القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

معالم التغيير في السياسة الخارجية الجزائرية الجديدة

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2020-10-13 14:16:00 | 593 مشاهدة

 

مقدمة
في معرض حديثه عن التغيرات في الواقع السياسي الجزائري الجديد قال أحد الدبلوماسيين العرب:" كلما كانت السياسة الخارجية الجزائرية سليمة ونشطة تكون منطقة شمال إفريقيا متعافية "، ويمكن إضافة أمر آخر وهو "أن الجزائر كلما كانت يدها الدبلوماسية والعسكرية ممدودة ومطلوقة ساد السلام في المنطقة واختفت الاطماع الخارجية عنها". تشهد الساحة السياسية الإقليمية اليوم متغيرات مهمة مما أحدث رجة وعي للعقل الاستراتيجي الجزائري وأشعل فتيل التغيير في ملامح السياسة الخارجية، جاء هذا التغير بعد ما آل إليه وضع المنطقة العربية من محاور صراع على خلفية ثورات الربيع العربي وجاء أيضا بعد الحراك الشعبي وبروز طبقة سياسية جديدة ورئيس جديد ومشروع دستور يريد تطوير ديناميكية الدبلوماسية الجزائرية مدعومة بإطلاق يد المؤسسة العسكرية خارج مربعاتها التقليدية.
الأسئلة المهمة في أفق هذه المتغيرات في السياسة الخارجية الجزائرية هي؛ كيف ستكون علاقة الجزائر بجيرانها؟ وما موقفها من الأطراف الجديدة والفاعلة في المنطقة مثل روسيا وتركيا؟ هل ستفقد الجزائر ثوابتها الدبلوماسية أم هي إضافة ديناميكية جديدة على عقيدتها الدبلوماسية والعسكرية؟

أولا: ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية

ترتكز السياسة الخارجية الجزائرية على ثوابت ومبادئ معلومة في أوساط الدبلوماسية العالمية، فالجزائر دولة لها شخصيتها، فهي دولة غير منحازة، وتملك خبرة كبيرة في فض النزاعات وحل الازمات. فقد كان للدولة الجزائرية الوطنية دوما مكانة بارزة وتأثير فعال عربيا وإفريقيا وإسلاميا، وكانت من أقطاب دول عدم الانحياز، ومن أهم مكونات المحور المناهض للإمبريالية والاستعمار والصهيونية. إن المتابع للسياسة الخارجية الجزائرية يعلم جيدا أن للديبلوماسية الجزائرية دائما بعدا مغاربيا وآخر عربيا يكادان لا ينفصلان إلى جانب البعد الإفريقي. ولا شك أن البعد القومي العربي ظاهر وجلي. وتعتبر محددات ثورة أول نوفمبر 1954 أهم الثوابت في مرجعية الدبلوماسية الجزائرية بما يجعلها دائما في صف الثورات والداعمة لحركات التحرر في العالم. لذلك كثيرا ما تجد طلبا مستمرا على تدخل الجزائر لما لها من ثقل دولي واستراتيجي، فمحيط الجزائر الإقليمي والافريقي كله أزمات.
ومن مبادئ الجزائر كونها لا تقوم بتصعيد الأوضاع بل إنّ ديدنها دائما تفكيك الألغام وتلطيف الأجواء السياسية بين الاشقاء والجيران والبلدان المتجاورة سواء على المستوى العربي أو الافريقي أو حتى الدولي. السياسة الخارجية الجزائرية مسؤولة ولها مصداقية فهي تشعر دائما بالمسؤولية في المنطقة وفي العالم. ولكنها أيضا سياسة منضبطة ومسؤولة وحذرة، فرغم الصراع مع المغرب على الصحراء الغربية إلا أن هذا الصراع لم يتجاوز الدبلوماسية والمساعي الحميدة لفك الشباك وأكثر الأسلحة المستعملة هي غلق الحدود. ومما يشهد به التاريخ أن وزير الخارجية المغربي على سبيل الذكر لا يتحرك من مكتبه عكس وزير الخارجية الجزائري الذي يقضي أكثر من نصف العام على الطائرة في الخارج ونعلم جيدا الزيارات المكوكية للسيد أحمد طالب الابراهيمي في مهماته الدبلوماسية.

ثانيا: دوافع التحولات في السياسة الخارجية الجزائرية

الحراك الجزائري: الانتظارات الدبلوماسية

رفع الحراك المجتمعي الأخير في الجزائر سقف انتظاراته من دور دولته على المستوى الإقليمي والدولي وباتت النخب المجتمعية والسياسية الجديدة في الجزائر واعية بأهمية هذا الدور وإحداث توازن استراتيجي في الساحة المغاربية والافريقية. وقد شهد الحراك الجزائري لافتات وشعارات تريد القطع مع سياسة التبعية الخارجية والتحرر من الهيمنة الفرنسية والانزواء الدبلوماسي. وإن الإحساس غالب عند النخبة المجتمعية والسياسية أن الجزائر خسرت في كثير من الملفات بفعل صراعاتها الداخلية واندراج سياساتها الخارجية ضمن المحور الأوروبي الفرنسي. هناك رغبة وإرادة شعبية في قلب موازين الصورة الخارجية للدولة الجزائرية من لعب أدوار بحجم الجزائر التاريخي وموقعها في المنطقة المغاربية والافريقية.

خطاب الرئيس تبون: الرسائل المشفرة

أشار الرئيس الجزائري المنتخب حديثا عبد المجيد تبون صراحة إلى أهمية التعديل الدستوري وإلى أهمية الملف الليبي واعتبره من المواضيع المستعجلة في بداية عهدته. وقال: لن يحدث أي شيء في ليبيا دون موافقة الجزائر. وقال أيضا إن طرابلس خط أحمر. كما لمح كثيرا في خطاباته الأخيرة إلى أهمية جمهورية مالي، الجارة الجنوبية، في السياسة الخارجية الجزائرية. وعبر غير مرة عن رغبته في تمتين العلاقة مع تونس، وهو بصدد ترتيب زيارة إلى تونس قريبا. كل هذه الرسائل في خطاب الرئيس تبون تؤشر على انفراج في العلاقات الدولية وبوادر تغيير في طبيعة السياسية الخارجية الجزائرية.

ورغم ما يقال عن موقف الرئيس تبون في خطابه الأخير في موقفه المناهض للتطبيع من أنه موقف مبدئي وليس جديدا بل إنه من قناعات الجزائر التاريخية، والقول إن الجزائر لم تفتح مكتبا في تل أبيب عاصمة الكيان الصهيوني أيام هشاشة الوضع الأمني والسياسي الداخلي في فترة التسعينات مثل تونس وبلدان عربية أخرى، فإن توقيت مثل هذا الخطاب في قلب تداعي المحور المعادي للثورات العربية والمتدخل في الشأن الليبي والمهرول للتطبيع، يضع هذا الخطاب في سياق التموقع الجديد للسياسة الجزائرية ويجعلنا نفهم اتجاه البوصلة الجديدة لاختيار الحلفاء والأصدقاء والمواقف.

تبون الرئيس الجديد له مواقف قوية وواضحة الملف الليبي فهو يريد أن يعيد الجزائر إلى الساحة الخارجية، وعودة البعد المغاربي والبعد الإقليمي للسياسية الخارجية الجزائرية. ويعتبر الرئيس تبون في الموقع المناسب لإحداث نقلة في السياسة الخارجية لمعرفته بدواليب الدولة واستيعابه للإرث الجزائري وسيكون وفيا لهذا الإرث.

الفراغ الدبلوماسي وغموض التحالفات

وقد كان لجمود الديبلوماسية الجزائرية نسبيا خلال السنوات السبع الأخيرة من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وغياب الدور الجزائري الفاعل في النيجر ومالي وليبيا الأثر البارز في وضع السلطة الجزائرية أمام ضرورة تغيير دستوري في المجال الديبلوماسي يسمح للجزائر بلعب دورها الإقليمي وحماية حدودها وأمنها القومي. بوتفليقة لم يزر تونس لمدة عشرين سنة برغم العلاقات التاريخية التونسية الجزائرية، وكذلك رئيس الحكومة لم يزر المغرب ومالي ونيجر وليبيا. على أن القدرة على التغيير موازين القوى في ليبيا صعبة بالنسبة للجزائر في الوقت الراهن لغيابها على الساحة الإقليمية مدة طويلة كانت تعيش حالة فراغ دبلوماسي. فالعقل الاستراتيجي الجزائري لم يوسع بعد الخارطة الأمنية إلى مدى أبعد. لقد أثرت العشرية السوداء على تموقع الجزائر في محيطها وعطلتها ملفات السياسية والأمن الداخلي عن لعب أدوار جيو سياسية.

ومن ناحية أخرى يوجد غموض في السياسة الخارجية فالجزائر ليس لها حلفاء واضحين مثلما هو الحال في المحاور الأخرى، فالجزائر تريد أن تكون حليفة الجميع وهذا لا يجدي في الدبلوماسيات الحديثة إذ هي غير واضحة بالنسبة إلى تحالفاتها في ليبيا، فتركيا مثلا اختارت حليفها وهو السراج ومصر لها حليف عسكري وهو حفتر الموجود في الشرق الليبي والسعودية والإمارات وفرنسا اختاروا حلفاءهم في ليبياأيضا. ففي ملف ليبيا مثلا تلعب الجزائر باستحياء وموقفها بات غير واضح وغير صريح للمتابعين.

ساد الفراغ أيضا مرحلة من 2013 إلى 2019 وأضحت الجزائر بعيدة عن الاحداث السريعة في المنطقة مما صعّب عليها بناء موقف بسرعة. إنّ السياسة الخارجية في حاجة إلى تتبّع ديناميكية المعطيات وجرأة المواقف. كما إن الانتقال من مرحلة صياغة موقف وتصميم دور يحتاج إلى وقت من أجل توفير الأدوات والاطر لمحاولة التمركز الاقتصادي سياسيا.

مشروع الدستور الجديد؛ نحو تغيير العقيدة العسكرية

إنّ العلاقات الجزائرية كانت تاريخيّا متجهة نحو فرنسا وأمريكا والصين، وهو ما أتاح القول إن السياسة الخارجية الجزائرية كانت متوجهة بعيدا عن المنطقة. وقد حدثت عدة تطورات على غاية من الأهمية دفعت إلى تغيير العقيدة العسكرية للجيش الجزائري وخاصة بعد الأحداث والتحولات التي وقعت في تونس ومالي والنيجر وتشاد وآخرها الحرب الحالية الدائرة في الجارة ليبيا. والحال أن الجزائر بقيت في موقف المتفرج على ما يدور حولها لأنها دستوريا لا تستطيع التدخل خارج حدودها. ويلاحظ المتابعون أن الجزائر لم يكن لها حضور عسكري خارج الحدود باستثناء المشاركة في حرب جوان 1967 وأكتوبر 1973 بناء على اتفاقية الدفاع العربي المشترك. لقد اقترحت اللجنة الدستورية تعديل الفصل 91 من الدستور وتحويله إلى الفصل 95 الذي يسمح للجيش الجزائري بالقيام بعمليات خارج الحدود لحفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة وبندا ثانيا يسمح لها بالمشاركة في العمليات العسكرية في منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي بالتنسيق مع الحكومات المركزية المعنية. إن «دسترة مشاركة الجزائر في عمليات حفظ السلام تحت رعاية الأمم المتحدة «و"دسترة مشاركة الجزائر في المنطقة على استعادة السلم في إطار الاتفاقيات الثنائية مع الدول المعنية"، وهي دسترة تترجم بالسماح في التدخل العسكري للجيش الجزائري خارج حدود التراب الجزائري. وقد كان للحراك الجزائري الذي أفضى إلى إنجاز الانتخابات الرئاسية الجزائرية الأخيرة في ديسمبر 2019 وكذلك ما كان يجري في جوار الجزائر وتحديدا في ليبيا ومنطقة الساحل الإفريقي الدور البارز في تقديم هذه التعديلات. كما يبدو أن الخيار الدستوري قد طرحه الجيش والمؤسسة العسكرية، فالجيش مازال يلعب دورا محوريا في البلاد.

المتغيرات الإقليمية:

إن كل التفاعلات الداخلية المتعلقة خاصة بالحراك وبالخارجية مرتبطة في المقام الأول بالمجموعات الإرهابية والنزاعات المسلحة في ليبيا وفي منطقة الساحل الإفريقي والتهديدات الإرهابية على حدودها الشرقية في كل من الشقيقتين تونس وليبيا، قد أثر إلى حد كبير في اقتناع الجزائر بمراجعة سياساتها الخارجية ومقومات ديبلوماسيتها وعزّزت الاقتناع بأن ما تشهده المنطقة من تنامي الإرهاب والتدخلات العسكرية الأجنبية أصبح يهدد إلى حد كبير المصالح الاستراتيجية الجزائرية ويمثل خطرا على أمنها القومي وعلى الاستقرار في كامل المنطقة. وهذا التعيين وقبله تصريحات الرئيس تبون كانت بمثابة رسائل موجهة إلى الأطراف الخارجية المتدخلة في المنطقة وفي نفس الوقت إلى المجموعات الإرهابية الناشطة على حدود الجزائر، وهي تفيد بأن الجزائر لن تنتظر وصول الخطر الإرهابي إلى أراضيها وأنها لن تترك أشقاءها وجيرانها لقمة سائغة أمام المجموعات الإرهابية والمرتزقة الأجانب كما أنها لن تسمح بالتدخلات الأجنبية العسكرية ضد إرادة دول المنطقة وشعوبها.

عمليا بدأ التفكير في مراجعة السياسة الخارجية والعسكرية الجزائرية سنة 2003 عند قيام مجموعات مسلحة بخطف سواح من الجزائر وهروبهم إلى الأراضي المالية، وفي 2012 حصلت عملية عسكرية فرنسية في مالي بدعوة من الحكومة المالية لمواجهة إرهابيين لأن الجزائر لا تستطيع التدخل بالرغم من كون مالي تمثل لها عمقا استراتيجيا. وقد كان مبرر الحكومة المالية أنها مضطرة إلى الاستنجاد بفرنسا أمام عدم إمكانية تدخل الجزائر. كما وقع الهجوم الكبير على منشأة الغاز في منطقة عين أميناس أقصى جنوبي الجزائر في يناير 2013، وفي عمليات ارهابية سابقة كان الإرهابيون يعمدون الى الفرار خارج الحدود الجزائرية، فلم يكن ممكنا ملاحقتهم. وعلى إثر هذه الأحداث بدأ يتصاعد ضغط نخبوي جزائري من أجل تغيير سياسة الجيش الجزائري وعقيدته.

ثالثا: ملامح تغير السياسة الخارجية الجزائرية:

عودة الزيارات والاهتمامات الإقليمية:

زار أخيرا وفد رفيع المستوى من الجزائر يتكون من أربعة وزراء فيهم وزير الخارجية موريتانيا من اجل تفعيل التبادل التجاري عبر المعبر الجديد الذي فتح قبل فترة قصيرة مع موريتانيا، أما مع ليبيا فكانت البوابة الاقتصادية هي المدخل الدبلوماسي مع ليبيا، فالسوق الليبية تعطي المناطق الحدودية الحيوية التجارية، وتفعيل اتفاقية شراكة بين شركة الكهرباء الجزائرية وشركة الكهرباء الليبية  ، توجت أخيرا بعث لجنة من خبراء ومهندسين جزائريين لإصلاح محطات الكهرباء في العاصمة طرابلس. وبالنسبة إلى تونس فقد تم توقيع اتفاقية ثنائية تنسيقية أمنية تونسية جزائرية في أوت 2018. وتعتبر تونس الجارة الصديقة، كما تمثل امتدادا أمنيا وتجاريّا للجزائر، ويشهد التاريخ العلاقة الأخوية الوطيدة بين الشعبين. وسيزور تبون في الأيام القادمة الرئيس تونس في رسالة أخوة وتعاون ودعم واهتمام بالبعد المغاربي. وبديهي انه ليس من مصلحة تونس والجزائر أن تكون سياستهما الخارجية في تناقض.

التدخل في الملف الليبي

لأول مرة في التاريخ يسلم الجيش الجزائري قائد أركان القوات البرية قيادة المنطقة العسكرية الرابعة بالحدود مع ليبيا، يلاحظ انه من الناحية التراتبية العسكرية يبدو هذا المنصب قهقرة للقائد العسكري ، لكنه في الحقيقة  تكليف بمهمة استراتيجية بطعم الترقية العسكرية لأهمية المنطقة والملف، ويقوم هذا التعيين على قراءة أمنية وعسكرية جديدة للقيادة الجزائرية. إذ لا توجد أي تطورات عسكرية في الحدود الليبية في الفترة المقبلة. تعرف الجزائر جيّدا الملف الليبي من حيث التضاريس والقبائل والقيادات السياسية والميدانية والحكومات والتاريخ والتوازنات السياسية الداخلية. وهي إضافة إلى ذلك شريك أساسي وفاعل مهم في الملف الليبي. وفي الفترة الأخيرة زار وزير الخارجية الجزائري وتحاور مع ممثلي القبائل استثمارا في الثقة والمصداقية اللتين تتمتع بهما في الداخل الليبي، وفي هذا السياق بات واضحا اليوم الموقف الجزائري من الشقيقة ليبيا، فالجزائر ترفض تقسيم ليبيا ولا تريد واجدا روسيا على الأراضي الليبية وفي حقول النفط. وتم الاتفاق مع السلطات الليبية على المساهمة في بناء القدرات العسكرية والمؤسسة الشرطية الليبية إذا تمت توافقات ليبية ليبية.

التدخل في الملف المالي:

تأتي معظم المعالجات السياسية لمشاكل مالي من الجزائر، وإنّ كل التوافقات بين السلطة والمعارضة في مالي تتم في الجزائر، وتعتبر مالي عمقا استراتيجيا للجزائر إذ يُنتظر منها أدوار كبيرة وكذلك الشأن في النيجر. إن أول اجتماع لمجلس الأمن القومي الجزائري بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة وصعود تبون على سدة الحكم في الجزائر تناول الملف المالي وتصاعد موجة المناهضة للاستعمار الفرنسي. وتتابع الجزائر باهتمام مجريات الأمور في مالي. إنّ الانقلابيين والحراك المالي ليسوا مع فرنسا بل تحدث الانقلابيون مع الروس قبل فرنسا في رسالة عدائية لها. في الأيام الأخيرة وهو عداء تاريخي بين البلدين. حتى إن الماليين من عدم تدخل الجزائر في السابق مما سمح لفرنسا بالتدخل بسبب عدم قيام الجزائر بدورها كما ينتظرون. في المدة الأخيرة، بينما تعدّ العلاقات قديمة وتاريخية بين الجزائر ومالي ومعلوم لدى الشعبين هذا فمثلا يوجد منزل بوتفليقة في مالي. أدى وزير الخارجية الجزائري زيارة إلى باماكو عاصمة مالي وهذا ينبئ ببداية تحول أو إعادة الاهتمام الجزائري بالملف المالي.

ولعلّ ما يؤشر على تغيرات السياسة الخارجية تعامل السلطات الجزائرية الجديد في الملف المالي، في فيفري 2020 دخل الجيش الجزائري إلى مالي مسافة 3 كلم باتفاق مع مالي في عمل مشترك بمناسبة عملية إرهابية لا تبعد عن الحدود الجزائرية أكثر من 500 م ، فالدولة المالية تعتبر من البلدان ذات الهشاشة الأمنية وخاصرة ضعيفة تمثل خطرا على حدودها الجنوبية ، في هذا السياق قام الجيش الجزائري بتمويل الجيش المالي ب 53 مدرعة وهو مؤشر لبداية تحرك ميداني للجيش الجزائري إضافة إلى حضور طائرات عسكرية في مهام مساعدات إنسانية يمهد لتقبل أدوار عسكرية مشتركة وتهيئة الحاضنة الاجتماعية الشعبية المالية.

ويرى كثير من المحللين السياسيين في الجزائر وخارجها أن سبب إدراج بند في الدستور الجزائري يسمح لخروج الجيش خارج الحدود، وهذه قناعة تامة عند النخبة الجزائرية. إذ من المسلمات اليوم أن الملف المالي سيأخذ اهتماما كبيرا في السياسة الخارجية الجديدة للجزائر في المستقبل. والحجة في ذلك توقيع اتفاقية شراكة تجارية باعتبار ان المبادلات التجارية ضعيفة بين البلدين ولعل التوقيت لهذه الاتفاقية بين جارتين تاريخيتين، يأتي ليؤكد تغير السياسة الخارجية الجزائرية تجاه المنطقة وخروجها عن الصمت الدبلوماسي.

الصراع الفرنسي الجزائري

تقوم الجزائر اليوم بمراجعة شاملة اقتصادية وسياسية لأغلب اتفاقاتها مع فرنسا وكذلك الاتفاقيات الجزائرية الأوربية. وقد لاقى الحضور الفرنسي في مالي تململا من الدولة الجزائرية وكذلك الشأن للدور الفرنسي في تونس. وتعتبر الجزائر إن فرنسا تختفي خلف "إيكوس" للضغط على الانقلابيين لرجوع مالي إلى أحضان فرنسا، وتقول إن رئيس الحكومة الجديد في مالي كان عميلا لفرنسا في السابق. والحقيقة إن العلاقات الجزائرية الفرنسية بدأت تسوء مباشرة إثر الحراك وبعده، إذ اعتبر الجزائريون أن فرنسا تريد التدخل في الشأن الجزائري كما تريد المحافظة على مصالحها ومكتسباتها التي غنمتها إبان فترة الاستعمار وبعده من خلال محاولة هندسة المشهد السياسي الجديد الذي بدأ يتشكل إثر الحراك وبناء الجزائر الجديدة. ليس خفيا على أحد العداء التاريخي الجزائري الفرنسي، ولكن ما يزيد تعكر العلاقات هو الموقف الفرنسي المتماهي مع المغرب في الملف الصحراوي وهذا ما تعتبره الجزائر اعتداء سافرا عليها وهو ما لم تتناساه السلطات الجديدة في الجزائر. واليوم يوجد مشروع فرنسي يهدد المصالح الجزائرية بربط المتوسط بالساحل الافريقي ومستعمرات فرنسا القديمة، وتحاول الجزائر التصدي له من خلا ل مشوع مناقض له يربط الجزائر بالساحل الافريقي بمضيق بحري بين المتوسط والمحيط الهادي مثل القناة الجديدة في مصر التي شيدتها في السنوات الأخيرة. وفي نفس المضمار بدأت الجزائر تستبدل مبادلاتها التجارية مع فرنسا بالتعامل الاقتصادي مع تركيا والصين، وكأننا إزاء مشروع كنس التواجد الفرنسي فبي الجزائر. ومعلوم التراشق الإعلامي والتصريحات المتبادلة بين البلدين في الأشهر الأخيرة. يذكرنا ما يحدث اليوم بما جاء في مذكرات مختار ولد دادا حيث قال :«كان ممكنا أن تندلع حرب بين الجزائر وفرنسا في موريتانيا " على خلفية الخلاف حول الملف الصحراوي. واليوم تشهد الجزائر نقاشا حول استشراف معركة أو مواجهة عسكرية بين فرنسا والجزائر.

التقارب الجزائري التركي أو إعادة التحالف التاريخي

لقد بدأ مسار العلاقات الاقتصادية يتعزز بين الجزائر وتركيا من مايو 2006 ،حيث وقعت الجزائر وتركيا على معاهدة صداقة وتعاون ساعد في رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين وزيادة حجم الاستثمارات التركية في الجزائر، حيث أزاحت تركيا فرنسا من صدارة لائحة الاستثمارات الأجنبية في الجزائر، وباتت أول مستثمر بمجموع 3.5 مليار دولار ، خاصة في مجالات البناء والبنية التحتية، وتعهد الرئيس أردوغان في زيارته الأخيرة يوم 26 جانفي 2020 برفع حجم الاستثمارات الى خمسة مليارات دولار امريكي، وبرزت في السنوات الأخيرة مجموعة من المشاريع التركية المهمة ، بينها افتتاح أكبر مصنع للنسيج في إفريقيا، بمحافظة غليزان غربي البلاد) باستثمار يقدر بـ1.5 مليار دولار، كما أقامت الشركة التركية "توسيالي أيرون أند ستيل" في 2013 بوهران غربي الجزائر مصنعا للحديد والصلب، بتكلفة تفوق 750 مليون دولار, وبقدرة إنتاجية بلغت 1.2 مليون طن سنويا من المواد الحديدية، وفي عام 2015، أسست شركة مختلطة تركية جزائرية مصنعا بمحافظة عين تيموشنت غربي الجزائر متخصص في صناعة الفولاذ والقضبان المسطحة كما يتعاون البلدان في مجال الطاقة حيث وقع المجمع النفطي الجزائري سوناطراك في فبراير 2020 اتفاق شراكة استثمار في مجال البتروكيمياء مع الشركة التركية بوتاس لإنشاء مشروع في أضنة التركية بقيمة مليار دولار أميركي.

من خلال الأرقام الاقتصادية يمكن ملامسة الملامح الجديدة للسياسة الخارجية الجزائرية فالأرقام الأخيرة تقول إن تركيا أصبحت المستثمر رقم واحد مع الصين الأول في المبادلات التجارية. لذلك يمكن التأكيد على أن الجزائر أصبحت تعتبر تركيا حليفا رئيسيا في المستقبل، وتعول النخبة السياسية الجديدة كثيرا على مد جسور التعاون السياسي والاقتصادي مع تركيا على حساب فرنسا، ومعلوم أن أول زيارة قام بها رئيس أجنبي إلى الجزائر بعد انتخاب الرئيس تبون كان الرئيس التركي أردوغان، وفي هذا رسالة مهمة لتغير وجهة السياسة الخارجية الجزائرية والانعطافة للعمق الإسلامي التاريخي. ورغم بيانات الجزائر وموقفها الرافض للتدخل الخارجي في ليبيا ومنها التدخل التركي ولكن المشاورات والتنسيق بقي متواترا وحثيثا ومستمرا بين البلدين وتقريبا هناك شبه تقارب في وجهات النظر في الملف الليبي حيث تدرك الجزائر أن تركيا هي الأساس في المعادلة الليبية. وعودا للملف الاقتصادي الملمح الجديد في السياسة الخارجية هو ما أكد عليه الرئيس تبون في إحدى توصياته للحكومة كما جاء في بيان مجلس الوزراء في الأشهر الماضية العمل على تشجيع القطاع الخدماتي على التعامل مع تركيا وإيطاليا. وهو منحى جديد لابد من متابعته في قادم التوجهات السياسية والدبلوماسية للطبقة السياسية الجديدة والمنعرج الحاسم الذي تشهده السياسة الخارجية الجزائرية.

الخاتمة

تجدر الإشارة إلى أن مسألة الأمن القومي الجزائري محل توافق عريض، وأن دور الجيش الجزائري محل اعتزاز وطني كبير. فالجزائر دولة فاعلة ومؤثرة ويعتبر غيابها في السباق الدولي عنصر إعاقة للسياسة الخارجية. كما إن تعافي السياسة الجزائرية تفيد المنطقة. وبالرغم من الحراك الداخلي بقيت الجزائر متيقظة بخصوص ما يجري في ليبيا والساحل الإفريقي. في المحصلة إن ما يحدث في الجزائر اليوم يعبر حقيقة عن حجمها وثقلها السياسي والاستراتيجي في المنطقة. وأن انعطافتها الدبلوماسية وعقيدتها العسكرية الجديدة نحو عمقها المغاربي والافريقي والتاريخي وبحثها عن الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك من خلال التعديلات الدستورية تمثل الخيار السليم لإحداث السلام في المنطقة والاستقرار كما تمثل توازنا استراتيجيا في صراع المحاور.

تقدير موقف (وحدة التقدير السياسي)

 

 

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك