القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مميزات الوضع السياسي في تونس، الأزمة الحقيقية: الجذور وآفاق الحلول

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-26 10:40:00 | 428 مشاهدة

                                       

المقدمة:

يعتقد بعض المتابعين لتطورات الشأن السياسي الوطني في تونس أن الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد حاليا قد انطلقت منذ بروز الخلاف بين شركاء الحوار في ما يعرف بمسار قرطاج 2 حول النقطة 65 من الوثيقة التي كان من المفترض أن تصدر عن ذلك الحوار وتلتزم فيها الأطراف المشاركة فيه تحت رعاية رئيس الجمهورية.

علما وأن ذلك الحوار قد ضم (5 أحزاب و 4 منظمات وطنية) وهي النداء والنهضة والاتحاد الوطني الحر والمبادرة والمسار والاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الأعراف واتحاد الفلاحين واتحاد المرأة.

وتعود جذور الأزمة إلى ما قبل الثورة وتشكّلت بعد الثورة في أشكال مختلفة وأطوار متعددة. ومنذ 2014 بدأت ملامح الأزمة الحالية تتبلور وتتطور صعودا ونزولا دون أن نصل إلى المعالجة الحقيقية التي من شأنها الانتقال الحقيقي إلى تحقيق انتظارات الثورة وتلبية مطالب أوسع الفئات والقطاعات خاصة تلك الاقتصادية والاجتماعية .

  1. تقدير خارجي وتعطيل داخلي:

ينظر المتابعون إلى الثورة التونسية وما تبعها من إرساء التجربة الديمقراطية من زاويتين مختلفتين: - زاوية خارجية تعتبر التجربة التونسية استثناءا ناجحا في  طفرة الثورات الحاصلة في بلدان الربيع العربي خاصة من خلال اعتماد تجربتي الحوار والتوافق الوطنيين. – زاوية داخلية لم تتجاوز بشكل حقيقي حالة التجاذبات والصراعات الحزبية الضيقة ذات الطابع الأيديولوجي أساسا واعتماد سياسات التعطيل وخلق المطبات والعراقيل أمام كل محاولات إنجاز المشاريع التنموية وتحقيق كل متطلبات الانتقال السياسي الديمقراطي والاقتصادي الاجتماعي التنموي. وهذه الزاوية الداخلية تنم عن حالة بؤس سياسي حقيقي ومتواصل.

  ومن آخر حلقات هذه الوضعية البائسة حلقة الفصل 64 من وثيقة قرطاج 2 وأزمة ما يعرف بالتغيير الحكومي الجزئي أو الكلي. وهي حلقة ذات علاقة مباشرة بآفاق الاستقرار السياسي والتوافق الوطني وإنجاز الإصلاحات الملحة للخروج من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي أصبحت تهدد التوازنات المالية للبلاد وتخنق شروط النمو والتنمية الاقتصاديين وتكبل كل الجهود الخاصة بالتشغيل والاستثمار والتنمية الجهوية ومعالجات مسائل القروض والتضخم والتراجع المتواصل للدينار وتدهور القدرات الشرائية للمواطنين.

هذه الحالة الداخلية المتأزمة تجعلنا نطرح أهم الحلقات أو الدوائر المؤثرة منها مراجعات وإصلاحات عميقة وضرورية.

تتميز تونس بوجود ثلاث دوائر مؤثرة وعميقة هي دوائر الدولة والأحزاب والمجتمع المدني.

  1. دائرة الدولة: دولة معطلة وإدارة عميقة:

بالرغم من كل ما يقال عن بناء دولة وطنية حديثة خاصة في العهد البورقيبي، فإن عدة عناصر جعلت كيان الدولة مزعزعا وأسس بنيانها غير متين. ومن هذه العناصر الجهوية وسيطرة الحزب الواحد الفعلي والزعيم الأوحد والتداخل بين الحزب الحاكم وأجهزة الدولة والغياب التام للديمقراطية السياسية والاعتماد الكلي على الأمن والبوليس السياسي وغياب سياسة تنموية جهوية رشيدة وعادلة مع تهميش جل مناطق الداخل الغربي من الشمال إلى الوسط والجنوب. لذلك وجدت ما يشبه القطيعة بين المواطن والدولة. هذا وقد استفحلت أزمة أو محنة الدولة في عهد المخلوع بن علي. لقد كان نظام بن علي ينظر للدولة أكثر مما ينظر للمجتمع وتشكلت نواة مجموعة مافيوزية أخذت تتحكم في أجهزة الدولة ومؤسساتها واستفحلت السياسة الأمنية الخانقة وحوصرت كل المعارضات حتى الموالية منها. وأخذت مافيا عائلة المخلوع وعائلة زوجته تنهش اقتصاد البلاد وتضرب الطبقة الوسطى وحوصر رجال الأعمال ودمرت مؤسسات الدولة بما يعرف بالحكم الموازي المتربع في قصر قرطاج من خلال المستشارين وأفراد العائلتين المتصاهرتين واستفحلت ظواهر الرشوة والمحسوبية وبرزت المبايعات والمناشدات وتحول حزب التجمع ومجلس النواب إلى هياكل تعبئة لنظام الطاغية والوزارات إلى دوائر تنفيذ لرغبات الجنرال وأخطبوط العائلتين أصولا وفروعا.

بعد الثورة وصلت إلى الحكم نخب غير ذات تجربة فورثت دولة معطلة وهكذا بقيت محنة الدولة قائمة، ولا معنى لمصطلح الدولة العميقة في تونس. إذ لا توجد دولة عميقة ولكن هناك بالفعل إدارة عميقة. ولذلك بقيت الإدارة حاضرة بعد الثورة وهي التي تكفلت عمليا بإدارة الشأن العام. ومع الأسف الشديد، استمرت محنة الدولة عندنا حيث أنه بالرغم من مرور سبع سنوات على الثورة، تواصل تكون مجموعات وبؤر مخترقة لأجهزة الدولة. ومن المهم الإشارة إلى بعض هذه البؤر والمجموعات ذات علاقة بأطراف وقوى خارجية دولية وإقليمية، وهي غير قادرة على استلام الحكم لكنها قادرة على التعطيل. ومع ذلك تشعر بأنه ليس لدى النخبة انطباع حقيقي واقتناع فعلي بوجود أزمة الدولة رغم أن هذه الدولة مفككة ومعطلة مركزيا وجهويا وفي كل وزارة هناك مجموعات ضغط وبؤر فاسدة ومؤثرة. إن الذي سوف يتولى الحكم في 2019 سوف يجد نفسه في مواجهة هذه العوائق المؤثرة وهذه القوى المعطلة داخل الدولة. وسوف يقدر نجاحه بأقدار مدى استعداده ومدى نجاحه في التصدي لهذه البؤر والقوى وإنجاز الإصلاحات الضرورية الملحة لأجهزة الدولة ومؤسساتها.

  1. دائرة مجتمع الأحزاب: قوة وحيدة منظمة ووسط سياسي فارغ:

لو أردنا في كلمة موجزة نصف بها حالة خارطة مجتمع الأحزاب في تونس لقلنا إنه مجتمع الفوضى بامتياز. بداية نشير إلى أنه لا توجد ديمقراطية في العالم تشكو حالة فراغ في ما يعرف بأحزاب الوسط. لا ديمقراطية حقيقية "وسطها" السياسي مفقود أو فارغ. وبالنسبة إلى تونس لم ننجح إلى حد الآن في تشكيل وسط سياسي قوي. صحيح أن النهضة انتقلت فعليا من اليمين إلى الوسط، لكنها تبقى في التصنيف السياسي حزبا محافظا أي من أحزاب اليمين. إن غياب حزب وسطي حقيقي (أو أحزاب وسطية حقيقية) غير مفيد للبلاد وكذلك لحزب حركة النهضة، باعتبار ضرورة وجود قوى وسطية لخلق التوازن. يرى الكثير من الملاحظين في الخارج (خاصة) والداخل أنه هناك اليوم في تونس طرف وحيد قوي موجود وفاعل هو النهضة، وتتحرك أمامه وحوله حالة من الفوضى حيث يوجد أكثر من مائتي حزب أغلبها على الورق وغير ذات عنوان، منها فقط أحزاب تعد على أصابع اليد الواحدة أو في أقصى الحالات أصابع اليدين يمكن أن تكون أساسية في المشهد الوطني.

لقد تصورنا أن نداء تونس يمكن أن يكون حزب توازن وربما حزب وسط حين جمع في صفوفه دساترة وتجمعيين ويساريين ونقابيين. لكنه أخذ يتشظى وينقسم إلى مجموعات بلغت الخمسة وانقسمت كتلته النيابية بين ثلاث كتل مع آخرين أصبحوا "مستقلين". إن انقسامات النداء إلى جانب ضعف باقي القوى السياسية وحصول انقسامات أخرى أقل تأثيرا جعلت المشهد السياسي الوطني فضائحيا. وإن النهضة في حاجة إلى طرف قوي يحدث التوازن ويمكن أن يكون شريكا أو منافسا قويا، لكن انقسامات النداء وسيطرة الصراعات داخل أجزائه المنقسمة وحتى داخل الجزء الأقوى منها جعل التوازن مفقودا والشراكة مزعزعة. كما أثبتت التجربة أن التوافق كان فعلا بين "الشيخين" ولم يتغلغل في الحزبين وداخل القواعد بالرغم من سرعة استجابة النهضة لعنوان التوافق في مؤتمرها العاشر. وهي استجابة نابعة من نضج الحركة ومن شعورها بضرورة المصالحة وأولوية المصلحة الوطنية والاستقرار. لكن تبني النهضة للتوافق بقي بالرغم من كافة الجهود القيادية بارزا في المستوى الرسمي للحركة (الهياكل والمؤسسات القيادية). أما في صفوف النداء، فقد ظل التوافق حبيس فكرة الاضطرار ومقياسه الوحيد هو مدى الاستفادة من الشراكة مع النهضة حكوميا وبرلمانيا لصالح النداء أساسا. وبقيت القواعد بعيدة عن الاقتناع بأهمية التوافق في حين أن باقي الأجزاء المنبثقة عن النداء الرسمي بنت مشروعيتها أساسا على "معاداة" النهضة ومعارضة التوافق بالرغم من مشاركتهم جميعا لحظة إرساء التوافق بين "الشيخين" وبين "الحزبين" عند تأليف حكومة الحبيب الصيد. أما بالنسبة إلى الأطراف الحزبية الأخرى نجد في المقام الأول الجبهة الشعبية، وهي عبارة عن إطار لقاء إيديولوجي وهي بعيدة جدا عن الفعل السياسي بالرغم من قدرتها على "التشويش" على المشهد. إن السياسة قراءات لموازين القوى ولمتطلبات الحياة الوطنية وتنازلات ضرورية للتفاعل مع تطورات الواقع. ولكن الجبهة الشعبية بقيت متمسكة بقوالب الشعارات وبسياسة "الرفض". ولعله من المهم الإشارة إلى نجاح للقوى المشكلة للجبهة الشعبية رغم كل شيء في الحفاظ على وحدتهم داخل الجبهة لأن هناك فعلا البعض الذي يعتقد أن مآل الجبهة هو التفرقع لا محالة وهي المكونة من أحزاب وتيارات جوهرها أيديولوجي ولكل من هذه الأحزاب والتيارات أيديولوجيات مختلفة (ماركسية ماوية أو اشتراكية،وقومية بعثية أو ناصرية.. ) وحتى الحقوقية (رابطة حقوق الإنسان، عمادة المحامين). كذلك نجد حزب التيار الديمقراطي، وهو حزب جديد ناشئ من انقسامات حزب المؤتمر، وهو يركز خطابه على انتظارات الثورة، ويحاول جذب "الغاضبين" من أحزاب اليمين واليسار على حد السواء، وباعتماد خطاب "شعبوي" معارض تجاه مختلف الأطراف حكومة وأحزابا على حد السواء أيضا. ولكن مشكلة التيار الشعبي كمشكلة الجبهة الشعبية غياب البديل من ناحية وضعف الانتشار من ناحية ثانية.

هكذا يعتقد الملاحظون أن الطرف الكبير الوحيد الذي يمارس السياسة فعلا وله رؤية استراتيجية واضحة هو حزب حركة النهضة. وهكذا تبدو الدائرة السياسية شبه فارغة وبالتأكيد متأزمة. إنه مشهد حده الطارد هو الفوضى وحده الجاذب هوالعدمية. هذه نظرة متشائمة لكنها واقعية. للأسف الشديد نلاحظ أن تونس السياسة ما بعد الثورة هي حلقات متواصلة من إنتاج وإعادة إنتاج الأزمة مع الإلحاح على أن الأطراف "المشتغلة" على "التأزيم" ليس لها تصور للحل وليس لديها إرادة التجاوز ولا القدرة على الإنجاز. الكل متفق على حقيقة ثابتة، وهي أن تونس لن ترجع إلى نصاب القمع والاستبداد. لذلك لا بد أن يقع الجذب باتجاه الفضاء الديمقراطي وأن يقع الفرز مستقبلا على أساس النجاعة والواقعية السياسيتين للاقتراب أكثر من فضاء الحكم. لكن الطاغي على الساحة السياسية هو المراوحة بين "معارضة" النهضة (في ظل حكم الترويكا) سابقا ومن هم خارج دائرة التوافق حاليا) أو البحث عن التعاون معها. إن هؤلاء يوجدون عمليا في مربع الحكم، لكن مشكلتهم ليست الحكم وإنما النهضة بعدما يئس الجميع من إزاحة النهضة من المشهد. والحال أن النهضة حرصت كثيرا على تحسين مقبوليتها، ونجحت في اختراق الكثير من القواعد الشعبية لكنها بشكل عام فشلت مع النخبة بالرغم من بعض النجاحات المعتبرة في الانفتاح على المستقلين في الانتخابات البلدية، ولكنهم مستقلون لا ينتمون للجزء المعادي لمشروع النهضة ضمن النخبة أو التي يشار إليها تحت مسمى النخبة "العلمانية" أو النخبة "الفرنكفونية" أو النخبة "التحديثية"؟! وإن ما يجري حاليا يؤكد أن النهضة مازالت وحدها ولكنها أيضا الوحيدة القوية والمؤهلة لتولي الحكم اعتمادا على قواها الذاتية وطبعا بالشراكة مع من يقبل التعاون معها لو استمرت سياسة التوافق بقطع النظر عن الأطراف المتوافق معها. فكل مجهودات النهضة في مستوى أفق المقبولية وكافة مجهوداتها في المراجعات والتجديدات الفكرية والسياسية (التخصص/ الانفتاح/ التأكيد على التلازم والترابط بين بعدي الهوية والأصالة من ناحية والحداثة والمعاصرة من ناحية أخرى لا يقيم إلا سلبيا من طرف المجتمع الحزبي والنخبة. وإن انتخابات 2019 في الأفق القريب، وسوف يقومون بكل ما يستطيعون لتأجيلها أم الالتفاف عليها، بالرغم من حرص القوى الخارجية الداعمة للتجربة الديمقراطية التونسية على إنجاز انتخابات 2019 في موعدها.

ما يعيبه بعض الملاحظين على حركة النهضة أنها عارضت النقطة 64 من وثيقة قرطاج 2. مما زعزع بعض الشيء من علاقتها مع رئيس الجمهورية ومع حزب النداء، فالشاهد رغم كل شيء هو ابن النداء ومرشح رئيس الجمهورية لرئاسة الحكومة، وإذا بالرئيس والنداء يرون أن النهضة هي التي وقفت في وجه تنحيتهم له (؟!). الملاحظة الثانية التي يقيمها بعض الملاحظين سلبيا في سياسة حركة النهضة حاليا، هي الرأي الصادر عن مجلس الشورى المنعقد أخيرا (25 و 26 أوت 2018) بخصوص موضوع المبادرة حول المساواة في الميراث، فبكل تأكيد هو موقف مبدئي وصحيح ومنتظر. ولكن التوقيت واللغة غير موفقين. كان يمكن للنهضة أن تواصل سياسة انتظار وصول المبادرة إلى البرلمان لتتعامل معها كمبادرة تشريعية وتبدي رأيها سواء من حيث المبدأ أو من حيث الجزئيات والتفاصيل. كما أن اللغة التي وقع التعبير بها حول الموضوع كانت أقرب منها للخطاب الديني "الأصولي" منها إلى الخطاب السياسي "التخصصي" مع ترك المجال للمرجعيات الدينية والمجتمعية ذات الصلة بالدخول إلى الأبعاد الدينية البحتة والثقافية والمجتمعية للمسألة.

لقد كان تحرك 11 أوت 2018 المجتمع أمام مقر مجلس نواب الشعب مهما جدا وموفقا جدا، وكان يمكن ترك موقف النهضة إلى حين طرح المبادرة في أروقة مجلس النواب. لقد شوش موقف مجلس شورى الحركة على ملف التغيير الحكومي وعلى الملف الاقتصادي والاجتماعي وأعاد إلى الواجهة صراعات الهوية والتجاذبات الأيديولوجية التي نعتقد أن الدستور قد حسمها بالرغم من محاولات تأويل الدستور في غير ذات الاتجاه.

طبعا، يمكننا إيجاد مبررات لضرورة إصداع النهضة بموقفها من الموضوع دون تأجيل ودون مواربة. وبالفعل، هناك عشرات الآلاف من قواعد الحركة ومن حزامها الانتخابي، كانوا ينتظرون على أحر من الجمر موقف الحركة وهم الذين صدموا من التعرض بشكل حاد وجاف إلى قضايا ومسائل لها زوايا وأبعاد دينية وثقافية ومجتمعية، بل ووصل الأمر إلى الإعلان عن أن مرجعية دولتنا هي الدستور فقط، مع التأكيد على أنه "لا الدين" و "لا القرآن" من مرجعياتنا، علما بأن الدستور بالذات يؤكد في فصله الأول على أن الإسلام دين الدولة كما تؤكد التوطئة وفصول أخرى على أهمية الهوية العربية الإسلامية وعلى أهمية المرجعية الإسلامية بالنسبة إلى شعبنا وإلى بلادنا. إنها حقيقة قراءة غير موضوعية وغير سليمة للدستور حيث غلب عليها البعد الانتقائي مع ما في هذا الانتفاء من خطأ في "التأويل" وخطأ في "التنزيل".والغريب حقا أن رئيس الجمهورية، وهو صاحب المبادرة، كان قد اشترط عند تكوينه لجنة الحقوق الفردية والمساواة ضرورة عدم المس بمقاصد الإسلام وعدم صدم المشاعر الدينية للشعب.

والآن، إلى أين تسير حركة النهضة؟ نعتقد أن هناك أمام الحركة استراتيجيتان:

  • الأولى: على النهضة أ، تمارس الحكم حسب حجمها، وحجمها يدفعها إلى أن لا تبقى خلف الستار (أو في الظل كما يقولون). عليها أن تتولى الحكم حسب مقررات الإرادة الشعبية (صندوق الاقتراع). إن ممارسة الحكم عبارة عن رغبة وقدرة، وعلى حركة النهضة تنمية رغبتها لتوافق مدى قدرتها. إنها حركة مؤهلة للحكم  وليس للعمل الثقافي أو الخيري. هي تحكم بالقوة وعليها أن تحكم بالفعل. وبعد هذه السنوات السبعة من الثورة أصبح ممكنا ومتاحا للنهضة أن تحكم سواء بمفردها أو مع غيرها. على النهضة الترشح في استحقاقات 2019 للمنافسة على القصبة وباردو وقرطاج. هذه الاستراتيجية الأولى والطبيعية بالنسبة إلى حزب قوي وفاعل ومؤثر.
  • الاستراتيجية الثانية: مواصلة الحكم من خلال صيغة تشابه التوافق الحالي، وربما بحجم أقل حكوميا وبرلمانيا مع التركيز أكثر على الحكم المحلي. هذه الاستراتيجية تنطلق من اعتبار أن مخاطر التعطيل ومناورات الداخل والخارج ماتزال قائمة ومؤثرة وأن "العداء" للنهضة مازال مستفحلا لدى "النخبة" ولدى أغلب الأحزاب وربما أيضا داخل الإدارة العميقة. وفي كلتا الحالتين أصبحت المشاركة في الحكم اليوم بالنسبة إلى النهضة واجبا وطنيا ومسؤولية مجتمعية لا يمكنها التخلي عنها.

وتبقى أجندة وحدة الحركة مسألة ذات أولوية في آفاق مؤتمرها الوطني الحادي عشر.

  1. دائرة المجتمع المدني:

هذه الدائرة الثالثة تمثل الحلقة الأخيرة ذات التأثير على الحالة السياسية. وبالرغم من  محدودية تأثير هذا "المجتمع" مقارنة بالدولة وبمجتمع الأحزاب، فإنه يبرز بحضوره اللافت والنشيط خاصة بعد الثورة. ومن المهم التأكيد على أن المجتمع المدني لا يعبر بالضرورة عن اتجاهات الرأي العام الوطني التونسي بالنظر إلى سيطرة النخب عليه وإلى "توظيف" الكثير الكثير من مكوناته الجمعياتية، خاصة تلك القريبة من التوجهات التي تعتبر نفسها "حداثية" و "علمانية".

نجد بداية ما يمكن اعتباره "المجتمع المدني التقليدي" ونقصد به هذه الجمعيات النشطة في مجالات متنوعة لكنها تلتقي عموما في حقل تماس مع "السياسة". وكم تسمع لهذه الجمعيات جعجعة في أكثر الأحيان في مواجهة الحكم أيام الترويكا أو في ظل التوافق مستهدفة بشكل خاص حركة النهضة.

لكن أبرز أطراف المجتمع المدني هي بكل تأكيد المنظمات الوطنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل، هذا الطرف والشريك الاجتماعي الوطني البارز منذ حقبة الكفاح التحريري وطوال عقود الدولة الوطنية (دولة الاستقلال). يتميز اتحاد الشغل بالمزج بين البعدين النقابي الاجتماعي والسياسي الوطني. وهو قوة توازن حقيقية مع السلطة السياسية. منذ السبعينات أصبح الاتحاد العام التونسي للشغل يتميز بتعايش جيلين في صفوفه: جيل "النقابيين" الصرف (وأبرز مكوناته ما يعرف بالتيار العاشوري)، وهو جيل تشكل مخياله من المشاركة في الكفاح التحريري والمساهمة في بناء الدولة الوطنية، وجيل من "اليساريين" الوافدين خاصة من الحركة الطلابية وتشكل مخياله من النضال السياسي.

هذا التعايش مثل قوة اتحاد الشغل وقوة تأثيره على الساحة الوطنية، لقد خاض اتحاد الشغل مع المناضلين السياسيين معارك الحريات والعدالة الاجتماعية، وكان المظلة الحقيقية للقوى الديمقراطية. والمطروح على الأحزاب السياسية، وعلى حركة النهضة بشكل خاص، الانتباه إلى ما يلاقيها مع المنظمة الشغيلة. إن من أهم مجالات التلاقي مع اتحاد الشغل قضايا الدفاع عن استقلال البلاد وعن الديمقراطية وعن النظام الجمهوري إلى جانب تخندقه في مسار ما يعرف بالديمقراطية الاجتماعية. إن كثافة الحضور اليساري في صفوف هياكل الاتحاد لا تعني أبدا كثافة امتداد اليسار في صفوف القواعد، هذه القواعد التي هي أقرب للفئات الاجتماعية الشعبية والطبقة الوسطى، وهي نفس الحزام الانتخابي لحركة النهضة.

إن على حركة النهضة في هذا المجال التمايز بوضوح عن الطروحات الليبرالية المشطة والاختيار الواضح وهو ما عبرت عنه نصوصها للاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي يمثل ركيزة للتنمية الوطنية المستدامة وللعدالة الاجتماعية. كذلك نجد في المجتمع المدني التونسي اليوم قوى جديدة ناشطة وأخذت تبرز بقدراتها التأثيرية التي تنمو باضطراد، وأبرز هذه القوى ما يسمى بشباب الثورة (ومن أهم مكوناته شباب الفيسبوك خاصة والأنترنت عامة) وكذلك ما يسمى بالمجتمع المدني المحافظ، أو المجتمع الأهلي، الذي أخذ يلم شتاته ويعبر عن مواقفه خاصة فيما يتعلق بقضايا الهوية والانتماء والثقافة، وتعتبر تظاهرة 11 أوت 2018 أمام قبة البرلمان بمثابة إعلان ولادة هذا المجتمع.

الخاتمة:

في خاتمة هذا التقدير، من المهم الإشارة إلى تأثير "الخارج" على المشهد السياسي الوطني. لقد ذكرنا بأن أغلب مكونات المحيطين الإقليمي والدولي مساندة للتجربة الديمقراطية التونسية ومعجبة بنجاحها في السير قدما وبثبات لإنجاز الانتقال الديمقراطي وفتح الآفاق للانتقال التنموي، لكننا أشرنا أيضا إلى وجود قوى إقليمية ودولية لا تريد النجاح  للتجربة التونسية وتعمل بكل ما في وسعها لعرقلتها و "إفشالها". هذه القوى تستغل كل الأطراف الداخلية المتعاونة معها وخاصة تلك الناشطة في مجالات الأعمال والثقافة والإعلام. وقد بينت هذه القوى مدى قدرتها على التعطيل والتشويه، كما بينت في نفس الوقت عجزها عن "إنجاز" برنامجها العادي وذلك لأنها في وادي و "الشعب الكريم" في وادي ولأن هذا الشعب يعرف بحدسه وبحسه حقائق هذه "القوى" وحقائق مشاريعها وأهدافها ومواقفها من مطالبه وتطلعاته، ومن مواضيع هويته وانتمائه. لكن لا بد من مواصلة اليقظة ولا بد من مواصلة "الحرب" على الإرهاب وعلى الفساد، ولا بد من الانكباب على إنجاز الإصلاحات.

 

تقدير سياسي عن جلسة يوم الثلاثاء 28 أوت 2018 حول مميزات الوضع السياسي في تونس، الأزمة الحقيقية: الجذور وآفاق الحلول

 

مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية

وحدة التقدير السياسي

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك