القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مفاتيح العقل الاستراتيجي الأميركي في ضوء مشروع الإمبراطورية

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2018-12-03 12:01:00 | 114 مشاهدة

                                                                

ملخص :

عندما كانت "فينا" عاصمةً "للموسيقى" الأوربية، و"برلين" عاصمةً "للفلسفة"، و"روما" عاصمةً "للرَّسم"، و"لندن" عاصمةً "للصناعة"، لم تكن "باريس" التي احتضنت الثورة التي غيرت وجهَ القارة الأوروبية إلا "عاصمةً للجوع". إنها لم تكن المكان الأفضل للحياة، وإنما كانت المكان الأنسب للتغيير. فجغرافيا وديموغرافيا التغيير، هي المكان الذي تتماهى فيه أدواتُ التغيير المتاحة مع طبيعة التغيير المستهدفة، بصرف النظر عن المكانة الثقافية والفكرية والعلمية لتلك الجغرافيا والديموغرافيا. فلا مكة المكرمة ولا المدينة المنورة كانتا عاصمتي العالم لا ثقافيا ولا فكريا ولا علميا، بل كانتا على هذه الصعد مدينتين هامشيتين، ومع ذلك فقد احتضنتا مشروعَ التغيير العالمي جغرافياًّ وديموغرافياَّ، لأن أدوات التغيير المتاحة فيهما كانت متماهية مع غايات التغيير المستهدفة. ولقد عبَّر القرآن الكريم عن المدينة أو القرية أو الدولة أو المجتمع التي ستحضن التغيير في زمان ومكان معينين بمصطلح "أم القرى". فأين هي "أم قرى هذا العصر"؟! سنكون بدءا بهذه الدراسة بصدد تمهيد الطريق فكريا لتحديد ملامح "أم قرى" هذا العصر، وهو ما سوف يتضح بعد عدد كبير من الدراسات الرافدة التي ستوصلنا في النهاية إلى الإجابة الحاسمة على هذا السؤال المنهم والكبير والخطير.

مقدمة

أعجبتني كثيرا المواقف الأوروبية الأخيرة متمثلة في إعلان ماكرون وميركل عن رغبتهما في إنشاء جيش أوروبي مستقل، وفي محاولة إيجاد صيغة قانونية للالتفاف على العقوبات الأميركية على إيران، وإتاحة الفرصة لها كي تبيع نفطها دون وقوع من يشتريه منها تحت طائلة تلك العقوبات، فهذا يدل على أن الأوروبيين جادون في محاولة التحرر عن الولايات المتحدة وعن هيمنتها عليهم. فمن يعتقد أن أوروبا وهي تحاول الالتفاف على العقوبات الأميركية على إيران إنما تدافع عن مصالحها الاقتصادية فهو واهم، لأن مصالح أوروبا الاقتصادية من التجاوب مع عقوبات الولايات المتحدة على إيران ستكون أكبر من مصالحها وهي تلتف عليها، هذا لمن يعرف كيف تتحرك مفاعيل الاقتصاد العالمي، والنفطي منه على وجه الخصوص. ولكن أوروبا ترى في رفضها الخروج من الاتفاق النووي ورفضها العقوبات الأميركية على إيران، ضربا من ضروب منافسة واشنطن والخروج على إرادتها، وهي السياسة الأوروبية التي عبرت عنها بشكل خجول وإن يكن بجرأة نسبية دعوة ماكرون وميركل إلى إنشاء جيش أوروبي.

الدعوة إلى التحرُّر من النمطية في فهم الأمور

إن التقسيم النمطي للخنادق، وبعد أن وعته الولايات المتحدة على مدى عقود من التعامل معه، غدا بالنسبة لها هو الوعاء الذي تُؤَطِّرُ في داخله مشروعها الإمبراطوري القادم، مع إعادة تأهيله وإنتاجه بتغييرات طفيفة فيه كلما لزم الأمر.

وليس أدل على ذلك من سيرورات الأزمة السورية والأزمة اليمنية والأزمة العراقية، والتي ليس من الصعب اكتشاف أنها سيرورات تتيح الفرصة لتعددية قطبية على النمط الأميركي بعد أن سئمت واشنطن من الأحادية القطبية بالغة الكُلَف، وخاصة الكُلَف الأخلاقية والقانونية والاقتصادية منها، فلماذا لا تخفِّف عن نفسها هذه الكُلف، وتُحَمِّلُها لمن يسيل لعابهم على الشراكة حتى لو كان الأمر لا يتحقق لها إلا بعلاقات سياسية لم يتعود الذهن العربي النمطي على فهمها؟! نحن إذن في حاجة ماسة إلى إعادة إنتاج تصوراتنا ورؤانا وأفهامنا للصراعات الدولية، في ضوء حُزم المتغيرات التراجيدية التي اجتاحت العالم، والتي راحت تُحَتِّم علينا الخروجَ عن قواعد ومبادئ التفسير الأيديولوجي النمطي لخرائط التناقضات والصراعات الدولية، بحثا عن قواعد ومبادئ جديدة تحكم تلك الخرائط، وتكون قادرة على تقديم التفسيرات الأكثر عقلانية وموضوعية، لسيرورةٍ عالمية تسبح فوق رمال متحركة من الأحداث المتسارعة بشكل يقطع الأنفاس.

من هنا فقد وجدنا أن السباحة في العقل الاستراتيجي الأميركي، إذا كانت هي المدخل الأنسب لسبر مسارات دراستنا هذه، فإن التنقيب عن مكونات هذا العقل وهو يتشكل، ثم وهو ينمو ويتطور، مواكبا تغيرات العالم الكبرى، عبر ملاحقة جذوره الأولى في أعماق الأرض الخصبة للقرن العشرين، هو الأداة المنطلق التي بدونها لن نتمكن من فهم ما يجري حاليا على نحو يؤسِّس لخروجنا عن النمطية التي سيساعدنا الخروج منها على التوصل إلى مكونات ومواصفات "أم قرى" هذا العصر، والتي يترقب الناس إعلانها عن نفسها وتجسيدها لمشروع التغيير العالمي المقبل في ربوعها.

ولعله لهذا السبب المنهجي الطابع نجد من المناسب الإشارة إلى أننا لن تخلص إلى النتيجة النهائية التي حددناها هدفا لها متمثلا في مواصفات "أم القرى" المعاصرة، جغرافيا وديموغرافيا ومشروعا وسياسة وتحالفات.. إلخ، إلا بعد عدد كبير من الدراسات التي تمثل كل دراسة منها بحثا مستقلا وقائما بذاته شكلا ومضمونا، لكنه يمثل جانبا من جوانب الإجابة على السؤال المحوري الذي طرحناه.

لن نتمكن من ذكر عدد محدد من الأبحاث التي تخدم مشروع الإجابة على سؤال هو في ذاته بحجم مشروع متكامل، وسنترك الأمور البحثية تأخذ مجراها الطبيعي إلى أن تصل بنا في نهاية المطاف إلى الدلتا فالمصب. ويكفينا هنا أن نشير بوضوح إلى أننا سنعرض عشرات الأبحاث والدراسات التي لا تعتبر جسما بحثيا واحدا بالمعنى المنهجي للجسم البحثي، وإن كانت كلها مهما طالت ومهما كثر عددها بمثابة الفروع التي ستغذي النهر وهو يحفر مجراه الرئيس نحو المصب.

في فهم العقل الاستراتيجي الأميركي :

كي نفهم طريقة تعامل الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية مع إقليم الشرق الأوسط، وفي ضوء أيِّ مكونات استراتيجية نظرت إلى الدول الرئيسة فيه، يجدر بنا أن نقف وقفة فاحصة ومتأمِّلَة على الطريقة التي تعامل بها الرئيس الأميركي "روزفلت" مع أربع دول كان قد قرَّر الالتقاء بقياداتها السياسية قبيل انتهاء الحرب، ليُحَدِّد معالم الاستراتيجية الأميركية في التعامل مع إقليم الشرق الأوسط الذي بات واضحا لدى الولايات المتحدة أنها سترثه من بريطانيا وفرنسا بكل "مديونيته السياسية والثقافية والعسكرية" التي خلفتاها فيه.

أ - كيف تعامل الرئيس الأميركي روزفلت بعد الحرب الثانية مع الملك "عبد العزيز آل سعود"

كانت السعودية أحد المرشحين للوكالة عن الولايات المتحدة عند بداية دخولها إلى أسواق الشرق الأوسط، باعتبار أن المصلحة الأميركية الأكبر – وهي البترول – كامنة تحت رمال صحاريها، وبالتالي فهي الأولى نظريا بالحصول على هذه الوكالة. لذلك استقبل الرئيس روزفلت الملك عبد العزيز واستمع إليه طويلا، وبدا له أن شطرا كبيرا مما سمعه غريبٌ عن ثقافته. وقد أعجب روزفلت بالملك عبد العزيز، لكنه نوع من الإعجاب لا يؤهل لاختيار وكيل محلي.

فقد كتب روزفلت عن لقائه بالملك عبد العزيز: "بدا لي الرجل طرازا بدويا من النوع المتوحش النبيل، يذكِّر بأزمان غابرة وتقاليد تعود إلى عصور لم يعد لها الآن مكان". والغريب أن تعبير "المتوحش النبيل" هو نفس التعبير الذي شاع عن بعض زعماء قبائل الهنود الحمر الذين أحسنوا الظن في المهاجر الأميركي(1).

ب – كيف تعامل الرئيس الأميركي روزفلت بعد الحرب الثانية مع الملك فاروق ملك مصر

كانت مصر أيضا إحدى أهم الدول المرشحة للوكالة عن الولايات المتحدة عند بداية دخولها إلى أسواق الشرق الأوسط، باعتبارها أكبر دولة عربية من ناحية السكان، كما أنها الأسبق علميا وثقافيا "أيامها"، وذلك يعطيها ميزة قد تهيئها للوكالة. فاستقبل روزفلت ملك مصر "فاروق" واستمع إليه أكثر من ساعة. ولفت نظره أن الملك الذي جاء لمقابلته على ظهر الطراد "كوينسي" كان يرتدي زي "أميرال أسطول"، ثم وجده يصرف معظم الوقت معه في الشكوى من الطريقة التي يعامله بها السفير البريطاني في مصر، اللورد "كيلرن"، وكيف أنه يقوم بإذلاله داخل مملكته ويستقوي عليه داخل قصره، إلى درجة حصاره بالدبابات ليفرض عليه رئيسا للوزراء لا يريده وهو "مصطفى النحاس".

لم يعجب روزفلت بالملك فاروق، وتساءل في يومياته في وقت لاحق: "لا أعرف لماذا كان ملك مصر يرتدي زي أميرال أسطول بحري وهو لا يملك في البحر غير يختٍ للنزهة. إن فاروق يذكرني بجيل من أمراء أوربا الذين أغرقهم الترف حتى ذابت عندهم إرادة الفعل وأخذتهم المظاهر حتى ضيعت منهم "جوهر الشخصية"(2).

ج – كيف تعامل الرئيس الأميركي روزفلت بعد الحرب الثانية مع "عصمت إينونو" رئيس جمهورية تركيا

تركيا بدورها دولة مرشحة بقوة للوكالة عن الولايات المتحدة عند بداية دخولها إلى أسواق الشرق الأوسط، لأنها أكبر وأقوى دولة إسلامية، وإلى جانب ذلك فهي تحمل ذكرى آخر خلافة إسلامية، ما يمهِّد لها الفرصة تلقائيا لتكون هي الوكيل المرتقب لحساب الأميركيين. ما حدا بالرئيس روزفلت إلى استقبال رئيس جمهورية تركيا "عصمت إينونو"، والاستماع إليه، ليكتشف أن تركيا الحديثة لها رأي بالغ السوء في العرب عموما، لأنهم خانوا الخلافة العثمانية وقت الحرب العالمية الأولى وتعلقوا بأذيال الإنجليز. وقد خص الرئيس التركي كلا من السعوديين والهاشميين بالجزء الأكبر من كلامه عن الخيانة العربية التي لا يصح الاعتماد عليها شريكا، وإنما يصح التعامل معها تابعا. فالعربي – في رأيه – مهيأ أن يقادَ ولا يقود، ويُساق بأمر الغالبين ولا يُدعى للتعاون على قدم المساواة معهم.

وأدرك روزفلت أن تركيا قد تصلح لدور في البلقان موصول على نحو ما بأوروبا – وهو ما مهَّد الطريق لها كي يتم قبولها في حلف الناتو عندما تأسَّسَ لاحقا – لكنها لا تنفع وكيلا في الشرق الأوسط، لأن تاريخها برغم الإسلام، ليس متوافقا مع مزاج بقية المنطقة التي أغلب دولها عربية، بينها وبين تركيا العثمانية رواسب وتعقيدات ما تزال حية في ذاكرة الطرفين. وهكذا لم ينجح "عصمت أينونو" هو أيضا في اختبار الوكالة(3).

د – ما هي أسباب اختيار إسرائيل كوكيل للإمبراطورية الأميركية في الشرق الأوسط بعد نشأتها فورا

مع أن إسرائيل لم تكن قد قامت بعد، إلا أن إرهاصات قيامها كانت تلوح في الأفق، وبالتالي فقد كان من الضروري النظر في إمكان اعتمادها وكيلا للولايات المتحدة في المنطقة من عدمه عند قيامها. إن القرار الأميركي بالتدخل الفاعل في الشرق الأوسط باعتباره سوقا ضخما قادمة يتطلب وجودا سياسيا متجذرا بالدرجة الأولى، جعل من المحتَّم ترقُّب ظهور الكيان الجديد، وهو ما جعل روزفلت يؤسِّس لاستراتيجية أميركية شرق أوسطية تعزف منذ بواكير نشأتها – أي منذ بواكير نشأة هذه الاستراتيجية – عن الاعتماد على السعوديين وعلى الأتراك وعلى المصريين كوكلاء مناسبين، يمثلون الإمبراطورية الجديدة في ذلك الإقليم، ولذلك تمَّ التوجه إلى اعتماد تركيا وكيلا في منطقة البلقان من خلال إدماجها في الحالة الأوروبية عبر حلف الناتو، فيما تم اعتماد آل سعود أداة – وليس وكيلا – لتمرير سياسات الولايات المتحدة المراد تمريرها عبرهم. وهو ما كشفت عنه سياسة الولايات المتحدة مع "السعودية" عبر "آل سعود" منذ اتفاقية "كوينسي" وحتى ما قبل التدخل السعودي في اليمن عبر "عاصفة الحزم"، والذي كان بمثابة تدخل تمردت من خلاله السعودية واحتج عبره آل سعود على دور "الأداة"، مطالبين بدور "الوكيل"، أي بالدور الأقرب إلى "الحليف".

وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة التفريق بين "الوكيل" و"الأداة". فالوكيل يتمتع بقدر من الاستقلال القائم على المنادَدَة التي تَسِمُ علاقات الحلفاء عادة، حتى لو كانت بينهم فوارق ملموسة في القدرات والإمكانات تحتِّم نوعا من الأبوية أو القيادة في العلاقة، أما الأداة فهي لا تملك من أمر سياساتها شيئا خارج نطاق الإملاءات التي تتلقاها لتنفذها.

ولعل هذا ما كشفت عنه بنود اتفاقية "كوينسي" التي كانت واضحة في أن على السعودية وآل سعود أن يلتزموا في سياساتهم الخارجية وعلى الدوام بخط السياسة الأميركية وبمقتضى المصلحة الأميركية لا بل أن يمثلوها أيضا في كل توجهاتهم وتحركاتهم. بينما مثل هذه الصيغة ما كانت لتجد لها مكانا لا مع الأتراك ولا مع المصريين، وإن كان المصريون قد خرجوا من اللعبة بسبب عدم قدرة روزفلت على تشكيل رؤية ملائمة لدورٍ مرتقبٍ لهم لا يكون دور وكيل، ما داموا أقل من أن يكونوا وكلاء مثل الأتراك، ولا هو دور أداة، ما داموا أكبر قليلا من أن يكونوا مجرد أداة مثل آل سعود.

وعندما قامت إسرائيل استلمت الوكالة مباشرة، فهي وكيل مؤتمن لأنه من خارج الأسرة، غريب عن المنطقة، دينا وعرقا وثقافة ومشروعا. وإسرائيل لهذه الأسباب شريك موثوق فيه لأنه يحتاج إلى الإمبراطورية الأميركية "الشركة" بمقدار حاجتها هي إليه، وذلك يزكي ولاءها الدائم ويضمنه. وهذا الوكيل الإسرائيلي المؤتمن نجح في إثبات وجوده وإشهار دوره في المنطقة سنة 1948، وقدم مؤهلات لها الحظ الأوفر من القبول، فقد بين بالتجربة أنه طرف قوي وناجح، قادر على التصرف بالمنع والردع، تاركا للإمبراطورية الأميركية تحصيل الأصول والأرباح(4).

هـ – كيف تجسدت السياسة الأميركية واقعيا من خلال إعجابها بمغامرة القرصان "مورجان"؟

كان الإعجاب الأميركي بالقرصان "مورجان" استيعابا لفلسفة ذلك القرصان الذكي، وجوهرها يظهر في مقولته: "إن القرصان العادي هو الذي يغير على السفن المسافرة ويقتل ركابها الأبرياء وينهب حمولاتها من الأشياء والنقود. وأما القرصان الذكي فإنه لا يغير إلا على سفن القراصنة الآخرين. ينتظرهم قرب مكامنهم عائدين محملين بالغنائم مجهدين من القتل والقتال، ثم ينقض عليهم محققا جملة أهداف:

1 – فهو يحصل أولا على كنوز عدة سفن أغار عليها القرصان العادي في رحلة شاقة وطويلة، فيحصل عليها بسبب ذكائه في ضربة واحدة.

2 – وهو ثانيا لا يرتكب بالقرصنة جريمة، لأنه نهب الذين سبقوه إلى النهب، وقتل الذين سبقوه إلى القتل. وعليه فإن ما قام به لم يكن جريمة وإنما عقابا عادلا، ولم يكن قتلا وإنما هو القصاص.

3 – وهو ثالثا يصنع لنفسه بهذا الأسلوب مكانة وهيبة تذكرها تقارير النهار وحكايات الليل.

ومعنى تطبيق أسلوب الكابتن "مورجان" أن الولايات المتحدة لا تشغل نفسها بالسيطرة على بلدان مفردة وإنما تأخذ الأقاليم بالحزمة. ولا تبلع الدول لقمة بعد لقمة، وإنما تبلع المائدة الإمبراطورية بكل ما عليها.

إن المشروع الإمبراطوري الأميركي في صراعه مع الشيوعية مثلا، لم يتعامل معها دولة بعد دولة، وإنما تعامل بوصفها "كتلة"، وكانت تحركات واشنطن إزاء الأجزاء "الدول" في هذه الكتلة أشبه بـ "جس المواقع" و"اختبار الصلابة" و"البحث عن فجوة"، في هذه اللحظة أو تلك من عصر الحرب الباردة، وذلك جرى مع بولندا ومع المجر ومع ألمانيا الشرقية، حيث كانت هذه المحاولات جميعا تحركات آنية تبحث عن مداخل، وأما استراتيجيا الصراع فلم تتوقف طويلا أمام الأقاليم أو الدول، وإنما كان شاغلها "الكل" أو "الكتل".

والملاحظ أن الشيء نفسه جرى في حالة المواجهة مع تيار القومية العربية. ففي العالم العربي كانت الأقاليم والدول مجرد بحث عن مداخل أو فجوات للاختراق والتطويق، وأما الاستراتيجية الأساسية فقد كان هدفها التيار في مجمله والحركة في مجموعها. وعندما وقع الدخول الأميركي الكبير في مصر في منتصف السبعينيات، فإن الإمبراطورية الأميركية كانت على وعي بأن مصر في حد ذاتها ليست الهدف، وإنما هي الباب الأوسع إلى الدائرة العربية بكاملها من الخليج إلى المحيط(5).

و – كيف تأسَّسَ المشروع الإمبراطوري الأميركي منذ الحرب العالمية الأولى؟

وجد المشروع الإمبراطوري الأميركي نفسه في مواجهة حشد من الإمبراطوريات في مطلع القرن العشرين. في تلك الفترة المثيرة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، تبدت الصورة الإمبراطورية أمام أنظار المعنيين بها في الولايات المتحدة محدَّدة وجلية، ذلك أنه بعد زوال إمبراطوريتي إسبانيا والبرتغال، وجدت الولايات المتحدة أمامها ثلاثة أنواع من الإمبراطوريات هي:

1 – إمبراطوريات قديمة متوسعة ومنتشرة، وقد بقيت منها اثنتان هما إمبراطوريتا بريطانيا وفرنسا. وكان باديا أن بريطانيا وفرنسا هما ما يحسب له حساب فيما بقي من إمبراطوريات أوربية. بعد زوال إسبانيا والبرتغال.

2 – إمبراطوريات تسودها حالة قلق سببه ما يصاحب تقدم العمر وحلول المرض، وهي ثلاث: "الإمبراطورية الروسية/أسرة رومانوف"، "الإمبراطورية النمساوية الهنغارية/أسرة هابسبورغ"، و"إمبراطورية الخلافة الإسلامية/آل عثمان". وكانت هذه الإمبراطوريات تشترك في خصائص هي: "كانت تحت سيادة أسر مالكة شاخت ووهنت وترهلت إرادتها"، و"كانت إمبراطوريات غير منتشرة ودارت حول نفسها وتمدَّدت من داخل مواقعها فقط".

3 – إمبراطوريات طموحة وطامعة ومحرومة وجائعة تفتحت شهيتها بأوسع من وسائلها، وانطلقت أحلامها وراء البحار من بعيد، وهي ثلاث إمبراطوريات: "مشروع إمبراطوري ألماني تمثله مطامع القيصر "ويلهلم الثاني" الذي عاد يحلم من جديد بالرايخ الألماني"، و"مشروع إمبراطوري إيطالي عاد ليحلم بالزمن الروماني ويجيل النظر في البحر المتوسط، ويسترجع نداء قيصر الشهير بـ: "إنه بحرنا"، وأخيرا "مشروع إمبراطوري ياباني شوهد من بعيد ملهوفا على التوسع وعلى القضم والبلع"، خاصة بعد أن تمكن في معركة "بورت آرثر" سنة 1905، من هزيمة الأسطول الروسي في المحيط الهادي وتحطيمه بالكامل(6).

انفرط عقد الإمبراطورية النمساوية الهنجارية وتحولت إلى عدد من الدول المستقلة في البلقان وشرق أوربا. وهو ما لم يفاجئ الولايات المتحدة التي لم ترث إمبراطورية آل هابسبورج ولم تتوقع إرثها. وتساقطت الإمبراطورية الروسية وتهاوى النظام القيصري الذي انهزم في ميادين القتال أمام ثورة شيوعية أقامت نظاما سوفييتيا راح يمسك بالإمبراطورية من جديد. الولايات المتحدة لم تفاجأ بسقوط القياصرة الذين لم ترثهم ولا توقعت ذلك، لكنها فوجئت وقلقت وانزعجت من صعود نجم الإمبراطورية على نحو مختلف تحت سيطرة الشيوعيين. وسقطت الخلافة العثمانية وانفرط عقدها كما توقعت واشنطن، لكنها فوجئت بشكل توزيع الغنائم بموجب اتفاقية سايكس بيكو دون تشاور معها، لأن الوارثين هم من كانت جيوشهم على الأرض هناك(7).

تم اختزال قائمة الإمبراطوريات في أعقاب الحرب العالمية الأولى من ثمان إلى ثلاث، اثنتان منها إمبراطوريات منتشرة هما "فرنسا وبريطانيا"، وثالثة غامضة في روسيا التي أصبحت هي الاتحاد السوفييتي، شيوعية سوفييتية لم تظهر ملامحها ولا خططها، وإن كانت عالمية فكرتها تنبئ مبكرا بأنه سوف يكون لها دور وحسابات وعواقب. وأدركت الولايات المتحدة الأميركية أن الإرث الإمبراطوري الأكبر مؤجل إلى موعد أصبح قريبا ويلوح في الأفق.

طبقا لوثائق البيت الأبيض مدعومة بمذكرات وزراء روزفلت الكبار وفيهم "كوردل هل" وزير الخارجية، و"هنري مورجنتاو" وزير المالية، والجنرال "جورج مارشال" رئيس أركان الحرب ووزير الخارجية فيما بعد، فإن التفكير الاستراتيجي للرئيس "فرانكلين روزفلت" كان يدور حول التقديرات التالية:

1 – إن هناك حربا عالمية تلوح في الأفق وسوف تدور بالدرجة الأولى بين ألمانيا وإيطاليا من ناحية، وبين بريطانيا وفرنسا من الناحية الأخرى.

2 – لم يكن هناك تصور واضح لمسلك الاتحاد السوفييتي ولا لمسلك اليابان.

3 – هذه الحرب هي فرصة الولايات المتحدة لتقفل صفحة الإمبراطوريات القديمة وتفتح صفحة الإمبراطورية الأميركية.

4 – في ساحة الحرب الرئيسية أوربا، لا تختلف سياسة الولايات المتحدة عن سياستها في الحرب السابقة، وهي الحيلولة دون انتصار ألمانيا وإيطاليا، للأسباب نفسها هناك. وبالتالي فإن هتلر وموسوليني يجب ألا ينتصرا.

5 – بريطانيا وفرنسا يجب أن تخرجا من حمام الدم الأوربي سالمتين، وفي الوقت نفسه غير قادرتين هذه المرة على الاحتفاظ بإمبراطوريتيهما الشاسعتين في آسيا وإفريقيا. ومعنى هذا أن انتصار الحلفاء الأوربيين يجب أن يتم داخل حدود لا يتجاوزها، كي لا يحدث ما حدث في الحرب الأولى.

6 – يجب على الولايات المتحدة أن تظل بعيدة عن ميادين القتال حتى آخر لحظة، مع أنها لن تعلن حيادها هذه المرة لا فكريا ولا عمليا. ففكريا عليها أن تعلن انحيازها ضد النازية، وعمليا فإنها سوف تترك فرنسا وبريطانيا وحدهما وسط العاصفة وتراقب من بعيد حتى ينزف الجميع. أي أن على الولايات المتحدة أن تكون آخر الصابرين لكي تكون أول الوارثين(8).

مع حاجة بريطانيا الشديدة – وعلى عجل – إلى حشد من مدرعات جديدة تدعم بها مسرح العمليات في الشرق الأوسط استعدادا للمعركة الكبرى في العلمين "أغسطس 1942"، شحنت الولايات المتحدة فورا فرقة دبابات قوامها 300 دبابة حديثة من طراز "جرانت"، ثم تعللت بأن وجود هذه الدبابات الأميركية يتطلب حضورا أميركيا مباشرا في ساحة الشرق الأوسط. فظهرت قواعد أميركية في المملكة العربية السعودية "الظهران"، وفي الخليج "مطار البحرين"، وفي مصر قاعدة "هاكستب" البرية ومطار "باين" الذي كان في المكان الذي يقع فيه مطار القاهرة الدولي الآن.  وهنا تبرز أهمية الرسالة التي وجهها "روزفلت" عام 1943 إلى مدير العمليات الاقتصادية في الشرق الأوسط. كان روزفلت في عجلة من أمره واعيا إلى أنه إذا كان عليه أن يجرد بريطانيا من ممتلكاتها، فإن عليه أن يفعل ذلك وقت الحرب وليس بعدها.

تروي الوثائق الأميركية أن "روزفلت" كتب توجيها رئاسيا عام 1944 موجها إلى "جيمس لانديس" مدير العمليات الاقتصادية في الشرق الأوسط، يشير فيه إلى أهمية بترول الشرق الأوسط وخطورة الموقع الاستراتيجي للمنطقة قائلا فيه:

الوثيقة رقم 1541/24 – البيت الأبيض/ 8 مارس 1944

من الرئيس روزفلت إلى "والتر جيمس لانديس" مدير العمليات الاقتصادية في الشرق الأوسط

عزيزي "والتر لانديس"

إن الشرق الأوسط منطقة توجه للولايات المتحدة مصالح حيوية، والحرص على هذه المنطقة وتجنيبها شرور قلاقل الماضي، هو أمر له أهمية متزايدة لها قيمة بالنسبة للعالم كله، وخاصة بالنسبة للتفاوت في استعمال الموارد الاستراتيجية والاقتصادية للمنطقة. ومع أن الولايات المتحدة لا تنوي ولا ترغب في التدخل في الشؤون الداخلية لهذه المنطقة، فإن هذه الحكومة حريصة على أن ترى أن موقع وموارد هذه المنطقة في خدمة كل الأمم دون تمييز. وهدفنا على هذا الأساس أن تصان مصالح كل الأطراف وأن تتوقف الميزات التي يختص بها طرف على حساب باقي الأطراف(9).

وكانت وراء العبارات معانٍ وإشاراتٍ كفيلة بإثارة قلق رئيس الوزراء البريطاني، فقد أحس بأن الولايات المتحدة لا تبغي قسمة عادلة للموقع وللموارد، وإنما هي ماضية إلى هدفين متوازيين في الشرق الأوسط. أولهما: تواجدٌ حاكمٌ في المراكز المهمة استراتيجيا في المنطقة. ثانيهما: نصيب الأسد في ثرواتها الهائلة نفطيا.

وفي مؤتمر "برمودا"/مارس 1957 الذي جمع بين الرئيس الأميركي "إيزنهاور" ورئيس وزراء بريطانيا "هارولد ماكميلان"، جرى توقيع اتفاق جاء الأغرب من نوعه في تاريخ الإمبراطوريات، فقد ظهرت فيه إمبراطورية قديمة تُسَلِّمُ ممتلكاتِها لإمبراطورية جديدة، وكأن الأقاليم والدول بضائع في المخازن أو على ظهور السفن. وقد جاء نص الاتفاق على النحو التالي:

1 – إن الرئيس الأميركي يعبر لرئيس الوزراء البريطاني عن فهمه للضرورات التي تدعو الحكومة البريطانية إلى تخفيف أعبائها عن الشرق الأوسط، وهو يتعاطف مع رغبة هذه الحكومة في جعل التزاماتها في المنطقة متوازنة مع مواردها الاقتصادية والعسكرية.

2 – إن الرئيس أخطر رئيس الوزراء البريطاني بأن الولايات المتحدة لن تستطيع تحمل كل الأعباء البريطانية التي ترى الحكومة البريطانية أنها مضطرة إلى التخلي عنها. ولهذا فإن الولايات المتحدة تأمل في أن تواصل الحكومة البريطانية إخطار الحكومة الأميركية بخططها في المستقبل.

3 – إن الرئيس سوف يتخذ الترتيبات التي تكفل استمرار التشاور مع الحكومة البريطانية في المسائل والحالات التي يتعين فيها استطلاع رأي الحكومة البريطانية، وسوف يكون ذلك موضع الاعتبار.

4 – إن الرئيس يعرب عن أمله في أن الحكومة البريطانية سوف تقوم بتخفيضات تدريجية ومنتقاة بما يناسب المصالح الغربية بصفة عامة، ويتفق مع مطالب الأمن الضرورية للسلامة المشتركة.

5 – إن حكومة الولايات المتحدة سوف تقدم للحكومة البريطانية دعما ماليا فوريا مقداره 400 مليون دولار(10).

خاتمة:

دعونا ننوِّه هنا إلى أن عام 1957 كان هو العام التالي لهزيمة وفشل العدوان البريطاني الفرنسي على مصر عقب تأميم الرئيس جمال عبد الناصر لقناة السويس، وظهور معالم هزيمة فرنسا في آخر مستعمراتها الإستراتيجية "الجزائر"، حيث لن يطول الوقت حتى يتم إغلاق هذا الملف، ليُطوى معه ملف الاستعمار التقليدي لبريطانيا وفرنسا إلى الأبد، وليبدأ بطيِّه عهد الإمبريالية الأميركية التي ما تزال هي سيدة الموقف حتى يومنا هذا. دون أن ننسى أن هذا العام كان هو أيضا العام التالي لظهور الطبعة الأولى من كتاب "أحجار على رقعة الشطرنج" الذي حظي بانتشار واسع في الشرق الأوسط، بعد أن تمت ترجمته في وقت مبكر، فأسهم إلى حدٍّ كبير وبدءا من عقد الستينيات في إعادة إنتاج التفكير لدى الكثير من النخب العربية إزاء اليهود واليهودية والصهيونية.. إلخ، على النحو الداعم لما تريده السياسة الأميركية التي بدأت تعد العدة منذ تلك الفترة لتثبت أقدامها في الإقليم سياسيا وعسكريا وثقافيا واقتصاديا.

أسامة عكنان

 

الهوامش:

(1) - "الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق"، "محمد حسنين هيكل"، منشورات "دار الشروق"، القاهرة، الطبعة السابعة، سبتمبر 2007، ص 41 - 42.

(2) – المرجع السابق.

(3) – المرجع السابق.

(4) – المرجع السابق، ص 43 - 44.

(5) – المرجع السابق، ص 73.

(6) – المرجع السابق، ص 74 - 77.

(7) – المرجع السابق، ص 79.

(8) – المرجع السابق، ص 86.

(9) – المرجع السابق، ص 93.

(10) – المرجع السابق، ص 94 - 95.

 

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك