القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

معركة الدّولة و  الفساد بين الضرورة والاستحالة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2017-06-20 11:10:01 | 142 مشاهدة
ملخّص

الفساد في معناه الاصيل هو  ان يُصاب الكائنُ في جوهره فينحلُّ ويتلاشى، وفي معناه السياسي هو ان يستغل المسؤول عن ادارة شؤون الدولة منصبه في تحصيل منافع خاصة له. وفق هذين المعنيين نفهم ان الفساد نقيض العمران ومُعطل للنمو والتطور. لا يمكن ان نواجه ثقافة الفساد والاستثراء الغير مشروع الا بمشروع مجتمعي مُتكامل تكون فيه المصلحة العامة هي القيمة الاسمى في المجتمع، وهذا المشروع يجب ان يتبناه المجتمع ككل وتُوظف فيه كل مؤسسات الدولة: التعليم والاعلام والثقافة والقضاء من اجل خلق مواطن جديد لا يخلط بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، ولا يعتبر ان مال الشعب غنيمة وان السلطة وسيلة. لا يستطيع ان يولد هذا المواطن الجديد الا من خلال عقد اجتماعي جديد بين الافراد والدولة، تكفُّ بمقتضاه الدولة على ان تكون مجرّد شرطي يحمي الاغنياء والفاسدين من غضب المُفقّرين والمقهورين، ويكفُّ فيه الفرد من ان يكون مجرد رقم ناقم على الدولة والمجتمع ويتحيّن الفرصة للاستثراء الغير مشروع.

 مقدمة
مازال الفساد يملأ الدنيا ويشغل الناس في تونس، من" قانون المصالحة" الي حملة "مانيش مسامح" الي ما اعلنه السيد يوسف الشاهد من "حرب على الفساد". يدرس المقال  سقف هذه "الحرب" وحدودها، وذلك ببيان ان الفساد بنيوي في تركيبة النظام القديم ، وهو ما يعني صعوبة مقاومته جذريا، ويمكن ان  يكون  اقصى ما يمكن ان يُنتهي  اليه  السيد رئيس الحكومة يوسف الشاهد هو القبض على البعض من صغار المهربين او الذين ينتمون الي الدائرة العاشرة من الفساد. ان استفحال الفساد مؤذن بخراب العمران وانهيار الدول، وانه لا يمكن التغلب على هذه الآفّة الا  بانشاء عَقد جديد بين الفرد والدولة مضمونه المواطنة: ان يقوم الفرد بواجباته تجاه الدولة فيدفع الضريبة ويحترم القانون في مقابل ان تضمن الدولة سيادة القانون وتطبيقه على الجميع.     
الفساد:  مرضُ الدُّول العُضال
يُميّزُ علماء الاجتماع والانثروبولوجيا الفساد بكونه فعل يهدفُ لجنى الارباح والامتيازات، سواء كانت مادية ام رمزية، كتحصيل مواقع في السلطة او في الادارة او الاعلام. ويتميّز هذا الفعل دوما بوقوعه وفق "قانون الصمت"، اي هو فعل مُتستّر دوما  ومُتخفّي، وذلك للاسباب التالية: اولا  لان الفساد، مثل ما يُشير الي ذلك معناهُ العامّي، انحلال اخلاقي وانحطاط قيمي، ولا يستطيعُ  الفاسدُ ان يجاهر بفعله خشية ان يفقد راس ماله الرمزي الذي بفضله شغل ذلك المنصب. ثانيا، لان الفاسد يحتاجُ دوما الي وضع "شبه الدولة" و"شبه القانون"، حتى يظل المواطن العادي في حاجة الي قضاء شؤونه، وحينها يتدخلُ الفاسد، صاحب الموقع الرمزي، فيعرض عليه، او يُجبره بطرق شتى،  على قُبول/الانصياع  ل"خدماته". واخيرا، يجب ان يبقى الفساد "قلم سرّي" حتى يظل مُربحا لاصحابه. وعلى سبيل البُرهان بالخُلف، لو فرضنا ان كل الموظفين في ادارة مُعينة فاسدون، فان ذلك ، وفقا لقانون المُنافسة الحرّة، سوف يؤدي الي انهيار في قيمة العُمولة، لذلك غالبا ما نجدُ حربا ووشاية واتهامات مُتبادلة بالفساد بين الفاسدين انفسهم. وللفساد اشكال شتى، غير انه علينا ان نستعرض اكثر اشكاله طرافة، لانها تتخفى تحت ستار اخلاقي، فتظهر على انها اكثر بُعدا عن الفساد. منذ الخمسينات من القرن الماضي، درس عالم الاجتماع والانثروبولوجيا الفرنسي، "مارسال موس" الهبة او الهدية،(le don) وخلُص الي ما يلي : لاشيئ مجاني في التعامل البشري، والهبة التي تتغلّفُ بغلاف عاطفي او ديني او اخلاقي، ما كان صاحبها ليعطيها لو لم يكن يتوقعُ بان تعود عليه باضعاف مضاعفة. فالذي يدفعُ  عوضا عنك ثمن القهوة، انما ينتظر منك اشياء لا علاقة لها بالقهوة،، والمُهرّب الذي يهدي تلفازا الي الديواني او القاضي، انما ينتظرُ منهما ان يتدخّلا لانقاذه عند الحاجة، الي ان نصل الي الرئيس الذي يَمنحُ الاوسمة والنّياشين للكُتاب والصّحافيين والمُثقّفين، والدول التي تهدي الحافلات المُستعملة او "تضمن" في دول اخرى حتى تتحصّل على قروض. في الخطاب او السلوك البشري، لا شيئ بلا معنى، كذلك الامر في التعامل البشري، لا شيئ بلا ثمن.
الفساد في بنية الحُكم
يبدو ان الفساد لصيق بالطبيعة البشرية، لذلك يكون تخيّل مجتمع خال تماما من الفساد هو محض يتوبيا  او اسطورة. ولكن،في المجتمعات ذات الديمقراطيات المُطمئنّة والمؤسسات الراسخة، تظل هذه الظاهرة مُحاصرة ولا تُهدد النسيج الاجتماعي بالانحلال، اما في المُجتمعات المُتخلفة فسرعان ما يتحوّلُ الفساد الي "روح السيستام"، اي الاسمنت الذي يشُده ويؤبّده. والمقصود ب"السيستام" هنا هو النظام السياسي والاقتصادي و النظام الاجتماعي. يٌقسّمُ "بيار بورديو"، في كتابه "ارستقراطية الدولة" السلطة الي حقُول:  حقل المال والاعمال، والحقل السياسي، وحقل الادارة وحقل الاعلام. ما ينظّمُ العلاقة بين هذه القوى هو "قانون الزّبونية"، اي تبادل الخدمات وتقسيم المنافع:  يُموّلُ صاحب المال والاعمال السياسي، فيكتري القاعات في النّزُل الفاخرة لتنظيم الاجتماعات السياسية، ويدفعُ  كراء المقرّات الحزبية، ويشتري القنوات الاذاعية والتلفزية، ويدفعُ نقدا لشراء الصحفيين ، وفي المُقابل يتعهّدُ السياسي بغض النظر عن الفساد والسرقة التي يرتكبها الراسمالي، كما يتعهّدُ باعطاء الراسمالي المشاريع دون مُناقصات، وباعفائه من الضرائب، وبالاقتراض على حساب الفقراء وإعطاء الاموال لمن موّلوه. ان ننتظر مَحاربة الفساد من حزب خلقته الفئات التي كانت ولازالت، منذ الاستقلال الي الآن، تَسيطر على الثروة والسلطة  والمواقع، هو ان ننتظر من نفس الحزب ان يُحارب نفسه، وهذا خُلف صريح.  امّا الادارة فتتم رشوتها بالامتيازات من طرف السياسي، حتى تظل وفية له: السيارات الادارية، والمنازل، والاجور الخيالية التي  تصل الي 19 شهر في بعض المؤسسات. ان الادارة هي العمود الفقري لاي "سيستام" سياسي، وهي ما نُعبّرُ عنه احيانا تعبيرا مُبهما ب"الدولة العميقة".  ويلعبُ بعضُ الاعلاميين وبعضُ القنوات او الصحُف الدور الذي اطلق عليه   "بول نيزان"  وصف "كلاب الحراسة"، الذين "ينبحُون" على كل من يهدد السيستام ويُشيطنونه ويُشوّهونه، ويجتهدون في قصف الراي العام بقضايا وهمية  لا علاقة لها بقضايا الناس، وبالطبع لاشيئ مجاني في التعامل البشري. تجتهد هذه القوى الاربع من اجل تابيد "السيستام"، لان في ذلك تأبيد لمصالحها وامتيازاتها. و يورّثُ كل حقل ابناءه  المواقع التي كان يشغلها الآباء، لذلك تجد ابن السياسي سياسيا، وابن الراسمالي راسماليا، وابن الصحافي صحافيا، ولقد افاض "بيار بورديو"، في كتابه "الورثة" في تحليل هذه الظاهرة. وحدهم المُتضررون هم من يقعون خارج دوائر السلطة الاربع، اي "الشعب الكريم": العمال وصغار الموظفين والفلاحون والعاطلون والفقراء و ابناءهم من التلاميذ والطلبة. يصبحُ الفساد "روح"السيستام، عندما يكون النظام السياسي بدون اي شرعية تشُدُّهُ وتضمنُ تماسكه، لا شرعية شعبية يستمدها من برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، ولا شرعية "تاريخية" يستمدها من نضالات المُمسكين بالسلطة.  حينها لا يبقى غير قانون الزبونية: يقوم المال الفاسد بصناعة الحزب السياسي والنفخ فيه وايصاله الي الحكم، في مقابل ان يحمي الحزبُ الفاسدين. في هذه الحالة ليس هناك اي فاصل بين السياسي والفاسد: انهما شركاء في السلطة وشركاء في النهب. وقد عبّر عن ذلك معاوية ببلاغة حين خطب في مناصريه قائلا "انه ليس بيني وبينكم غير المؤاكلة الحسنة والمُشاربة الجميلة".
الفساد مؤذن بخراب العمران
 "دولة الفساد" سرعان ما تتحوّل الي  "دولة العصابات". عندما تصبحُ الدولة  عاجزة  عن افعال الضبط والمُراقبة والمُعاقبة، فيفقد الفرد الثقة في القانون والمؤسسات ويرتدُّ الي حالة ما قبل الدولة.  ولان الطبيعة تأبى الفراغ، لذلك تظهر قوى بديلة عن الدولة تمارس السلطة وتحمي الافراد الذين يدخلون في مجالها: تظهر القبيلة والعشيرة والطائفة والعائلة في مواجهة  الشكل الغير مشروع من العنف الذي تمارسه العصابات وامراء التهريب و"بانيدية" الاحياء والمُنحرفين الذين يسيطرون على الطرق ووسائل النقل. تكمن خطورة هذا الوضع في كون هذه القوى الجديدة  أصبحت تقوم بمهام الدولة في الامور التالية: انها تحمي حياة الفرد واملاكه (الاتباع)، وثانيا  في كونها  اصبحت تقومُ بمقاضاة الجاني حسب عُرفها (الثار او الفدية) وثالثا لان الفرد اصبح مُلزما بان يدفع لها ضريبة مقابل خدماتها واخير، يصبح الولاء لهذه القوى "ما تحت الدولة" وليس للوطن، وهو ما يعني اننا سُرعان ما نجد هذه القوى قد تسلّحت واصبحت لها جيوش من ابناء الحي او القبيلة او العشيرة. ولن يدوم الوضع حتى يستوقفنا مراهق مُسلح معلنا باننا قد دخلنا المجال الحيوي الذي يسيطر عليه الامير "فلان"، ولا مناص حينها من دفع ضريبة على الراس، واخرى على البضاعة. ولان السلطة  والقوة لم تعد تتمركز في يد الدولة، وانما  قد تقسّمت على الجميع فلا مهرب من التصادم ومن الحرب الاهلية.
في البدء... كانت الفوضى
اساس الدولة، في الفكر السياسي الحديث، هو التّعاقد، وهو اتفاق بين الافراد، يخرجون بموجبه من حالة الفوضى الي حالة الدولة والقانون. حالة الفوضى هي حالة الطبيعة، وتتميّز بخضوع الانسان لاهوائة وغرائزه ورغباته: انه يريد ان يمتلك كل شيئ وان يسيطر على الجميع، وليس له في ذلك من وسيلة غير قوّته. هنا، يمتدُّ الحق حيثُ تصل القوة. يفهمُ الانسانُ الفوضيُّ الحرية على انها غياب الحُدود الخارجية، اي حرية مُطلقة، لذلك غالبا ما نسمعُ هذه العبارة من افواه العوام "انا حر افعل ما اريد".
ولان جميع الافراد، في حالة الفوضى، يحتكمون الي القوة ويفهمون الحرية بذلك الشكل، فلابد من التصادم بين القوى، نتيجة التنافس الحاد على جمع المكاسب. انها على حد عبارة "توماس هوبس" حرب الكل ضد الكل، حيثُ يجدُ القوىُّ دائما من هو اقوى منه، يقتلهُ ليفتكّ امواله، طالما ان الحق مؤسسا على القوة. عندما يصل الافراد الي الاقتناع بان حالة الفوضى تُهدد وجود الجميع، بدون استثناء، يقومون بالعقد الاجتماعي. يقولُ روسو بان التعاقد يُشكّلُ تغييرا جذريّا في نمط وجود الافراد: يرتقي بموجبه الفرد من حالة الحيوان الخاضع للغريزة الي درجة الانسان العاقل، ومن حالة الانعزال الي درجة المواطن، ومن الحرية المُطلقة الي الحرية المُقيّدة بالقانون، ومن الخوف من الاخر الي احترام الاخر، ومن حالة الحيوان الشّره والجّشع والقاتل الي درجة الكائن الاخلاقي. يُلخصُ روسو بنود هذا العقد في البند التالي:" اتخلّى عن كل قوّتي وعن جميع حقوقي وعن حريتي المُطلقة (اسباب الفوضى) وأُفوّض امري كله الي الدولة، شرط ان تتخلّى انت  ايضا عن ذلك كله، ونُفوضُ امرنا الي الدولة". سوف نعودُ الي كلمة "شرط ان تتخلى انت". ما يهمنا، الان، هو ان الهدف من تأسيس الدولة هو حماية حق الحياة وحق الملكية وحق الحرية في اطار القانون. بنود العقد تحتوي، منذ البداية على المساواة امام القانون، وتُعطي، منذ البداية، السيادة المطلقة للدولة على جميع الافراد. لا احد فوق القانون ولا احد اقوى او اضعف من الاخر، ولا احد اقوى من الدولة، والا عُدنا جميعا الي حالة الفوضى. تعني كلمة "شرط ان"، انه في حالة ما تجاوزتَ انتَ القانون واعتديتَ عليّ وفي نفس الوقت  لم تُعاقبك الدولة (التي فوّضتُ لها امري) فانه من حقي ان اعود الي حالة الطبيعة، وادافع عن نفسي بقوتي الخاصّة، اي ان ينهار العقد الاجتماعي. انه في الحالة التي يقتلُ فيها الاقوياء ابناء الفقراء، ويسرقون اموالهم، ويُفقّرونهم ويأخذون منهم، علاوة على ذلك، الضرائب المُجحفة، ويتجاوزون القانون، ومع ذلك لا تتدخّلُ الدولة لارجاع الحقوق لاصحابها، في هذه الحالة، يبطُلُ العقد الاجتماعي، وما  على الافراد الاّ ان يعيدوا تشكيل تعاقد جديد، ونظام سياسي واجتماعي جديد يضمن  تطبيق القانون على الجميع.
خاتمة  
 نجاح حملة الحكومة  على الفساد رهن  شموليتها  حتى تتجنب الانتقائية. ففي دولة القانون لا احد فوق القانون. وخطر الظاهرة على مستقبل الدول والشعوب ليس اقل عتوّا من الجوائح المناخية. بل ان الكوارث الطبيعية تكون ظرفية  ولكن الفساد مرض مزمن عضال ينخر اوصال الدولة من الداخل ويحرمها نقطتيْ سنويا  نمو حسب خبراء الاقتصاد،  ويحرم التهرب الجبائي -منفردا - خزينة الدولة 15 الف مليار. وقد عكست الانتخابات الاخيرة ،التشريعية او الرئاسية، في بلدان أوربية ان نظافة ذات اليد وسيرة المترشح الذاتية    تستلفت الناخب اكثر مما يستلفته برنامجه الانتخابي  لان الحَوكمة موضة العصر الانتخابي .
أحمد الغيلوفي
عن مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية.
  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك