال وصول نخب سياسية تعتبرها القاهرة عدوة لصدارة المشهد السياسي في حال سقوط "البشير". وأقصى ما يخشاه الانقلاب في مصر ألا يظل إخوان السودان رقما غير ذي قيمة ضمن الطيف الواسع للحركة الإسلامية.

3 – المحدد الجيوستراتيجي:

مهما كان تأثير التباينات الإيديولوجية والسياسية بين نظامي العسكر في البلدين، فإن كليهما لا يمكنه الفكاك نهائيا من أسر التاريخ واعتبارات الجغرافيا وتعقيدات الاجتماع والثقافة ومنطق المصالح المشتركة. تشكّل الجغرافيا، ضمن عناصر أخرى، محددا مهما يساهم إيجابا آو سلبا في تشكيل موقف النظام العسكري في مصر من الاحتجاجات الشعبية في السودان.

* إذا كان النيل ( وغيره من الثروات) هبة الله للسودان (و لغيره من دول المنبع والمصب)، فإنه يشكل كذلك مصدرا للنزاعات. وتمثل أزمة سدّ النهضة الأثيوبي أحد أوجه الصراع المصري السوداني. وتخشى مصر أن يؤثر السد الإثيوبي الذي بدأ إنشاؤه العام 2012 على منسوب نهر النيل السنوي الذي تعتمد عليه لتأمين أغلب احتياجاتها من المياه والذي يبلغ حاليا 55.5 مليار متر مكعب  وهذا ما تعتبره القاهرة مسالة أمن قومي. وقد توترت العلاقات بين البلدين نتيجة موقف الخرطوم المؤيد لبناء السد نظرا لحاجتها الشديدة للكهرباء. ورغم الحملة الإعلامية المصرية التي كانت تدفع في اتجاه الرد بشدة على الحكومة السودانية، فإن المستويات الرسمية المصرية حاولت تهدئة الخطاب المتشنج والعدائي وطمأنة الجارة الجنوبية كما إثيوبيا.     

* أما مثلث "حلايب" و "شلاتين" و أبي رماد" الحدودي والواقع على الطرف الإفريقي للبحر الأحمر ( أكثر من 20 ألف كلم مربع) فمازالت مصر تعتبره أرضا مصرية وترفض مطالبات السودان التي لم تنقطع منذ 1958 بحقوقها فيه. كما جددت مصر العام 2016 رفض طلب الخرطوم لبدء مفاوضات لتحديد أحقية السيادة علي هذه المنطقة الحدودية أو قبول اللجوء للتحكيم الدولي. وقد زاد منسوب التوتر بين الجارين حول هذه النقطة على اثر توقيع الجانبين المصري والسعودي على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بينهما في البحر الأحمر بتاريخ  8/4/2016 و ترتب عنها تنازل "السيسي" عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" ما أثار اعتراضا شعبيا مصريا ورفضا رسميا سودانيا. وتعتبر السودان التي تم تجاهلها أن الاتفاقية تعني تبعية المثلث (الواقع جنوب شرق مصر وشمال شرق السودان) لمصر. ولذلك قدمت شكوى للأمم المتحدة بتاريخ 5/12/2017 (؟) ترفض فيها الاتفاقية المذكورة وعدم اعترافها بأي أثر قانوني قد يترتب عليها.   

* البحر الأحمر: يكتسي البحر الأحمر أهمية جيواستراتيجية إذ يتحكم في حركة ما يقارب 15 بالمائة من التجارة العالمية بما فيها 18 مليون برميل من النفط يوميا. وإذا كان باب المندب تقاطعا استراتيجيا حيويا بين آسيا وأوروبا و الخليج، فان ضفته المقابلة تتشكل من شواطئ اليمن الذي تعصف به حرب مدمرة بالوكالة. وعليه فإن ما يبدو مزايا إستراتيجية لا يمنع من الإقرار بأن السودان يبقى بؤرة للصراع الإقليمي والدولي.  

1 – منطقة تنافس إقليمي جديدة: استغلت تركيا وقطر توتر علاقات السودان مع مصر والسعودية، وعملت على توسيع نفوذها في شرق إفريقيا من خلال تأسيس قاعدة عسكرية في الصومال. كما مكنها الرئيس "البشير" من حق إدارة جزيرة ّسواكن" (أقدم ميناء استخدمته الدولة العثمانية مقرا لحاكمها و مركزا لبحريتها) الواقعة على البحر الأحمر لمدة لم يحددها. و إلى جانب التخطيط لبناء مطار جديد في الخرطوم وتنويع الاستثمارات الزراعية والصناعية، اتفق الأتراك مع "البشير" على رفع مستوى التبادل التجاري بينهما سنويا إلى 10 مليار دولار.ويساهم بناء تركيا لقاعدة بحرية لسفنها المدنية والعسكرية وتمركز آلاف الجنود الأتراك في قطر في تنمية العلاقات العسكرية بين البلدين و تضييق الخناق على السعودية. كما نجحت الدوحة التي لم تلتزم بالعقوبات الأمريكية المفروضة على السودان منذ 2009 في وضع قدمها في هذا الممر الدولي بتوقيعها اتفاقا استراتيجيا مع نظام "البشير" لإنشاء أكبر ميناء للحاويات في البحر الأحمر و فوتت بذلك الفرصة على المنافس الإماراتي.

و في الاتجاه المعاكس، لعب "البشير" دور"الشرطي" لمصالح المحور الخليجي المصري الصهيوني. فقد وقع، بضغط سعودي إماراتي، اتفاقا مع النظام العسكري في مصر يمنع التدخلات الأجنبية التي تسعى للسيطرة على البحر الأحمر. وقد تزامن الاتفاق مع شروع السعودية في تأسيس مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن بهدف التصدي لإيران وتركيا (وليس الكيان الصهيوني بالتأكيد). كما وجه "البشير" جيشه لتأمين البحر الأحمر وأوكل للإمارات الحق الحصري في تطوير "بورتسودان".

كما أدى التقارب التركي السوداني (المدعوم قطريا) وما قد يترتب عليه من تهديد مباشر للجارة الشمالية تكوين تحالف مضاد مصري اريتري مدعوم خليجيا لاعتبارات إيديولوجية وإستراتيجية. والملفت أن نظام "البشير" الذي جنح إلى التزام الحياد أثناء الأزمة الخليجية، ألقى بجنوده في أتون الحرب المدمرة ضد الحوثيين في اليمن بعد قرار "السيسي" الإحجام عن المشاركة في الحرب. كما قام بغلق القواعد الإيرانية وأوقف بث قناة المنار التابعة لحزب الله وهو ما ساهم جزئيا في تخفيف العقوبات المفروضة على السودان. إن التنافس المصري الخليجي (والصهيوني) مع ما يسمى بالمحور التركي الإيراني القطري، إضافة إلى اللاعبين الدوليين الآخرين، حول السودان إلى بؤرة مزمنة للصراع الإقليمي والدولي في البحر الأحمر.

2 – تنافس بالوكالة تحكمه ترتيبات دولية:

تتقاسم القوى والكيانات الدولية والإقليمية النفوذ في البحر الأحمر. وتملك الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن قواعد عسكرية في جيبوتي. ونضيف إليها اليابان وإيطاليا و السعودية. و تستضيف اريتريا قواعد عسكرية للكيان الصهيوني والإمارات. بينما تمددت تركيا عسكريا في القارة الإفريقية وشواطئ البحر الأحمر وتمركزت في كل من الصومال والسودان. ويتجه التأكيد هنا على النقاط التالية:

أولا – يؤكد الوجود الاستعماري الصهيوني (من خلال منفذ أم الرشراش " ايلات" على خليج العقبة) كما الحضور العسكري الأجنبي أن البحر الأحمر لم يعد كما كان لقرون "بحيرة" عربية.

ثانيا- لا يؤشر الحضور العربي ولا التنافس الإقليمي على ضفاف البحر الأحمر ولا التكتل العربي الإفريقي المنشود على الحس  الاستراتيجي للدول العربية ولا على استقلالية قرارها. بل من الصعب تصور قيام تكتل عربي (آو عربي إفريقي) في الظروف الدولية الراهنة (و في ظل وجود أنظمة وظيفية) دون موافقة أمريكية و صهيونية. إن حراك أي دولة إقليمية في ممر دولي حساس لا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصيلا بل بصفة الوكيل لدول و كيانات كبرى. بل إن هكذا مشروع سعودي يمكن أن يكون بابا إضافيا للتطبيع مع الكيان الصهيوني باعتبار الأخير كيانا مطلا على البحر الأحمر..

ثالثا- إن موقف نظام العسكر في مصر من الوضع في السودان (ومن تحالفاته سواء مع إيران أو تركيا أو قطر) ليس نابعا من إستراتيجية وطنية أو عربية ثابتة. بل انه تحرك غايته المساومة والابتزاز بحكم طابع النظام الوظيفي وتحالفاته المذلة (مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والسعودية والإمارات خاصة).

و إذا كانت هذه أهم المحددات الموضوعية للموقف المصري، فكيف تبدو معالمه الرئيسية؟

ثانيا/ معالم الموقف السياسي المصري من الاحتجاجات في السودان:

إذا كان القرار السياسي هو حاصل التفاعل بين عاملين أولهما القناعات الشخصية لصانع القرار وثانيهما المعلومات التي تصل إليه من مصادر مختلفة، فان القناعات الشخصية تغلب على مسار هندسة القرار كلما كان النظام استبداديا، يقتصر اتخاذ القرار فيه على فرد أو عدة أفراد كما هو حال النظام العسكري في مصر. وبالرجوع إلى المحددات الموضوعية الرئيسة التي بينا في الباب الأول ، مضافا إليها دور القناعات الشخصية للحكام في الأنظمة الاستبدادية، يمكن إجمال الموقف السياسي المصري من الاحتجاجات الشعبية في السودان ومن نظام "البشير" من خلال زاويتين على الأقل هما مخاوف الحاضر وكوابيس المستقبل.

أ – مخاوف الحاضر:

ليس غريبا أن تتقاطع مصالح الدول و الكيانات الإقليمية و كذا القوى الدولية في دعم "البشير"، وإن ظل ذلك الدعم محدودا وغير ظاهر. وليس عجيبا كذلك أن يصارع الشعب السوداني، وحيدا، نظام الاستبداد و الفساد. ولان اغلب التقديرات الدولية (والمصرية) ترجح انفتاح السودان على خيارات صعبة بالنسبة إلى مصر، فان سيناريو بقاء "البشير" ( بمزاجيته المفرطة و تقلبه الدائم) يبقى الأفضل بالنسبة لعسكر مصر في غياب نظام عسكري علماني حاكم في الجارة الجنوبية. فكيف يبدو ذلك ؟ و هل تملك القاهرة حقا أدوات لإنقاذه إن تواصلت الأزمة؟

أولا – الخطاب والسلوك السياسيين: نكتفي بالإشارة إلى نقطتين تتعلق أولاهما بمعالم الخطاب السياسي المصري حول الأحداث الجارية في السودان كما بالسلوك السياسي المصري إزاء "البشير".

ا – عن الخطاب السياسي: انطلاقا من كونه نظاما انقلابيا وظيفيا ( أي أن وجوده وديمومته مرتبطان بحماية مصالح رعاته وداعميه في العالم والإقليم والداخل)، فان خطاب نظام العسكر في مصر بشان التغيير في السودان والمنطقة يتميز بسمتين:

* السمة الأولى - كراهية الثورة والتغيير: باستثناء كل "ثورة" تجير لمصلحة العسكر أو القلة (الأسرة/القبيلة/الطائفة)، فان كل نظام العسكر يرفض الاعتراف للشعب، أي شعب، بنضجه و قدرته على الفعل بل ينكر عليه كل فعل من شانه التحرر من مفسدتي الاستبداد والفساد. وهكذا لا ينتظر الشعب السوداني بالتأكيد من نظام انقلابي أن يبارك احتجاجاته ومظاهراته. كما يخشى عسكر مصر توسع تلك الاحتجاجات واستمرارها و تحولها، ربما، إلى ما يشبه ثورة شعبية ينكرها. وعليه يمثل صمود النظام العسكري السوداني في وجه الهزة الشعبية (وتواصل الدعم الإقليمي والدولي المحدود) صمام أمان يحول دون انتقال عدوى إرادة التغيير إلى شعب الجارة الشمالية الذي يعيش نفس الأزمة المركبة السياسية الاقتصادية و الاجتماعية. ويتقاطع موقف "السيسي" من الاحتجاجات السودانية ومن الثورة الشعبية، باعتبارها طريقا ممكنا للتغيير، مع بيئة إقليمية ودولية معادية للتغيير واستعادة مسار الثورات العربية التي اندلعت ذات شتاء من العام 2010 ضد مركب الاستبداد والفساد والتبعية.

السمة الثانية - تقديس الاستقرار بالمعنى الأمني: إذا كان الاستقرار السياسي يعني في الأدبيات السياسية قدرة النظام على استيعاب التغيير دون عنف، فإن الحكام المستبدين يعتقدون أن الجمود و الثبات و عدم التغيير هو الضمان الحقيقي للاستقرار. لذا فان وجودهم و بقاؤهم مرهون ليس فقط بإنكار ورفض الثورة باعتبارها سبيلا للتغيير السلمي بل كذلك بالتصدي لأي فكر أو تيار أو مشروع يؤسس لمثل هكذا ثقافة و تجريمها وحتى وسمها ب"الإرهاب". ويتجه التأكيد على أن الاستقرار المقصود هو فقط الاستقرار في بعده الأمني أو الاستقرار الظاهر. وتتساوق هذه القناعة مع  براديغم استمرارية الاستبداد التي هيمنت على النسق الفكري الغربي  ( ولدى النخب العربية المهزومة ) بعد تراجع أطروحة الانتقال، والدعم الذي قدمته لدوائر الاستخبارات الغربية ولقوى الهيمنة في العالم وكذا إسناد الأنظمة السياسية القائمة والمساهمة جزئيا في " شرعنة" الاستبداد في العالم العربي.

أما عن الخطاب الإعلامي المصري حول الأحداث الجارية في السودان، فانه لا يحيد في نبرته و رسائله و حجم تغطيته عما يحدده النظام من تعليمات صارمة، باعتبار أن كل الفضاء العام مؤمم.  فبعد تجاهل طويل للأحداث، تعاملت وسائل الإعلام بحذر شديد مع المظاهرات العارمة في المدن السودانية و ركزت خاصة على الإجراءات و الإصلاحات التي اتخذها "البشير" لمواجهة الغضب الشعبي الجارف...

ب – عن السلوك السياسي: يعتبر المصريون "البشير" صاحب مزاج سياسي متقلب يعكسه إصراره على توظيف خطاب "إسلامي" شديد الحساسية بالنسبة لعلمانيي مصر. و هذا ما قاده إلى ارتكاب "أخطاء" و "ممارسات ضارة" بمصالح الجارة الشمالية من قبيل:

1 – التساهل في إيواء عناصر متشددة و إرهابية على الأراضي السودانيالتصاق "البشير" بأجندات إيديولوجية تتبناها قطر و تركيا و إيران..

و تعتبر القاهرة أن مزاجية "البشير" و تقلبه دفعتها إلى اعتماد سلوك سياسي يتسم بالمرونة

و يجنح إلى تغليب لغة الحوار و النقاش عوض الضغط و التصعيد.. و هذا ما حد من اندفاع "البشير" في كل الاتجاهات و فرملة كل المصالح و المشاريع التي يعتبرها عسكر مصر معادية لأمنها القومي.

ثانيا – القاهرة و "البشير" بين الرغبة و القدرة: لا شك أن اهتمام العسكر في مصر بالأوضاع في السودان يزداد و يتأكد كلما طال زمن الاحتجاجات و المظاهرات. إن أي نجاح لهذا المسار الاحتجاجي يهدد لا محالة الجارة الشمالية و يشكل مسالة امن قومي بالنسبة للعسكر..إن تبادل الزيارات و اللقاءات الرسمية المعلنة و السرية في مستويات وزارية و عليا (سياسية، أمنية، مخابراتية) خاصة من الجانب المصري يؤكد قلق القاهرة من الاحتجاجات في السودان و من أي هزة شعبية قد تعيد إلى الأذهان بواكير الثورات العربية. كما يؤشر من ناحية أخرى إلى رغبة في استطلاع الأوضاع في الجارة الجنوبية و تتبع مسار الأحداث و تعاطي نظام "البشير" معها بالوسائل اللينة و الخشنة. و لكن اغلب تلك اللقاءات و ما أسفر عنها من بيانات و ما ترتب عليها من إجراءات أو قرارات لم تكن لتخفي الخلافات العميقة بين البلدين و لم تشكل اختراقا في خصوص المثلث المتنازع عليه و لا حول سد النهضة و غيرها. كما لم تقطع مع منطق الانتهازية و المساومة..

و إذا كان "البشير" في آخر زياراته للقاهرة قد لفت انتباه العسكر في مصر إلى أن " هناك محاولات لزعزعة الاستقرار في بلاده، من خلال محاولة تكرار تجارب الربيع العربي"، [1] و دعا إلى مزيد التنسيق الأمني لمواجهتها، فان المصريين قايضوه بضرورة تغيير سلوكه في خصوص ملف سد النهضة الإثيوبي. إن الخشية من حدوث انفجار على الحدود الجنوبية دعا القاهرة، إلى جانب تصدير خبرتها الأمنية والمخابراتية في إخماد تطلعات الشعب للتحرر من الاستبداد و الفساد،  إلى محاولة دعم الخرطوم اقتصاديا. و قد أعلنت بتاريخ 4/7/2018 وصول حجم استثماراتها في السودان إلى 2.7 مليار دولار.

و لكن الواقع يؤكد أن القاهرة التي تعيش أوضاعا اقتصادية و اجتماعية صعبة لا يمكنها أن تساهم بمهمة إنقاذ السودان اقتصاديا إلا بالتنسيق مع شركاء آخرين، و إن كانت لا تدخر جهدا على المستويين الأمني والمخابراتي للإبقاء على "البشير" على رأس النظام في السودان أو على الأقل ضمان انتقال سلس للسلطة يتضمن بديلا مريحا من وجهة نظر النظام في القاهرة و داعميه الإقليميين.   

2 – كوابيس المستقبل: إن أشد ما يرعب القاهرة في ظل تواصل الزخم الشعبي على حدودها الجنوبية هو سيناريو الفوضى المعممة وكذا الخوف من حصار "الإخوان".

أولا - سيناريو النزاع المسلح:

لن ينسى المصريون كما السودانيون ذكرى انفصال جنوب السودان عن شماله عام 2011  التي كشفت عن عينة من حجم الدمار الذي لحق  بالسودان في عهد "البشير" إذ فقدت بموجبه ثلث مساحتها الجغرافية وأغلب ثرواتها الطبيعية و70 بالمائة من إنتاجها النفطي. وإذا كانت القاهرة (كما الكيان الصهيوني) تقيم اليوم علاقات متميزة مع جنوب السودان، فإن خطابها المعلن كان يعبر عن معارضة الانفصال ورفضه باعتباره خطرا يهدد أمنها القومي. و ليست القاهرة في وارد قبول هزة أخرى على حدودها الجنوبية التي كانت دوما بوابة لأمنها القومي على عكس حدودها الشمالية أو الشرقية. وتخشى القاهرة أن يتطور الحال في السودان إلى نزاع مسلح قد يترافق مع فراغ في السلطة وينتهي إلى فوضى عارمة يصعب ضبطها، نتيجة غياب المؤسسات و جمود المعارضة وهشاشة منظمات المجتمع المدني. إن وضعا كهذا سيقود لا محالة إلى مزيد التشظي في إقليم "دارفور" بما يمثله ذلك من تهديد لدول الجوار وخاصة مصر وتشاد. كما ينطوي ذلك الحال على تكثيف جديد لسيولة أمنية في إقليم الساحل والصحراء تزعم فرنسا وأمريكا مكافحتها. ولا شك أن انعكاس ذلك على أمن البحر الأحمر و على الأوضاع في اليمن سيثير قلق مصر و دول الخليج.

كما تزداد شكوك العسكر في مصر (و غيرها من الدول) حول بروز معقل جديد لجماعة أو جماعات متطرفة قد تستغل حالة السيولة الأمنية و تراخي القبضة الأمنية و تعطل قنوات الحوار و انتشار السلاح  للتموقع خاصة في مناطق التوترات، بما يرفع درجة الخطر الإرهابي.  

ثانيا- الخوف من حصار الإخوان:

يحسب "البشير" على "الإخوان" و الحال انه نجح في كل مرة في تغيير تحالفاته شرقا وغربا، و آخرها مع الرياض التي لا تتصور حدوثه مع "إخواني" غيره ولا حتى مع معارضة تتحفظ على علاقاتها مع السعودية و خصوصا مشاركة الجيش في المعارك ضد الحوثيين في اليمن. ولعل ما يخشاه العسكر في مصر أن يقود أي تغيير يحصل في الجارة الجنوبية إلى تحقيق نموذج انتقال ديمقراطي ينهي الاستبداد و يؤسس لقيمتي المشاركة والمسؤولية، و إلى أجندة  تنموية مستقلة تقضي على الفساد وتحد من التبعية. أما ما يؤرق القاهرة أكثر فهو استعادة جماعة "إخوان" السودان لزمام المبادرة و تصدر المشهد السياسي الجديد لا أن يظلوا احد مكونات الطيف الإسلامي الواسع في السودان، و هو الأمر الذي حاولت القاهرة دوما تفاديه و العمل على عدم تحققه. إن سيناريو كهذا يطبق حصار "الجماعة" حول مصر التي تحاول هي و حلفائها ( الكيان الصهيوني و الخليج)   لمنع حصوله.  ولكل رغم هذه الأسباب يظل نظام "البشير" بكل سيئاته السيناريو الأمثل الممكن لمصر و لحلفائها.

 

خاتمة:

 

 تنوعت محددات الموقف المصري الموضوعية من الاحتجاجات الشعبية في السودان (أمنية، إيديولوجية، جيواستراتيجية..) وتفاعلت مع تلك المتعلقة بالقناعات الشخصية للحاكم المستبد لتشكل موقف نظام العسكر في مصر من الاحتجاجات الشعبية. وهو موقف يتراوح بين الحذر و القلق، ويتجاذبه الخوف من البديل و كابوس "حصار" الجماعة، و تتقاذفه أهواء الايدولوجيا و ضرورات الأمن و الجيواستراتيجيا. إنه موقف، باعتبار طبيعة النظام الاستبدادي و الوظيفي، ينطوي على كراهية للحرية و تقديس للاستقرار ببعده الأمني. وهو بهذا المعنى منحاز إلى جانب نظام "البشير" الذي قد لا يتكرر في السودان، إذا قدر لهذه الاحتجاجات أن تعرف النجاح.  

 

علي العبيدي (كاتب و باحث تونس)

 

 

[1] - http://www.bbc.com/arabic/middleeast-47019777

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك