القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

معركة طرابلس: تحولات الميدان وحظوظ الحسم

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-09-30 11:29:00 | 424 مشاهدة

ملخــــــــــص

ينظر متابعو المشهد العسكري الليبي إلى استعادة مدينة غريان من طرف القوات المحسوبة على حكومة الوفاق الوطني، والتقدم إلى تمركزات جديدة على الحدود الإدارية لمدينة ترهونة، وتوالي الضربات الجوية الدقيقة على قاعدة الجفرة الإستراتيجية، وتحقيق مكاسب ميدانية في محاور جنوب العاصمة، على أنه تحول في تعاطي القوات المدافعة عن العاصمة طرابلس مع المعركة، وتطوير للعملية العسكرية؛ الجارية منذ 4 أبريل/ نيسان المنقضي، من الدفاع إلى الهجوم، غير أن هذه المكاسب الميدانية، على أهميتها، لم تضمن تأمين العاصمة ومحيطها الجغرافي والاجتماعي، ما يؤشر إلى أن الحسم العسكري مازال بعيدا.

 

مقدمــــــــــــــة

بانتصاف شهر أيلول/ سبتمبر الجاري، يكون الهجوم الذي شنته كتائب تابعة لقائد عملية "الكرامة" خليفة حفتر، بهدف السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس، قد طوى ما يقارب نصف السنة. مازالت ذاكرة متابعي المشهد الليبي تستحضر صور الأرتال الطويلة من الآليات العسكرية المتخمة بالسلاح التي ضجت بها شاشات الفضائيات وصفحات التواصل الاجتماعي، كما تستحضر التأكيدات الواثقة التي أطلقها أحمد المسماري بأن حفتر سيلقي كلمة إلى الشعب الليبي من ميدان الشهداء في طرابلس، في غضون يومين أو ثلاثة، بعد القضاء على مجاميع الإرهابيين والإخوان المسلمين وطرد السراج وجماعته. بين 4 أبريل/ نيسان؛ تاريخ إطلاق الهجوم على طرابلس، ومنتصف شهر أيلول/ سبتمبر تغيّرت الكثير من تعقيدات المشهد العسكري والسياسي، وباتت صور البدايات، في الكثير من تفاصيلها، مجرد أحداث من الماضي.

 

1 / من الدفاع إلى الهجوم

شهدت الساعات الأولى من الهجوم الذي شنته الكتائب التابعة لخليفة حفتر على طرابلس، يوم 4 نيسان/ ابريل المنقضي، تسارعا كبيرا في الأحداث على الميدان وعلى منابر الإعلام. فعلى مستوى الميداني، تم تسليم مدينة غريان من طرف كتائب محلية، دون قتال، إلى القوات القادمة، في معظمها، من المنطقة الشرقية، وهو السيناريو، ذاته، الذي جرى في مدينة ترهونة. إثر ذلك تقدمت قوات حفتر إلى التخوم الجنوبية للعاصمة وضربت طوقا من نصف دائرة حولها، بسيطرتها على قصر بن غشير والمطار ووادي الربيع والعزيزية، ووصلت مجموعة منها إلى بوابة 27 على الطريق الساحلي بين الزاوية وطرابلس.

في أثناء ذلك، كانت عشرات الفضائيات الليبية والعربية التي تبث من دبي وعمّان والقاهرة وتونس، إضافة إلى عشرات الصفحات الاجتماعية الممولة، تسابق الزمن بالأخبار العاجلة عن انهيار "الميليشيات الإرهابية" ومقتل وأسر المئات من منتسبيها، وهروب قادتها إلى الخارج، وتروّج لعملية الدخول السريع والسهل إلى طرابلس، وتبثّ احتفالات الأهالي ترحيبا بالقادمين. لم يصمد المشهد الإعلامي والافتراضي كثيرا، إذ سرعان ما توقفت القوات المهاجمة عند المحاور التي وصلتها جنوب طرابلس، فيما تم أسر جميع المهاجمين الذين تقدموا إلى بوابة 27. ولم تمض أيام قليلة حتى تبين أن الكثير مما تم ترويجه لم يجد سندا على أرض الواقع، حيث تحولت المعارك الدائرة إلى عمليات كر وفر واستنزاف، فقد فيها الطرفان أعدادا كبيرة من القتلى، فيما أسر وجرح آخرون.

ظلت حالة الجمود العسكري والاستنزاف المتبادل السمة الغالبة على سير المعارك حتى يوم 26 حزيران/ يونيو، حين شنت القوات المحسوبة على حكومة الوفاق الوطني هجوما سريعا ومفاجأ على مدينة غريان وتمكنت من استرجاعها من قوات حفتر، في غضون ساعات قليلة، وأوقعت فيها خسائر كبيرة، وغنمت أسلحة متطورة قادمة من فرنسا والإمارات ومصر، واستولت على غرفة العمليات المركزية في المنطقة الغربية بما فيها. ومنذ استعادة غريان، حولت قوات الوفاق تكتيكها العسكري من الدفاع إلى الهجوم، في أكثر من محور. فبعد ذلك بشهر شنت الطائرات المنطلقة من الكلية الجوية بمصراتة سلسلة غارات على قاعدة الجفرة، إحدى كبرى القواعد الجوية في ليبيا، واستهدفت منظومة دفاع جوي وغرفة عمليات وطائرة شحن وطائرات حربية. واعترفت، حينها، وسائل الإعلام الموالية لحفتر بأن الغارات أحدثت أضرارا كبيرة بالقاعدة ومعداتها، وهي العملية التي رد عليها الطيران التابع لحفتر بقصف الكلية الجوية في مصراتة.

وفي السياق ذاته، وبعد شهرين من استرجاع غريان، تمكنت قوات الوفاق من صد هجوم شنته قوات حفتر على الأطراف الجنوبية للمدينة، وأوقعت فيها خسائر كبيرة، وأسرت مسؤول غرفة العمليات التي تحولت إلى مدينة الأصابعة. وإثر صد الهجوم تقدمت كتائب من قوات الوفاق إلى الشمال الشرقي من غريان وسيطرت على تموقعات جديدة في منطقة العربان، الواقعة على الحدود الإدارية لمدينة ترهونة. وبعدها بأيام، أعلن عن أكثر العمليات دقة، حيث قتل آمر اللواء التاسع عبد الوهاب المقري واثنين من أشهر القادة الميدانيين في كتائب ترهونة، وهما؛ محسن الكاني وشقيقه عبد العظيم، المشتبه في تورطهما في عمليات قتل جماعي على خلفيات قبلية، وفي الهجوم على طرابلس السنة الفارطة. ويكتسب الأخوان الكاني أهميتهما في معسكر حفتر من خلال قيادتهما لأكبر الكتائب المسلحة في ترهونة، ومساهمتهما في تسليم المدينة، دون قتال، إلى القوات القادمة من المنطقة الشرقية، في الـ4 من أبريل/ نيسان المنقضي.

وفي إطار تطوير الهجوم الذي بدأته قوات الوفاق، أعلن سلاح الجو التابع لحكومة الوفاق توجيه سلسلة من الضربات الجوية الجديدة إلى قاعدة الجفرة، استهدفت غرفة عمليات ومنظومة دفاع جوي وضباطا أجانب، يعتقد أنهم إماراتيون، حيث أكدت مصادر إعلامية إماراتية، بعدها بيوم، مقتل ستة ضباط إماراتيين في حادث لم تحدد مكانه وملابساته. وفي أثناء ذلك، أعلن المتحدث الإعلامي باسم قوات حفتر أن قواته رصدت تحشيدات جنوب سرت، يعتقد أنها تنوي التحرك برا باتجاه قاعدة الجفرة، وقامت بقصفها.

 

2 / آفاق الحسم

تتداول وسائل الإعلام المقربة من حكومة الوفاق الوطني، منذ أسابيع، أنباء عن تشكيل غرفة عمليات مشتركة لتنسيق العمليات العسكرية في مختلف المحاور، كما تتوالى التسريبات عن الإعداد لهجوم شامل بعد وصول معدات وآليات وأسلحة جديدة، عرض بعضها على شاشات الفضائيات، من دولة لم يعلن عنها، يعتقد أنها تركيا. ومن شأن إحداث غرفة عمليات بالمواصفات التي ذكرت، وفي حال صح الخبر، أن تحد من العشوائية التي ميزت الكثير من العمليات العسكرية منذ إطلاق هجوم قوات حفتر على العاصمة، حيث كان أداء العديد من الكتائب أقرب إلى أداء مجموعات المقاومة منه إلى أداء مؤسسة عسكرية بقيادة وتراتبية وتنسيق، وهو ما كبد قوات الوفاق تكاليف كبيرة في الأرواح في أكثر من مناسبة.

وفي الإطار ذاته، لاشك أن استعادة غريان والوصول إلى الحدود الإدارية لمدينة ترهونة وتوالي الضربات الجوية على قاعدة الجفرة الإستراتيجية ومقتل كبار القادة العسكريين في ترهونة، تعد مكاسب ميدانية ومعنوية مهمة لقوات حكومة الوفاق، غير أن كل هذه المكاسب لا تخفي أن قوات حفتر مازالت تسيطر، حتى الآن، على مواقع مهمة على التخوم الجنوبية والجنوبية الشرقية للعاصمة، بينها المطار وقصر بن غشير ووادي الربيع وأجزاء من السبيعة وسوق الخميس امسيحل، إضافة إلى قاعدة الوطية الواقعة جنوب غرب العاصمة، والتي انطلقت منها الطائرات لقصف الزاوية وطرابلس في أكثر من مناسبة، والتي تمثل، زيادة على ذلك، شريانا مهما لتلقي الدعم اللوجستي جوا من المنطقة الشرقية ومن خارج ليبيا.

وعلى صعيد ذي صلة، لم تساهم المكاسب الميدانية التي حققتها قوات حكومة الوفاق، إلى حد الآن، في تأمين العاصمة وسكانها وبنيتها التحتية ومرافقها الخدمية. إذ مازال مطار معيتيقة المدني يتعرض للضربات الجوية والقصف بصواريخ الجراد، بكثافة، وبوتيرة شبه يومية، ما أدى إلى تكرر توقف الملاحة فيه وإغلاق مجاله الجوي. ومازال القصف العشوائي يطول أحياء من العاصمة ومنشآتها الخدمية والاقتصادية والإدارية، ويسبب مزيدا من الضحايا ومن حركة النزوح، خاصة في الأحياء الجنوبية. وفي الآن ذاته، مازالت الكلية العسكرية بمصراتة عرضة للضربات الجوية، وهي التي ظلت بمنأى عن أي تهديد مباشر منذ سقوط نظام القذافي. ورغم أن القصف الذي طال الكلية، عدة مرات، لم يحدث، على ما يبدو، خسائر تذكر، إلا أن رمزية المدينة وقاعدتها الجوية التي تنطلق منها معظم الطائرات التي تستهدف تمركزات قوات حفتر، تجعل من هذا القصف مكسبا إعلاميا ومعنويا.

لا تقتصر العوامل التي تؤجل الحسم العسكري عند ما ذكر، بل تتعداه إلى استمرار الكتائب المسلحة، خاصة الكتائب ذات الهوى السلفي المدخلي في بعض الحواضن الاجتماعية بالمنطقة الغربية في ولائها لحفتر، مثل مدن صبراتة وصرمان وبعض البلدات جنوب غرب العاصمة، وحتى بعض المكونات الاجتماعية بمدينة الزنتان. ورغم أن هذه الكتائب لا تتمتع بوزن عسكري معتبر قياسا بالمدن المجاورة المنخرطة في الدفاع عن طرابلس؛ كالزاوية وزوارة، إلا أن هذا الشرخ ظل يمثل فجوة في الجبهة الداخلية، إضافة إلى مساهمته النسبية في تأمين قواعد خلفية للقوات التي تستهدف العاصمة وحزامها المناطقي والاجتماعي.

 

خاتمــــــــــــــــــة:

بدخول معركة طرابلس شهرها السادس تهاوت آمال معسكر "الكرامة" وقائده خليفة حفتر وداعمية الإقليميين في تحقيق دخول سريع وسهل إلى العاصمة، بعد تمكن قوات حكومة الوفاق من دحر القوات المهاجمة في أكثر من مدينة ومحور، وضرب عمقها العسكري الإستراتيجي في قاعدة الجفرة. ومقابل ذلك مازالت العاصمة ومنشآتها ومطارها، ومدينة مصراتة وكليتها الجوية، تحت تهديد القصف الجوي والصاروخي المتواتر، ما يعني أن الطموح إلى حسم عسكري قريب من أي من الطرفين لا يستند إلى معطيات موضوعية، خاصة إذا وضع في الحسبان تحكم التدخل الإقليمي المباشر في الكثير من مجريات الأحداث.

 

خليفة حداد (باحث في الشأن الليبي)

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك