القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مقاربة أخرى للخروج من الأزمة الاقتصادية لتونس: وثيقة قرطاج 2 نموذجا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-09-20 12:10:00 | 288 مشاهدة

 

ملخص

مع تعقد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد خاصة في بداية سنة 2018 وتنامي معدلات التضخم و المالي والبطالة، تعتبر وثيقة قرطاج الثانية الحدث الاقتصادي الأبرز خلال سنة 2018 والبرنامج الاقتصادي والاجتماعي الذي جمّع حوله تسع أطراف سياسية ونقابية شكّلت المشهد السياسي والنقابي في البلاد بعد ثورة جانفي \يونيو 2011. وقد أسست هذه الوثيقة مسارا جديدا أدى إلى المرور من التوافق السياسي بين الشيخين، إثر لقاء باريس في أغسطس 2013، إلى التوافق الاقتصادي والاجتماعي على برنامج مفصّل بين الأطراف السياسية والنقابية التي تحكم البلاد. ويتكون هذا البرنامج التوافقي من 63 نقطة تشمل مجمع الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي توافقت حولها الأطراف المشاركة في لجنة الخبراء لتجاوز الإشكالات الاقتصادية التي تعيشها البلاد خاصة في السنوات الأخيرة ومن بينها ضعف النمو الاقتصادي واستقرار معدلات البطالة، ارتفاع نسب التضخم المالي وتدهور المقدرة الشرائية وانخرام التوازنات المالية الداخلية والخارجية والتي أدت إلى تدهور قيمة الدينار التونسي ومزيد اللجوء إلى التداين الخارجي. وبالرغم من أهمية الإجراءات التي توافقت حولها الأطراف المشاركة، تبقى هذه الوثيقة معلّقة إلى حين إيجاد التوافقات السياسية اللازمة حول النقطة 64  والتي تتعلق بطبيعة الحكومة التي ستتولى تنفيذ الـ 63 نقطة في وثيقة قرطاج 2.

مقدمة

بالرغم من انضمام الاتحاد الوطني للمرأة، أربع أحزاب كاملة أعلنت انسحابها من وثيقة قرطاج 1 وهي حركة الشعب والحزب الجمهوري وحزب آفاق تونس والمشروع وهو ما أدى إلى إضعاف الحزام السياسي لحكومة الشاهد. إذ اعتبرت هذه الأحزاب أن الوثيقة، في نسختها الأولى، حادت عن المبادئ والأهداف التي أنشأت من أجلها بعد سنتين من توقيعها في 13 جويلية\يوليو 2016 خاصة بعد دخول قانون المالية لسنة 2018 حيز التنفيذ وهو موقف دعّمته منظمة الأعراف والمنظمة الشغيلة. وألقى هذا المشهد السياسي المتأزم بظلاله على البرلمان وأصبح من الصعب إيجاد التوافقات اللازمة لتمرير القوانين الضرورية لحسن سير الاقتصاد وهو دفع بالسيد رئيس الجمهورية للإعلان عن مبادرته الجديدة، "وثيقة قرطاج 2".

لماذا وثيقة قرطاج 2

أسهمت النتائج الاقتصادية والاجتماعية السلبية لحكومة الشاهد، وخاصة فيما يتعلق باستقرار معدلات البطالة وتنامي نسب التضخم المالي وانخرام التوازنات المالية الداخلية والخارجية، في الشكوك المتزايدة حول السياسات الاقتصادية المتبعة بالرغم من الإمكانيات المادية الكبيرة التي تمتعت بها هذه الحكومة. فقد رفّعت حكومة الشاهد في ميزانيتها لسنة 2017 بأكثر من 5 مليار دينار وهو ما يقارب مبلغ القرض الائتماني من صندوق النقد الدولي لأربع سنوات كاملة (2017-2020) وهذا لم يحدث في تاريخ المالية العمومية في تونس منذ زمن بعيد. ولم تستغل حكومة الشاهد الظروف الدولية الملائمة من دعم لا محدود من طرف المؤسسات الدولية والبلدان الشريكة حيث لم يتوقف صندوق النقد الدولي على تسريح الأقساط المتبقية من القرض بالرغم من النسق البطيء للإصلاحات الاقتصادية التي يطلبها وهو ما أمّن لهذه الحكومة الحد الأدنى من ثقة المؤسسات المانحة الأخرى كالبنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والاتحاد الأوروبي وغيرهم. كما تميزت الأوضاع السياسية بالتوافق بين عديد الأطياف السياسية والنقابية حول وثيقة قرطاج الأولى والتي دعمت حكومة الوحدة الوطنية. كما ساعدت التغيرات المناخية الملائمة في تحسين الإنتاج الفلاحي الذي ارتفع بأكثر من 9% وكان سببا رئيسيّا وراء تحقيق نسبة النمو الاقتصادي للسداسي الأول من سنة 2018 ب 2.6%.

وقد كانت حكومة الشاهد قد اتخذت جملة من الإجراءات والتي وصفتها لجنة الخبراء لوثيقة قرطاج 2 بالجيدة (22 إجراء) لكنها لم تتمكن من تنزيلها على أرض الواقع وهو ما زاد في يقين الأطراف المشاركة في اللجنة بأن حكومة  الشاهد تفتقد إلى رؤية اقتصادية تجعل منها حكومة متناغمة وناجعة وهو موضوع النقطة الخلافية في وثيقة قرطاج والتي تعرف بالنقطة 64. وقد أدى هذا الاختلاف إلى انقسام في الرؤى من ضرورة تغيير جذري في الحكومة إلى الاكتفاء بتغيير جزئي فيها ممّا قد يهدد مسار التوافق السياسي بين حزبي النداء والنهضة. وإذ ترى حركة النهضة، الداعمة للاستقرار الحكومي، أن الشاهد يمكنه أن يحدث تغييرا جزئيا في حكومته ويتعهّد بتطبيق النقاط 63 لوثيقة قرطاج 2 شرط أن يلتزم هو وحكومته بعدم الترشح لانتخابات 2019. بينما يرى حزب النداء والمنظمة الشغيلة أن الشاهد لا يمكنه تطبيق البرنامج المتفق عليه في وثيقة قرطاج 2 بما أنه ملتزم ببرنامجه الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي إلى نهاية 2019 وبالتالي لا بدّ له أن يرحل. وقد أدّى هذا الاختلاف في النقطة 64 إلى اختلاف عميق في الرؤي وانسداد في المشهد السياسي قد تدفع تونس ثمنه غاليا.

مضمون وثيقة قرطاج 2

تتكون وثيقة قرطاج 2 من جزئين، جزء أول يتضمن 20 إجراء اقتصادي و إجراءين ذو طابع اجتماعي اعتبرتهم الوثيقة من الإجراءات الجيدة التي اتخذتهم حكومة الشاهد من دون أن تكون قادرة على تنفيذهم وأوصت بالعمل بهم في قادم الأشهر. أمّا الجزء الثاني للوثيقة، فيتضمن 63 نقطة من الإجراءات الجديدة التوافقية ونقطة وحيدة عرفت بالنقطة 64 تتعلق بطبيعة الحكومة القادرة على تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها.

ويتضمن الجزء الثاني ثلاث أقسام، قسم اقتصادي متكون من 51 إجراء، قسم اجتماعي يتكون من 7 إجراءات وقسم سياسي يتكون من 5 نقاط. ففي القسم الاقتصادي، يحتل باب السياسات الاقتصادية الحيز الأكبر في الوثيقة وفيه 38 إجراء منها 10 إجراءات لمكافحة التهريب والاقتصاد الموازي، 14 إجراء لدفع النمو والاستثمار، إجراءين لتمويل الاقتصاد و12 إجراء متعلق بالإصلاح الجبائي. إضافة إلى 4 إجراءات تتعلق بإصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية، إجراءين يتعلقان بالإصلاح الإداري والوظيفة العمومية و7 إجراءات تتعلق بإصلاح منظومة الدعم. أما القسم الاجتماعي، فيتضمن 6 إجراءات تتعلق بالتشغيل وإجراء يتعلق بالاستقرار الاجتماعي. والقسم السياسي يتكون من 5 نقاط تهتم بالانتخابات وبالهيئات الدستورية غير المكتملة.

المقاربة الاقتصادية لوثيقة قرطاج 2

تنطلق وثيقة قرطاج 2 من مقاربة اقتصادية جديدة تعتبر فيها أن تقلّص معدلات النمو الاقتصادي خاصة في السنوات الأخيرة يعود إلى انكماش الاستثمار الخاص. فالقطاع العام بعد الثورة تحمّل كل المسؤولية فهو الذي استثمر ووظّف، ولم يعد ممكنا المواصلة في هذا المنوال القائم أساسا على القطاع العام والذي أثمر لنا نموا عقيما متأتي أساسا من زيادات في أجور الموظفين ممّا ولّد انخراما في توازنات المالية العمومية وتوجها نحو المديونية العمومية خاصة منها الخارجية وتواصلا في معدلات البطالة وخاصة منها لدى الشباب المتعلم.

ولم يعد ممكنا التخفيض في معدلات البطالة بالتوظيف في قطاع الوظيفة العمومية ولا في المؤسسات والمنشآت العمومية ووصل الاقتصاد التونسي حد الذروة من حيث الانتدابات في القطاع العام أضر بتعهدات الحكومة تجاه المؤسسات الدولية وخاصة منها مع صندوق النقد الدولي الذي طلب صراحة التوقف عن الانتداب في القطاع العام. وعلى هذا الأساس، لا يمكن التخفيض في معدلات البطالة إلا إذا استرجع القطاع الخاص عافيته وعاد إلى حظيرة الاستثمار. فاستنادا إلى المؤشرات الرسمية، فأن نسبة الاستثمار الخاص من الناتج المحلى الإجمالي تضاءلت بصورة جلية وأن نوايا الاستثمار للثلاثة أشهر الأولى لهذه السنة تراجعت 35 % في القطاع الصناعي و 55 %في قطاع الخدمات حسب الوكالة التونسية للصناعة والتجديد وهي مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الصناعة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.

وتعتبر الوثيقة أن المعوقات التي تعترض القطاع الخاص كثيرة ومتعددة وتنصح باتخاذ إجراءات تتعلق بتبسيط الإجراءات الإدارية وبسهولة التمويل وبجلب الاستثمار عبر التحفيز الجبائي والاستثمار في البنية التحتية واللوجستية وتحسين جودة المؤسسات الداعمة للاستثمار  وتقترح إجراءات للقطاع الخاص الوطني وامتيازات لبعض القطاعات الحيوية كقطاع الفلاحة والصيد البحري والسياحة. ولتسريع نسق النمو الاقتصادي وتخفيض معدلات البطالة وإحلال التوازنات الداخلية والخارجية، تعتمد الوثيقة على رؤية اقتصادية مستقاة من منوال اقتصاد السوق الاجتماعي والتضامني ومتكونة من 6 عناصر أساسية : دفع الاستثمار الخاص (29 إجراء)، دفع التشغيل في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني (إجراء واحد)، الإصلاحات الكبرى (13 إجراء)، تحديث الإدارة الجبائية وتكثيف الإجراءات الصلحية (إجراء واحد)، مقاومة الفساد والتهريب والحد من الاقتصاد الموازي (8 إجراءات) والتدخلات الاجتماعية للدولة (7 إجراءات).

فلدفع الاستثمار الخاص تضمّنت الوثيقة، في المجموع، 29 إجراء منها 4 إجراءات لتبسيط الإجراءات الإدارية و4 أخرى للتحفيز الجبائي على الاستثمار وإجراءين لتسهيل التمويل وإجراءين آخرين لتحسين البنية الأساسية واللوجستية وثلاث إجراءات لتحسين جودة المؤسسات الداعمة للاستثمار. أما الجزء الأهم في دفع الاستثمار الخاص فيتعلق ب14 إجراء تفاضلي لبعض القطاعات الهامة كالفلاحة والسياحة. ومن بين الإجراءات التي قررتها اللجنة في هذا الباب :

  • النقطة 16 -  ضبط مشاریع مھیكلة في قطاعات حیویة في جمیع الجھات والتعھد بإنجازھا في غضون  6أشھر.
  • النقطة 20 - شـــطب الدیـــون البنكية لصـــغار الفلاحــــین غیـــر القابلــــة للاسـتخلاص وذلـك فـي حـدود 10 آلاف دینـار ٕ وإیجـاد حلـول لمدیونیـة القطـاع الفلاحـي عبر الإعفاء من فوائض التأخیر وإعادة جدولة أصل الدین مع الحرص على أن ألا ينتفع بهذا الإجراء إلا المستحقون الشرعيون
  • النقطة 27 - تأمين الاستقرار الجبائي عبر التزام الحكومة بعدم مزيد إثقال الكاهل الجبائي للمؤسسات والأفراد لاسيما المعلوم على الاستهلاك والأداء على القيمة المضافة بالنسبة للمواد المصنعة محليا

أما بالنسبة للعنصر الثاني، والمتعلق بدفع التشغيل في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فالنقطة 57 من الوثيقة تضمّنت الإعـداد وتنفیـذ برنـامج لتشـغیل الشـباب فـي إطـار الاقتصــاد الاجتمـــاعي والتضـــامني یقـــوم علـــى إســناد الأراضي الدولیــة المســترجعة مــع الأخــذ بعین الاعتبار للمساواة بین الجنسین.

وفي العنصر الثالث الخاص بالإصلاحات الكبرى، فتتضمن الوثيقة أربع إصلاحات كبرى وهي منظومة الدعم (7 نقاط)، المؤسسات العمومية (4 نقاط) والوظيفة العمومية (2 نقاط). أما بالنسبة للصناديق الاجتماعية، فقد أوكلت لجنة الخبراء الأمر الى اللجنة القطاعية المتكونة من الحكومة والمنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف. ولعل من بين النقاط الهامة في هذا الباب :

- النقطة 40 - إرساء الحوكمة الرشيدة سيما المساءلة والنجاعة والتصرف حسب الأهداف والحرص على الديمومة واختيار وتعيين المسيّر وفق عقد أهداف والفصل بين مهام التسيير ومهام الإشراف وتعميم مبدأ تشريك الكفاءات في مجالس الإدارة مع ضمان تمثيلية أوسع للمرأة.

  • النقطة 43 - إرساء إستراتیجیة وطنیة لإصلاح المنظومة الإحصائیة وتدعیم المعھد الوطني للإحصاء بالكفاءات وضمان استقلالیته الوظيفية وتفعیل دور المجلس الوطني للإحصاء في تطویر الإحصائیات العمومیة وضمان النفاذ إلى المعلومة الدقیقة
  • النقطة 48 -  تدقيق مصاريف الدعم لا سيما أن دعم الطاقة والجباية الموظفة على المواد المدعومة
  • النقطة 51 - التوجه التدريجي نحو دعم الإنتاج عوض الاستهلاك ونحو حقيقة الأسعار وحقيقة الأجور مع المحافظة على القدرة الشرائية للفئات الضعيفة والمتوسطة عبر آلية تعويض ناجعة وشفافة

أما العنصر الرابع والمتعلق بتحديث الإدارة الجبائية وتكثيف الإجراءات الصلحية، فيتعلق الأمر بالنقطة 35 من الوثيقة " أيجاد آليات من شأنها تمكين أعوان إدارة الجباية من القيام بالإجراءات الصلحية في مجال الرقابة في أفضل الظروف والتسريع بانتصاب لجان المصالحة الجبائية"

وفي العنصر الخامس، المتعلق بمقاومة الفساد والتهريب والحد من الاقتصاد الموازي، فتضمنت الوثيقة 3 نقاط تتعلق بمقاومة الفساد و3 نقاط أخرى للحد من الاقتصاد الموازي ونقطتين لتوفير العملة الصعبة. ومن أعم النقاط المدرجة في هذا العنصر :

  • - النقطة 5 - الإعلان عن تغيير الأوراق النقدية مع ضرورة إيداع الأوراق المستبدلة بحسابات بنكية أو بريدية وأخذ التدابير والإجراءات القانونية اللّازمة لتجسيم هذه العملية في أقرب أجل
  • النقطة 6 - اعتماد سقف 5 آلاف دينار نقدا في العمليات التجارية والعقارية
  • النقطة 8 - تمكين المقيمين من ذوي الجنسية التونسية من فتح حسابات بنكية بالعملة الصعبة أو بالدينار القابل للتحويل
  • النقطة 10 - التخفيض في النسب والمعاليم الديوانية المستوجبة على المواد المتداولة في السوق الموازية المطابقة للمواصفات الفنية والصحية والتي ليس لها مثيل مصنّع أو منتج في تونس قصد إدماجها في المسالك المنظّمة

أما العنصر السادس والأخير للمقاربة الاقتصادية للوثيقة والمتعلق بالتدخلات الاجتماعية، فيتضمن 4 تدخلات لفائدة العاطلين عن العمل و تدخل لأصحاب الدخل الضعيف والمتوسط. كما تضمن هذا العنصر نقطة تتعلق بالمجلس الوطني للحوار الاجتماعي ونقطة لتثمين قيمة العمل.

المقاربة الاقتصادية للوثيقة تمكّن من التسريع في نسق النمو واستقرار الدينار  مع توازنات مالية سليمة بدون تنامي للتضخم المالي

أكثر من ثلث الإجراءات المتفق عليها في وثيقة قرطاج 2 يهدف الى دفع الاستثمار الخاص وبالتالي استحثاث نسق النمو الاقتصادي وخلق مواطن الرزق. كما أن التوجه العام للوثيقة نحو مأسسة الاقتصادي الاجتماعي والتضامني ودفع التشغيل فيه ستكون له انعكاسات إيجابية على النمو الاقتصادي لما لهذا القطاع من دور في خلق الثروة المنتجة. وسيترجم هذا الرفع من نسق النمو الاقتصادي إلى وفرة للإنتاج في سوق السلع والخدمات تمكن من الحد من التضخم المالي إذا وقع التحكم الجيد في مسالك التوزيع و سيمكن الدولة كذلك من موارد جبائية هامة تخفّف عنها عجز موازنتها وتغنيها عن مزيد اللجوء الى الديون الخارجية إذا تم العمل بالإجراءات المتعلقة بتحديث الإدارة الجبائية وتكثيف الإجراءات الصلحية كما أشارت إليه الوثيقة.

  إضافة الى ذلك، فإن الشروع في الإصلاحات الكبرى وخاصة منها المتعلقة بمنظومة الدعم وبالمؤسسات والمنشآت العمومية ستقلص من النفقات العمومية غير الضرورية وخاصة منها ما هو متعلق بدعم الدولة لسد العجز الهيكلي لهذه المؤسسات أو لدعم مواد عادة ما تستهلك من طرف  الطبقات المرفهة. علاوة على ذلك، فإن جزءا من وفرة الإنتاج سيتحول إلى صادرات جالبة للعملة الصعبة وبالتالي إلى وفرة لها في سوق الصرف. وإذا أضفنا إليها الأموال المتداولة في السوق الموازية من العملة الصعبة والتي ستمكن الإجراءات المبوبة في العنصر الخامس والمتعلق بمقاومة الفساد والتهريب والحد من الاقتصاد الموازي من إدماجها في سوق الصرف المنظم، ستمكن من الترفيع في المخزون من العملة الصعبة وتؤدي إلى تماسك الدينار التونسي ممّا قد يخفف من الآثار التضخمية ويؤدي إلى تراجع في الأسعار. 

 الخاتمة

استنادا إلى النتائج الاقتصادية والاجتماعية الرسمية، لم تفلح حكومة الشاهد في حسن اختيار السياسات الاقتصادية التي تمكن من الوصول إلى بر الأمان، بالرغم من  توفر المناخات الداخلية والخارجية لتحقيق نتائج إيجابية، من أهمها الدعم السياسي الواسع والذي توّج بوثيقة قرطاج الأولى. ولعل من بين الأسباب التي أدت إلى النتائج الهزيلة المسجلة خاصة في بداية هذه السنة، السياسات الاقتصادية المعتمدة والمقترحة من طرف صندوق النقد الدولي والتي لا تتماشى مع واقع الاقتصاد التونسي. فالصندوق يقترح على تونس نفس السياسات الاقتصادية التي يقترحها على باقي الدول بدون الأخذ بعين الاعتبار السياقات العامة لها وكان على الحكومة أن تتفاوض معه على الأهداف وتترك لنفسها حرية اختيار السياسات. فلا يمكن للسياسة المرنة لسعر الصرف ولا السياسة النقدية الحذرة ولا السياسة الجبائية التوسعية أن تسهم في تراجع معدلات التضخم المالي والوصول إلى الأهداف المعلنة في اتفاق الصندوق الممدد، فالتفاوض مع صندوق النقد الدولي لا يكون على السياسات المعتمدة بل على الأهداف فقط، قبول السياسات والأهداف المقترحة من طرف الصندوق يفهم أن ما يهم الحكومة هو تسريح الأقساط المتبقية من القرض بغض النظر عن انعكاسات هذه السياسات على الاقتصاد.

وفي هذا الإطار، تأتي وثيقة قرطاج الثانية لتقترح مقاربة اقتصادية مختلفة تهدف إلى النهوض بالاستثمار الخاص واستحثاث نسق النمو الاقتصادي القادر على تخفيض معدلات البطالة وتحقيق التوازنات المالية الداخلية والخارجية مما قد يحد من التدهور المتواصل للدينار التونسي ويقلص من اللجوء الى المديونية الخارجية.

 

الدكتور رضا شكندالي 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك