القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

منظومة التعليم والتكوين والبحث العلمي في تونس وأثرها في تشغيلية الشباب

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-02-25 16:38:00 | 1860 مشاهدة

ملخّص:

لقد أدركت تونس بعد هذه التحدّيات وتأثير التحوّلات العالمية الراهنة وسرعة وتيرتها لا تترك الفرصة إلاّ للمبادر والخلاّق. ومن المبادرات الاستباقية الّتي أخذتها تونس إعداد برنامج متكامل لتأهيل المؤسّسة تأهيلا شاملا ومراجعة منظومة التكوين مراجعة تعضد مجهود التأهيل حتّى يخلق ضرب من التواصل والتكامل بين ما يجري داخل المؤسّسة وما يجري خارجها أي بين منظومة التكوين ومحيطها الاقتصادي ولذلك ظلّ التفكير متواصلا في المسائل المتعلّقة بنجاعة المنظومة التربوية وقدراتها على تنشئة أجيال من "الفاعلين" القادرين على النهوض بالمؤسّسة التونسية وتمكينها من ربح رهان "التنافسية" وهذا التفكير لن يتوقّف لأنّ التغيّر يوميّ والحاجيات تتجدّد بوتيرة جنونيةّ يفاجئ بعضها بغرابته والمهن تتجدّد بكيفية لا يتوقّعها أحد والمنظومة التربويّة مطالبة بمواكبة هذه التحوّلات والاستجابة لضغوطها بالتعديل والتجديد والاستنباط والإبداع. ولا شكّ أنّ منظومة التعليم والتكوين الّتي ظلّت منذ فجر الاستقلال، القاطرة الأساسية للتنمية في تونس، تجد نفسها اليوم من جديد على محكّ الاختبار أمام هذه الوضعية المستجدّة التي تفرض قدرة هائلة على الصمود والمنافسة المستمرّة بروح نضالية عالية في عالم يزداد كلّ يوم انفتاحا على مستوى المبادلات التجارية والخدمات. لذلك بات من المشروع التساؤل من جديد هل أنّ المنظومة الثلاثية-تعليم- تكوين- بحث، رغم مكتسباتها الأصلية، عبر الزمن، قادرة على رفع التحدّي أمام الضغوطات المتزايدة وقابلة للتكيّف بالسرعة المطلوبة حتّى تكون في صلب المتغيّرات لا على هامشها؟ وهل مازالت هذه المنظومة تستجيب بحق لحاجيات المؤسّسة الاقتصادية؟ وهل تساعد حاملي الشهادات في مختلف الأنماط لا من اقتحام عالم الشغل فقط بل وخصوصا من معاضدة مجهود المؤسّسة لتكون قادرة على المنافسة والمزاحمة؟ وهل تمكّن هذه المنظومة الخرّجين من زاد معرفي حقيقي ومن مهارات قابلة للاندماج والانصهار في الدورة الاقتصادية بدون كلفة إضافية؟ إن هذه مسألة دقيقة تتطلّب تفكيرا موضوعيا مركّزا من أجل تشخيص الوضعية واستنباط عمل استشرافي يسبق الأحداث يقف عند مكامن الضعف ويحدّد آفاق العلاقة الثلاثية بين التكوين والتشغيل والقدرة التنافسية.

 

 المقدّمة:

 

تمثل منظومة التكوين بكلّ مقوّماتها الركن الأساسي الّذي تقوم عليه حياة الدول والأمم في كلّ بلاد الدنيا. فهي الّتي تبني الحاضر وتعدّ للمستقبل في كلّ المجالات الّتي يعد الاقتصادي منها عصب التنمية ومحركها الرئيسي. والاقتصاد مرتبط  ارتباطا عضويا حيويا بالاجتماعي. ومن هنا كان ثالوث "التكوين" و"التشغيل" و"القدرة التنافسية للمؤسّسة" في ارتباط وثيق إذ لا معنى لتكوين غير مشغّل ولا فائدة من شغل لا يسهم في التنمية المباشرة بالرفع من إنتاجية المؤسّسة وتمكينها من منتوج يجعلها قادرة على منافسة نظيراتها في البلدان الأخرى لاسيما وأنّ التنافس بين منتوجات الدول -شمالا وجنوبا- قد ازداد حدّة بزوال الحواجز الجمركية وازدياد عدد المناطق الحرّة وزوال القوانين التفاضلية. ثمّ إن التحوّلات العميقة والمتسارعة بشكل غير مسبوق قد طالت جميع مجالات الحياة على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وقلب جميع المفاهيم والأنظمة القائمة بحيث لم تعد المجتمعات تتمكّن من مواجهتها أو مسايرتها والتكيّف معها ما لم تكن مهيّأة لذلك ومؤهّلة وذات عقلية مرنة قادرة على الصمود والفعل بل وعلى الخلق والإبداع لضمان الاستمرارية. وطبعا لا يمكن أن يحدث كلّ ذلك بين عشيّة وضحاها ما لم تتوفّر قاعدة متينة مبنية على إستراتيجية واضحة على استشراف دقيق يأخذ بعين الاعتبار كلّ العناصر الفاعلة في منظومة متكاملة متناغمة مثل النظام التعليمي والتكويني والصحي والنسيج الاقتصادي والإرادة السياسية. ولا يخفى أنّ العنصر المحوري في كلّ هذا يتمثّل في الموارد البشريّة رأس المال الأعلم والأبقى، منه تنطلق الإصلاحات وإليه تعود المنافع خصوصا في هذا الزمن الّذي لم تعد تكفي فيه المنافسة المبنية على الأسعار والعرض والطلب فقط بل وتعتمد فيه المنافسة المبنية على الجودة الشاملة كمقياس أساسي. إذ أن رأس المال اللاماديّ المبني على العنصر البشري من خلق وتجديد وكفاءة وقدرة على التواصل والاتصال... أصبح العامل- المفتاح للتميّز وبالتّالي إثبات الذّات في محيط اقتصادي واجتماعي معولم. لذلك بدأ يسود الاتجاه المعتمد على مقاربات جديدة تتعلّق بالموارد البشريّة وإدخال هيكلة عميقة عليها حتّى تكون هذه الموارد في خدمة المؤسّسة تفيدها وتستفيد منها ومن هنا لا مفرّ لنا من أن نتساءل أين نحن في تونس من كلّ هذا؟

 

1/ المنظومة التكوينية:

ونعني بذلك المنظومة بجميع عناصرها من تعليم ثانوي وعال وتكوين مهني وبحث علمي، وهي عناصر من المفروض أن تكون متناسقة قائمة على التكامل والتواصل واحدة قصد الوقوف عند مكامن الضعف والقوّة عند كلّ واحدة منها. وقد مرّت منظومة التكوين في تونس بمراحل ومحطّات يساعد التذكير بها على رؤية أوضح وأهمّها إجمالا:

  • 1958 وما بعدها: إرساء نظام تربوي له مهمّة مزدوجة تتمثل في فتح المدرسة أمام الجميع وتكوين إطارات الدّولة.
  • 1989= جعل المدرسة تتجاوب مع المتغيّرات الّتي عرفتها البلاد ووضع تصوّر جديد موجّه نحو المستقبل
  • 1992= إعادة النظر في الأهداف المرسومة سابقا من أجل مزيد تلاؤم المنظومة التربوية مع أنظمة الشغل والإنتاج.
  • 1995 وما بعدها: إصلاح المنظومة التربوية بشكل يساهم في إرساء مجتمع المعرفة وبلورة هذا النمط الجديد من الحياة الحاضرة والمقبلة لذلك تتالت الإصلاحات والتحويرات بمشاركة جميع الأطراف ذات الصلة. وقد أفرز هذا العمل ما يلي:

أ / على مستوى النظام التعليمي:

لطالما تميّز النظام التربوي التونسي بالتركيز على أحاديّة الكفاءة بصفة مبكّرة حيث تراوحت عملية التوجيه المدرسي إلى شعب الاختصاص من السنة الثانية ثانوي (نظام قديم) إلى السنة الثانية من مرحلة التعليم الثانوي (نظام جديد) بعد إرساء نظام المدرسة الأساسية في حين ظلّت الاختصاصات المفتوحة أمام التلميذ كلاسيكيّة في مجملها إلى عهد غير بعيد (آداب، علوم، رياضيات، تصرّف، تقنية) ممّا يحدّ من آفاق التشغيل ويجعلها موجّهة بالأساس إلى تكوين إطارات الإدارة والتدريس ورغم التوجّه إلى إقرار مبدأ توفير الآليات الضرورية لإعداد التلميذ كي يكون مواطنا فاعلا وإنسانا متوازنا وذلك باعتماد التوازن بين المواد الإنسانية والعلمية والجمالية فإنّه لم يفكّر في اعتماد الكفاءة المزدوجة أو الكفاءة متعدّدة الاختصاصات كما هو معمول به في أكثر الدّول تقدّما. ومع ذلك لا يمكن أن ننكر صدق النيّة وصادق الرغبة في إعداد التلميذ لكي يكون مواطنا مسؤولا فيما بعد أي بعد تسليمه للحلقة القادمة من التكوين (التكوين المهني أو الجامعي).

فهدف التعليم في الرؤية الحالية للعالم لم يتمثّل في بلوغ مجتمع المعرفة بمكوّناته الأساسية من ثقافة رقميّة واتّصالية ومعلوماتيّة. وجميع الإصلاحات تصب في هذا الإتّجاه:

  • مشروع المدرسة الأساسية منذ سنة 1988
  • قانون الإصلاح التربوي لسنة 1991
  • القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي سنة 2002

ويعدّ كلّ ذلك تجديدا لمكوّنات المدرسة الحديثة وتكريسا لمبدأ التعليم مدى الحياة.

ولتجسيم هذه الرؤية تمّ اتّخاذ إجراءات وتدابير هي الآن حيز التنفيذ والمتابعة والتقييم في الآن نفسه من ذلك:

  • إعطاء الأولويّة لتحسين مستوى التدريس والتأطير بتكثيف انتداب مدرّسي المرحلة الأولى من خريجي المعاهد العليا لتكوين المعلّمين.
  • إحداث رتب جديدة مقياسها المستوى العلمي (أستاذ المدارس الابتدائية...)
  • اعتماد مناظرة الكاباس للانتداب بالمرحلة الثانية من التعليم الأساسي.
  • الرفع من مستوى التأطير بالالتجاء إلى انتداب إطار الإشراف البيداغوجي من مرشدين ومتفقّدين إثر دورات تكوينيّة بإشراف أهل الاختصاص والجامعيين.ذ
  • تكريس مبدأ تكافؤ الفرص بالاعتناء بالمناطق ذات الأولويّة
  • تعميم تدريجي للسنة التحضيريّة بالتكامل مع القطاع العمومي والقطاع الخاص والجمعيائي.
  • تدعيم وتعهد أعوان التأطير
  • إدماج الأطفال من ذوي الحاجيات الخصوصية
  • تأهيل قطاع التعليم الخاص بانتفاعه بعديد الإجراءات وتخصيص إدارة مركزية كاملة له.

يتنزّل كل هذا في إطار السياسة العامة لتأهيل المؤسّسات والمجتمع والموارد البشريّة وبناء القاعدة الصّلبة لمكوّن أفضل فمتكوّن أفضل فإنجاز أفضل فتنافسية أكبر.

وينضاف إلى ذلك عدّة إجراءات ملحقة سواء على مستوى السلطة المشرفة مباشرة (هيكلة المدرسة من إحداث مجالس المدرسة الاستشارية المشتركة/ تحسين ظروف العمل مثل إحداث مدارس ومعاهد جديدة والنزول بنسبة الاكتظاظ بالأقسام وتوفير أدوات العمل وخصوما  الحواسيب...) أو على مستوى باقي السّلط العاملة في إطار استراتيجية متكاملة وطنيا وجهويا (برنامج تعليم الكبار/ برنامج التكوين المستمرّ لفائدة المباشرين...)

وبذلك تكتمل الصورة الخاصّة بأهداف المنظومة التعليمية بتونس حيث تتفاعل عناصرها الأوّليّة المتمثّلة في التعليم ما قبل الدراسة (رياض الأطفال و"الكتّاب" والسنوات التحضيرية) والتعليم الأساسي المركّز على 9 سنوات دراسة كاملة متدرّجة وإجبارية مجانية (القانون عدد 65 لسنة 1991 المؤرّخ في جويلية 1991 والقانون المؤكّد له عدد 80 لسنة 2002 المؤرّخ في 23 جويلية 2002) والتعليم المتفرع عنه من المرحلة الابتدائية والمرحلة الإعداديّة، والتعليم الثانوي (سنة جذع مشترك وسنة ثانية للتوجيه العام إلى شعب كبرى: آداب، علوم، تكنولوجيا، خدمات وسنتان لتخصّص في شعب متنوّعة)- تتفاعل هذه العناصر- مع باقي مكوّنات العملية والتكوينيّة منها التكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي.

ب/ على مستوى النظام التكويني:

يمكن تمييز فترتين مهمّتين:

  • ما قبل 1993= ظلّ التكوين المهني مهمّشا غير مرغوب فيه اجتماعيا واقتصاديا وذلك ناتج عن عقليات وترسّبات تحتقر العمل اليدوي وتبجّل الإدارة والوظيف. وكان التكوين المهني عنوانا للفشل على أنّه لا يجب تحميل هذا النظام كلّ هذه المسؤولية لأنّه مازال في بداياته ولم تتبلور مقاصده وكلّ شيء جديد لا يقبل بسهولة. وقد أدركت السلط هذه الأبعاد فبادرت بإرساء نظام جديد مغاير للسالف:
  • 1993= صدور القانون التوجيهي للتكوين المهني أعطى منعرجا ونفسا جديدين وأعاد الاعتبار لقطاع عالي التشغيلية ترتكز المنظومة التكوينية المهنية على مسلكين متكاملين:
  • التكوين المهني الأساسي: ومهمّته إسداء تكوين أوّلي من أجل اكتساب قدرة ومهارات مهنية لاقتحام سوق الشغل. ويعتمد على عملية تكوينية مقيمة كامل الوقت في مراكز التكوين أو على التكوين بالتداول.
  • والتكوين المهني المستمرّ الّذي يهدف إلى تدعيم المكاسب الأوليّة العامة وتكميلها بمهارات أعلى استجابة لمتطلّبات موطن العمل على أنّ هذين المرتكزين لم يعودا كافيين أمام المستجدّات الحالية لذلك أدخلت تحويرات ستنفذ تدريجيا في أفق سنة 2008 حيث ستدخل اتّفاقية التبادل الحرّ مع الاتحاد الأوروبي وحيث سيكون الاقتصاد الوطني قد ارتبط فعليا باقتصاد معلوم مبني على المعرفة والمعلومات.

وهذا ما يدعو إلى تعبئة الموارد البشرية عامّة وأحد عناصرها التكوين المهني. وتشير التقديرات إلى ضرورة تأهيل ما لا يقلّ عن 200 ألف عون سنويّا يوزّعون على 10 آلاف مؤسّسة اقتصادية عن طريق التكوين المستمرّ وذلك تعزيزا لقدرة هذه المؤسّسات على توفير مواطن الشغل أوّلا وعلى فتح آفاق الترقية المهنية للعاملين بها من ذلك وعلى مزيد القدرة التنافسية للحفاظ على موقعها من ناحية أخرى كما يستوجب توفير ما لا يقلّ عن 65 ألف متخرّج جديد سنويا من المنظومة الوطنية للتكوين المهني الأساسي. ولبلوغ هذه المتطلّبات يتعيّن إعادة النّظر في آليات تمويل التكوين المهني بفرعيه الأساسي والمستمرّ وذلك بإيجاد صيغ عمليّة بديلة ناجعة وتثمين ما حقّقته الخطط السابقة في المجال وتوظيف كلّ ذلك لتأهيل المؤسّسات وتعصيرها وبتأمين المطابقة المستمرّة لمواصفات الجودة الّتي صارت المقياس الأساسي للبقاء والتميّز.

وعلى هذا الأساس ستعيّن تطوير نظام العائدات من الأداء الموظف على التكوين المهني بإدماجه صلب نظام متكامل للتمويل يتميّز بالمرونة اللاّزمة وتشريك المؤسّسة حتّى تأخذ هي بزمام المبادرة في تحديد حاجياتها من التكوين والإسناد. إذ لا تتسنّى في نظرنا تشغيلية أفضل وتنافسية أكبر إلاّ متى تدخّلت المؤسّسة بصفة مباشرة في منظومة التكوين عامّة والمهني خاصّة.

وهذا التوجّه ليس بعسير فالأرضية المتوفّرة والمتمثّلة في بعث الصندوق للنهوض بالتكوين والتدريب المهني سنة 200 يمثل قاعدة جيّدة، يكفي أن يتمّ الإسراع بتفعيل آلياته وأساليب عمله وإدارته بما يتماشى مع الظرف وفي إطار الشراكة مع الأطراف الاجتماعيين إضافة إلى الاستلهام من التجارب العالمية الناجحة ولعلّ أبرز هذه الآليات ذات الجدوى:

  • نظام حقوق السحب: ويتمثّل في إعطاء حقّ الانتفاع بتدخّلات الصندوق لفائدة المؤسّسة بصفة فرديّة أو جماعيّة عبر تمكينها من تمويل برامجها في مجال التكوين المستمرّ كمقابل لمساهمتها في التكوين بالتداول على أم يكون تنظيم الدورات التكوينيّة في إطار الشراكة بين مراكز التكوين المهني والمنظمات المهنيّة. وهذا أمر أساس لحفز التشغيلية العالية وإقامة تنافسية منتجة.

ويتحمّل أيضا الصندوق كلفة الإحاطة بالمؤسّسات الصغرى من قبل هذه المنظّمات مع الحرص على ربط هذا التمويل بتحقيق الأهداف المحدّدة له وبما حقّقه من نتائج.

  • نظام التسبقة على الأداء: ويتمثّل في احتساب مصاريف المؤسّسة في مجال التكوين كتسبقة تخصم من الأداء المستوجب عليها.
  • نظام تمويل مراكز التكوين المهني في القطاع العموم حسب الأهداف والنتائج: ويتمثّل ذلك في اعتماد صيغ عملية لوضع الميزانية تتماشى وما يقتضيه خيار اللامركزية في تسيير المراكز وضرورة تفاعلها السريع مع متطلّبات محيطها الاقتصادي.
  • صك التكوين: وهي آلية لتمويل التكوين في القطاع الخاص بانتفاع المباشر للمتكوّنين مع ترك الخيار لكل منتفع في الالتحاق بالمركز الّذي يضمن له أفضل ظرف الاندماج في سوق الشغل على أن يتمّ ضبط شروط الانتفاع بهذه الآلية والمقاييس المحدّدة لإسنادها على أساس الاستحقاق بالنسبة إلى طالب التكوين واحترام المواصفات التكوينيّة بالنسبة إلى مركز التكوين.

توازيا مع هذه الإصلاحات الهيكلية في صلب نظام التكوين المهني، اقتضت ضرورة اليوم إلى مزيد الاعتناء بالمستويات المخصّصة في التكوين المهني لسلم الوظائف. فالحاجة تدعو إلى التوسّع في حلقة مؤهّل التقني السامي بإحداث حلقة تكوينيّة جديدة تقابل الدرجة الخامسة لسلم الوظائف الوطني فيتمّ بذلك راهنا- تتويج هرم مستويات التأهيل المهني فيساعد ذلك على مزيد استقطاب الشبّان من ناحية وتثمين التكوين المهني من ناحية ثانية وتمكين المؤسّسات من إطارات وسطى عالية المردود من شأنها أن تساعد على دعم قدرتها التنافسية من ناحية ثالثة. فالقدرة التنافسيّة قاعدتها في هذا المضمار الإرادية وحرية الاختيار لا القسرية والجبر.

ولا يخفى اليوم ما لتكنولوجيات الاتّصال من أهميّة في جميع المجالات إلى جانب حذق اللغات فإنّه يستوجب تعميم هاتين المادتين وسحبهما على المنظومة الوطنية للتكوين المهني بسائر أجزائها باعتبارهما في ذات الوقت كفاءات أساسيّة ضروريّة لجميع المتكوّنين ومجالا إضافيا للمهن الواعدة وأدوات متطوّرة وناجعة للرفع من مردوديّة التكوين وإحكام التصرّف في الموارد البشريّة على وجه الخصوص.

ولا يخفى أيضا في هذا التوجّه- أنّ المقياس الوحيد للتنافس وللبقاء وللنّجاح هو الجودة الشاملة.

وعلى هذا الأساس يجب أن تكون الجودة الشاملة هي محور أيّ خطّة لإصلاح التكوين المهني وإطارا منهجيا وبيداغوجيا لتنفيذها ولا يكون ذلك إلاّ بإرساء شراكة حقيقة تلقائيّة وبقناعة تامّة بين جهاز التكوين وبين المؤسّسة الاقتصاديّة بوصفها الغاية الّتي من أجلها يعمل جهاز التكوين المهني فتستفيد وتفيد في الآن نفسه أي تشغّل وترفع من درجات المنافسة في نفس الوقت.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الاستجابة لحاجيات المؤسّسة من الكفاءات بجميع مستوياتها لم تعد اليوم كافية لدعم عمل المؤسّسة ولو أنّ ذلك مطمح يجب المحافظة عليه. فلا بدّ مع ذلك من اعتماد مقياس الجودة. فقد دخل العالم في مرحلة الإشهاد بمطابقة المنتوج للمواصفات العالمية للجودة "إيزو" والتكوين المهني-كمنتوج أيضا- يجب أّ يكون على هامش ذلك فلا بدّ أن يخضع هو أيضا لمطابقته لمواصفات الجودة. وجودة المنتوج لا تكون إلاّ بجودة التكوين.

وبهذا نضمن للتكوين المهني الوطني أن يصبح رافدا من أهمّ روافد الشراكة الأورو متوسطية الّتي ستمثّل الإطار الأمثل والحقيقي للتدرب على مواجهة التحدّيات وعلى القدرة التنافسية وفرض الذّات. وفي إطار هذه الرؤية يعمل اليوم 130 مركزا بكامل البلاد تضمّ 16 قطاع تكوين بها 277 اختصاص يؤمّه آلاف المتربّصين بلغ في سبتمبر 2004 أكثر من 27000 موطن تكوين موزّعة على ثلاثة مستويات منها شهادة الكفاءة المهنية التي تضمّ 17000 متربّصا. مع أنّه لا يمكن أن ننكر وجود تفاوت بين هذه الاختصاصات في بلوغ الرؤية المذكورة.

فالاختصاصات المؤدية إلى مهن ذات علاقة بالتكنولوجيا والاتصال وعلى وجه الخصوص الاتصالات والالكترونيك وكذلك التجميل إلى جانب قطاعات السياحة والمحاسبة والكتابة كلّها تشهد إقبالا متزايدا في حين تبقى قطاعات أخرى شاغرة مثل النسيج والملابس والبناء والتسخين والتبريد والمعادن الثمينة.

فمركز الاتصالات بحي الخضراء بتونس يسجّل باستمرار ضغطا كبيرا وسبب هذا الإقبال حاجة سوق الشغل الواعدة في هذا المجال. غير أنّ هذا الخلل قد لا نجد له مبرّرا حقيقيّا. صحيح إنّ الإقبال على عدد من الاختصاصات دون غيرها تمليه السوق حاليا ولكن تبقى اختصاصات أخرى مطلوبة وتبقى السوق في حاجة إليها مثل البناء والنجارة والنسيج والفلاحة. وكم من صاحب مؤسّسة خاصّة في الميدان الفلاحي يشكو من عجز في اليد العاملة المختصّة والسبب الرئيسي في ذلك إلى جانب العامل النفسي والاجتماعي- ضعف مستوى الإعلام والتوضيح فلا المؤسّسة الاقتصادية تقوم بمجهود إضافي في هذا المستوى للتعريف بحاجياتها ولا المؤسّسة التكوينية تحسّس بالقدر الكافي الرّاغبين في التكوين بأهميّة هذه الاختصاصات. لذلك أصبحت الحاجة تدعو إلى إعادة هيكلة بعض القطاعات منها الصيانة الصناعية والميكانيكية وكهرباء السيّارات والنسيج والتسخين والتبريد والصناعات الغذائيّة والجلد والأحذية والإلكترونيك إلى جانب الخدمات المختلفة. وبالفعل فإنّ هذه الهيكلة الجديدة ستشمل 19 مركزا إلى غاية سبتمبر 2005 أو فيفري 2006. كما سيتمّ الترفيع في عدد المرسّمين بالمراكز جمليا خلال دورة فيفري 2005 من 7000 إلى 34000.

لا شكّ أنّ هذا التطوّر كمّا وكيفا يثبت رغم بعض المآخذ، أنّ التكوين المهني جهاز عملي يزوّد سوق الشغل بموارد بشريّة تحتاجها المؤسّسة. وقد تأكّد ذلك من خلال وثيقة أعدّتها كتابة الدولة للتكوين المهني في جوان 2004 حول "تحليل أداء التكوين المهني الأوّلي" فالنسبة الخاصّة بالاندماج في الدّورة الاقتصادية والراجعة للتكوين المهني في تطوّر مستمرّ مقارنة بالتعليم الأساسي والثانوي والعالي بحيث دلّت الدّراسة على أنّ التكوين المهني هو المزوّد الأوّل لبرنامج التشغيل وأنّ تشريك المؤسّسة في عملية التكوين المهني عامل مهمّ وذو جدوى مباشرة لفائدة الشبّان والمؤسّسة والمجموعة الوطنية على السواء. كما أثبتت الدّراسة أنّ التكوين بالتداول والتكوين بالتدريب هما أفضل طريقتين للاندماج المهني السريع.

ولا شكّ أنّ سبب النجاح هو العمل التفاعلي بين المؤسّسة التكوينية والمؤسّسة الاقتصادية.

ويبدو أنّ التنسيق النّاجع بين مؤسّستي التعليم والتكوين المهني ما يزال متلكّئا رغم ما يبدو من عزم على القطع مع رواسب الماضي. وانطلاقا من اعتقادنا الرّاسخ بأنّ التكوين المهني يظلّ الضامن الأكبر لتشغيليّة أكبر وتنافسيّة أعلى فإنّنا نقترح أن يكون التوجيه في جزء منه انطلاقا من التعليم الثانوي وذلك:

- بتوجيه جزء من تلاميذ المعاهد الثانوية بداية من السنة الثالثة إلى التكوين المهني.

- بإدراج بعض مراكز التكوين المهني في قائمة المسالك المعروضة على حاملي شهادة البكالوريا بكلّ اختصاصاتها.

ونحن واعون بأنّ هذه الإجراءات ستصطدم برفض العائلات التونسية التي لا تزال تنظر إلى منظومة التكوين المهني نظرة دونيّة. لكنّ إعلاما مكثفا متواصلا يحسّس بأهميّة هذا التوجّه ويقنع العاجلة بالنسبة إلى التلميذ والآجلة بالنسبة إلى المؤسّسة والبلاد قد يساعد على الانخراط في هذا التوجّه.

أمّا إذا ظللنا متهيّبين ردود فعل الأولياء ورفضهم فإنّنا لا نتقدّم بالمنظومة ولن نتقدّم بالمؤسّسة ولن نسهم في عمليتي التشغيل والتنافسية لأنّنا نعتقد أنّ التكوين المهني هو عماد التشغيل والضامن لقدرة تنافسية أرفع. لذلك فإن الجيّد ينتج الجيّد والرّديء ينتج الرّديء. ومتى اتّجه جزء من الصفوة إلى التكوين المهني فإنّنا نضمن حدّا أدنى من اليد العاملة المتميّزة الّتي تضمن قدرة تنافسيّة أعلى للمؤسّسة.

ج/ على مستوى التعلم العالي:

وتأتي حلقة التعليم العالي لتقتحم مسلكا ثالثا يعمل في تكامل مع مسلكي التعليم الأساسي والثانوي والتكوين المهني ولكن بآفاق أرحب في نفس الرؤية الشاملة لأهداف التعليم والتكوين العامّة. وإنّ التعليم العالي مثله مثل الأنظمة التكوينية الأخرى، شهد عدّة إصلاحات متتالية من الضروري الوقوف عند أهمّ محطّاتها لتوضيح الرؤية في خصوص مدى التشغيلية للشهادات المسلّمة من ذلك.

  • القانون عدد 67 لسنة 2000: أقرّ هذا القانون مرونة أكبر للجامعات ومشمولات أوسع كما أقرّ الهيكلة المتعدّدة الاختصاصات للجامعة الواحدة ممّا أكسب الخارطة الجامعية مرونة في التنقّل بين المسالك والشعب حسب رغبة الطالب.
  • نظام ثلاثة الثلث: الّذي أقرّه الأمر عدد 1220 لسنة 2001 الصادر في 28 ماي 2001 حيث يتمثّل الثلث الأوّل في الجزء المشترك لكلّ المؤسّسات الّتي تسلّم نفس الشهادة، ويتمثّل الثلث الثاني في جزء متخصّص يمكن كلّ مؤسّسة من تحديد خصوصياتها حسب متطلّبات المحيط الاجتماعي والاقتصادي وخصوصيات الجهة. في حين يتمثّل الثلث الثالث والأخير من جزء اختياري يمكن الطالب من اختيار جزء من تكوينه حسب ميولاته.

وتهدف هذه القاعدة المثلثة إلى تنويع التكوين في مرونة كاملة بهدف أبعد وهو تدعيم تشغيلية المتحصّل على الشهادة العليا. وبناء على ذلك أعيدت  هيكلة المسلك على شهادة ختم المرحلة الأولى من التعليم العالي من تغيير مساره نحو شعب ذات تشغيلية عالية كالإعلامية الصناعية وإعلامية التصرّف، والبرمجة والتحليل... ونحن نتساءل إلى أيّ حدّ وقع تطبيق هذه الإجراءات وهل توجد دراسات تقيّم درجات الإنجاز؟

  • إرساء نظام التعليم العالي الخاص= بموجب القانون عدد 73 لسنة 2000 الصادر في 25 جويلية 2000 أصبح التعليم العالي الخاص معترفا به. وبذلك تضاف آلية بمقاييس جديدة لتعاضد مجهود الدولة من ناحية وتستجيب لحاجات المؤسّسات الاقتصادية بصفة مباشرة لمرونة التسيير فيها من ناحية وضمان الجودة فيها أخرى (شرط البكالوريا إجباري+ مصادقة سلطة الإشراف) علاوة على أنّ هذه المؤسّسات الخاصة هي في حدّ ذاتها باعث مباشر للتشغيل على غرار المؤسّسة الاقتصادية.
  • إرساء نظام التعليم للجميع ومدى الحياة: وذلك يبعث آليات في مستوى التعليم العالي منها بالخصوص إحداث الجامعة الافتراضية سنة 2001 لتأمين دروس غير حضورية في مستوى 20 بالمائة من التعليم في أفق 2006-2007، ومنها كذلك السماح بعودة المخرطشين والمنقطعين  وحتّى الراغبين في الدراسة الجامعية للناشطين.

ولتوفير فضاءات ملائمة للتكوين العالي، تنشط خلال السنة الجامعية 2004-2005 ما لا يقلّ عن 13 جامعة عموميّة تضمّ 162 مؤسّسة تعليم عال منها 140 تعود بالنظر إلى وزارة التعليم العالي و22 مؤسّسة تحت إشراف مزدوج (الصحة/ الشباب والرياضة/ الفلاحة/ تكنولوجيات الاتصال...) هذا بالإضافة إلى 22 معهد عال للدراسات التكنولوجية مع 6 معاهد لتكوين المعلّمين.

ويعاضد هذه الفضاءات 18 مؤسّسة للتعليم العالي الخاص مستوفاة الشروط القانونية.

وقد رافق هذه الإصلاحات الهيكلية، توجّه ثابت يتمثّل في تدعيم الهياكل بالعنصر البشري الملائم باللجوء إلى تكثيف- الانتداب في مستوى المكوّنين لدعم نسبة التأطير وإقرار مبدأ التكوين الخاص لسلك الإشراف الإداري... والهدف الرئيسي من وراء كلّ ذلك هو تعزيز قابلية التشغيل لخرّيجي الجامعة ومعاضدة المؤسّسة الاقتصادية في عملها والرفع من جودة إنتاجها الاقتصادية في عملها والرفع من جودة إنتاجها. فلم يعد التوجّه المقتصر على توفير الشغل لخرّيجي الجامعة بل أصبح أساسا تعزيز قدرات الطالب على إيجاد الشغل بنفسه أو الانتقال من شغل إلى آخر أو الارتقاء والتدرّج في مساره المهني أو- والأفضل من ذلك- الانتصاب لحسابه الخاص فيكون قد شغّل نفسه وخلق مواطن شغل لغيره (ولو بعد انطلاق مشروعه). فلا مكان لعمل قارّ جامد في عالم تتغيّر فيه المعارف بسرعة مذهلة وتتغيّر معها التكنولوجيات فتبرز صناعات وتختفي أخرى وتبرز مهن جديدة وتختفي أخرى وهو أمر يحتّم على التعليم العالي- كما على بقية الأطراف الأخرى- مسايرة النسق. وعلى هذا الأساس تتمّ الإصلاحات والتوجّهات لذلك أقرّ بالخصوص مبدأ تنويع الشعب حيث بلغ عدد في كلّ المراحل الجامعية 717 شعبة وأقرّ الترفيع في الشعب القصيرة المهننة فبلغ عددها 339 شعبة وهو ما يمثّل 66،6 بالمائة من مجموع الشعب عند دخول التعليم العالي كما ارتفعت نسبة الطلبة في هذه الشعب، كما أقرّ التركيز على التخصّصات الواعدة في هذه الشعب مثل الإعلامية وتكنولوجيات الاتصال (34000 سنة 2004 مقابل 35000 قبل 1997) دون أن ننسى شعب الفنون الجميلة والحرف والإنسانيات التطبيقيّة). وكلّ هذه الإجراءات الّتي تمسّ جميع أوجه التعليم العالي سواء الخاصّة بكلّ عنصر على حدة أو على جميعها مشتركة، تهيّئ الطالب ومن ورائه المجتمع لبناء اقتصاد المعرفة تناغنا مع التوجّهات الإستراتيجية الرّسمية للبلاد. وهذا هو الدّور المحوري الموكول للجامعات. ولا بدّ هنا من الاعتراف بأنّ دورها ليس سهلا بالمرّة فهي مطالبة بتخطّي معادلة ثقيلة تتمثّل في ضرورة النجاح في مجابهة التّزايد العددي للوافدين على الجامعة وتأمين تكوينهم من ناحية وضرورة النجاح في مزيد ملائمة عمل التعليم العالي مع التحوّلات السريعة للمجتمع وتزويد الاقتصاد بكفاءات قادرة على الفعل والارتقاء بالمؤسّسة الاقتصادية من ناحية أخرى ممّا يطرح مسألة الاستثمار والتمويل لمواجهة الطلبات وتوفير الإمكانيات مع ضمان جودة التكوين. ويجدر التنبيه إلى أنّ تزايد عدد الوافدين على الجامعة  قد يكون على حساب الكيف ممّا يحتّم الانتباه إلى ضرورة عدم التسرّع في خلق الشعب استجابة لحاجة عاجلة. بل يتعيّن التروّي والتحرّي في ذلك.

وهكذا يكون أن لا مفرّ للجامعة من أن تزيد في تفتّحها على محيطها الاقتصادي والاجتماعي وتشريك المجتمع المدني بجميع هياكله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على خلفية أنّ الجامعة لم تعد في برجها العاجي بل هي قادرة على المشاركة في إرساء وتطوير البنية الاقتصادية كذلك. ولذلك فهي مدعوّة إلى مزيد التعريف بنفسها في محيطها. وأكيد أنّ الجامعة قادرة على ذلك فقد ساهمت خلال عقود في إرساء البنية العلمية وتحسين القدرات الإنتاجيّة الوطنية بتوفير الإطارات العليا وهي اليوم قادرة على لعب دور بارز في بناء اقتصاد المعرفة ومواكبة الاقتصاد اللامادّي.

وأكثر من ذلك يتعيّن على الجامعة أن تطوّر شراكتها مع أطراف عالميّة في مستوى تبادل الطلبة والمدرّسين أو التعاون في مجال البحث حتّى يستنير بها النسيج الاقتصادي الوطني ولئن ارتبطت الجامعات التونسية بــ465 اتّفاقيّة سنة 2004 مع مؤسّسات وجامعات أجنبية أو منظّمات وهيئات دولية أو إقليمية فإنّ نتائج ذلك يجب أن يبلغ صداها المحيط الاجتماعي والاجتماعي ولا تقتصر على جدران الجامعة.

فكثيرا من الندوات والملتقيات العلمية اقتصرت على الحرم الجامعي ولم يستفد من نتائجها المحيط المباشر رغم أنّ ما تتوصّل إليه هذه الأعمال من نتائج مهمّة وحتّى إن شارك أهل الميدان فيها فليس بالقدر الكافي وكذلك فإنّ عددا كبيرا من الرسائل الجامعية يبقى في الرفوف ولا تستفيد منه المؤسّسة والمحيط الاقتصادي والاجتماعي.

ويكفي أن نشير إلى ما تمخّض عن بعض هذه اللقاءات من أفكار قابلة للإنجاز.

ويكفي أن نذكر الملتقى الّذي نظّمه المعهد العالي للدراسات التكنولوجية برادس بالتعاون مع المعهد الفنّي الأوروبي لباعثي المؤسّسات والتصرّف بمدينة ليل الفرنسية خلال شهر نوفمبر 2004 حيث برزت فكرة هامّة لها انعكاس مباشر على مردوديّة الشهادة من ناحية التشغيل وإعطاء مزيد من القدرة التنافسية للمؤسّسة المشغلة. فلطالما أقرّ نظام التعليم التونسي ومن ورائه العقلية التونسية الكفاءة الواحدة ولطالما ظلّ التخصّص هو أهمّ شروط الانتداب غير أنّه اتّضح أنّ الكفاءة متعدّدة الاختصاصات باتت توفّر فرصا أوفر للباحثين عن الشغل وللمشغّلين أنفسهم من حيث مرونة التأقلم مع المتغيّرات بالخصوص وقد تفطّنت عديد الدّول إلى هذا التمشّي منذ مدّة طويلة نسبيا مثل كندا وحتّى بعض المقاطعات الفرنسيّة فالمهندس المتخصّص في ميدانه والّذي يمتّع بكفاءة أو كفاءات متمّمة مثل اللغات الحية أو التصرّف أو القانون أو التسويق له حظوظ أوفر في النجاح المهني. وهذا ما يطلق عليه مصطلح "الماندجر" الّذي يجب أن يكون قادرا على إدخال تغييرات في صلب المؤسّسة في ضوء المحيطة بها. فالحاجة إلى التغيير يجب أن تنطلق منه لا من مصلحة أخرى (مثل مصلحة التسويق) كما في المسلك التقليدي الحالي وهذا ما يربح المؤسّسة وقتا ثمينا والحال حال منافسة لا رحمة فيها. وقد لاحظنا نقصا فادحا في التكوين العامّ واللّغوي لدى المتخرّجين من الجامعة.

فبعض المهندسين المتخرّجين من الجامعة يظلّون عاجزين عن التعامل مع نظرائهم الأجانب لقصور في لغتهم وعجز في تكوينهم العامّ. كما لاحظنا عجزا في التواصل لدى المتخرّجين من كليّات الاقتصاد ومعاهد التجارة والتصرّف وذلك راجع إلى تكوينهم الأساسي. كما لاحظنا أنّ عددا هامّا من طلبة هذه الشعب قد وعوا هذا النقص وهم يعملون على تداركه بالتسجيل في معاهد اللغات ومراكزها العموميّة والخاصة. وهذا أمر يجب أن نعمل على تشجيعه لسببين:

1) لأنّ اللغة أداة أساسيّة للتّواصل مع الآخر وعامل مساعد على الحوار والتسويق بالمؤسّسة ومنتوجها.

2) لأنّ اللغة تساعد على الإطّلاع على المستجدّات في مجالي التجارة والتسويق من جهة وفي مجال المعلومات المتعلّقة بكلّ الميادين الهندسيّة والتجاريّة والإعلاميّة ممّا يساعد على "التأهيل المستمرّ" والتكوين المتجدّد.

وفي السياق نفسه ينبغي أن تتبنّى الجامعة بصفة أكثر نجاعة مسألة المردوديّة والقدرة التنافسيّة الشاملة للمؤسّسة إذ بات هذا الأمر محورا أساسيا في النّقاشات الاقتصادية والاجتماعية فالهدف الرّئيسي للمؤسّسة هو ضمان القدرة التنافسية بصفة مستمرّة فهي لم تعد تعتمد على المؤشّرات الاقتصادية والمالية ولكنّها يجب أن تستجيب باستمرار لحاجيات الحريف المتّسمة بالتّشدّد المتزايد وكذلك لحاجيات المساهمين في رأس المال والشركاء والأعوان العاملين والمجموعة الوطنية مع ما يرتبط بذلك من تثمين للممتلكات اللاماديّة مثل: سجلّ الحرفاء وبراءات الاختراع وتكوين الأعوان المستمرّ والمحافظة على السمعة واحترام وحماية المحيط وهذه هي الرؤية الحديثة الشاملة الّتي تعطي بعدا حقيقيّا للعامل وهو رأس المال الضامن للنّجاح.

وانطلاقا من هذه الرؤية تكون المؤسّسة في المقاربة الجديدة في حاجة إلى كفاءات قادرة على التوفيق في ذلك وبالتّالي إنّ المطلوب هو أن تلائم ملامح طالب الشغل هذه المعطيات. والاندماج عند توفّر هذه الملامح مضمون وسهل بل ومرغوب فيه من قبل المؤسّسات. وهو ما أفضى إليه اللقاء العلمي الّذي نظّمته جامعة تونس قرطاج الخاصّة خلال ديسمبر 2004 بمساهمة عدّة خبراء أجانب ولا شكّ أنّ الاستفادة منه حاصلة لطالب الشغل والمشغّل في ذات الوقت.

وما يمكن استنتاجه من هذا المسح السريع لقطاع التعليم العالي هو أنّه مجال مازال يبحث عن خطّة كاملة لمزيد الملائمة مع سوق الشغل والرّفع من القدرة التّشغيليّة رغم أنّه لا يمكن نكران ما أنجز من إصلاحات ذات بال.

فمن ذلك أن الكثير من الشعب التقليديّة بالأساس، وتهمّ بالخصوص الأستاذيات، تشكو من عدم ملاءمتها مع متطلّبات سوق الشغل ممّا يجعل خرّيجيها مهدّدين بالبطالة مثل اختصاص الإنسانيات وبعض اللّغات وذلك رغم ما بذل من مجهود إضافي تمثّل في إعداد خطّة لتعزيز تشغيليّة خرّيجي هذه الشعب والبدء في تنفيذها وذلك بــ:

  • تعميم التكوين التكميلي حسب الطلب (تكوين 6 آلاف طالب خلال 2004-2005 في الاختصاصات الواعدة وذات التشغيلية العالية).
  • إصلاح أنظمة الشعب "التقليدية" وتجديدها وتعميم وحدات التكوين في اللغة الإنجليزية بها وتعميم وحدات إحداث المؤسّسات على كلّ اختصاصات هذه الشعب وخاصّة الإنسانيات.
  • التقليص أكثر ما يمكن من عدد طلبة الأستاذيات (من 2001 إلى 2004 تمّ تسجيل انخفاض في عدد هؤلاء بـــ 32 ألف طالب) مقابل العمل على التغيير التدريجي في هيكلة الموجّهين بالترفيع في عدد الشعب القصيرة.
  • إحداث شهادات جديدة في إطار الماجستير تسمّى بــالماجستير المهني الّذي يمكّن الدّارسين من تكوين إضافي يساعدهم على اكتساب المهارات الضرورية للانتصاب للانتصاب للحساب الخاص (بلغ عدد شهائد هذا النوع 125) وتمّ التركيز على التّخصّصات الواعدة مثل الإعلامية والملتيميديا والاتّصال... وهي تمثّل 30،6 بالمائة من مجموع شهادات المرحلة الثالثة.

بل وأكثر من ذلك فحتّى الشعب المستحدثة فإنّ بعضها يشكو من تفاوت في مستوى التشغيلية لأسباب وجب الوقوف عندها منها ماهو راجع إلى عدم الاقتناع بها من قبل المحيط المهني ومنها ما هو ناتج عن تعقّد المسالك للإدارة في مستوى التّشريعات والقرارات ومن الأمثلة الحية على ذلك المهن المساعدة للقضاء حيث مازال خريجو الشعب ذات الصلة يعانون من عدم اندماجهم في الميدان الّذي من أجله تكوّنوا ومن أجله استثمرت المجموعة الوطنية. كذلك خريجو شعبة السياحة والتراث- اختصاص دليل سياحي مختصّ من المعهد العالي للدراسات التطبيقية والسياحية في الإنسانيات بقفصة إذ لم يتمّ الاعتراف بالخريجين الأوائل رغم توفّر موارد الشغل والرزق ذلك أنّهم مطالبون بالحصول على بطاقة دليل سياحي من القطاع المشرف على السياحة. وهنا تطرح مسألة انسجام القوانين والتراتيب حتّى تعمل جميع الإدارات في تناسق رغم تعدّد مجالات تدخلها. فلا يعقل أن تمنح إدارة عموميّة شهادة ترفضها إدارة عموميّة أخرى.

ومن هنا يبرز دور المؤسّسة الاقتصادية في لفت أصحاب القرار لبعض الإخلالات وبالتّالي المساهمة الإيجابية في تثمين التكوين والشهائد العلمية وبعبارة أخرى يجب أن تكون علاقة المؤسّسة التعليميّة والمؤسّسة الاقتصاديّة علاقة جدلية تفاعلية.

إنّ هذه الثغرات- وإن كانت نتيجة طبيعية للفترة الّتي تمرّ بها البلاد وهي فترة انتقالية تقف فيها الجامعة على غرار سائر مكوّنات المجتمع- أمام تحدّ مزدوج جزء منه يتعلّق بمشكل البلدان النامية وجزؤه الآخر يتعلّق بمشكل البلدان المتقدّمة- فهذه الثغرات تدعو إلى التساؤل في عديد الاختيارات منها لماذا مازلنا نوجّه طلبة إلى الإنسانيات عامة واللغات خاصّة ولو بعدد أقلّ ومازلنا نفتح الكليات هنا وهناك ونعرف أنّ شهائدها لا تفضي إلاّ إلى البطالة حتّى ولو باستثمار في الرفع من تشغيليتها؟ ثمّ هل تمّ التفكير جيّدا في مفهوم المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية وانتشارها بكامل البلاد ولو أنّ لذلك مزايا من نواح أخرى؟ ألا نخاف أن يكون مصيرها مصير مدارس ترشيح المعلمين؟

ومهما تكن التساؤلات والمآخذ فإنّه لا يمكن إنكار ما يحاول أن يلعبه جهاز التعليم العالي في مستويين اثنين= تحقيق تشغيلية أكبر لشهادات التعليم العالي والانخراط في مجتمع المعرفة وذلك بتنويع الشعب والمسالك ممّا يسهم في إثراء المنظومة ويمكّن المؤسّسة من فرص أكثر للتأهيل والارتقاء بمردوديتها ويوفّر للمحيط الاجتماعي فرض شغل أوفر. لكنّه ينبغي ألاّ يفوتنا أنّه من الطبيعي أن يكون لأيّ جهاز بشري فضلات وما على المجموعة الوطنية أن تعرف كيف تتصرّف في هذه الفضلات وتحوّلها إلى منتوج مفيد. والفرص لذلك متوفّرة في مجتمعنا من أبرزها تعميم تعلّم التكنولوجيات الحديثة للاتّصال تمهيدا لخلق مجتمع المعرفة ذي ثقافة رقمية توفّر الموارد البشريّة القادرة على اقتحام العمل بسهولة.

فالتوجّه الوطني الرّسمي في هذا واضح: تعميم الثقافة الرقميّة لجميع شرائح المجتمع باعتبار أنّ الإعلامية تمكن من الحصول على كمّ هائل من المعلومات في وقت قياسي في جميع المجالات من جميع أنحاء العالم واستغلال ذلك حينيا يساهم في الرفع من المردودية الاقتصادية الوطنيّة بربح وقت ثمين.

إستراتيجية الثقافة الرقمية وبرامجها: وهي تعتمد على:

* ما قبل دخول الحياة النشيطة: تبدأ بالطّفل إلى الطالب المتخرّج= المركز الوطني للإعلامية الموجّهة للطفل/ تعميم تدريس مادّة الإعلامية في جميع مراحل التعليم وجميع الشعب والاختصاصات/ ربط المؤسّسات التعليمية والتكوينية بالأنترنات/ التشجيع على التخصّص في الميدان حتّى أنّ الطلبة اليوم يمثل عددهم 10 بالمائة من مجموع الطلبة/ إحداث المدرسة الافتراضية/ إحداث الجامعة الافتراضية...)

* لفائدة الناشطين= برنامج الحسوب العائلي/ برنامج التكوين والإعلامية لفائدة الأعوان العموميين والخواص طبقا لمنشور الوزير الأوّل عدد 27 الصادر في جوان 2004.

وممّا يزيد في تحفيز الإقبال على الثقافة الرقمية أنّ القطاع الخاص أيضا يساهم في تشغيل المتخصّصين في ميدان الإعلامية. فعدد هذه المؤسّسات بلغ سنة 2003- 700 مؤسّسة تشغّل 6500 موطن شغل قار هذا إلى جانب التكوين المكمّل لبعض الاختصاصات صعبة الإدماج في الدّورة الاقتصادية في إطار صندوق 21-21 الّذي ساهم في تحسين تشغيلية بعض الشعب ينضاف إلى ذلك الرفع في سقف قيمة الاستثمار في القطاع إلى 500 ألف دينار بالإضافة إلى تدخّل المؤسّسات المالية وخاصّة البنك الوطني للتضامن.

فقد ثبت أنّ التكنولوجيات الحديثة للاتّصال هي محرّك التشغيل وملهم الاصلاحات في مستوى التكوين وخاصّة الجامعي. فقد تأكّد خلال الملتقى الاقتصادي العالمي بدافوس أنّ تونس تحتلّ المرتبة الأولى إفريقيا من حيث توفّر كفاءات الموارد البشرية. فالقطب التكنولوجي بالغزالة ومراكز النداء المتعدّدة بتونس توفّر فرصا هامّة للتشغيل (أكثر من 500 مهندس في الغزالة وحده) القطاع في مجموعه يضمّ 1500 مؤسّسة تشغّل 12400 عاملا قارّا).

ومن هنا يتطرّق الحديث إلى الأقطاب التكنولوجية الّتي تعدّ الحلقة الرّابطة بين التكوين والبحث والتّشغيل والإنتاج.

 

2/ على مستوى الأقطاب التكنولوجية:

الأقطاب التكنولوجية هي فضاءات تمركز للبنية التحتيّة للتكوين (جامعات- مدارس المهندين- المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية...) وللبحث (مخابر بحث جامعية/ مراكز للبحث الجامعي وغير الجامعي) وللتنمية (وجود محاضن المؤسّسات) والأقطاب التكنولوجية موجّهة إلى=

  • تنمية تطوير الأقطار في مجال التكنولوجيات العالية مركزة على قطاعات مثل قطاعات تكنولوجيات الاتصال أو الصناعات الغذائية أو الكيمياء...
  • تنشيط تنمية الجهات الأقل حظّا خصوصا من أجل استقطاب الصناعات ذات التكنولوجي لجامعة ستانفور سنة 1951 وكان أوّل فضاء علمي يعتمد بالأساسي على عقود بحث- تنمية والبحث العسكري وكان مموّلا من قبل المؤسّسات الخاصّة الصناعية والمالية في الولايات المتّحدة الأمريكية إن نجاح أغلب الأقطاب يعود إلى الدّور المستقطب لجامعات ويرتكز على:
  • المناخ الملائم الّذي تحدثه هذه الأقطاب
  • وظيفة المركز في تكوين اليد العاملة ذات الكفاءة العالية وفي خلق المؤسّسات حيث أنّ أغلب الباعثين يحملون شهائد عليا وأكثر من الثلث يأتون مباشرة من عمل بالجامعات أو من البحث.
  • الدعم التكنولوجي الّذي توفّره للمؤسّسات العاملة في قطاعات التكنولوجيا المتقدّمة. فالمؤسّسات الصغرى والمتوسّطة تستنجد بالمخابر الجامعية.

وعلى هذا الأساس فإنّ إستراتيجية التنمية الجهوية الّتي تعتمد على الأقطاب التكنولوجية من المفروض أن توفّر الظروف التالية:

* وجود مراكز بحث شهيرة تكون بمثابة مشاتل أفكار.

وجود عمالة ذات كفاءة عالية متوفّرة تساعد المؤسّسات الاقتصادية على النهوض والازدهار.

* مساعدة عمومية للبحث الموجّه للتنمية الخاصّة بالمؤسّسات النّاشئة والمجدّدة.

* توفّر رأس مال كاف

* وجود محيطا علمي وتكنولوجي وثقافي واجتماعي وتربوي ملائم للخلق والإبداع ممّا يوفٍّ أرضية للاستثمار الأجنبي بالخصوص وما ينتج عنه من خلق مواطن شغل إضافية ومزيد دفع التشغيل.

* كلفة معقول (أجور/ أداءات...)

حضور جامعات ذات صيت علمي مهمّ. وتونس الّتي توجد في محيط اقتصادي عالمي مترابط، وضعت استراتيجية للتنمية ترتكز على إحداث الأقطاب التكنولوجية بهدف تغيير هيكلة الصناعة التونسية.

ففي خلال العشرية الحالية يتمثّل البرنامج الرئاسي في بعث 12 قطبا تكنولوجيا 6 منها يتمّ تركيزها خلال المخطّط العاشر (2002-2006) دخل منها طور الاستغلال كل من قطبي برج السدرية وسيدي ثابت بالإضافة إلى قطب الغزالة سنة 2001.

ساهمت هذه الأقطاب في استقطاب عدد هام من الباحثين وأصحاب المشاريع المجدّدة من داخل البلاد وكذلك ربط علاقات عمل مع أطراف أجنبية.

تعمل هذه الأقطاب في مجالات متعدّدة= اختصاصات الطاقة المتجدّدة والبيئة والبيو-تكنولوجيا النباتية (قطب برج السدرية) واختصاصات البيوتوكنولوجيا والصناعات الدوائية (قطب سيدي ثابت) والميكانيك والإلكترونيك والإعلامية والنانو تكنولوجيا (قطب سوسة) / الإعلامية والملتيميديا (قطب صفاقس)/ النسيج والملابس (قطب المنستير)/ الصناعات الغذائية  / الإعلامية والملتيميديا (قطب صفاقس)/ النسيج والملابس (قطب المنستير)/ الصناعات الغذائية (قطب بنزرت).

وبقرار رئاسي تمّ إحداث قطب تكنولوجي للصناعات السينمائية بضاحية قمرت يهيّئ لمناخ ملائم يستقطب السينمائيين الأجانب وتشغيل الكفاءات التونسية في مجال الصناعة السمعية البصرية مع تخصيص جزء منه لتركيز الجامعة الافتراضية ومعهد عادل للفنون والتقنيات السمعية البصرية.

تجرى حاليا تحديد ملامح قطب جديد موجه إلى شبكة التكنولوجيات البحرية موزّع على كامل سواحل البلاد يتعهّده المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيات البحار بالتعاون مع الخارج ويختصّ في علوم البحار والبيو- تكنولوجيا البحرية وتكنولوحيات الصيد.

هذه الخارطة الخاصة بالأقطاب التكنولوجية بالبلاد التونسية وهي حديثة العهد لا يمكن أن يطلب منها نتائج ملموسة فورية في تغيير الملامح الاقتصادية للجهة لأنّ انجاز مثل هذه الأقطاب يعتمد على المرحلية حتّى يكون القطب في تطوّر دائم متدرّج إضافة إلى الطابع الاندماجي بين عناصر التكوين والبحث والإنتاج الّذي يعمل في تناسق تامّ إلاّ بعد مدّة كافية فلكلّ فضاء من الفضاءات العاملة في القطب خصوصياته (فضاء تكوين+ فضاء بحث+ فضاء خدمات).

ولئن كان من الطبيعي أن تتأخّر نتائج القطب التكنولوجي بصفة عامّة للأسباب الّذب ذكرت فإنّ التمشّي المستوحى أصلا من الأنموذج الغربي لا يمكن أن يؤدّي إلى نسق سريع للتنمية الجهوية في مجال التكنولوجيا العالية وذلك للأسباب التالية:

  • التنظيم الجامعي بتونس مازال مركزا على المواد المدرسية وانتداب إطار التدريس والبحث وتدرّجهم المهني يعتمد على النشر العلمي الأساسي. ونتيجة لذلك فإنّ العلماء لا يستطيعون الاندماج بسهولة في الأنشطة التكنولوجية الّتي تستوجب مقاربات متعدّدة الاختصاصات. فالتنظيم الجامعي لا يتلاءم مع مشاغل الصناعيّين الّذين لا تهمّهم البحوث النظريّة الجافة.
  • إنّ محتوى البرامج الّذي تهيمن عليه المواد العلميّة يتميّز بالجمود وبذلك لا يمكن للجامعة أن تستجيب للتحوّلات السريعة الخاصّة بالعولمة. ممّا ينتج عنه هوّة في الزمن بين تصوّر البرامج والتكوين في حدّ ذاته واكتساب المهارات الفاعلة ممّا يؤثّر بدوره في المردودية ولا يساعد على القدرة التّنافسيّة. فهنا يكمن مشكل القطب التكنولوجي الجامعي وبالتّالي يصبح محلّ تساؤل مشروع.

إنّ كل شروط نجاح الأقطاب التكنولوجية غير متوفّرة من ذلك النّسيج الصناعي المكوّن من مؤسّسات ضعيفة التأطير ومراكز البحث ليست في المستوى بالمواصفات العالمية إضافة إلى الاعتراف بأنّ الجامعة متجمّدة في هذه الناحية ولعلّ تخصيص وزارة كاملة للبحث العلمي سيعطي دفعا آخر.

والنتيجة الحتميّة في الوقت الراهن هي لا يمكن لهذه الأقطاب أن تشجّع بالسّرعة المرجوّة منها وإن اعتمدت على يد عاملة ذات كفاءة عالية وبالتّالي لا يمكن أن تكون طريقة ناجعة وأفضل من غيرها في خلق مواطن الشغل وإفادة المؤسّسة إفادة مباشرة في نفس الوقت.

من هنا يطفو على السطح دور البحث العلمي الجامعي الحالي وما يجب أن يكون عليه.

3 / على مستوى البحث العلمي

ما يلاحظ اليوم هو أنّ العالم يمرّ بنسق متسارع من الاقتصاد المادّي إلى الاقتصاد اللامادّي (أي الاقتصاد المرتكز على المعرفة). وتونس إجمالا ونظريا مؤهّلة لذلك لاعتنائها المبكّر بقطاع التربية والتعليم والبحث. فثروات الشعوب أصبحت اليوم تقاس بمؤشّرات رأس المال الفكري وقطاع البحث العلمي أصبح يحظى برعاية أكبر حيث أقرّ رئيس الجمهورية تخصيص 1،25% من النّاتج المحلّي الإجمالي للبحث العلمي حتّى نهاية 2009.

تضمّ منظومة البحث العلمي سنة 2004 كما جاء في التقرير السنوي الصادر وزارة التعليم العالي (ديسمبر 2004) 140 مخبرا و520 وحدة بحث و35 وحدة خدمات مشتركة للبحث لغاية التصرّف في التجهيزات العلمية الثقيلة.

ويعمل عدد من المخابر ووحدات البحث في مشاريع متّصلة ببرامج وتوجّهات قطاعات الإنتاج والخدمات باتّصال مباشر في غالب الأحيان بمواقع الإنتاج. وقد تزايد عدد الباحثين داخل هذه الهياكل ليصبح 7289 باحثا منهم 4032 مدرّسا جامعيا و 3257 طالبا باحثا ينتمي إلى المرحلة الثالثة حسب نفس المصدر.

وينشط البحث العلمي كذلك في إطار التعاون الدولي فهناك 107 مشاريع بصدد الإنجاز في إطار التعاون تونس وفرنسا في كنف اللّجنة المختلطة للتعاون الجامعي و50 مشروعا للمركز الوطني للبحث العلمي و10 مشاريع للمعهد الوطني للصحة والبحث الطبّي و11 مشروعا للمعهد الوطني الفرنسي للإعلامية والأوتوماتيكية.

وبذلك تكون إجمالية نسبة الباحثين 3،3 باحث لكلّ ألف ناشط، 50% من الباحثين تندرج اختصاصاتهم في علوم الحياة والبيولوجيا وأنّ 35 وحدة بحث مشتركة مجهّزة بأحدث التقنيات مفتوحة للمؤسّسات الخاصة في إطار برامج شراكة.

ورغم أنّ عمل هذه المخابر وهذه الوحدات تخضع إلى تقييم دوري يبقى السؤال يطرح هل أبرزت عمليات التقييم مدى نجاعة هذه الهياكل اقتصاديا ومدى تفاعلها مع المؤسّسة الاقتصادية بصورة خاصّة ومع محيطها بصورة أشمل أي هل أنّها حقّقت الإضافة الفعليّة؟

من هنا وجب التفكير في صيغة البحث ليتحوّل البحث العلمي بمفهومه الحالي (البحوث الأساسية) إلى البحث التنموي على حدّ تعبير الأستاذ محجوب العوني والتحوّل هذا لا يعني تحوّلا اصطلاحيا فقط بل وبالأساس تحوّلا في المضمون والتوجّه.

فقد أكّد الأستاذ محجوب العوني أنّ الواقع الجديد للاقتصاد المعولم بات يعطي للبحث التنموي الأولويّة ويعني بتحديد الأولويات في اختيار البرامج وضرورة ربطها باقتصاد البلاد وإدراج برامجه في النهضة الاقتصاديّة وجعله بصفة عامة في خدمة النهوض بالمجتمع. وكلّ هذا يمثّل دافعا لوضع سياسة واضحة للبحث العلمي/ التنموي.

لقد أعطت تونس بعدا جديدا للبحث العلمي في كلّ المجالات وذلك بمراجعة هيكلة الجهاز البحثي وتخصيص وزارة كاملة له ودعم التجهيزات وإحكام آليات التنظيم والتنسيق حتّى يستجيب للمطامح الخاصة بمجتمعنا ويمكّنه من مواجهة التحدّيات المستمرّة على الصعيد العالمي. ومن أهمّ سندات البحث:

- إحداث المجلس الأعلى للبحث

- الرفع من ميزانية البحث من 1% إلى 1،25% تدريجيا

- ضبط اللجان المختصّة لتحديد الأولويات وتحديد مفهوم البرامج الوطنية وغاياتها وطرق تمويلها واختيار مواضيعها.

- ضبط المقاييس وتوزيع الاعتمادات المرصودة ولا شكّ أنّ الهدف من هذا العمل هو ضمان منهج لإدماج خطّة البحث في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية.

ويتّفق مع هذا التّوجّه الدكتور محمد رضا كمون الأستاذ المختصّ في طبّ الجلدة والباحث في ميدانه إذ يرى أنّ الأرضية المؤهّلة للنّجاح في اقتصاد المعرفة متوفّرة في تونس. فتونس الّتي يمثّل فيها الإنسان رأس المال الوحيد قد راهنت على إنسان بالذّات: فقد حرّرت المرأة، وعلمت الأطفال والشبّان، وسنّت القوانين والتشريعات ذات البعد الاجتماعي من أجل ضمان كرامة الفرد بالاعتراف بحقوقه في التعليم والصحّة والشغل.

وقد اتّضح اليوم أنّ كلّ ذلك غير كاف إذ لا بدّ من عمل يكون فيه نفس متواصل وتركيز أكثر على البحث العلمي الميداني. فالبحث حسب الدكتور محمد رضا كمون يجب أن يستجيب لحاجيات المجموعة ويتكيّف مع الإمكانات المتاحة ولذلك شروط ضرورية حتّى تصبح تونس منتجة لا فقط مستهلكة وهذه الشروط هي:

  1. إرادة سياسيّة: فاعلة متواصلة وقويّة واضحة عبّر عنها رئيس الدولة أكثر من مناسبة تبعتها إجراءات عملية شجاعة.
  2. إمكانات عالية كافية: وهي نسبيا متوفّرة بتضحية من المجموعة الوطنية تبلغ حاليا 1 بالمائة من الناتج المحلّي الإجمالي وهي نسبة وإن بدت محدودة- فهي جريئة في بلد محدود الإمكانات تتزاحم فيها الأولويات.
  3. كفاءات تقنية عالية: وهي متوفّرة بدون شكّ والسعي متواصل على مستوى الكيف وذلك بخضوع البحث إلى المواصفات وإلى قواعد مضبوطة وتستغلّ أحدث التقنيات وأدقّها فحتى المجال الحدسي قد وقع اعتباره بتكيّف المحيط لمخيال الباحث وإبداعه ولا يمكن التوصّل إلى ذلك بتكوين أساسي متخصّص ومتعهّد باستمرار. وعلى هذا المستوى يمكن القول أنّ تونس تعمل في أريحيّة كبيرة.
  4. إطار تشريعيّ مطمئن: فهو الإطار القانوني الضّامن لحقوق الباحث وواجباته وهو الساهر على حريّته الضروريّة للخلق والإبداع والنصوص في هذا المجال متوفّرة بقدر كاف وتعتبر أحيانا متقدّمة وبذلك تضمن احترام الفرد والملكيّة عامة والملكيّة الأدبيّة خاصّة.
  5. محيط أخلاقي وسلوكي واضح: فالعامل الأخلاقي أساسي في مجال البحث فكلّ خلق وإبداع يجب أن يحترم القيم العامّة الحضاريّة وهي الذات والحياة والحرية والكرامة وتونس قد بعثت منذ مدّة لجان أخلاقيات محلية في كلّ الهياكل المدعوّة للبحث ومن مهامها البحث في تطابق البحوث مع القيم والأشخاص قبل وضعه حيّز التنفيذ.
  6. حضور نفساني مريح: وهو عامل مرتبط بالشروط الخمسة سابقة الذكر. فالتونسي قادر على التميز والامتياز (وقد شهدت له بذلك أشهر الجامعات الأوروبية والأمريكية) وهو في عزّ تميزه يعرف كيف يبقى متواضعا شاعرا بحدوده ونقائصه النجاح في مهمّة البحث لا يقتصر على أحد هذه العناصر وإنّما في التّرابط والتنسيق بينها لتكون عنصرا واحدا.

ومن هنا بالذّات قد تبرز نقطة الضعف في هذه المنظومة ماهو مدى هذا التنسيق وهل يتمّ في ظروف حسنة؟ وهل أنّ عملية التنسيق تساعد على تقدّم البحث أم تزيد في تكبيله؟ ذلك أنّ اهتمامات بعض هذه العناصر قد تتعارض مع بعضها الآخر ومصلحتها الضيّقة لا تتطابق مع الأخرى.

لذلك تعالت بعض الأصوات الدّاعية إلى تحرير البحث العلمي/ التنموي لجعله يتعامل مباشرة مع المؤسّسة الاقتصادية وما يعني ذلك من إدماج المؤسّسة الاقتصاديّة في صلب المنظومة البحثية وبنسبة أكبر فيستفيد الطرفان استفادة مباشرة خاصّة في مستوى ربح الوقت وتجنّب الأطراف الدّاخلية الّتي يجب أن يبقى دورها في المراقبة من بعيد.

ولعلّ الإجراءات المشجعة للكفاءات العلميّة على استثمار معارفهم بصفة مباشرة تدخل في هذا التوجّه فقد أصبح للباحثين إمكانية التفرغ للاستثمار في البحث العلمي والانتصاب الحر حيث تمّ دعم الاختراع والتشجيع على البراءات واعتماد المرونة في التنقل بين المؤسّسات ودعم الإعلام والتوثيق في  ميدان البحث وتركيز الشبكات المتكاملة لجمع المعلومات ونشرها وربطها بالمؤسّسات الاقتصاديّة. وبالفعل أثمرت البحوث منتوجا متنوّعا دخل حيّز الاستغلال في أكثر من مظهر ولو بصفة محتشمة مثل الطاقة الشمسيّة والمعادن والماء وعلوم البحار وتكنولوجيا الوسط الحي وعلم الوراثة والتنوّع البيولوجي وعلم طبقات الأرض...

وتدعيمها لهذا التوجّه، ازداد تفتّح المحيط الجامعي عامّة والبحثي خاصّة على المحيط الاجتماعي والاقتصادي ازديادا فاعلا وواضحا فيكفي أن نذكر على سبيل المثال ما قامت به الوحدة الجهوية للدراسات والبحوث الاجتماعيّة والاقتصاديّة بالمهدية حيث تمّ تقييم عملها خلال لقاء أواخر ديسمبر 2004 من قبل خبراء وجامعيين في الوحدة في وضع مشروع مشترك للتنمية ورغم اختلاف وجهات النظر- وهي مطلوبة لمزيد الثراء- فإنّ ذلك يعطي الجامعة بعدا ملموسا في البحث العلمي فالباحثون في إطار هذه الوحدة- على سبيل المثال- قاموا ببحوث ميدانية حقيقية طالت الفلاحة والتجارة والنقل وأبرزت بحوثهم نقاط ضعف على المحيط الاقتصادي والاجتماعي أن يعمل على تجاوزها مثل تطوير قطاعات الزياتين والألبان والسياحة والثقافة...

ولكن رغم هذه التدخّلات المباشرة فإنّها تبقى محدودة الفاعليّة في المكان والزمان لأنّها تكون في الغالب مبنيّة على تحمّس فردي أو جماعي سرعان ما ينطفئ لأسباب عديدة. والمهمّ في ذلك أنّها حالة أخرى تضاف إلى ما سبق ذكره لنؤكّد أنّ منظومة البحث العلمي تبقى هشة ما لم يتمّ إعادة النظر في هيكلتها بصفة عميقة وبالتشاور مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي الّذي تعمل فيه.

ولعلّ ما تنوي سلطة الإشراف من إدخال إصلاحات هيكلية جديدة على منظومة البحث العلمي يدخل في هذا التوجّه.

فالإصلاحات ستنطلق بتعديل القانون التوجيهي لسنة 1996 المتعلّق بالبحث العلمي وتطوير التكنولوجيا. ومن أهمّها إحداث مؤسّسات عموميّة للبحث غير إدارية تتميّز بالمرونة في التصرّف الإداري والمالي مع إحداث شبكات امتياز ومرصد وطني للعلوم والتكنولوجيا وإحداث أكاديميّة للعلوم وإحداث هياكل إقليميّة تعنى بتثمين نتائج البحث والربط بين منظومة البحث والتجديد والنسيج الصناعي والمعطيات الاقتصادية في الجهات.

وستّتخذ هذه الهياكل شكل الوكالات الجهوية للنهوض بالبحث والتجديد وإحداث المؤسّسات المجددة وستتكفّل هذه الوكالات بربط الصلة بالباحثين والصناعيين والهياكل المختصّة في تمويل المشاريع (البنوك) وفي الملكية الفكرية وكذلك في تسويق الأفكار المجدّدة إلى جانب ترشيد استعمال الموارد البشريّة والماليّة الموضوعة على ذمّة قطاع البحث العلمي وبتقديم الدعم والخدمات للمؤسّسات المجدّدة بمحاضن المؤسّسات والمؤسّسات الاقتصادية الأخرى لتمكينها من تحقيق المواصفات العالية الضروريّة للتصدير. كما ستتولّى هذه الوكالات التصرّف في الإعتمادات المرصودة لفائدة الباعثين في مرحلة الانطلاق والمساعدة على توفير مصادر تمويل للمشاريع المجدّدة  سواء كان ذلك عن طريق صندوق المساعدة على الانطلاق أو شركات الاستثمار برأس مال تنمية أو غير ذلك.

ومع تنقيح القانون التوجيهي ينتظر اتّخاذ جملة من التدابير المصاحبة من ذلك ضبط  أنشطة البحث والتجديد مثل ضرورة تقييم أنشطة البحث العلمي وإعداد ميزانية القطاع إضافة إلى ضبط إجراءات تهدف إلى تفعيل دور الجمعيات العلمية وبالربط بين منظومة البحث والتجديد والنسيج الصناعي في الجهات ضمن شبكة موحّدة يكون مقرّها مدينة العلوم.

وهكذا يكون من المؤمل أن تستبق منظومة البحث العلمي والتجديد خطوات المحيط الاقتصادي فتكون هي الباعثة للمؤسّسات فتلعب دورها الريادي المطلوب منها سواء في مستوى الإنتاج أو في مستوى التشغيل.

 

4/ ترابط التشغيلية بالقدرة التنافسية:

وعلى هذا الأساس يتبيّن أنّ المحيط بجميع أبعاده والمؤسّسة الاقتصادية كعنصر بارز فيه، هو الفضاء الطبيعي للتحكّم في مشاغل المجموعة الوطنيّة سواء مشغل التّشغيل أو مشغل الإنتاجيّة. فجدوى مقولة "التعلّم من خلال العقل" و "البحث خلال الفعل" (Searding by doing/ Learning by doing) لم تعد في حاجة إلى تدليل فهما مترابطان عضويا. وإذا كان البحث العلمي لا يمكن أن يتطوّر بدون المؤسّسة الاقتصادية فإنّ المؤسّسة الاقتصادية لا يمكن أن تنمو دون بحث علمي وبذلك فقط تنمو المؤسّسة وتصبح قادرة أكثر على المنافسة وعلى مزيد التشغيل في ذات الوقت خصوصا وأنّ الاقتصاد المادّي ترك مكانه للاقتصاد اللاماديّ وذلك في ظلّ اقتصاد المعرفة.

ولا شكّ أنّه إذا تعاملت المؤسّسة الاقتصادية بهذا الشكل مع المؤسّسة التربويّة بجميع مكوّناتها (تعليم أساسي وثانوي/ تكوين مهني/ تعليم عال/ بحث علمي) يمكن تحويل التدفّقات الكبيرة من الشباب على الجامعات والمعاهد العليا القادمة والمؤسّسة لمجتمع المعرفة إلى قدرة تتوفّر لمؤسّستنا على التّأقلم السريع والمدروس مع المتغيّرات المتواترة الّتي يعيشها الاقتصاد العالمي والّتي تنعكس حتما على المؤسّسة الاقتصاديّة بتونس وبذلك يمكن كسب رهان التشغيل الّذي تضعه الدّولة في أعلى سلّم الأولويات.

وإذا استجابت المؤسّسة التربويّة لنداء محيطها وتعاملت معه بالشكل المطلوب فإنّه يصبح ممكنا للوافدين الجدد على سوق الشغل من حاملي الشهادات الجامعية رغم ازدياد عددهم باستمرار أن يتحوّل ضغطهم إلى فرصة حقيقية لتمكين الاقتصاد الوطني من موارد بشرية ذات مستوى عال مرموق قادرة على مجابهة المنافسة الّتي تفرضها عولمة الاقتصاد، خاصّة وأنّ الاقتصاد اللامادّي الّذي بدأ ينتشر يمثّل فرصة ممتازة لتلبية طلبات الشغل بفضل مجالات النشاط الجديدة والمهن المستحدثة.

هذا ما جعل بلادنا تتوجّه إلى تنمية الموارد البشريّة ذات الكفاءة العالية بدعم الاستثمار في المجالات ذات القيمة المضافة العالية منها على وجه الخصوص وعلى المدى البعيد ودعم الأقطاب التكنولوجية في انتظار أن نجعل من تونس قطبا إقليميا في المجالات الواعدة على غرار الأنشطة الطبية والسياحية الاستشفائيّة والخدمات الهندسية والاستشارة وصناعة الذكاء إلى جانب التركيز على صناعة البرمجيات وصناعة المحتوى وكلها منتوج مادّته الأولوية المادة الشخمة وهي الموارد الأبقى.

وهكذا تبرز أهميّة قطاع الخدمات مصدرا أساسيا للتشغيل وباعثا هامّا للثروة.

يستقطب القطاع أكثر من 23% من اليد العاملة لكن ملامح الخدمات بدأت تتغيّر من التجارة الصغرى والخدمات البنكية والإدارية وخاصّة التعليم والبحث، تحوّلت إلى الخدمات الصحيّة والهندسة الإعلامية بالخصوص نحو التصدير بالإضافة إلى ما بدأ يظهر باحتشام مثل النقل الدّولي وأعمال الخبرة والاستشارة.

ويمتاز هذا القطاع بأنّه يعتمد على الاستثمار اللامادّي وبذلك يساعد على التحكّم في الكلفة ويضمن الرفع من القدرة التنافسية. والقطاع يمثّل ثلثي النشاط الاقتصادي العالمي غير أنّ تونس رغم ما يتوفّر بها- لم تصل إلى النسبة المرجوة حسب دراسة أعدّها الأستاذ فيصل الأخوه حيث لا تتعدّى النسبة 0،143 بالمائة من الصادرات العالمية ويستنتج من هذه الدراسة أنّ ما تتميّز به تونس من رأس مال بشري مهيّأ وموقع جغرافي والاتّفاق الخاص بالتبادل الحرّ مع الإتحاد الأوروبي وسياسة التفتّح التّجاري يجب أن يشغّل أكثر لتحسين المرتبة في هذا القطاع الاستراتيجي، فهذه فرصة على المؤسّسة الاقتصادية أن تعرّف بها أكثر لدى المؤسّسة التربوية فالقطاع يمثل قيمة إضافية عالية أكثر من الفلاحة والصناعات المعملية بالإضافة إلى أنّه أكبر مشغّل بنسبة 43% من السكان الناشطين غير أنّه مازال يئنّ تحت وطأة الأنشطة التقليدية من تجارة صغرى وصحّة وتربية وإدارة عموميّة وهي قطاعات- على أهميتها- ذات جدوى ضعيفة من المنظور الاقتصادي. فلا بدّ من تشجيع القطاعات الأخرى ذات القيمة المضافة العالية ببرامج تأهيل متكاملة وملائمة ومتواصلة خصوصا وأنّ مؤسّسة الخدمات من هذا النوع لا تتطلّب أن تكون كبيرة الحجم أو ثقيلة التجهيزات حتّى تكون قادرة على التصدير حسب الدراسة نفسها.

أمّا فرع الإعلامية من هذا القطاع فلا يمثّل إلاّ 1 بالمائة من الناتج الفردي الخام منه 67 بالمائة يتعلّق بسوق المعدّات في حين لا يمثّل تطوير البرمجيات إلاّ الثلث من 33 بالمائة المتبقّية.

يضاف إلى ذلك أنّ تونس تكوّن كلّ سنة عددا هامّا من حاملي شهادة في مجال تكنولوجيات الاتصال العالية وهو حافز على مزيد إشعاع القطاع وإنّ الكلفة بحساب الساعة ذات قيمة تنافسية هامّة (8،8 أورو في تونس مقابل 70 أورو في الساعة بفرنسا) ومن هنا يبرز أنّ المجال ذو تشغيلية عالية وقدرة تنافسية كبيرة على المجموعة الوطنية أن تستغلّ هذه الفرصة سريعا وإنّ مجال الخدمات الصحيّة يعدّ كذلك مجالا واعدا مثله مثل المجال السابق فتونس قادرة أن تصبح قبلة الأجانب فتتصدّر على عين المكان بفضل بنية تحتية جديدة (6000 مؤسّسة صحيّة بين مستشفيات ومصحّات وعيادات طبيّة ومراكز صحيّة) وبفضل إطارات طبيّة وشبه طبية كفأة (8.500 طبيب و1.400 طبيب أسنان و2050 صيدلي) في حين القدرة التنافسية حاصلة لتونس (التكاليف أقلّ بــ 40 بالمائة عما هو في انجلترا).

ولكن رغم أهمية هذا القطاع الّذي يساهم في الدخل الوطني الخام بـــ 36،1 بالمائة من اليد العاملة ويحظى بعناية سياسية كبيرة يبدو عاجزا عن تحقيق القفزة المطلوبة كما بيّنته الأرقام الضعيفة الخاصة بمردوده. فمن هنا وجب التساؤل عن الأسباب وإيجاد الحلول. لعلّ أبرز ذلك ضرورة وضع إطار قانوني شامل ينظم جميع الأنشطة المتعلّقة بالقطاع ككلّ من أجل القضاء على التّشتّت في النصوص ومن أجل مزيد التنسيق والانسجام حتّى لا تتضارب أحكام الواحد مع الآخر. كذلك لا بدّ من تحسين التراتيب والقوانين المتعلّقة ببعض الأنشطة وتأهيل القطاع في ضوء الآفاق المنتظرة والخاصّة بتنقل الأشخاص والانفتاح في نطاق العولمة خصوصا في ضوء مفاوضات سنة 2005 حول تحرير تجارة الخدمات في إطار المنظّمة العالمية للتجارة إلى جانب بعث هيكل إشراف موحّد في صيغة مثال موحّد أو ما شابه إذ الوضعية الحالية تتمثّل أحيانا في تدخّل أكثر من 15 وزارة لحلّ إشكال واحد وهو أمر لا يساعد المؤسّسة على نموّها.

ورغم أنّ تونس تحتلّ المرتبة 42 في ما يتعلّق بالتنافسية العامة للاقتصاد بين 104 بلدا حسب التقرير السنوي لمنتدى دافوس حول القدرات التنافسية متقدّمة في ذلك على عديد الدول مثل إيطاليا والمغرب وبولونيا وتركيا ورغم أنّ تونس تحتلّ كذلك المرتبة 32 في مجال تنافسية المؤسّسات فإنّ فرصا ثمينة متوفّرة حاليا لمزيد التألّق لو استمعت المنظومة التربوية ككلّ إلى مشاغل المؤسّسة الاقتصادية استماعا ايجابيا ولو تبنّت المؤسّسة أعمال التكوين والبحث.

 

الخاتمة

إنّ المنظومة التربوية بكلّ مكوّناتها مطالبة اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى بالتجدّد المستمرّ والتقويم المتواصل حتّى تتمكّن من مواكبة المستجدّات كما أنّها مطالبة بالتّخلي-بشجاعة- عن جزء من مشمولاتها في تصوّر البرامج والاستراتيجيات لصالح المؤسسة الاقتصادية المنتجة. كما أنّ منظومة التكوين مدعوّة إلى الإصغاء والإنصات لثلاثة أمور أساسيّة:

  • رأي المؤسّسة في نوعية المنتوج البشري (التقويم)
  • حاجة المؤسّسة لمنتوج بشري معيّن ذي كفاءة عالية على منظومة التكوين توفيره بالسرعة المطلوبة ممّا يفرض مرونة في برامج التكوين وقدرة على رسكلة المكوّنين.
  • تحوّل السوق العالمية في مضمارين على الأقلّ:

- مضمار المنتوج نوعية وقدرة تنافسية

- تجدّد التكنولوجيات وظروف ذلك ودواعيه

وهذا يعني توسيع شبكة المعلومات داخل المؤسّسة التربويّة والبحثيّة وسرعة تداول المعلومة وتوظيفها في اتّجاه التغيير السريع.

وهذا يعني كذلك أن تكون المنظومة التربوية ديناميكيّة فتجدّد برامجها وتلائمها مع الطلب وتجدّد تجهيزاتها ممّا يضع حدّا للبرامج العشرية أو الأبديّة في بعض الحالات. وهذه الديناميكيّة تسهم في تكوين غير متقادم مستجيب لحاجة المؤسّسة وطلب السوق لأنّ التكوين يخضع كالمنتوج السلعي لقاعدة العرض والطلب.

والطلب لا يكون إلاّ للجيّد القادر على الإبداع بجميع معانيه= إبداع المنتوج، إبداع وسائل التحسين والتجديد، إبداع الإنتاجية، إبداع الكلفة، إبداع تسويق المنتوج الخ... وهذا يؤكّد اعتقادنا بأنّ القدرة التنافسيّة للمنتوج والمؤسّسة المنتجة ليست مسؤولية المؤسّسة بالدرجة الأولى بل هي مسؤولية منظومة التكوين المطالبة بتكوين من هو قادر على الإبداع بالمعاني الّتي حدّدنا بمعنى قادر على الإنتاج الّذي يقنع بجودته وسعره وحتّى في طريقة عرضه وتسويقه. ومن هاهنا تكون القدرة التنافسية عاملا مساعدا على التشغيل. وبهذا يكون التكوين غير المساعد على الرفع من القدرة التنافسية للمؤسّسة غير قادر على التشغيل. ومن هذا المنظور لم يعد هدف التكوين محصورا في التشغيل بل الرفع من القدرة التنافسية للمؤسّسة. وليس هذا قلبا للأولويات بل هو إعادة ترتيب لها. لأنّه لا تشغيل بدون مؤسّسة ولا مؤسّسة بدون شغل ولا شغل بدون منتوج رائج ولا رواج للمنتوج إلاّ إذا كان قادرا على المنافسة نوعيّة وسعرا وبهذا يمكن أن نقرّر أنّ سلامة التكوين ودقّة البحث وارتباطه بحاجة المؤسّسة وتجدّده بتجدّد حاجاتها خير ضمان لبقاء المؤسّسة واستمرار الشغل ودوامه.

وإذا أردنا أن نربط دور منظومة التكوين بالأهداف الّتي رسمها المجلس الوزاري المنعقد يوم السبت 22 جانفي 2005 والمتعلّقة بدعم القدرة التنافسيّة للمؤسّسة بالتشديد على نقاط ثلاث فإنّنا نستطيع أن نجزم بأنّه لا يمكن:

  • وضع استراتيجيات كفيلة بمزيد استقطاب الاستثمار الخارجي والنهوض بالتصدير في مجال الصناعات الميكانيكيّة والكهربائيّة والالكترونيّة إلاّ بتوفير:
  1. مهندسي رفيعي المستوى متعدّدي مصادر التكوين= فرنسا- ألمانيا- اليابان- الولايات المتّحدة- تونس- إيطاليا.
  2. باحثين رفيعي المستوى قادرين على تطوير المنتوج حتّى في مستوى المناولة.
  3. فنيين سامين متخرّجين من مراكز التكوين المهني موجّهين مباشرة بعد الباكالوريا لهذه المراكز.
  4. مهندسين وباحثين وفنّيين يحذقون اللغات الأجنبية (الفرنسية- الانكليزية- الألمانية) حذقا جيّدا حتّى يتمكّنوا من الإطلاع على مستجدّات البحث العلمي في مجال اختصاصهم. ويتمكّنوا كذلك من الإقناع بمنتوجهم.

ولا يمكن=

  • دعم استفادة قطاع التصدير من التكنولوجيات الحديثة للاتصال والإعلام

إلاّ بتوفير خبرات عاليّة المستوى قادرة على استخدام التكنولوجيات الحديثة. ومنظومة التكون مطالبة بتوفير هذه الخبرات بعد تمكينها من هذه التكنولوجيات في مستوى التكوين.

وبعبارة أخرى فإنّ أيّ مطلب للرفع من التشغيلية والقدرة التنافسية لا بدّ أن يجد له سندا في المنظومة التكوينية بكلّ مكوّناتها. فالرفع من القدرة التنافسية للمؤسسة يجب أن يغدو همّ المنظومة التكوينيّة بمراجعة نفسها مراجعة مستمرّة بالتقويم والتجديد والتحديث إذ لا تشغيل بدون مؤسّسة.

والمؤسّسة مطالبة بدورها بإسراع نسق تعاملها مع المنظومة التكوينيّة وإحكام التنسيق معها بالتكوين بالتداول في جميع المستويات وإبرام عقود بحث وبراءات وتمويل بعض برامج البحث وأطروحات على غرار ماهو موجود في المؤسّسات الصّناعية الفرنسيّة. فلا تشغيلية عالية ولا قدرة تنافسيّة عالية إلاّ بتفاعل بنّاء بين منظومة التكوين ومؤسّسة الإنتاج.

 

د. عبد المجيد البدوي ( باحث وأكاديمي تونسي)

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك