القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

منظومة الفَساد : بين خطاب اللاِستنفار و سُبل المكافحة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-08-30 10:09:58 | 179 مشاهدة

 


ملخّص

تبدو مكافحة الفساد الى حد الآن دون تحقيق نتائج ملموسة. و يتمثل الخلل الرئيسي في غياب السياسة العامة.  وهذا ما يتبين من خلال ضعف الترسانة التشريعية وتشتت الفاعلين و غياب الارادة السياسية وغياب الترجمة السياسية. فالترسانة للتشريعية رغم تحسنها بشكل كبير منذ 2011 بفضل الخطوات الجريئة  التي اتخذت في هذا المجال،  فانها تعاني من ثغرات عدة تقف عائقا مام تحقيق مواجهة فعّالة للفساد. و تسبب تشتت الفاعلين او المتدخلين بدوره في تشتت الروية وغياب التنسيق، وفي احيان كثيرة وقفنا على مواقف متعارضة ومتباينة من اكثر من فاعل قانوني حول المسالة نفسها. اما التردد   السياسي ازاء الظاهرة  فقد برز ذلك بوضوح من خلال التخبط الذي تعيشه السلطة التنفيذية في  تعاطيها مع اكثر من ملف. ذلك ان لفساد منظومة  وشبكة، ومن اجل مكافحته  يحتاج الامر بدوره الى منظومة متكاملة من الخطوات والاجراءات المتناسقة والمترابطة والمتفاعلة.


مقدمة

تتعدد التعبيرات المستنكفة للفساد ك "الفساد أخطر من الإرهاب" و "الفساد يعطل نمو الاقتصاد" و"الحرب ضد الفساد" ...كلها مفردات  خطاب مستنفر في محاولة لمحاصرة ظاهرة الفساد أو الحد منها، غير أن هذا الاستنفار لم يستتبعه نتائج فعلية، والحصيلة تبدو متواضعة جدا وهنا تكمن المفارقة: كيف نفسر هذا التباين بين الخطاب السياسي المستنفر ونتائجه المتواضعة؟  وأين الخلل؟ إنها المعضلة الصعبة التي تطرح اليوم في علاقة بمكافحة الفساد والجواب هو تغييب السياسات العموميّة  بوصفها إطارا شموليا لمعالجة الأزمات وتجاوزها بفاعلية. والسياسات العمومية  les politiques publiques  هو علم مستحدث؛ ظهر في الولايات المتحدة في الستينات وانتشر في أوروبا في السبعينات وهي تصل بين الاقتصاد والعلوم الإدارية والعلوم السياسية ولكن سرعان ما أصبحت مبحثا مركزيا في إطار دراسات العلوم السياسية ومحاورها[1]. وهي تتضمن أكثر من أربعين تعريفا ولكن جلها يجمع على أنها مجموع القرارات والإجراءات والأنشطة المتناسقة والمترابطة والمتفاعلة فيما بينها التي تصدر عن مجموعة من الفاعلين العمومين( acteurs publics) بغية تحقيق أهداف واضحة وفق برنامج عملي.

أما الفساد أو بالأحرى منظومة الفساد بوصفها مجموعة من العناصر المتشابكة فيما بينها التي تشمل مختلف القطاعات والمستويات، فإنها تتطلب بدورها منظومة من الإجراءات والخطط المتشابكة للتصدي لها. وهذا ما شدد عليه تقرير لجنة عبد الفتاح عمر بالقول بأن مكافحة منظومة الفساد يتطلب استراتجيه عامة ومتكاملة[2]؛ علما وإن أشكال الفساد المعترف بها دوليا متعددة ولا تقتصر فقط على استغلال النفوذ لتحقيق أغراض خاصة، فهي تشمل أيضا بحسب إتفاقيّة الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003 الرشوة بجميع أنواعها سواء في القطاعين العام أو الخاص، والمتاجرة بالنفوذ ، واستغلال الوظائف ، والإثراء غير المشروع ، والإخفاء ، وإعاقة سير العدالة بما فيها استخدام  التهديد والترهيب واستخدام القوة البدنية، والمحاباة، واعتماد التصاريح المزورة وغيرها من أوجه الفساد الأخرى.

وبالرغم من الخطوات الجريئة التي تحققت منذ الثورة، فإن الوضع الحالي لمكافحة الفساد مازال يقف على نفس النتيجة تقريبا التي توصلت إليها لجنة عبد الفتاح عمر في 2011 وهي" تشتت الرؤية في مجال مكافحة الفساد ونقص الإطار القانوني وضعف أداء الهياكل وغياب التأطير الفعلي لمشاركة أفراد المجتمع في مجهود الوقاية والردع"[3]. وهي النتيجة نفسها التي نعثر على ترجتمها العلمية ضمن أفق السياسات العامة وتصوراتها وهي أساسا: ضعف الترسانة التشريعية ، تشتت المتدخلين، غياب الإرادة السياسة وغياب ترجمتها.

  • ضعف الترسانة التشريعية

الترسانة التشريعية وهي رأس حربة كل سياسة عامة ترمي إلى تحقيق غاية محددة، فالواضح إنها كانت ومازلت ضعيفة ومهتزة. فقبل الثورة كانت الحصيلة هزيلة جدا وهي تتلخص في ثلاث نصوص تقريبا: هناك أولا الفصل 96 ( ولكنه ليس الوحيد) من المجلة الجزائية والذي شكل مرجعا ومنطلقا لرفع جل الدعاوى التي استهدفت رموز النظام البائد أمام القضاء، غير أن هذا الفصل الذي يعاقب بالسجن كل أشكال الاختلاس والرشوة، وهو نص يعود إلى سنة 1910 تاريخ وضع المجلة الجزائية، لا يبدو انه يشكل أساسا متينا لمكافحة الفساد المستشري في الدولة. وقد ذهب الأستاذ بشير الفرشيشي-  المختص في المادة الجنائية- إلى أن تطبيق هذا الفصل لمحاكمة رموز النظام السابق لم يكن في محله. والنص الثاني يتعلق بالفصل 48 من القانون المنظم لمؤسسات القرض الذي صدر في 2001، وكان يرمي لحماية المعاملات البنكية وما يترتب عنها من فساد بالأموال وتلاعب بها. وهو فصل لا يرمي إلى مكافحة الفساد بقدر ما يرمي إلى حماية النظام المصرفي والبنكي. أما النص الثالث فيتعلق بالاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد والتي صادقت عليها الدولة التونسية سنة 2008 ولكن دون أن تعمل على تنزيلها في قوانينها المحلية.

أما بعد الثورة فقد طرح موضوع مكافحة الفساد بإلحاح وعرفت التشريعات نقلة نوعية[4] ويمكن اعتبار المرسوم الصادر عن الرئيس المؤقت آنذاك فؤاد المبزع في 18 فيفري 2011 بمثابة الأرضية التي مهدت لكل القوانين المناهضة للفساد التي جاءت فيما بعد. غير أن المشكل هو أن القوانين التي تمت المصادقة عليها فيما بعد لم تكن تخلو من ثغرات جمة.

  • فالمرسوم المتعلق بالأموال المصادرة كاد أن يسقط بقرارمن المحكمة الإدارية بحجة عدم شرعيته؛ ذلك أن المراسيم بطبيعتها مؤقتة. وهي تحتاج إلى مدة زمنية وجيزة حتى يصادق عليها البرلمان وتتحول إلى قانون أو يرفضها فتدخل في حسبان الأوامر. وهذا ما لم يحصل بالنسبة للمراسيم التي صدرت في عهد الرئيس المؤقت فؤاد المبزع وجعلها عرضة للإبطال ومدار نقاش قانوني حول طبيعتها القانونية[5] . أما بخصوص المرسوم الإطاري المتعلق بمكافحة الفساد (عدد 120-2011) ، فإنه أحدث هيئة مؤقتة لمكافحة الفساد ولم يشر صراحة إلى حقها في ممارسة السلطة الترتبية. ولكنه أشار إلى أن قرارات الهيئة ذات الصبغة العامة المتعلقة بمجال اختصاصها تنشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية (الفصل 39). وهذه عبارات مبهمة وغامضة : فهل كان المشرع يقصد بالقرارات ذات الصبغة العامة القرارات الترتيبية وهي القرارات التي يترتب عنها أثارا قانونية؟ وإذا لم تكن  هذه القرارات ترتبية فبأي معنى نفهم نشرها في الرائد السمي؟

كذلك بالنسبة لقانون الإبلاغ عن المفسدين وحماية المبلغين ( عدد 10/2017 ) فقد تم حصر الفساد في حالات معينة متجاهلا حالات أخرى: كيف نفسر عدم الإشارة إلى الفساد الذي يحدث على مستوى الصفقات العمومية مثلا. ثم تم حصر قنوات التبليغ وجوبا لهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد التي عليها أن تتخذ التدابير الضامنة لحمایة هويّة المبلغ وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن سبب إقصاء المجتمع المدني والإعلام البديل! لماذا لم تتح الفرصة للمبلغين عن الفساد اللجوء إلى وسائل الإعلام للتبليغ عن شبهات فساد على الأقل في بعض الصور المحددة؟ من ذلك مثلا في حال تجاهل تبليغاتهم أو بعد أن يتم استيفاء جميع المراحل والآجال لدى الهيكل الإداري المختص. أما القانون الأساسي المتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة (عدد 55/2014)، فإنه لم يخص بعقوبة السجن الأشخاص الذين يعطلون النفاذ إلى المعلومة مكتفيا بالعقوبات التأديبية التي تبقى في نهاية الأمر مجرد عقوبات صورية أكثر منها عقوبات فعلية. ولعل مشروع القانون الأساسي المتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة (عدد 302016-) يعد مثالا واضحا عن حالة الثغرات التي تنخر جملة التشريعات التي تمت المصادقة عليها إلى حد الآن. وهي ثغرات أكدتها الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين بعد أن تم الطعن فيها من قبل مجموعة من النواب المعترضين؛ إذ أقرت بعدم دستورية الفصل 33 وما تبعه من تنصيص عليه بالفصلين 11 و24 من المشروع نفسه[6].

  • تشتت الفاعلين او المتدخلين

يعتبر الفاعلون(les acteurs)  مفهوما مركزيا في السياسات العامة وعادة ما يتم توزيعهم إلى أصناف: هناك الفاعلون التقليديون مثل رئيس الجمهورية والوزراء والبرلمان وأجهزة القضاء. والفاعلون الجدد وهم الموظفون السّامون والإدارة والأحزاب السياسية وزعماء الرأي والسياسة والخبراء وجماعات الضغط والشبكات الاجتماعية . وهناك الفاعلون العرضيون أو غير المختصين les profanes) (: وهم الفاعلون الذين يتدخلون في القرار السياسي بصورة عرضية دون أن يكونوا من طائفة السياسين أو الخبراء أو حتى المناضلين[7].  وعلى أية حال فإن المتدخلين في مكافحة الفساد في تونس كثر وهم أساسا الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهي هيئة مؤقتة في انتظار الهيئة الدستورية الدائمة والقطب القضائي والمالي وهو يعاني من صعوبات جمة سواء على مستوى الإمكانيات المتاحة أو على مستوى نظامه وأساسه القانوني ودائرتي المحاسبات والزجر المالي وتمارسان رقابة لاحقة ولجنة التحكيم والمصالحة المنبثقة من صلب هيئة الحقيقة والكرامة وتجد صعوبة في تعامل السلطة التنفيذية معها بايجابية والهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين والتي باتت في حكم الاحتضار في انتظار المحكمة الدستورية الدائمة المرتقبة والمحكمة الإدارية والهيئات الرقابية للمال العام الموجودة صلب بعض الوزارات ولكنها تفتقد الاستقلالية والقدرة على التحرك التلقائي والإرادي. (وهي هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية التابعة لرئاسة الحكومة وهيئة الرقابة العامة للمالية التابعة لوزارة المالية وهيئة الرقابة العامة لأملاك الدولة والشؤون العقارية) التابعة لوزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، ولجنة التحاليل المالية التابعة للبنك المركزي فضلا عن منظمة الشفافية الدولية وهي تصدر تقريرا سنويا لمؤشر الفساد في العالم ومختلف الجمعيات الوطنية مثل أنا يقظ. بطبيعة الحال هناك فاعلون أو مؤسسات ورثناها عن النظام القديم ولكن مُتدخّلين كثر برزوا بعد الثورة. وهذا أمر ايجابي،  ولكن المشكل من زاوية السياسات العامة هو عدم خضوع كل هؤلاء الفاعلين إلى شبكة من العلاقات المتداخلة والمتفاعلة ضمن أفق عقلاني كما يقول بيار مولر Pierre Muller [8].

وهو الأمر الذي أشارت إليه لجنة عبد الفتاح عمر عندما شددت على الحاجة إلى الالتزام بثلاث مبادئ أساسية: مبدأ التشارك الذي يفترض عدم إلغاء الهياكل القائمة وباقي المتدخلين ولا تعوضهم، بل تجمعهم وتنسق تدخلاتهم وتعززها ومبدأ التكامل الذي يقضي بتوفير إطار لتبادل الخبرات والمعلومات والحوار بين مختلف المتدخلين ومبدأ الشمولية الذي يقضي التدخل في الجانب الوقائي والجانب الزجري فضلا عن التعاون الدولي[9] ، غير أن الواقع يكشف عن توتر في العلاقات بين مختلف الأطراف المتدخلة وغياب التنسيق والتواصل فيما بينهم. والنتيجة باختصار أن تعدد الفاعلين قد أدى إلى اختلاف الرؤى في تحديد الجهة المتدخلة لمكافحة الفساد والجهة المعنية  بالفساد، فضلا عن تباين الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك. فهناك من يتحدث عن الفساد وفي ذهنه النظام البائد، وهناك من يتحدث عن الفساد وفي ذهنه حقبة الترويكا، وهناك من يتحدث عن الفساد وفي ذهنه الأحزاب السياسية، بل هناك من لم ير في الفساد إلا ما يشاع من اتهامات حول هيئة الحقيقة والكرامة والتي بدورها مكلفة بمكافحة الفساد .

ويعتبر مشروع المصالحة الذي بادرت بتقديمه رئاسة الجمهورية، دليلا واضحا على هذا التخبط بين المتدخلين. إذ  لم تستشر فيه رئاسة الجمهورية لا هيئة مكافحة الفساد ولا هيئة الحقيقة والكرامة.  وهو يلقى معارضة شرسة من أحزاب المعارضة والمجتمع المدني، بل ومن الفاعلين الدوليين، على غرار منظمة الشفافية الدولية والبرلمان الأوروبي. وقد اعتبرت "ايفا جولي" نائبة رئيس لجنة التحقيق بالبرلمان الأوروبي بأن حجج المدافعين عن قانون "المصالحة الاقتصادية" سخيفة للغاية"[10]. وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع قانون الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد حيث "لم يتم الحصول على الرأي المسبق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد". وقد صرح شوقي الطبيب في هذا الصدد إلى أن المصادقة على قانون هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد شكل خيانة للدستور وهو ما يجعل  العلاقة بين شوقي الطبيب والهيئة التي يشرف عليها من جهة والبرلمان والحكومة من جهة أخرى متوترة  ، وهو ما يقوم دليلا على غياب الرؤية الواضحة وتباين رؤى المتدخلين.  هذا التخبط على المستوى القانوني يعكس في الحقيقة تخبطا على المستوى السياسي ، يتضح من خلال غياب الإرادة السياسية وغياب ترجمتها.

  • تذبذب القرار السياسي

ظهر التردد  من خلال التأخير في تقديم مشاريع القوانين من قبل الحكومة في مرحلة أولى وتعطيلها داخل مجلس النواب في مرحلة ثانية. فمشروع قانون حماية المبلغين مثلا،  لم يتم إحالته من قبل حكومة الشاهد إلى البرلمان إلا بعد 7 أشهر من توليه زمام الحكومة. والحال أنه كان جاهزا منذ حكومة الحبيب الصيد، كما يظهر هذا التردد  من خلال جملة من مشاريع القوانين التي تقدمت بها الحكومة وصادق عليها البرلمان رغم مخالفتها للدستور، وهو ما أكدته الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين في أكثر من مناسبة[11].  ويتضح  ايضا من خلال حصر جل صلاحيات هيئة  الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد في بعدها الاستشاري والاعتباري، وهو ما أثار حفيظة رئيس هيئة مكافحة الفساد الحالية الذي أصدر أكثر من بيان في هذا الخصوص طالب فيه نواب الشعب بالالتزام بأحكام الدستور والاعتراف بحق الهيئة الجديدة في ممارسة صلاحيتها كاملة[12]؛ مشددا على أن القانون وقع إفراغه من محتواه لاسيما بعدما تم تجريد الهيئة من حقها في ممارسة السلطة الترتبية في مجال اختصاصها[13]. فبالرجوع إلى القانون الأساسي المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها مثلا، وعلى سبيل المقارنة، يبدو الاعتراف بالسلطة الترتبية لهيئة الحقيقة والكرامة واضحا؛ فقد جاء في الفصل 63 على وجه الخصوص: "يعطي هذا القانون للهيئة سلطة اتخاذ القرارات لتسيير مختلف مهامها وانجازها، وكامل الصلاحيات للقيام بواجباتها المنصوص عليها بهذا القانون".  كما اتضح  التردد غياب  من خلال الامتناع إلى حد الآن عن القيام بما يلزم من إصلاحات على مستوى منظومة قاضي التحقيق ودور النيابة العمومية ومراجعة دورالشرطية العدلية بما يجعلها شريكا في مكافحة الفساد .

مشروع  قانون المصالحة الوطنية مرة أخرى هو  دليل على غياب الإرادة السياسية لمكافحة الفساد. وقد صرح المكلف العام بنزاعات الدولة لزهر الجويلي  بعدما اعفي من مهامه في  28 أفريل 2017 إلى أن الحكومة لا تتعاطى بشكل جيد مع ملف استرجاع الأموال المنهوبة وان هناك تعطيلا كبيرا في مسارات مكافحة الفساد[14]. أما حملة يوسف الشاهد على الفساد التي انحصرت في اعتقال بعض رجال الأعمال وبعض المهربين وحجز ممتلكاتهم، فهي دليل آخر على حالة التخبط بين مختلف المتدخلين وغياب الإرادة السياسية الحقيقة في مكافحة الفساد بصورة عقلانية وجذرية، فقد كشفت هذه الحملة وبقطع النظر عن نتائجها المتواضعة عن نقيصتين أساسيتين:

اللجوء إلى قوانين استثنائية خارج الترسانة القانونية التي وضعت منذ الثورة وإلى اليوم خصيصا لمكافحة الفساد. وهو ما يجعلنا نتساءل عن جدوى صياغة القوانين إذا كانت هناك طرق أخرى لمكافحة الفساد قد تكون أكثر نجاعة. والعمل بشكل منفرد خارج أيّة إستراتجية متكاملة ومترابطة مع مختلف الأطراف المعنية بالموضوع. فظهرت الحرب وكأنها سياسة شخص وليست سياسة دولة وهو ما جعلها عرضة لوابل من النقد والتشكيك، بل واتهام رئيس الحكومة بتصفية حساباته مع خصومه والانحناء إلى إملاءات اتحاد الأعراف والتجارة والصناعات التقليدية بوصفه المستفيد الأبرز من حملات مقاومة التجارة الموازية والتصدي للتهريب.

مقاومة الظاهرة  وسُبل  النّجاعة

للانتقال من الخطاب الى الممارسة ومن النظرية الى الفعل،  لابد من اجتراح برنامج بوصفه مفهوما مركزيا في السياسات العامة، يمثل  جملة الخطوات الأساسية التي من شأنها أن تفضي نجاعة اكبر على مكافحة الفساد وذلك مثلا من خلال :

- تجديد المناهج المدرسية والجامعية بما يضع مكافحة الفساد في قلب العملية التربوية .

-إلزام الإدارة بما يجب من مدونات السلوك ومناهج التصرف الرشيدة في المال العمومي

-تجديد الخطاب الديني في المساجد وربطه بمكافحة الفساد ضمن أفق وطني ومجتمعي إصلاحي يأخذ بثنائية الخير والشر ويتجاوزها بما يحقق التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي. ولعل هذا ما قصده تقرير لجنة عبد الفتاح عمر بالقول إلى أن مقاومة الفساد يبقى محدودا ما لم يتزامن مع الوقاية منه وتغيير ما ترسخ في العقول وما شاب الأخلاق من استخفاف وزيغ[15].

-التصدي إلى أي نوع من أنواع الخطاب المتهاون مع الفساد والمبرر لوجوده بشتى الذرائع في محاولة لتمييع الموضوع والاستخفاف بخطورته فضلا عن ضرورة تشريك للمجتمع المدني واعتباره شريكا حقيقيا في الحرب على الفساد، كما ينبغي العمل على إصلاح المؤسسات الإعلامية وما اتصل بها، فلا يمكن محاربة الفساد بإعلام فاسد وصحافة فاسدة وأحزاب فاسدة. وهنا لابد من الإشارة أيضا إلى الحاجة الملحة إلى هيكل تنسيقي جامع  لمختلف الأطراف المتدخلة، ويوحد الرؤى والاستراتجيات والسياسات.

الدّكتور شاكر الحُوكي

عن مركز الدراسات الاستراتيجية  

 

[1] Pierre Muller, Les politiques publiques, 10e éd., PUF , p  3

[2] عبد الفتاح عمر رئيس اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد، تقرير لجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد ، ص3

[3] وهي لجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد وعرفت اختصارا بلجنة عبد الفتاح عمر وتم إحداثها بمقتضى المرسوم عدد 7 لسنة 2011 المؤرخ في 18/2/2011، تقرير، ص317.

[4] الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، مجموعة النصوص القانونية المتعلقة بمكافحة الفساد، مركز الدراسات والتكوين والمعلومات حول مكافحة الفساد، تونس 2017.  أما النصوص فهي على التوالي :

[5] https://www.facebook.com/LigueDesElectricesTunisiennes/posts/619425224793564

[6] قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 2017/04 بتاريخ 8 أوت 2017 المتعلق بمشروع القانون الأساسي عدد 2016/30 المتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة.

[7]"Le profane est le non politique, le non expert et le non militant", https://cours.unjf.fr/repository/coursefilearea/file.php/162/Cours/02_item/indexI0.htm

[8] Pierre Muller, Les politiques publiques, 10e éd., PUF , p . 18

[9]  تقرير اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الفساد والرشوة 2011، صص 318-319

[10] https://www.babnet.net/rttdetail-142308.asp

[11]قرار الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين عدد 03/2016 بتاريخ 21 جوان 2016 المتعلّق بالطعن في دستورية مشروع القانون عدد 57/2015 المتعلق بسنّ أحكام استثنائية لتسوية وضعيّات الاستغلال غير القانوني لمقاطع الحجارة الرخامية التابعة لملك الدّولة الخاص.

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ، بيان مجلس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد،  تونس 14 افريل 2017 [12]

[13] بيان  رئيس هيئ مكافحة الفساد بتاريخ 11/ 7 /2017

[14] https://nawaat.org/portail/2017/05/09 المكلف-العام-بنزاعات-الدولة-جهاز-تحت-ه//

[15]  التقرير ، مرجع سابق، ص 4

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك