القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مصطلح الإرهاب بين تعدد العلامة واضطراب المفهوم

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-07-23 11:31:00 | 438 مشاهدة

ملخص:

 

لم يعترض أيّ مصطلح لما عرض له مصطلح الإرهاب من دوران في الفضاءات المغلقة والمشبوهة في تحديد ماهيته حتى أصبح دالا على الشيء ونقيضه، حتى أصبح المصطلح رجراجا بعدما أصابه التعويم والتهويم لخدمة أجندات دولية غارقة في الاصطفاف ضدّ الثورات العربية.

 

 

مقدمة:

 

ومن عجيب الصدف أن مصطلح إرهاب ظهر أول ما ظهر في الأكاديمية الفرنسية لوصف حكومة الثورة الفرنسية التي اتخذت شعارها "اشنقوا آخر قسيس بأمعاء آخر إقطاعي". وقد بذلت جهود سواء من فقهاء القانون أو الباحثين في مختلف اختصاصات العلوم الإنسانية أو في الممارسة العملية الدولية في إطار المنظمات والمؤتمرات الدولية المختلفة. وظهرت هذه المحاولات في كتابات الفقهاء وفي القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية.

 

1/  الإرهاب بين ذيوع المصطلح وتعويم المعنى:

 

إنّ  مصطلح "الإرهاب"  يشهد في عصرنا ذيوعا منقطع النظير في وقت تزداد فيه نسبة الجريمة ارتفاعا وأشكالها تنوعا وأصبح الإرهاب واقعا مقلقا ومزعجا. وقد أورد المجمع اللغوي مصطلح الإرهاب وأقره في معاجم حديثة من ذلك مثلا "رهب" بمعنى خاف، وأرهب فلانا بمعنى خوفه وفزعه، والإرهابيون وصف يطلق على الذين يسلكون سبل العنف لتحقيق أهدافهم السياسية. وعرف قاموس"أكسفورد" كلمة الإرهاب بأنها "استخدام العنف والتخويف بصفة خاصة لتحقيق أغراض سياسية". وفي قاموس "روبير" عرف الإرهاب ب "الاستعمال المنظم لوسائل استثنائية للعنف من أجل تحقيق هدف سياسي .

وهكذا يتضح من خلال فهم معنى كلمة الرهبة والرهب في اللغة إنها تشترك في متصوّر الخوف والاضطراب والفزع .. وبذا يكون معنى الإرهاب هو كل عمل عدواني يؤدي إلى إخافة الآخرين، وتكوين الفزع والاضطراب عندهم، بغض النظر عن وسائل تنفيذه ونوعية الفاعل .ويثور الجدل الآن في مختلف أنحاء العالم حول تعريف الإرهاب .. وكل يريد تعريفه من وجهة نظره الخاصة، وبالشكل الذي يمكنه من توظيفه لصالحه. وقد ورد في الطبعة الأولى من كتاب الإرهاب السياسي لشميد" مائة وتسعة تعريفات من وضع علماء من جميع الاختصاصات العلمية، بما في ذلك علماء القانون، واستناداً إلى هذه التعريفات المائة وتسعة، فقد أقدم "شميد" على مغامرة تقديم تعريف في رأيه جمع العناصر المشتركة في غالبية التعريفات: الإرهاب هو أسلوب من أساليب الصراع الذي تقع فيه الضحية كهدف عنف فعال، وتشترك هذه الضحايا الفعالة في خصائصها مع جماعة أو طبقة  مما يشكل أساساً لانتقائها من أجل التضحية بها. ومن خلال الاستخدام السابق للعنف والتهديد الجدي بالعنف،  فإن أعضاء تلك الجماعة أو الطبقة الآخرين يوضعون في حالة من الرهبة هذه الجماعة أو الطبقة التي تم تقويض إحساس أعضائها بالأمن عن قصد، هي هدف الرهبة. وتعتبر التضحية بمن اتخذ هدفاً للعنف عملاً غير سوي أو زمن، وقت السلم مثلاً، أو مكان، في غير ميادين القتال، عملية التضحية أو عدم التقيد بقواعد القتال المقبولة في الحرب التقليدية، وانتهاك حرمة القواعد، هذا يخلق جمهوراً يقظاً خارج نطاق الرهبة ويحتمل أن تشكل قطاعات من هذا الجمهور بدورها هدف الاستمالة الرئيسي والقصد من هذا الأسلوب غير المباشر للقتال هو إما شل حركة هدف الرهبة وذلك من أجل إرباك أو إذعان، وإما لحشد أهداف من المطالب الثانوية "

 

2/  محاولات الإحاطة والتعريف:

سعى دارسو القانون الدولي إلى محاولة تحديد ظاهرة الإرهاب حسب التعريفات القانونية التي اقترحها بعض فقهاء القانون الجنائي الدولي منذ مطلع القرن العشرين والتي بدت غامضة وغير مقنعة أو تلك التي تمّ اقترحها من قبل المنظمات الدولية والإقليمية ولم تلق القبول والرضا والتوافق حولها.

ويعتبر مصطلح الإرهاب بمتصوراته المستحدثة دخيلا على القاموس العربي، إذ بقي عالة على الاستعمال القرآني ذلك أنّ المعنى الأصلي للكلمة لا يتعدى كونه مصدر لفعل أرهب أي خوّف، إلاّ أنّ المصطلح اليوم اكتسب دلالة مختلفة عن دلالته الأصلية تمثل السياسة جوهرها، ذلك أنّه عبر مختلف مراحل التطور الفكري في التاريخ المعاصر اكتسبت عبارة الإرهاب مضمونا سياسيا واضح المعالم. ويمثل هذا المضمون عاملا مركزيا من العوامل الأساسية لزيادة الاهتمام بظاهرة الإرهاب. ولعل هذا الارتباط بالمعنى السياسي هو الذي خلق تعقيدات في دراسة هذا المتصور ما دامت الظاهرة السياسية بطبيعتها متغيرة حسب الظروف وحسب اختلاف الزمان والمكان، ولعلنا نستطيع في محاولة للاستدلال على هذه النتيجة أن نقوم بعملية قياس "الجريمة الإرهابية" و"الجريمة السياسية"، إذ أن هذا المعطى النسبي في كل الحالات، يتغير بتغير أصول الحكم والقواعد التي تحدد علاقة الدولة بمواطنيها. كما أنّ الطبيعة السياسية للجريمة هي التي حسمت القول في وصفها بالمتغير والنسبيّة، وهذه الطبيعة ذاتها هي التي تتصف بها "الجريمة الإرهابية" لذلك يجوز لنا التساؤل عن مدى نسبية هذه الجريمة ومدى تغيرها وتلونها بحسب جملة من المتغيرات الحافة وهو ما طبع هذه الظاهرة بالتعقيد عند دارسيها ومن هذه التعريفات نجد أهم عبارة تصدر عن المؤتمر الأول لتوحيد القانون الجنائي الذي انعقد في مدينة "بروكسال" حيث قٌدّم اقتراح لهذا المتصور تعريفا ركز فيه صاحبه على: "استعمال العنف والرعب كمنهج إجرامي لغاية تحقيق هدف محدد" ورغم ما لهذا التعريف من فضل كونه أشار إلى العنف كوسيلة لتحقيق غاية، إلا أنّ هذا التعريف يعوزه الكثير من الدقة والوضوح باعتبار أنه يجعل العنف والرعب في ذات المتصور إلى جانب كونه لم يركز على الطبيعة السياسية للإرهاب وهو ما سيٌتجاوز في تعريف آخر بعض نواقص الأول ملخّصه إنّ "الإرهاب هو كل جناية أو جنحة سياسية أو اجتماعية تخلق حالة من الخطر العام عن طريق استعمال وسائل خاصة يكون الهدف منها نشر الخوف والرعب". رغم أن هذا التعريف  ينطلق من عموميات دون أن يميز بين الجرائم أو الجنح أو بين الجريمة الاجتماعية والسياسية وكأنه ينزع عن مصطلح الإرهاب كل خصوصية. و مثل هذه التعريفات لا تمكننا من إيلاء الإرهاب كظاهرة اجتماعية سياسية" العناية الحقيقية ولا الإلمام بهذه الظاهرة  ودورها في ضبط حدود المصطلح ودلالته وبالتالي تحديد علاقتها "بالجريمة الإرهابية". لذلك يرى بعض الدارسين في هذا الميدان أن علماء الاجتماع والسياسة أكثر جرأة ووضوح في تحديد معالم هذا المصطلح ومن أهمهم رولان غوشيه الذي حدد الإرهاب بأنّه "لجوء إلى أشكال من القتال، قليلة الأهمية بالنسبة إلى لأشكال المعتمدة في النزاعات التقليدية، ألا وهي قتل السياسيين أو الاعتداء على الممتلكات، بل يذهب الإرهاب إلى أبعد من ذلك، إذ انّه يشكل نسقا في الصراع معلنا بصورة واضحة يرسمه جهازا معينا وينفذه جيش سري" لقد انتقد أحد الفقهاء هذا التعريف معيبا عليه إعطاء الإرهاب مفهوما لا ينطبق إلى على "إرهاب الضعفاء" دون غيره أي الإرهاب الذي يمارسه الأفراد والجماعات ضد السلطات السياسية، وبالتالي فهو يستثني إرهاب الدولة التي تمارسه السلطة السياسية عن طريق مؤسساتها الرسمية، لذلك قدم "توم ماليسون"  تعريفا يحاول تجاوز هذا الإرباك في مستوى الإحاطة والدقة إذ ميز بين الإرهاب الذي قد يشمل أعمال إجرام عادية تهدف إلى الكسب المادي وبين الإرهاب السياسي فجاء في تعريفه أنّ الإرهاب السياسي هو "الاستعمال المنسق للعنف أو التهديد باستعماله من أجل بلوغ أهداف سياسية" فأضاف العنصر النفسي الذي ساهم مليسون في إبرازه للإرهاب كظاهرة متميزة عن ظواهر العنف الأخرى المنتشرة في أنحاء كثيرة من العالم.

 

خاتمة:

من الواضح أن هذا المصطلح على انتشاره بقي رجراجا يقبل التعريف ونقيضه، ويبدو أن إرادة غربية وراء هذا التهويم ليمارس من ورائه دور رسم مسبقا. ولكن الغريب أن العرب لم يولوا هذا المصطلح ما يستحق من الدراسة سواء على مستوى المعاجم أو المراكز البحثية أو الدوائر السياسية وهو ما خلق يؤرة للنفاذ، حتى عُدّ أحد أهم مقومات العمل الإرهابي هو أن يكون منفذ العملية مسلما، ولتفادي هذا الإرباك حاول مؤتمر وزراء الداخلية والعدل العرب تعريفه "الإرهاب هو كل أعمال العنف أو التهديد مهما كان سببها أو هدفها المنظمة التي تسبب الرعب والفزع للناس وتستهدف الممتلكات العامة أو الخاصة...." . إن هذا التعريف كغيره من المحاولات العربية يحاول أن يغضّ الطرف عن المتصورات الحقيقية لهذا الفعل عبر حركة التعويم المصطلحي والتهويم المفهومي إذ كان يرمي هذا التعريف إلى حماية الأنظمة العربية المهترئة دون النظر إلى القضية الفلسطينية التي تعدّ أعدل قضية على وجه الأرض وحماية المقاومة من شطط التعريفات، أو تنزيه الإسلام السياسي ممثلا في حركة الإخوان المسلمين التي أبانت عبر تاريخها الطويل عن سلمية منقطعة النظير، وإن هذا الارتباك المفهومي طفا على الساحة إثر الأزمة الخليجية، وهو ما يحتّم على العرب إعادة النظر في جملة المفاهيم السياسية وليس أهمها مصطلح الإرهاب الذي أصبح شماعة يرهب بمقتضاها القويُّ الضعيف .      

 

د.محمد التومي (أكاديمي وباحث تونسي)

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك