القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

من مُخرجات سايكسبيكو المُدَمِّرَة الأكراد و العرب نموذجا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-11-19 11:26:00 | 351 مشاهدة

ملخّص:
مشروع "الدولة القومية العربية" في "الهلال الخصيب" فاشل سياسيا وساقط أخلاقيا، إذا لم يعترف بمشروع "الدولة القومية الكردية" في أرض كردستان التاريخية، ومشروع "الدولة القومية الكردية" فاشل سياسيا وساقط أخلاقيا، إذا لم يتخندق مع مشروع "الدولة القومية العربية" في "الهلال الخصيب" ضد "الصهيونية" و"الإمبريالية" و"الوظيفية" و"أطماع الإيرانيين والأتراك" في الإقليم. أما مشروع "دولة الخلاقة الإسلامية" فهو مشروعٌ في ذِمَّة التاريخ، إذا لم يتم البدء بالتفكير في السعي إليه، بعد تجسيد "الدُّول القومية"، بوصفها محطات تؤدي إليه إن ثبتت جدواه، وليس على أنقاضها بوصفها هي المحطات التي عرقلته وجاءت على أنقاضه كما يتصور أنصار "مشروع الخلافة".لا حياد عربي في مشروعية الحقوق الكردية، ولا حياد كردي في مواجهة الصهيونية والإمبريالية والأطماع الإقليمية، وكل التحالفات يجب أن تقوم على فرضية هذا اللاحياد، والمحايدُ يَحْكُمُ على مشروعه بالافتقار الفلسفي، وبالسقوط الأخلاقي، وبالفشل السياسي، وباللامشروعية القانونية، فكيف سيكون الوضع في حال التخندق في الخندق المعادي أصلا؟ إذ أنّ تحالف العرب والأكراد ضروري لتجسيد مشروعيهما القوميين، وإلا فإن كلَّ مشروعٍ سيكون معولَ هدم للآخر وأداةً في يد أعدائه كما هو حاصلٌ الآن.

مقدمة :
إن التأسيس لهدم مُخرجات اتفاقية "سايكسبيكو" من جهة، وللحيلولة دون رهن مستقبل إقليم "الهلال الخصيب" لمُخرجات التنافس عليه بين القوى الإقليمية والعالمية من جهة أخرى، يقتضى أن ينطوي المشروع الذي سيواجِه هذين الغولين على كلِّ ما يتطلبه فلسفيا وسياسيا "هدم سايكسبيكو"، وعلى كل ما تتطلبه فلسفيا وسياسيا "الحيلولة دون رهن مستقبل هذا الإقليم لمُخرجات التنافس الراهن عليه"، لأننا وعند التحليل العميق لما يحدث في "الهلال الخصيب" سنكتشف بسهولة حالةً من التزاوج الذي يكاد يكون كاثوليكيا بين "هدم سايكسبيكو" من جهة، و"التأسيس لمُخْرَجاتٍ تعيد الهيمنة عليه" حتى بدون "سايكسبيكو" التي نعرفها من جهة أخرى، إذا كان الهدم سيتحقق بمشاريع غير المشروع القومي، وهو ما يحدث فيه حاليا. وهو الأمر الذي يعني أن "هدمَ الماضي السايكسبيكوي" إذا كان عاجزا عن أن يؤدي إلى "هدم ما يتم بناؤه ضد الإقليم حاضرا" – بسبب غياب المشروع القومي العربي عن ساحة الهدم وإعادة البناء كفاعل أساسي ومؤثر وصاحب مصلحة مباشرة وحقيقية في ذلك، فكأننا نكون قد استبدلنا "سايكسبيكو 1" بـ "سايكسبيكو 2" فقط لا غير. 
تأصيل المشروعية في مشروع "الدولة القومية الكردية"
إذا كان هدم "سايكسبيكو" يعني في أول ما يمكنه أن يعنيه، السعيُ إلى "توحيد" ما قسَّمَته "سايكسبيكو" عبر إعادة لملمة شتات إقليم "الهلال الخصيب"، وإلى القضاء على ما تمَّ تخليقه بها من كيانات "قُطْرِيَّة"، فإننا لا نستطيع أن نؤسِّسَ مشروعا تحرُّرِيا وحدويا نهضويا بديلا لمشروع "سايكسبيكو" ولأيِّ مشاريع عالمية وإقليمية تسابق الزمنَ لتحلَّ مَحَلَّه مستغِلَّةً الغياب التام للمشروع القومي العربي عن الساحة، إذا لم نفهم أن هذا المشروع يجب أن يُجَسِّدَ نفسَه وفق ما تتطلبه عملية توحيد ما قسَّمَته "سايكسبيكو"، وما لم ندرك من ثمَّ كافة الدلالات العملية لذلك التجسيد فلسفيا وسياسيا وقانونيا. إن هدمَ "سايكسبيكو" يعني في أهم ما يمكنه أن يعنيه بروز وتجلي العناصر التالية بوصفها مُكَوِّناتٍ جوهريةً لا غنى ولا فكاك عنها في مشروع الهدم ذاك، لكي يكون الهدم فعلاً نقوم به نحن لصالح بناءٍ جديد نريده نحن، لا فعلا يقوم به الآخرون لصالح إعادةِ إنتاجٍ جديدة يريدونها هم: 
أولا: العمل على إسقاط "ثقافة الهوية القُطْرِية" كأساس لـ "ثقافة الدولة" ولـ "فكرة الأمة"، عبر الدفع باتجاه تخليق ثقافة لحالة وحدة إقليمية، تتحرك ضمن مساحات تمتد من "الوحدة الاندماجية" إلى "الوحدة الفدرالية"، على قاعدة اعتبار أن "الوحدة الاندماجية" تؤسِّس للشعوب العربية ولهوياتها الفرعية "القُطْرِيَّة"، وأن "الوحدة الفدرالية" تؤسس للأمة العربية ولهويتها القومية.
ثانيا: العمل على إسقاط المشروع الصهيوني الاستيطاني "إسرائيل"، باعتباره الرديف الأهم للحالة القُطْرِيَّة التي نجمت عن "سايكسبيكو"، عبر التعامل معه بوصفه مشروعَ احتلالٍ عنصري يمثلُ رأسَ حربةٍ للصهيونية وللإمبريالية العالميتين، تجب مقاومته ومواجهته حتى تحرير كامل الأراضي العربية المحتلة منه، وبتر كافة علاقاته وارتباطاته بوكلائه الإقليميين ممثلين في حزمة "الأنظمة الوظيفية" بشتى أشكال ومعاني "الوظيفية".
ثالثا: العمل على الدفع باتجاه تجسيد "الأمة الكردية" فوق الإقليم الجغرافي الذي يُعْتَبَر موطنا تاريخيا لها، إذا كانت هذه هي طموحات الأكراد في كل من العراق وسوريا وإيران وتركيا – ونحسبها كذلك وهي حقهم المشروع – دون تمييز أو تفريق أو استعلاء، باعتبار هذا السعي هو جزء لا يتجزأ من مكونات بل ومن مُحَفِّزات السعي لتجسيد المشروع القومي العربي في الجغرافيا العربية للهلال الخصيب، تأسيسا لخلق حالة تحالف عربي كردي لمواجهة المشاريع الإقليمية والعالمية التي تستهدفنا معا وتستخدمنا معا لمصالحها الجيوسياسية في المنطقة. 
وفي هذا السياق، وبالنظر لعدم تعوُّد الذهن السياسي والأيديولوجي العربي – الذي كان يناضل على مدى عقود مضت لتجسيد المشروع القومي العربي بطبيعة الحال – على التعاطي مع "القضية القومية الكردية" باعتبارها رديفا حقيقيا وفاعلا لـ "القضية القومية العربية" في "الهلال الخصيب" ولنضالاتها الوحدوية والتحرُّرِيّة، إذا أُحْسِنَ صبُّها في سياقاتها النضالية الصحيحة، وتعوُّد هذا الذهن على تجلي "القضية القومية الكردية" تاريخيا بوصفها مناكفا للقضية القومية العربية.. نقول:بالنظر إلى ذلك، سنركِّز في هذا التحليل على محاولة استدعاء عناصر التكامل النضالي السياسي والقانوني بين حَمَلَة المشروعين "القومي العربي" و"القومي الكردي"، وطبيعة العلاقات التي يفترض أن تربط بين المشروعين وبين حملتهما، حتى لا ينقلب الأمر، فيعرقل كلٌّ منهما الآخر ويُفَخِّخُه ومن ثم يهدمُه، بدل أن يقويه ويثريه ويرمِّمُه، كما حصل في تاريخ العلاقة المعاصرة بينهما، وكما هو حاصل حتى الآن بسبب الموروث المرهق لتلك العلاقة. نلفت الانتباه بادئَ ذي بدءٍ إلى أن "الأمة الكردية" التي تمَّ الاعتراف لها بأنها أمة مستقلة على الجغرافيا التاريخية لها في اتفاقية "سيفر"(1) التي سبقت اتفاقية "سايكسبيكو"، هي ذاتها الأمة التي تمَّ تقسيمها كما الأمة العربية بموجب اتفاقية "سايكسبيكو" ذاتها، وتشتيتها إلى أربع أجزاء متناثرة تمَّ ضم كلِّ جزء منها إلى دولة من الدول التي أنشئت بموجب "سايكسبيكو"، أو تلك التي كانت لها ظروف إنشاء وتأسيس مختلفة، وهذه الدول هي: "تركيا"، و"العراق"، و"إيران"، وسوريا".ومن هنا وبناءً على ما سبق فمن يريد هدم "سايكسبيكو" وإعادة اللحمة إلى الأشلاء العربية التي مزَّقتها تلك الاتفاقية في "الهلال الخصيب" على أسس قومية عربية، لن يكون منصفا ولا عادلا، ولن يكون موضوعيا ولا عقلانيا، بل وسيتناقض مع جوهر دعوته القومية أخلاقيا، إن هو قبل بطرح التحرّر من تبعات ومُخرجات "سايكسبيكو" للأمة العربية، ولم يقبله للأمة الكردية. لأنه سيكون ازدواجيَّ المعايير وشديد الانتقائية، لجهةِ رفضِه لمُخرجات سايكسبيكو المتعلقة بالمكونات القومية العربية لـ "الهلال الخصيب"، وقبوله بها بل وإصراره عليها عندما يكون الأمر متعلقا بالمكونات القومية الكردية سواء في "الهلال الخصيب" أو في "تركيا" أو في "إيران".
رابعا: العمل على الدفع باتجاه انتزاع كافة الأقاليم العربية التي تمَّ إلحاقُها بأيِّ دولة من دول الإقليم مثل "لواء الإسكندرون" في تركيا، و"الأحواز" في إيران، وضمها إلى مشروع الأمة العربية الواحدة بدءا من "الهلال الخصيب"، إذا كان أهالي تلك الأقاليم المنتزَعَة يرغبون في ذلك ويسعون إليه ويطالبون به. فالأمة القومية العربية لا تنشأ إلا بإرادة من يعتبرون أنفسهم من صميم تلك الأمة، ويرغبون في تجسيدها والانضمام إليها، استشعارا عميقا لهويتها في تجمعاتهم أينما كانوا – كما هو شأن كل الأمم التي تنشأ في سياق الأنساق التاريخية الموضوعية – ولا يمكن لهذه الأمة أن تنشأ بالإكراه من قبل نُخَبٍ تسعى إلى ذلك بصرف النظر عن إرادة المعنيين المباشرين، وإلا فإن الأمر سيتحول إلى بلطجة تاريخية لا تختلف مُخرجاتها عن مُخرجات كل التقسيمات الاستعمارية لمختلف الحدود السياسية للأمم والشعوب في كل من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. فمن يعترض على ضم "الأحواز" إلى "إيران"، وعلى ضم "لواء الأسكدرون" إلى "تركيا"، ما دام الضم قد حصل تاريخيا ضد إرادة أهل المنطقتين، معتبرا ذلك احتلالا قسريا، لن يختلف كثيرا عن ذلك الذي يطالب باستعادة تلك الأقاليم بصرف النظر عن إرادة أصحابها الحاليين، لجهة كون هذا الأخير أيضا يريد أن يمارس ضربا من ضروب البلطجة التاريخية، ليست بعيدة عن توصيفها بأنها "احتلال قسري". فإذا كانت أيُّ أقلية قومية عربية في أيِّ دولة من خارج قوميتها مثل حال العرب في تركيا وإيران، لا تريد أن تنفصل وأن تعود إلى جسم القومية الأم، فهذا شأنها ولا يلزمها أحد بما لا تريده، أما إذا كانت ترغب في ذلك ولها مُسَوِّغاتُها وتسعى إليه بالأدوات والوسائل التي تعترف بها الأخلاق والقيم الإنسانية للتحرر الوطني على أسُسٍ قومية، فإن اعتبارَها جزءا لا يتجزأ من المشروع القومي العربي يغدو أمرا طبيعيا ومنطقيا ولا مثالب أخلاقية وسياسية فيه.
إن هذه المُكَوِّنات الأربعة لا يمكن لأيِّ مشروع نهضوي عربي أن يغفلَ عنها أو أن يفرِّقَ بينها أو أن يتَّبِعَ فيها سياسة ازدواجية المعايير، فكلُّها أولويات تقبع في صميم وجوهر بُنْيَة مشروع النهضة والتحرُّر والوحدة القومي العربي في الإقليم.كما أنه لا يحق لأيِّ مشروع نهضوي تحرُّري وحدوي عربي أن يحتجَّ بوحدة الأمة الإسلامية للقفز على حقوق الأمة الكردية في الاستقلال وتجسيد الهوية، لأن هذا يمنعه من المطالبة باستقلال "الأحواز" حتى لو طالب "الأحوازيون" بذلك، ويمنعه من المطالبة باستقلال "الإسكندرون" حتى لو طالب "الإسكندرونيون" بذلك، فالوحدة سواء بين دول المسلمين أو بين أي دول في العالم، لا تكون عبر إذابة شعب في شعبٍ آخر، ولا عبر تغييبِ أمَّةٍ قومية في أمة قومية أخرى غصبا ورغما عنها، بل عبر تجسيد الشعوب والأمم في كياناتها القومية، ثم التحرك بعد ذلك باتجاه الفضاء "ما فوق القومي" لتوحيدها ضمن صيغٍ تفرضُها طبيعة المصالح التي ترتئيها تلك الأمم وتصبو إليها، بكامل إرادتها الحرَّة، سواء عبر تقاربات ثقافية، أو مكاسب اقتصادية، أو عبر غير ذلك من مُكَوِّنات متطلبات التوحُّد والتقارب ما فوق القوميين، تجسيدا للقراءة القرآنية العظيمة والأساسية لتاريخ البُنى الاجتماعية كما وردت في سورة الحجرات: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". أي أن مشروع الدولة القومية العربية في "الهلال الخصيب"، ينطوي في أعماقه على بذورِ تناقضٍ حقيقية مع كلٍّ من مشروع "الدولة القومية التركية"، و"مشروع الدولة القومية الإيرانية" مهما تمَّ ادعاء غير ذلك أو التغاضي عنه أو محاولة تجاهله، لأن مشروع "الدولة القومية العربية" يقوم على مناهضة مشروع "الدولة القُطْرِيَّة العربية" المرتكزة إلى مُخرجات اتفاقية "سايكسبيكو"، وبالتالي فإن من يقوم مشروعه القومي على مناهضة هذه الاتفاقية، عليه أن يستوعب استيعابا مُنتجا، حقيقةَ أن هذه الطبيعة المواجهاتية لمشروعه تقتضي أن يناهضَ هذه الاتفاقية في كل مُخرجاتها القُطْرية التي تناهضها مشاريع قومية أخرى كما هو حال مشروعه القومي العربي، ليكون مشروعه منسجما مع نفسه، وقائما على معايير عادلة في الوقت ذاته، وإلا فإن مشروعه القومي أصلا مشروع غير أخلاقي إذا تمسك به واعتبره حقا، فيما ناهض المشروع القومي الآخر الذي يقوم على مناهضة "سايكس بيكو" التي يناهضها لأنها فعلت بقوميته نفس ما فعلته بهذه القومية الأخرى ولا فرق.

المشروع القومي "الدولة القومية الكردية"
تكمن مشكلة حَمَلَة "المشروع القومي الكردي" في أنهم لا يختلفون عن حملة "المشروع القومي العربي" – وهما مشروعان محقان وعادلان في ذاتهما من حيث المبدأ – لجهة أنَّ كلا منهما وجدَ تجسيد مشروعه تاريخيا وعلى مدى المائة عام الماضية مُنْطَوىً في أنقاض مشروع الآخر، ففقد أخلاقيته وعدالته ومشروعيته الفلسفية نتيجة لذلك، وراح يقفز عليه ويتحالف مع أعدائه، مع أن الطُّموحَيْن القوميين سقطا معا باتفاقية "سايكس بيكو" ذاتِها، وبالتالي فإن مشروعَ كلِّ منهما لا يقوم إلا بإسقاط هذه الاتفاقية، وهو ما يعني أن المشروعين يجب أن يلتقيا في خندقٍ واحد، هو خندق اعتراف كلِّ منهما بمشروعية الآخر من جهة أولى، وبأنهما يجب أن يتحالفا معا في مواجهة أعداء المشروعين ممثلين في "الإمبريالية" و"الصهيونية" اللتين تجسدتا في الإقليم وما تزالان من خلال اتفاقية "سايكس بيكو" من جهة ثانية، وإلا فإن أيا من المشروعين لن يتجسَّدَ على الأرض مهما حاول حملَتُه ودعاتُه، لأنهم يبحثون عن مجسِّداته في المكان الخطأ، واستنادا إلى معايير أخلاقية متناقضة، أي لا أخلاقية. ولأن تجسيد المشروع القومي الكردي لتجسيد "الدولة القومية الكردية" لا يمكنه أن يجد طريقه إلى حيِّز الوجود إلا عن طريق تفكيك الدولتين القوميتين "الإيرانية" و"التركية"، والدولتين القطريتين "سوريا" و"العراق"، عبر التنازل في تلك الدول الأربع عن الأقاليم الكردية لصالح مشروع الدولة القومية الكردية، ومادام هذا المشروع يجب أن يتخندقَ مع مشروع الدولة القومية العربية في "الهلال الخصيب" في قلب خندق مواجهة "سايكسبيكو" الصهيونية الإمبريالية، ليكتسبَ مشروعيته وأخلاقيته، فلا شك إذن في أن محصلة هذه الرؤية الجيوسياسية في جوانب المشروعية والأخلاقية، أن لا يتخندق دعاة مشروع "الدولة القومية العربية" في "الهلال الخصيب" في أي خندق على حساب دعاة مشروع "الدولة القومية الكردية"، وألا يتخندق دعاة مشروع هذه الدولة في أيِّ خندق على حساب دعاة مشروع الدولة القومية العربية. إن حَمَلَة المشروع النهضوي التحرُّري الوحدوي العربي يجب حتما أن يخلقوا لمشروعهم كلَّ أواصر وقواعد التآلف والتحالف مع القوى التي تمثل الطموح الكردي، والطموح الأحوازي، والطموح الإسكندروني في التحرُّر والاستقلال إن وُجِدَ هذا الطموح، ليلتقوا جميعا في خندقٍ واحدٍ في مواجهة الصهيونية والإمبريالية والوظيفية العربية والتفوذين التركي والإيراني في بلادنا وتحديدا في "الهلال الخصيب". خلاصة القول أن العلاقة بين المشروعين "القومي العربي" في "الهلال الخصيب"، و"القومي الكردي" في "إقليم كردستان التاريخي"، المقسم حاليا بين أربع دول، هي إيران وتركيا وسوريا والعراق، يجب أن يُعاد إنتاجُها على قاعدة التحالف في خندق مواجهة الإمبريالية والصهيونية بكل ما لكلمة التحالف من معاني، بصرف النظر عن الترتيبات التي سيُصار إلى الاتفاق عليها من قبل عناصر هذا التحالف لتجسيد الدولتين القوميتين وتوقيتاتها وأشكال النضال اللازمة لها.. إلخ، فهذه مجرد تفاصيل بإزاء المُكَوِّن الكُلي المتمثل في التحالف في خندق المواجهة ضد كل القوى المشار إليها لتجسيدهما معا، وإلا فإنَّ كلّ مشروع وهو يناضل من أجل ذاته في المكان الخطأ، سوف يعرقل المشروع الآخر من جهة أولى، وسوف يفقد مشروعيته السياسية والأخلاقية من جهة ثانية، ما ينعكس عليه هو ذاته بالعرقلة وباللاأخلاقية أيضا. مع بالغ الأسف هذا هو حال حَمَلَة المشروعين في الوقت الراهن، وهو الأمر الذي جعل كلَّ واحد منهما يعمل في الاتجاه المضاد للآخر ويعرقله ويُشَتِّته، فضلا عن تشتيت نفسه وإسقاط مسوِّغاته الفلسفية الأخلاقية هو ذاته.فلا حملةُ "المشروع القومي العربي" عرفوا كيف يصيغون علاقاتِهم بحَمَلَة "المشروع القومي الكردي" استراتيجيا، خارج نطاق فكرتي "المواطنة" و"الخصوصية الثقافية" في "الدولة العربية القُطْرِيَّة"، مع أنهم فشلوا حتى في تجسيد هاتين الفكرتين في الدُّول القُطرية التي شكلوها(2)، ليلجأ الشِّق الآخر من المُرتبكين العرب الذين فشلوا في تشخيص ما يفترض أن تكون عليه العلاقة بين الأمتين العربية والكردية، إلى القفز على "الدولة القومية العربية" أصلا بدعاوى استعادة مشروع "الخلافة الإسلامية"، وهو المشروع الذي سيساوي بين كل القوميات كما يتصورون، مع أن هذا لم يحدث في التاريخ كله، بدءا بدولة الخلافة الراشدية ثم الأموية، ثم العباسية، ومرورا بدول الفاطميين والأيوبيين والمماليك، وانتهاء بدولة الخلافة العثمانية، إذ كانت هناك على الدوام قومية مهيمنة تحتكر السمو وحقوق السلطة والحكم والإدارة تحت عنوان الخلافة، وتعمل على إذابة أي مشاعر قومية لدى أي قومية باستثناء قوميتها المهيمنة تحت عناوين: "الإسلام"، و"خلافة الغَلَبَة"، و"طاعة أولي الأمر"، و"ما أقاموا الصلاة فيكم"، و"اسمع وأطع ولو لسلطان جائر"، إلى آخر ما هنالك من مفردات الاستبداد التي نُسِبَت إلى الإسلام لتبرير تحكُّم عرق معين أو قومية معينة في باقي الأعراق والقوميات، بشرعية دينية وإلهية تحظى بالقداسة والتبجيل. ولا حملة "المشروع القومي الكردي" عرفوا كيف يطرحون مُكَوِّنات أصيلة لمشروعهم القومي خارج نطاق التحالفات المتناقضة حدَّ التناحر، ليلقوا بأنفسهم في أحضان أميركا مرة، وفي أحضان تركيا مرة، وفي أحضان إيران مرة، بل وفي أحضان النظام السوري أحيانا، فتحولوا إلى مجرد أدوات لم تسهم فقطفي تشتيت جهود إعادة إنتاج المشروع القومي العربي على أسس صحيحة، تكون رافعة لمشروعهم القومي الكردي ذاته، بل هي أسهمت أيضا وإلى حدٍّ كبير في تشتيت جهودهم هم أنفسهم، ليفقدوا بذلك كل عناصر الجدية والأخلاقية حتى وهم يناضلون لتجسيد الدولة القومية الكردية، ليظهر فيهم هم أيضا دعاة مشروع الخلافة المناظر لمشروع الخلافة العربي بطوباويتهورومانسيته التي لا تستند إلى الحقائق التاريخية والتفسيرات العميقة لأصول الإسلام، بقدر ما تستند إلى الآمال فقط، فضلا عن كونه مشروعا بُنِيَ على فهم خاطئ ومبتور ومجتزئ لهذا الدين ذاته(3). إن هذا الذي نطرحه هو مختصرٌ مركزٌ لطبيعة التحالفات المفترضَة في مشروع المواجهة، بين المدافعين عن "سايكسبيكو" أو محاولي إعادة إنتاجها في قوالب جديدة من جهة، وبين العاملين على هدمها بهدم مُخرجاتها السياسية والقانونية من جهة أخرى. أما كيف سيتم تجسيد ذلك، وضمن أي ظروف، وعلى أي قواعد، وبناء على أي سياقات سياسية وجيوسياسية إقليمية ودولية، فهي أمور تُعتبر من التفاصيل التي يتم البحث عن صِيَغِها المناسبة في ظل هيمنة المُكَوِّن الكُلي عليها خلال سيرورة الفعل النضالي ذاته بعد الإقرار بحتمية هذا التحالف ابتداءً. فليس الاتفاق على التفاصيل بشأن سيرورة الفعل النضالي على الأرض، وبشأن ترتيب الأولويات النضالية، وبشأن تخطيط الأجندات العملية والمرحلية، وبشأن أدوات النضال وتوزيع المهمات.. إلخ.. 
نقول: ليس أيٌّ من ذلك ولا هو كُلُّه ما يحدِّد إمكان التحالف من عدمه، فهذا نهج مقلوب في التعاطي مع الكليات والاستراتيجيات، بل إن تلك التفاصيل والتوافق عليها يجيء لاحقا لقيام التحالف التاريخي ذاتِه باعتباره مُتَجَسَّدا فلسفيا وأخلاقيا وسياسيا، يكتسي الأولوية القصوى التي لا تقف في طريق تجسيدها أيُّ تفاصيل أيا كانت، إذا كان القائمون على تجسيد هذين المشروعين القوميين اللذين يملكان وحدهما القدرة على مواجهة كافة مستهدِفيه– أي مستهدفي ذلك التحالف التاريخي – على قدر من الوعي والنضج والإحساس بالمسؤولية التاريخية اللازمة لهذا النوع من المواجهات المصيرية الكبرى.
خاتمة:
هذه مائة عام مضت من عمر المشروعين سقوطا ومحاولة تجسيد، فلنتفحصها جيدا لنكتشف صحة هذا الذي نقوله. فالمسألة حرجة ومعقدة ودقيقة وتتطلب فلسفة جيوسياسية جديدة جدة كاملة، خاصة إذا علمنا أن القضية الكردية هي بيضة القبان الثانية في الهيمنة الإقليمية بعد القضية الفلسطينية التي تعتبر دائما بيضة القبان الأولى.  فإذا علمنا أن كلا من المشروع الصهيوني "إسرائيل"، والمشروع الفارسي "إيران"، والمشروع العثماني "تركيا"، والمشروع العربي الذي لم يتبلور بعد، ستكون في صراع محموم لفرض هيمنتها على الإقليم العربي المشرقي عامة، وعلى "الهلال الخصيب" منه خاصة، فإن أي مشروع من تلك المشارع يستطيع أن يتعايش ويتحالف فعليا مع المشروع القومي الكردي على النحو الذي أوضحناه في هذه الدراسة، سيكون هو المشروع الذي سيضمن إلى جانبه أمة كبيرة لا يقل تعدادها عن أربعين مليون نسمة، ولا تقل مساحة إقليمها عن ثلاثة أرباع المليون كيلومتر مربع، وتشكل بالنسبة للمشروع الذي يستطيع التعايش والتحالف معها رأس الحربة الفاعل في زعزعة استقرار ونفوذ المشاريع الثلاثة الأخرى، إلى جانب ما يمكن لاحتضان القضية الفلسطينية أن يمثله هو أيضا وبالدرجة الأولى من مصدر قوة لا ينضب له. 
د. أسامة عكنان
 
الهوامش:
(1) - للتعرف على معاهدة "سيفر" وما منحته للأكراد من حقوق انظر:
أ – "معاهدة سيفر 1920" – إعداد قسم البحوث والدراسات – موقع "الجزيرة" – بتاريخ 24/5/2006 – على الرابط التالي:
http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/829680e6-ca90-4de4-a15c-1b8f304b6479
ب – "الكرد بين سيفر ولوزان" – فارس عثمان – بتاريخ 27/1/2016 – موقع "مدارات كرد" – على الرابط التالي:
http://www.medaratkurd.com/الكرد-بين-سيفر-ولوزان/
(2) – انظر:
أ – "القضية الكردية في سوريا خلال نصف قرن، رؤية نقدية" – صالح بوزان – 2/1/2007 – موقع "الحوار المتمدن" – على الرابط التالي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=84918
ب – "القضية الكردية في العراق، التاريخ والآفاق" – تأليف: عزيز الحاج – منشورات مؤسسة الإسراء للنشر والتوزيع – القاهرة – طبعة 1994.
(3) – انظر:
أ – "الأكراد فن الرهان على الخطأ" – غسان الإمام – بتاريخ 20/10/2014 – موقع "أورينت نت" – على الرابط التالي:
http://www.orient-news.net/ar/news_show/82048
ب – "العلاقات الكردية الصهيونية، أي أفق؟" - محمد أبو سعدة – بتاريخ 5/10/2017 – موقع "المعهد المصري للدراسات" – على الرابط التالي: 
https://eipss-eg.org/العلاقات-الكردية-الصهيونية-أى-أفق؟/
ج – "الدولة الكردية في الإدراك الإسرائيلي" – سعيد عكاشة – بتاريخ 23/9/2017 – موقع "مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية" – على الرابط التالي:
http://acpss.ahram.org.eg/News/16404.aspx

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك