القائمة

نشاطات قادمة

10

أفريل

10

أفريل

بث مباشر

Image

ندوة المبادرة الخاصة و بعث المشاريع لدى الشباب

alternative title

مسار الثورة بعد حصيلة ثمان سنوات ... رؤية واستشرافا

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية| 2019-01-16 10:21:00 | 503 مشاهدة

استضاف مركز  البحوث والدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية الشيخ راشد الغنوشي بمناسبة الذكرى الثامنة للثورة التونسية المجيدة في جلسة حوارية  بعنوان "مسار الثورة بعد حصيلة ثمان سنوات ... رؤية واستشرافا".

وقد قدم الجلسة الحوارية الدكتور رفيق عبد السلام رئيس المركز  الذي رحب بالشيخ و بمحاوره الصحفي الشاب محمد يوسف وبكل الحاضرين الذين واكبوا هذا المنشط بكثافة، واعتبر  د. عبد السلام أن هذه الجلسة تمثل تجربة جديدة للمركز وهي فاتحة جلسات سينظمها المركز في مستقبل أيامه وفق برنامج حواريّ للساسة والمفكرين والفاعلين على الصعيدين المحليّ والدولي وإنما كانت هذه الجلسة ترمي إلى التذكير بمنجزات ثورة ما زالت تناطح الثورة المضادة وتكبح جماحها ليتنفس التونسيون نسائم الحرية ومن ثمة يتفرغون إلى بناء المؤسسات الدستورية في وضع عربي جديد تحتل تونس فيه تجربة فارقة في ظل الرياح العاتية التي هبت ولا تزال على الربيع العربي

توجه الشيخ راشد الغنوشي في مستهل حديثه عن منجزات الثورة خلال ثمان سنوات للحاضرين ومن خلفهم كل المشاهدين بالتحية والتهنئة بالعيد الثامن للثورة التونسية، وهي مناسبة يعتزّ بها الأحرار من التونسيين وما عداهم من سكان المعمورة من أصدقاء الحرية والديمقراطية في العالم.
وبدأ بالتأكيد أنّ الربيع التونسي صنع دون شك عالما جديدا. وكما أسّس سقوطُ جدار برلين عالم الحرب الباردة ونظام القطبين مؤذنا بعصر العولمة وثقافة ما بعد الحداثة، صنع الربيع التونسي عالم ما بعد أنظمة الاستبداد والفساد وثقافة الحرية، باعتبارها لا تَقِلُّ قيمة عن التنمية والأمن.
لقد انهيار النظام السابق فانهارت معه جملة الشعارات التي تأسست على مقولة الأمن قبل الديمقراطية، وافتضحت الصورة الحقيقية عن مؤشرات التنمية المغلوطة والإنجازات المضخّمة.

وبفضل الثورة التونسية لا أحد اليوم في العالم بإمكانه أن يبرر الاستبداد أو يؤلّف القصص والحكايات عن شعوب الشرق الأوسط المسكونة في نظر بعض المستشرقين بمُتخيَّل جماعي مطبّع مع الاستبداد. إن هذه الشعوب التي استجابت لنداء الحرية وفي مقدمتها الشعب التونسي دفعت ثمنا باهظا لتتخلص من أنظمة قمعية، وليصبح الحديث عن الثورة بنجاحاتها وإخفاقاتها، مشروعا أمكن تحقيقه، لا حلما رومانسيا أو مشاريع احتجاجية بلا أفق وتبقى الثورة التونسية منتجا تونسيا غير قابل للتصدير ولكنه ملهم للشعوب لتختار نهجها الثوري ومسارها الانتقالي. ولا يفوتنا في هذا السياق أن نجدّد دعمنا للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحررية عادلة، طالب الشارع الثوري التونسي يوم 14 جانفي 2011 بتحريرها عندما ردّد بصوت عال "الشعب يريد تحرير فلسطين"، كما نحيي كل الثورات وحركات التحرر وسعي الشعوب لنيل حريتها وتجسيد إرادتها. وكما كل ذكرى يستعاد نفس السؤال: هل كانت ثورة حقا؟ وكيف يمكن الحديث عن ثورة دون قيادة أو خلفية إيديولوجية؟ وكما تساءل الأستاذ عياض بن عاشور كيف تكون الثورة دون إزالة النظام القديم بالكامل والتأسيس لنظام جديد؟

نحن نقول إن الأمور في تونس قد تغيّرت، فمن كان يتصور قبل سنوات قليلة مثلا، أن يلقي راشد الغنوشي الذي كان مجرد التلفظ باسمه جريمة، أن يلقي محاضرة بين أبناء شعبه وفي ظل نظام سياسي تحتل فيه النهضة -التي كانت الهدف الأساسي للاستهداف الأمني والقضائي والإعلامي- مكانة محورية في إطار ديمقراطي قوامه التعايش وإدارة الخلاف بالحوار والتوافق وفي إطار مؤسسات دستورية منتخبة بصورة شرعية. ولكنني أشاطر الأستاذ عياض بن عاشور فيما قاله في كتابه "ثورة في بلاد الإسلام" من أنّه "لم يكن بوسع الثورة التونسية أن تذهب بحكم طبيعتها إلى أبعد مما ذهبت إليه
كان ينقصها لحسن الحظ الكثافة المذهبية للثورات الأيديولوجية والهيكلة التي تميز الثورات الحزبية والعنف الملازم للثورات المحاربة".ولكنّ الثورة التونسية حضرات الأخوة والأخوات لم تكن مجرد انتفاضة أو هَبَّة شعبية، بل ثورة حقيقية بدأت احتجاجا على إحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه رحمه الله، ولم تتوقف بعد هروب الرئيس المخلوع حتى نجحت يوم 27 فيفري 2011 بفضل اعتصام القصبة 2 في اقتلاع النظام من جذوره والذهاب نحو مرحلة تأسيسية انتهت بانتخابات 23 أكتوبر 2011، لتبدأ مرحلة جديدة انتهت بدورها بإعلان دستور الجمهورية الثانية في 26 جانفي 2014 لتتواصل مسيرة تركيز مؤسسات الثورة في سياق توافقي أصبح بمثابة روح الثورة. ولم نكن نحتاج إلى تحطيم الماضي بكل ما فيه ولا تعليق المشانق لنقول إنّ تونس شهدت ثورة.. على العكس، نحن اليوم أمام نموذج لثورة ذكية عرفت كيف تشقُّ طريقها بأخفّ الأضرار والأثمان
بعد ثماني سنوات من الثورة يمكننا أن نقول ونحن معتزون بأن الثورة نجحت لأنها تحولت إلى انتقال ديمقراطي متواصل، وسيتعزّز نجاحها أكثر حين تستكمل نجاحها التنموي. وإنّ الانتقال من الثورة على نظام مستبد إلى انتقال ديمقراطي متوازن وراسخ تَحَدٍّ كبير كان من الممكن أن تكون نتائِجُهُ أفضل على أرض الواقع لو توازن الانتقال السياسي والمؤسساتي مع الانتقال التنموي الاقتصادي. وهنا اسمحوا لي أن أقدِّم لكم بعض معالم هذا النجاح وأن أشارككم شيئا من النقد الذاتي للتجربة باعتباري رئيسا لحزب شارك ويشارك بفاعلية في هذا المسار. وإني أدرك جيِّدًا حجم الشيطنة التي تتعرض لها الثورة. وأَشَدُّ ما يؤلمني كما قال النائب أحمد الصديق مؤخرا أن ينسى الأشخاص الذين ينعتون الثورة التونسية بثورة البرويطة أنها حررتهم قبل أن تُحَرِّرَ الشعب التونسي من الاستبداد والفساد، للأسف هي أقلية فالشعب التونسي مهما حاولوا تشويه ثورته متمسك بها رغم الصعوبات الاقتصادية. فكيف نجحنا إذن في التحول من الثورة إلى الانتقال الديمقراطي وكيف يمكننا أن نواصل الانتقال نحو النموذج الشامل أي الديمقراطية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي؟ وأنا أعتقد أن هذا الانتقال الديمقراطي إنما تحقق بفضل النجاحات التالية :

1/ إسقاط قانون العزل السياسي وتحصين الثورة رغم شِدَّة المعارضة، لم يكن من السهل الإقناع بأنّ العزل يورث الأحقاد وأن تحصين الثورة لا يكون بعزل منتسبي النظام القديم بل بإتاحة الفرصة لهم للمشاركة في تونس الجديدة.
2/ الدستور التَوًافُقِي الذي كانت المصادقة عليه بشبه إجماع لحظةً تاريخية بكل المقاييس فهو الآن الخيمة التي تجمعنا وإليه نحتَكَم في إدارة اختلافاتنا.

وهنا أتوقف عند نقطتين:

1/ النظام السياسي الذي برهن على أنه ناجع وفعّال وقادر على ضمان سير عادي للدولة لأنه حقق المطلوب: وهو الحيلولة دون تغوّل السلطة التنفيذية في الأنظمة الرئاسية وكذلك تجنب الصعوبات التي يفرزها تطبيق نظام برلماني في تجربة ديمقراطية فَتِيّة بل هِشَّة.

2/الهوية التي جاءت واضحة في الدستور، توازن بين الحرية واحترام مُقوّمَات الشخصية الوطنية المتجذِّرَة في الثقافة العربية الإسلامية.
نحن نعتقد أن الدستور فتح الباب لمسار تَحدِيثي، لا يمكن فَرْضه بالقوّة والقهر والاستقطاب الأيديولوجي، مسار يُرَسِّخُ ثقافة المواطنة المتصالحة مع الذات الوطنية بما يلبي تطلعات مختلف الفئات من المحافظين إلى العلمانيين مستفيدا في ذلك من خصوصية التنوع في تونس باعتباره تنوعا لا مكان فيه لصراعات حادة إِثْـنِـيَّـة أو عرقية. إنّ التغيير الحضاري الناجح هو البعيد عن الاستفزاز وفَرْضِ الأنماط وخاصة إذا كان ذلك لغايات سياسية انتخابية. وإن التغيير الحضاري يكون بالبحث عن أوسع التوافقات الممكنة بما يُـهَـيِـّئُ للتأويل والاجتهاد حَاضِنَةً اجتماعية وثقافية قوية ومتماسكة.
إننا متأكدون أن رئيس الجمهورية سيكون بإذن الله حريصا على أن تكون مبادرته حول الميراث جَامِعَةً مُوَحِّدَةً نابِعَةً من توافق يعزز الوحدة المجتمعية ومن هذا المنطلق سيكون تفاعلنا معها.

3/ الانتظام الانتخابي، فخلال ثمان سنوات انتظمت أربع انتخابات هي التشريعية في 2011 و2014 والرئاسية 2014 والبلدية 2018. انتخابات تَمَّتْ تحت إشراف هيئة مستقلة واعْتَرَفَ الجميع بنتائجها وهو ما يعني أنَّ تونس قطعت مع تزوير إرادة الشعب وأصبح المواطن حُرًّا في اختيار من يحكمه، وَتَغْيِيرِهِ بالصندوق وهو ما تَمَّ سنة 2014 عبر تداول سلمي على السلطة
وهنا أُؤَكِّدُ بوضوح مَا ذَكَـرْتُـهُ في أكثر من مناسبة أنَّنَا ضِدَّ منطق الأغلبية والأقلية وأن تونس محتاجة بقطع النظر عن النظام الانتخابي إلى حكم توافقي ونحن ملتزمون من جهتنا أيًّا مَا كانت نتيجة الانتخابات القادمة بهذا المبدأ لأننا ضدّ استفراد أيّ طرف بالسلطة.

4/ الحوار الوطني سنة 2013 والذي اسْتَـحَـقّـَتْ من أجله بلادنا جائزة نوبل للسلام التي حصل عليها الرباعي الراعي للحوار. تلك التجربة تحولت الى تقليد راسخ في إدارة الأزمات ويمكن القول إنها باتت من جينات الثورة التونسية.

5/ التوافق الذي عرف ثلاثة أطوار بما يجعله تجرِبَةً أصِيلَةً وليس لحظةً عابرة أو مناورة سياسية على الأقل من جهة النهضة.
الطور الأول كان بعد انهيار النظام ضمن هيئة تحقيق أهداف الثورة والتي جمعت كل مكونات المشهد الثوري، والطور الثاني كان في إطار الترويكا بين النهضة وحزبين علمانيين، وكان الطور الثالث الذي برز فيه مصطلح التوافق بعد لقاء باريس وفترة التعايش بين النهضة والنداء التي نعتبرها ناجحة وثرية ونحن متمسكون بها مستقبلا في إطار الشراكة مع صديقي رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي وباستثمار تجربة الأشهر الأخيرة التي وسعت الائتلاف الحاكم رغم إصرار النداء على أنّه خارجه وعلى أنّ حكومة عمرها شهران تتحمل مسؤولية مرحلة كاملة منذ انتخابات 2014. وإننا نعتبر تجربة التوافق مع سي الباجي وحزب النداء تجربة ناجحة ومفيدة للبلاد والانتقال الديمقراطي ندعو إلى الالتزام بها وتدعيمها، ونُؤَكِّدُ أنَّ دفاعنا عن الاستقرار الحكومي ليس انقلابا على التوافق مع النداء ولا تنكرًا لعلاقتنا مع رئيس الجمهورية وإنَّمَا تصحيحا لمسار من أجل تعزيز الشراكة لا إلغائِـها. وأَيْدِينَا ممدودة اليوم وغدا لكل الأطراف حتى نَسْتكمل ما بقي من أشهر قبل الانتخابات في إطار تعايش جِدِّيٍّ وبناء. وأُؤَكِّدُ هنا بوضوح أنَّ أيُّ بناء ديمقراطي يتطلب توافقا جِدِيًّا ويتطلب أيضا تَحْيِيدَ أجهزة الدولة عن الأجندات الحزبية ولا مجال لقبول أيِّ تداخلٍ بين الدولة والحزب.

6/ دحر الإرهاب ومنعه من تحقيق أهدافه في تونس وقد أثبتت التجربة أنّ الاستثمار في الديمقراطية لا يعني الرضوخ للإرهاب كما أنّ التضحية بالديمقراطية لا تعني النجاح في استئصال الإرهاب. وقد استفاد الفكر التكفيري الإرهابي دون شك من هشاشة الوضع السياسي وضعف مؤسسات الدولة بعد الثورة ولكن بفضل تضحيات المؤسستين الأمنية والعسكرية وجدية القيادة السياسية في التصدي لهذه الظاهرة أمكن لبلادنا كسر شوكتها بعد أن هَدَّدَ الإرهاب الغادر سنة 2013 تجربتنا بشراسة باعتبار الديمقراطية المتعايشة مع الإسلام خطرا على أَجِنْدَتِهِ التكفيرية.

7/ الحفاظ على أركان الدولة والتمييز بين النظام الفاسد والدولة الوطنية التي شَيَّدَتْها أجيال وأجيال وَبَاتَتْ مكسبا لنا جميعا. لقد التزمنا بحماية الدولة من التفكك والاستهداف وأعدنا الاعتبار خلال فترة رئاسة النهضة للحكومة سنتي 2012 مع السيد حمادي الجبالي و2013 مع السيد علي لعريض الاعتبار لمفهوم الدولة باعتباره نقيضا للفوضى التي حاول البعض إعطاءها بُعْدًا ثوريا دون جدوى في مجتمع متجذر في ثقافة الدولة.

الثورة التونسية أزالت نظاما سياسيا ولكنها حافظت على الدولة وموقفنا في النهضة كان واضحا منذ البداية في الدفاع عن الدولة والحكومات المتعاقبة التي لم نكن ممثلين فيها وهي حكومة السيد مهدي جمعة أو التي كان تمثيلنا فيها رمزيا وهي حكومة السيد الحبيب الصيد .
وهنا يتنزل موقفنا من الاستقرار الحكومي سنة 2018 رغم أنَّ تمثيلنا في حكومة السيد يوسف الشاهد لا يتناسب مع حجم النهضة في البرلمان. موقفنا ببساطة هو أننا لا نحتاج حكومة جديدة لأشهر قليلة قبل الانتخابات بل نحتاج تجويد الأداء الحكومي وتطعيم الفريق بدماء جديدة وخبرات مقتدرة.

8/ العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. ورغم أن الحصيلة أقلَّ بكثير من التوقعات لاعتبارات عديدة إلّا أن مسار العدالة الانتقالية خفف من الاحتقان وأعطى للضحايا الفرصة على الأقل للتعبير عن آلامهم. ونؤكد هنا أنّنا ملتزمون بهذا المسار مستقبلا بما يضمن كشف الحقيقة واعتذار المذنب وجبر ضرر الضحايا ومن ثم إعلان المصالحة الوطنية، وكنا تقدمنا خلال الندوة السنوية لحركة النهضة مؤخرا بمقترح لعفو شامل يتضمن الاعتراف والاعتذار وجبر الضرر ونحن بصدد التشاور بشأنه لأننا نرفض أن تتواصل معاناة ضحايا الاستبداد وَهُمْ عاجزون عن كشف حقيقة اضطهادِهِم، كما نرفض أن يعيش من تسبب في الانتهاك معاناة جديدة، والحال أنَّ المطلوب هو طَـيُّ صفحة الأحقاد والذهابِ معًا إلى مصالحة وطنية شاملة، في أقرب الآجال.

حضرات الأخوة والأخوات نحن نتطلع معا إلى مستقبلٍ أفضل نَستَكْمِلُ فيه مسيرة الانتقال الديمقراطي بتركيز الهيئات الدستورية وتحديدا المحكمة الدستورية التي تأخرت دون مبرر يذكر عدَا الاستقطاب الذي يمكن تجاوزه بالتوافق، وإننا نتطلع إلى إغلاق ملف هيئة الانتخابات قريبا والنهضة حريصة على ذلك وهو ما لمسناه لدى أغلب الأطراف الأخرى. وفي تقديرنا فإنّ السنة الحالية التي ستشهد تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستحمل بإذن الله المزيد من الأمل. ولذلك ندعو الجميع إلى التهدئة وتجنب الاستقطاب والتصعيد والشحن، وندعو إلى ميثاق إعلامي يُرَشِّدُ الممارسة الإعلامية ويضمن توازن الرأي والرأي الأخر عِوَضَ حملات الشيطنة. وأقول لأصدقائنا في الجبهة، كُفُّوا عن الاستثمار في الكراهية والتباغض والتحريض وتقدموا للشعب ببرامج جِدِّيَّة. كُفُّوا عن المزايدات التي لا طائل من ورائها، وأنتم أدرى الناس بذلك. وإنّ استكمال الثورة لن يتحقق إلّا بتحقق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي والتشغيل والعناية بالجهات المحرومة. وللأسف فنحن إزاء وضع صعب في ظل انخرام التوازنات المالية وارتفاع الدين الخارجي وتراجع ثقافة العمل مقابل تزايد الاستهلاك وإغراق البلاد بالماركات الخارجية التي تُـسَبِّبُ نزيفا للعملة الصعبة. ورغم المؤشرات الإيجابية في التصدير والاستثمار الداخلي والخارجي والسياحة فإننا نتابع بانشغال تراجع قيمة الدينار. ونحن نحتاج جُهْدًا وطنيا للدفاع عن عُمْلَتِنَا. وندعو إلى تسريع المصادقة على قانون الصرف وكذلك التَوَجُّهِ للتونسيين بالخارج لتشجيعهم على الادخار في تونس بِعَائِدٍ مرتفع. كما نرى من العاجل رفع التَضْيِيقَات الإدارية عن بيع العقارات للأجانب مهما كانت جنسيتهم مع اتخاذ ما يلزم من احتياطات للحد من المضاربة وحماية المقدرة الشرائية للمواطن التونسي.

إنّ خيارنا الاقتصادي هو الليبرالية الاجتماعية ورفع القيود عن حرية العمل والمبادرة مع ضمان حقوق العمال بالفكر والساعد والقضاء على كل أشكال التشغيل الهش. وللأسف قد تكون النخبة السياسية أضاعت كثيرا من الوقت والجهد في المعاذرك الحزبية ولكن يجب أن ندرك جميعا أننا لا نمتلك في تونس ثروات طبيعية هائلة يمكن أن تمنحنا إمكانية تحقيق الثروة دون عمل واستثمار..ولكن نمتلك ثروة الفرد والعقل- حضرات الأخوة والأخوات ، في ختام هذه المداخلة الاحتفائية بالثورة أتقدم بالشكر إلى مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية ورئيسه الدكتور رفيق عبد السلام، كما أشكر الأستاذ محمد اليوسفي، على هذه الفرصة التي أتيحت لنا لنتحاور حول ثورة نعتبرها نموذجا ناجحا رغم الهنَّات والنقائص.
نحن متفائلون بأن تكون هذه السنة محطَّةً جديدة في انتقالنا الديمقراطي وفي مسيرتنا بإذنه تعالى نحو الانتقال التنموي الشامل بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتّى تكتمل ثورتنا المباركة وندخل دورة جديدة لاَ مستقبل فيها بدون حرية ولا كرامة، وبدون تنمية وشغل وبدون مستوى من العيش اللائق.

الجزء الثاني من الجلسة التي أريد لها أن تكون حوارية يسأل الصحفي محمد يوسف الشيخ راشد أسئلة يستوضح بها مسارات الثورة وبرنامج حركة النهضة لاستكمال هذه المسارات.

1/ بعد عقود من النكوص جاءت الثورة لتحرر الشعب من عنف الدولةك هل تحققت مقولة دولة الشعب أم شعب الدولة بعد كل هذه السنين؟

جواب: إن الحرية هي الأساس المجتمعي وهي جوهر الكرامة وقد توج الانتقال الديمقراطي بجائزة نوبل للسلام وهو مجهود يحسب للشعب ولذلك فإن أطروحة دولة الشعب هي التي حققتها الثورة .

2/ ما هي الأهداف التي تحققت

جواب: لقد فصلت ذلك في معرض كلمتي وإن ما تحقق هو اكتمال المسار الديمقراطي والانتقال من ثمة إلى المسار الاجتماعي الذي سيبدأ من انتخابات 2019 والذي يتطلب إصلاحات موجعة في الاقتصاد لم تستطع الحكومات السابقة تنفيذه بسبب ضعفها ، ولا بدّ للاقتصاد أن ينتقل من حالة الهشاشة إلى الاستقرار والتنمية ولا بدّ أن توفر الحكومة كل المستجدات لهذه الطفرة .

3/ هناك من يعيب على حركة النهضة الرؤية الاقتصادية والسياسية التي تطبقها الحكومة؟

جواب: لسنا نحن من نقرر برامج الحكومة بل اننا الجانب الأقل عددا والأقل تأثيرا في برامجها. ولا بدّ من حوار اجتماعي كما حدث في الحراك السياسي توافقيا . وأنا أأكد أن الإتحاد والنهضة لا يمكن أن يتصادما لأن قاعدتنا الاجتماعية واحدة ، وإن القدرة الشرائية اهتزّت وكل ذلك يتم بالاحتجاج ثم الحوار مع الحكومة في إطار الممكن الذي تسمح به الحالة الاقتصادية وأنا على يقين أن الوطنية ستتغلب على المصلحة في آخر المطاف.

4/ أحد السفراء  تحدّث عن حزبين في تونس هما حزب حركة النهضة وحزب الاتحاد فما معقولية هذا الكلام؟

جواب: إتحاد الشغل ليس حزبا ولكنه منظمة عريقة ولها أبعاد وطنية ولعل ما قام به الجيش في بلدان مشرقية قام به الاتحاد عندنا في إطار الخصوصية الوطنية . وإن الثورة حاولت تعديل العلاقات الاجتماعية من خلال تعديل العلاقة بين الأطراف والمركز وقد خرج رؤساء من قرى غير معروفة في أطراف قصية من الجنوب . ولكن ذلك ظل منقوصا وهو ما سنعمل على استكماله.

5/ هل أضاف لقاؤك مع رئيس الجمهورية أخيرا إلى العلاقة بيتكما ؟

جواب: لم تحدث قطيعة بيني وبين سي الباجي  ولا بين أطراف الحكم لأن القانون الانتخابي لا يمكن أحدا من الحصول على الأغلبية . وإن الحديث عن إقصاء النهضة حديث واهم وإن مجرد التفكير فيه هو نكوص عن المسار الديمقراطي وعودة إلى الاستبداد. وإن تونس الثورة لا تتم إلا بكل مكوناتها التي أسسها لقاء باريس.

6/ تقصد اللقاء اللغز؟

جواب: أنا لا أعتبر أن هذا اللقاء لقاء ملغز ، بل هو انحناء النهضة للعاصفة (عاصفة الثورة المضادة) وإن لقاء باريس هو جزء من الحرب على الثورة المضادة من أجل استكمال المسار الثوري وقد ساهم في حلحلة الواقع السياسي بعد فترة صعبة بعد اغتيال البراهمي، وتبين لنا أن منطق العزل السياسي لا يمكن أن يتم في تونس وقد رفضت النهضة هذا النهج الذي يورث انشقاق المجتمع بمنطق "كلما أتت أمة لعنت أختها" ولذلك رفعنا مشروع المصالحة الإدارية الذي تقدم به رئيس الدولة ، ولتشبث النهضة بمقولة الاستقرار ذهبت بعيدا في التوافق مع الباجي ومع النداء ، وإننا لم نعلن انتهاء التوافق رغم أن الباجي قد أعلن ذلك وفي المستوى العملي مازلنا في حالة شراكة. ولا نعتبر أنه ثمة تداخل بين مهمات رئيس الحكومة ومهمات رئيس الدولة فلكل منهما صلاحياته، ولا يكون التوافق مع واحد منهما على حساب الآخر .

7/ هل ترى أن الباجي قد أخرج قضية الجهاز السرّي من أجل إحراج النهضة؟

جواب:   القضاء هو الذي سيحكم متى رأى ضرورة لذلك ، ولا بدّ من احترام هذا الجهاز  القضائي حتى لا نعود إلى محاكمات ابن علي التي كانت تجرى على شاشات التلفزة ، ومن جهتنا فإننا ملتزمون بعدم ابتزاز القضاء، لأننا أحرص على ظهور الحقيقة لكل الاغتيالات ، ولكن للأسف أن الجهد ينصب على تشويه النهضة والوصول بها إلى المحطة الانتخابية ضعيفة .

8/ ما علاقة النهضة بمصطفى خذر؟

كنا حزبا سريا منذ 1981 إلى أن قامت الثورة ، وأنا أأكد ألا وجود لتنظيم سري في حركة النهضة بمعنى وجود مجموعة إجرامية تتقارر بينها من أجل الاغتيالات وغيرها ، وأنا متأكد أن القضاء سيكشف الحقيقة كاملة ليبين كذبهم على النهضة، ومصطفى خذر ليس مجرما فهو رجل عسكري ظلم في عهد ابن علي وله علاقات بأفراد من النهضة وقد عوقب باشتغاله بما لا يخصه ، وإن هذه الحملة سابقة لأوانها من قبل الجبهة الشعبية، والحال أن تونس مثلها مثل السفينة التي متعلم داخلها فنّ التعايش السلمي، ولكن ما العمل إذا كان فريق سياسي ( الجبهة) يريد أن يرمي فصيلا سياييا مهما في البحر ؟ إنه لا يمكن أن يتم ذلك دون تعرض السفينة للخطر .

9/ ما هي اقتراحاتكم في الاجتماع الأخير في قرطاج بحضور الحزام الأساسي المؤيد  للحكومة ؟

جواب: من أهم القرارات  الاتفاق على المضيّ قدا نحو استكمال الهيئة الانتخابية وانتخاب هيئة المحكمة الدستورية بما أنها تمثل ضمانة للمسار الديمقراطي في مستقبل الأيام .

10/ هل ستترشح لرئاسة الجمهورية ؟

جواب: لا ليس لي طموح في الرئاسة بل سنتفق على شخصية توافقية من داخل الحركة أو خارجها وإنما اعتمدت السيدة يمينة في تصريحها على القانون الذي يسمح لي بالترشح ولكنني لست معنيا بذلك ، ولم نعلن حتى الساعة عن أي اسم لذلك لا كمال مرجان ولا غيره .

11/ هل يمكن أن يكون يوسف الشاهد شريكا للنهضة والحال أنها دعته للإعلان عن عدم ترشّحه والتفرغ لعمله؟

جواب: إن يوسف الشاهد شاب واعد اختاره الرئيس لهذا المنصب ونحن تعاملنا معه وليس بيننا عقود شراكة ولكنها حكومة ماضية في مهمتها إلى الانتخابات القادمة ، أما بعد 2019 فلم نطرحه للنقاش ونحن ضدّ استغلال أجهزة الدولة لطرف ما ، والمعلوم أننا خرجنا سنة 2013 من الحكم وأقمنا حكومة محايدة وعندما فكر مهدي جمعة في الترشح وقفنا ضدّه وقد انسحب من أجل ممارسة طموحه السياسي والشاهد معني بهذا المطلب وإننا في ظرف خاص ونحتاج من الحكومة أن تتفرّغ لمهامها الدستورية .               

12/ أعلنتم عن برنامج لما بعد هيئة الحقيقة والكرامة، ما هي أهدافه؟

جواب: هذا من الموضوعات المهمة التي قطعت فيها الهيئة خطوات ولكنها لم تستكمل المسار لا مع الضحايا ولا مع الجلادين وهو ما لم يستكمل في عهد ابن سدرين ولم تغلق هذه الملفات وقد أحيلت العديد من الهيئات دون أفق وقد أقيمت محاكمات دون حضور الجلادين والقتلة ولم نسمع شهاداتهم ولا طلبهم المسامحة ولذلك فإن هذه المبادرة لا بدّ لها من تفعيل .

متابعة د. محمد التومي

 

  • شارك:
  • كلمات مفتاحية:
alternative title

مركز الدراسات الإستراتيجية والديبلوماسية

هي مؤسسة بحثية تغطي مجالا إقليميا واسع النطاق ، يشمل دول المغرب العربي والفضاء الإفريقي والمجال المتوسطي، مع الاهتمام بالشأن التونسي، وللمركز مقران رئيسيان بلندن وتونس… ويعمل المركز على تقديم مساهمات جادة في مجال البحوث الإستراتيجية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.

التعليقات

أترك تعليقك